معنى العبادة الحقيقي والمغيّب / ما أبعد فرق المسلمين عن {إيّاك نعبد}!
صبحي جنجل – 2025-01-18 / آخر تحديث: 2025-01-31
قائمة المحتويات
- 1. فقرة-1 مقدمة
- 2. فقرة-2 غموض معنى العبادة بصورة عامة
- 3. فقرة-3 جولة مع تخبّطات العلماء في تحديد العبادة
- 4. فقرة-4 مناقشة أقوالهم، العبادة = الدعاء، التوحيد، الطاعة، قول ابن تيمية
- 5. فقرة-5 "ما هي أفضل العبادات؟" / كيف ضلّوا عن فهم طبيعة العبادة!
- 6. فقرة-6 معنى العبادة الواضح السهل / وترجمتها إلى الإنجليزية والألمانية
- 7. فقرة-7 أول ثلاثة موارد لجذر ع-ب-د
- 8. فقرة-8 تعقيب: التقابل بين العبْد والربّ / اعبدوا ربّكم <2_21> / رب العالمين <1_2>
- 9. فقرة-9 ما هي هُويّات المسلمين وانتماءاتهم؟
- 10. فقرة-10 التأكيد على معنى المِلكية في العبادة
- 11. فقرة-11 الهوية والانتماء والولاء لدى العبْد / معنى العبْد ليس بالسوء المُتخيّل / توسّع في معنى الجذر
- 12. فقرة-12 ما علاقة {وبالولدين إحسانا} بإفراد الله بالعبادة؟
- 13. فقرة-13 النسبة إلى الربّ / الربّانيون والربّيّون
- 14. فقرة-14 صبغة الله / كذكركم آباءَكم / حزب الله
- 15. فقرة-15 كيف تبدّل معنى الدين / الولاء والبراء / أنا والثالوثيون
- 16. فقرة-16 مَن مالكك؟ ماذا يملكك؟ / عبادة غير الله / عبادة الشيطان
- 17. فقرة-17 كيف أضاعوا العبادة بتعريفاتهم
- 18. فقرة-18 كيف جعلوا الله عبداً لهم!
- 19. فقرة-19 الخاتمة؟
- بداية الكتابة ، أما تاريخ بداية البحث، فالعليم به الله
- ما تجده بين [* ] هو تعليق مني على نص منقول.
نشر الفقرات الثلاث الأولى مع مسجّل
المسار
https://www.youtube.com/watch?v=UC6kq2rqqXw&list=PLcKb-g8yL6UyQmOTiRn-_-srR1u52El3K&index=1
الفيديو وحده
https://youtu.be/UC6kq2rqqXw
نشر فقرة-4 مع مسجّل
المسار
https://www.youtube.com/watch?v=1DmDeRjj8lQ&list=PLcKb-g8yL6UyQmOTiRn-_-srR1u52El3K&index=2
الفيديو وحده
https://youtu.be/1DmDeRjj8lQ
نشر فقرة-5 مع مسجّل
المسار
https://www.youtube.com/watch?v=JEl95w1Y7qs&list=PLcKb-g8yL6UyQmOTiRn-_-srR1u52El3K&index=3
الفيديو وحده
https://youtu.be/JEl95w1Y7qs
نشر فقرة-6 مع مسجّل
المسار
https://www.youtube.com/watch?v=tJqlndVBiqY&list=PLcKb-g8yL6UyQmOTiRn-_-srR1u52El3K&index=4
الفيديو وحده
https://youtu.be/tJqlndVBiqY
- نشر تتمة النص. حتى الفقرة19. ولعلي أضيف لاحقاً فقرات أخرى.
1. فقرة-1 مقدمة
العبادة أيضاً أضاعوها! أجَل العبادة! العبادة التي جاءت في الفاتحة!
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ <1_5>)
وهذا أول شيء نُسِب لنا البشر، أننا يجب أن نعبد الله.
ثم لدينا أول خطاب مع "يا أيّها الناس"، وفيه ثاني موارد جذر ع-ب-د:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ <2_21>
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ <2_22>
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ <2_23>)
وهذا أول ذكر لنبينا محمد، يذكره الله بـ "عبدنا".
هناك قبله فقط خطاب له، من دون أن يُسمّى بالنبي أو الرسول أو أي شيء:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ <2_6>)
طبعاً العبادة أساسية. ولكن يحسن في هذا البحث والدرس ، أن نستذكر الآيات:
- وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ <21_25> الأنبياء
- وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ <15_99> الحجر
- وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ <16_36> النحل
- مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ <5_117> المائدة
- الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ <11_1>
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ <11_2> هود - وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ <36_22> يس
- وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ <9_31> التوبة
- وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ <98_5> البينة
- قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ <39_11> الزمر
- إخلاص الدين مع العبادة في الآيتين السابقتين وكذلك هنا.
- إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ <39_2>
- قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي <39_14> الزمر
- إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ <39_2>
- وأخيراً نتذكر:
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ <36_60>
وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ <36_61>
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ <36_62> يس
وهناك آيات كثيرة أخرى عن أهمية العبادة (وقد ورد الجذر 275 مرة!)، ولكن مع ذلك أضاع "علماء الإسلام" العبادة!
2. فقرة-2 غموض معنى العبادة بصورة عامة
فما هو معنى العبادة؟ ولماذا غفل الناس عنه؟
أكتب هذه السطور، وأنا أتذكر ما نشرته في السنوات القليلة الماضية. وكنت أركِّز فيها على شيء محدد، ولكني لم أكن أعلم أن هذا الشيء، هو مرتبط ارتباطاً شديداً بالعبادة.
فكنت غافلاً عن معناها الحقيقي، كما تغفل عنها أنت أيضاً.
وأرجو أن تتوقف عن القراءة الآن لتفكّر:
ما الذي تفهمه من العبادة؟ ما معنى {إيّاك نعبد}، {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم}؟
أتحدث عن ذاتي: كان تصوري عن الكلمة غامضاً مرتبكاً. لعل الشيء الوحيد الذي كان ثابتاً لدي: هو أن العبادة هي فقط لله! وأظن أن حال المسلمين، أكثرَهم، مثل حالي تلك.
فالعبادة لله فقط، وهي مرتبطة بأشياء أخرى مثل التوحيد والطاعة والتذلل والخضوع – وما ينثره العلماء من منابر المساجد ومن صفحاتهم على اليوتيوب – ولكن ما هي بالتحديد؟
سبب الفوضى لدى العامة هو الفوضى لدى أهل الاختصاص. وقد ذكرتُ في الفقرة السابقة أنهم أضاعوها!
وهذا ما أريد بيانه في الفقرة التالية. سترى الفوضى والتبعثر لديهم، وهذا سيقرّبك من فهم شيئين:
- معنى العبادة الحقيقي،
- سبب ضياع هذا المعنى!
فاصبر معي قليلاً. واعلم أن المعنى ليس شيئاً بعيداً، فلن أقول بأن العبادة هي الكاريزما أو الكارما أو اليوغا أو – لا أدري ما يقوله المُحدِثون هذه الأيام.
3. فقرة-3 جولة مع تخبّطات العلماء في تحديد العبادة
حتى ترى خطأ أهل الاختصاص لا تحتاج لمعرفة الصواب، بل يكفي أن تقرأ أقوالهم وتتمعن فيها قليلاً. فهي تشهد بذاتها على حالة الفوضى لديهم.
3.1. تعريف للعبادة يحبه السلفيون / ابن تيمية
وأرى أنه يحسن هنا البدء بتعريف للعبادة، يستحسنه السلفيون جداً.
"العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة."
أحببت البدء بهذا التعريف لأنه يمثّل لك حالة المشايخ. هم لا يعلمون ما هي العبادة فجاؤوا بهذا الكلام العام. ولعلهم يقولون أيضاً: تعريف الإسلام: هو اسم جامع لكل ما يحبه الله..
فلمن هذا التعريف؟ ليس لصغير منهم. بل هو لابن تيمية – شيخ الإسلام!
راجع: العبودية، ابن تيمية ت728 هـ، تحقيق: علي حسن عبد الحميد، دار الأصالة - الإسماعيلية، ط3، 1419هـ 1999م، ص19
(ملاحظة: لا أدري لماذا سمّى ابن تيمية كتابه "العبودية"، وهذه الكلمة لا وجود لها في القرآن، وإنما ذكر الله "العبادة"، ذكرها 9 مرات. ولكن لنتذكّر أن ابن تيمية هو مروّج تثليث التوحيد: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات – فهو كغيره يحب الابتداعات.
[لست أرفض استخدام كلمة العبودية، إنما أتعجّب من سبب اختيارها عنوانا لكتابه هذا.])
الذي يهمنا هنا هذه العبارة ليست بتعريف. وطبعاً لا تتطرق إلى معنى العبادة من حيث اللغةُ.
موسوعة الدرر السنية (وهي سلفية) تحاول ذلك. تحت عنوان "المَطْلَبُ الأوَّلُ: تعريفُ العِبادةِ لُغةً" تقول:
"والعِبادةُ: الطَّاعةُ مع الانقيادِ والخُضوعِ والتذَلُّلِ، ولا يَستَحِقُّها إلَّا مَن له غايةُ الإفضالِ، وهو اللهُ تعالى ."
https://dorar.net/aqeeda/358/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84-%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D8%BA%D8%A9
وعبارة "الطَّاعةُ مع الانقيادِ والخُضوعِ والتذَلُّلِ" تتكرر لديهم، ولا أدري ما حبّبها إليهم.
كان هذا تعريفهم من حيث اللغة. ولكن لديهم أيضاً تعريفات من حيث الاصطلاح:
(المَطْلَبُ الثَّاني: تعريفُ العِبادةِ اصطِلاحًا
العِبادةُ في الاصطِلاحِ: اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ ما يحِبُّه اللهُ ويَرْضاه مِنَ الأقوالِ والأعمالِ؛ الباطِنةِ والظَّاهِرةِ . [*هذا، كما ذكرنا، هو تعريف ابن تيمية]
[*إليك الآن هذه الابتداعات التي بنوها على تعريفه]
ومن هذا التَّعريفِ يتَّضِحُ أنَّ للعِبادةِ أربَعَ مَراتِبَ، هي:
1- قَولُ القَلبِ: وهو اعتِقادُ ما أخبَرَ اللهُ سُبحانَه به عن نَفْسِه وعن أسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه، ومَلائِكتِه ولِقائِه، على لسانِ رُسُلِه عليهم السَّلامُ.
2- قَولُ اللِّسانِ: وهو الإخبارُ عنه بذلك، والدَّعوةُ إليه، والذَّبُّ عنه، وتَبيينُ بُطلانِ البِدَعِ المُخالِفةِ له، والقيامُ بذِكْرِه، وتبليغُ أوامِرِه.
3- عَمَلُ القَلْبِ: كالخَوفِ منه، والرَّجاءِ له، وإخلاصِ الدِّينِ له، وغَيرِ ذلك مِن أعمالِ القُلوبِ، والتي هي أفرَضُ مِن أعمالِ الجوارِحِ، ومُستَحَبُّها أحَبُّ إلى اللهِ مِن مُستَحَبِّها، وعَمَلُ الجَوارحِ بدُونِها إمَّا عديمُ المنفَعةِ أو قَليلُها.
4- عَمَلُ الجوارِحِ: كالصَّلاةِ والجِهادِ، والإحسانِ إلى الخَلْقِ .
– https://dorar.net/aqeeda/360)
وهناك كلام كثير في نفس الصفحة، يمكنك العودة إليه.
3.2. الدعاء هو العبادة / حديث / علي جمعة
بالإضافة إلى الغموض في تعريفهم أو تعريفاتهم لدينا إشكال آخر. وهو إغفال مروية لديهم، ينسبونها لنبينا محمد، وأنقل النص عن موسوعة الدرر السنية ذاتها، من قسم الحديث. و "الحديث" (كما يقولون) له نتائج عديدة لديهم، أكتفي بنتيجتين: الأولى لابن باز والثاني للألباني:
(الدُّعاءُ هو العِبادةُ
الراوي : [النعمان بن بشير] | المحدث : ابن باز | المصدر : مجموع فتاوى ابن باز
الصفحة أو الرقم : 112/2 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | أحاديث مشابهة | شرح حديث مشابه
– https://dorar.net/h/ClmYa0XI)
(الدُّعاءُ هو العبادةُ
الراوي : النعمان بن بشير والبراء بن عازب | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع
الصفحة أو الرقم : 3407 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | أحاديث مشابهة | شرح حديث مشابه
– https://dorar.net/h/u79mc6Ee)
فهم يرون أن النبي قال: الدعاء هو العبادة، وبهذا الوضوح. فليست العبارة: الدعاء من العبادة، أو: الدعاة عبادة – بل: الدعاء هو العبادة. فكيف يذهبون إلى كل هذه التعقيدات ويهملونها؟
هل نتهمهم "بإنكار السنة"؟ [طبعاً هم منكِّرو السّنّة على الحقيقة!، وقد فصّلنا من قبل: ahl_hadith.html#sne_qren_allh ]
أما علي الجمعة فهو يذكر ذلك، في تفسيره للفاتحة من موقعه على اليوتيوب.
( سورة الفاتحة | حـ 18 | آية 5 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
– https://www.youtube.com/watch?v=LsF0WqqfLrM )
وكذلك في كتابه النبراس، وتحميله من صفحته:
https://www.draligomaa.com/index.php/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A9/%D9%83%D8%AA%D8%A8/item/1491-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%B3-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A3-%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%A9
https://ia601207.us.archive.org/32/items/dr_364/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%B3.pdf
يقول:
(والحاصل: أن المولى سبحانه سمّى الدعاء عبادة.
[*ويتابع مباشرة بمقطع جديد]
فالاستعانة وهي نوع من أنواع الدعاء عبادة، والعبادة استعانة. [*هذا ما ارتآه] –
النبراس في تفسير القرآن، لفضيلة الإمام العلامة، قدّم له وخرّج أحاديثه أسامة السيد محمود الأزهري، الوابل الصيّب - القاهرة - مصر، 2009، ص247)
وسنتحدث لاحقاً عن جعلهم الدعاء هو العبادة.
3.3. الطاعة / التوحيد / ابن عباس
ولننتقل إلى ابن عباس وله نُسِب الكثير الكثير في التفاسير.
نقرأ في تفسير البغوي (ت 516 هـ) لثاني آيات ع-ب-د: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} <2_21> ما يلي:
({اعْبُدُوا} وَحِّدُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَلُّ [*!] مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَمَعْنَاهَا التَّوْحِيدُ)
وابن عباس ينقل عنه ابن الجوزي (ت 597 هـ) (في تفسيره) وفي نفس الآية:
( وَفِي المُرادِ بِالعِبادَةِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: التَّوْحِيدُ، .
والثّانِي: الطّاعَةُ [*!] ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.)
فابن الجوزي ينسب تأويلَي التوحيد والطاعة لابن عباس، والبغوي ينسب لابن عبّاس: كَلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَمَعْنَاهَا التَّوْحِيدُ!
ما الذي وجدناه؟
العبادة هي: التوحيد أو الدعاء أو الطاعة أو تعريف ابن تيمية: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه…" – وسنرى أيضاً أن العبادة هي التقوى لديهم.
3.4. اقتباسان لمحمد شحرور في العبادة
فكما ترى، هم ضائعون. والضياع زاد مع "علماء الإسلام" الجدد أمثالِ محمد شحرور.
وسأنقل بعض ما جاء في كتابه "الإسلام والإيمان، منظومة القِيَم، الدكتور محمد شحرور، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 1996". جاءنا بهذا:
- (ومن هنا نقول إن على المسلم العابد لله فعلاً، أن يطلب الدنيا كاملة ليعبد الله من خلالها [*!]، ولكي يطلب الدنيا عليه أن يفهم ويعي قوانينها، (قوانين الوجود الكوني والاجتماعي)، فعبادة الله والالتزام بمثل الإسلام العليا لا تتحقق إلا بهذا الفهم والوعي. – ص181)
- (عبادة الله لا تكون إلا خارج المساجد والكنائس والبيع والصلوات، فنحن نفهم أن المساجد والصلاة لذكر الله، وهي لهذا لا تدخل ضمن بنود اللهو، – ص184)
وله غرائب كثيرة.
3.5. تعقيب في للتعرف على مزيد من تخبطاتهم
للتعرف على مزيد من تخبطاتهم، أنقل عن تفسير الماوردي:
({وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ} فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ:
أحَدُها: إلّا لِيُقِرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: إلّا لِآمُرُهم وأنْهاهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: إلّا لِأجْبِلَهم عَلى الشَّقاءِ والسَّعادَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: إلّا لِيَعْرِفُونِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: إلّا لِلْعِبادَةِ، وهو الظّاهِرُ، وبِهِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.)
وراجع أيضاً موسوعة التفسير بالمأثور (معهد الشاطبي)، إذا كنت بعدُ بحاجة للمزيد من التخبطات.
4. فقرة-4 مناقشة أقوالهم، العبادة = الدعاء، التوحيد، الطاعة، قول ابن تيمية
ولننظر الآن في أقوالهم، في تعريفاتهم للعبادة
4.1. قول ابن تيمية
نبدأ بقول ابن تيمية، وقد ذكرنا في الفقرة السابقة فقرة-4 إعجاب الناس لهذا "التعريف"، يقول:
"العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة."
طبعاً هذا ليس بتعريف، وإنما هو تصوير لحيرتهم في تحديد العبادة. والأمر أظهر إذا تابعنا قول ابن تيمية، فهو يضيف بعده مباشرة:
(فَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وبرّ الْوَالِدين وصلَة الْأَرْحَام وَالْوَفَاء بالعهود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَان للْجَار واليتيم والمسكين وَابْن السَّبِيل والمملوك من الْآدَمِيّين والبهائم وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة وأمثال ذَلِك من الْعِبَادَة.
وَكَذَلِكَ حب الله وَرَسُوله [*ذكر الله ورسوله بعد أن ذكر الإحسان إلى البهائم]
وخشية الله والإنابة إِلَيْهِ وإخلاص الدَّين لَهُ وَالصَّبْر لحكمه وَالشُّكْر لنعمه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ والتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْف من عَذَابه
وأمثال ذَلِك هِيَ من الْعِبَادَة لله. – العبودية، ابن تيمية ت728 هـ، تحقيق: علي حسن عبد الحميد، دار الأصالة - الإسماعيلية، ط3، 1419هـ 1999م، ص19)
فيبدو أن ابن تيمية كتب أي شيء خطر بباله.
لاحظ أنه بدأ بأربعة مما يسمونه الأركان الخمسة، ولم يذكر ضمنها الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا وأن محمدا رسول الله. لكن ذكر الصلاة والزكاة والصيام والحج. وهذا غريب.
ثم تابع الكلام في أمور تتعلق بالمجتمع، بأي مجتمع: الصدق والأمانة وبر الوالدين، ومحاربة الأعداء، ثم الإحسان إلى الأقارب، وحتى الإحسان إلى البهائم.
وبعد كلمة البهائم جاء بـ "الدعاء والذكر" و "حبّ الله ورسوله"!
وكأن الاهتمام بأحوال المجتمع هو الأساس لديه، ولذلك أجل حب الله ورسوله؟
وأمر لافت آخر: مع أنه ذكر الإحسان إلى البهائم إلا أنه لم يذكر الإيمان بالآخرة بشكل صريح بل قال بشكل عام "والرجاء لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْف من عَذَابه".
وكنا نبهنا من قبل أن أساس الإسلام في الله واليوم الآخر:
kq1.html
وبالمناسبة: قد تقول: أليست الصلاة لله؟ فهذا ذِكر لله، وبها بدأ ابن تيمية.
أقول: الله يذكرونه فيها، صحيح، ولكن الأساس هو تنظيم المجتمع بالصلاة، وكانت المساجد بمثابة وزراة الإعلام! وكنت تحدثت عن ذلك عند مناقشة عقائد اللالكائي.
[ بعض العبث : ألا يستحق ابن تيمية أن يُعدّ من آباء منظمة PETA التي تستنكر تفضيل البشر على البهائم وترى في ذلك عنصرية. لماذا؟
لأن ابن تيمية ذكر حب الله ورسوله بعد الإحسان إلى البهائم، وهذا في تعريفه للعبادة!]
وبعد، لننظر في هذه الآية:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنتُم مُعْرِضُونَ <2_83>)،
هل استنتج من ذكر العبادة في بداية الآية، أن ما بعدها، مثل الإحسان إلى الأقارب والصلاة والزكاة، هو من العبادة؟ ثم قال: كل ما هو صالح هو العبادة؟
لا حاجة لمزيد من المناقشة لقول ابن تيمية.
4.2. قول الطاعة
قد ذكرنا في فقرة-3 ما نُسب لابن عبّاس أن العبادة في {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} <2_21> هي بمعنى الطاعة!
والحقيقة أنا هذا القول ضعيف. وأصلاً لم أجد عليه إقبالاً كبيراً، ولذلك يضيفون عليه أشياء، مثلَ ما وجدناه في الفقرة ذاتها لدى موسوعة الدرر السنية:
"والعِبادةُ: الطَّاعةُ مع الانقيادِ والخُضوعِ والتذَلُّلِ، ولا يَستَحِقُّها إلَّا مَن له غايةُ الإفضالِ، وهو اللهُ تعالى ."
فهم يضيفون إلى الطاعة "الانقياد والخُضوع والتذَلُّل"، لأنهم بلا شك يعلمون أن الطاعة جاءت في آيات عديدة مع غير الله، مع الرسول وحتى مع أولي الأمر. ولكن تبقى العبارة كاشفة للارتباك لديهم.
ثمّ لو أن الله أراد الطاعة، لقال (يا أيّها الناس أطيعوا ربّكم)، ومفردة الطاعة قرآنية.
ثم انظر إلى ما حكاه الله عن قول نوح:
(قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ <71_2>
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ <71_3>نوح)
والآية مُشعِرة بأن العبادة أعظم من الطاعة.
4.3. قول التوحيد
وننتقل لتعريف آخر، هو مشهور. ويُنسَب أيضاً لابن عبّاس، كما رأينا:
(كَلُّ [*!] مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَمَعْنَاهَا التَّوْحِيدُ)
[ونتذكر أنه قال أيضاً بالطاعة (على ما رَوَوه عنه).]
لماذا قالوا بهذا؟
أحسبهم قرؤوا أن العبادة هي فقط لله، فقالوا: فالعبادة هي التوحيد. ولكن هذا ليس تفسيراً لمعنى الكلمة.
ثم لو كان الإفراد أو التوحيد هو جزء من العبادة، لَمَا كانت إضافته تتكرر في آيات عديدة. نقرأ:
- وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ <2_83>
- قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ <3_64> آل عمران
- قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ <7_70> الأعراف
[* فهم يعلمون أن العبادة لا تتضمن معنى حصرها في المعبود وحده] - وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ <9_31> التوبة
- أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ <11_2> هود
- أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ <11_26> هود
- مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ <12_40> يونس
- وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا <17_23> الإسراء
- قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا <18_110> الكهف
- أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ <41_14> فصلت
- أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ <46_21> الأحقاف
فهل التوحيد هو العبادة ولكنه ذُكِر في هذه الآيات للتوكيد؟!
ثم لننظر من الناحية اللغوية: ما علاقة "عَبَدَ" بالتوحيد؟
على كل حال: كلمة التوحيد فيها إشكال. وحولها تلك الجدالات "القاتلة" – وهناك بِدعة "توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء ووالصفات". فهي أصلاً غامضة، ولا تصلح لتفسير كلمة قرآنية مثل العبادة؛ ونشير هنا: أن القرآن ليس فيه كلمة "وحّد" أو "توحيد".
4.4. قول الدعاء
4.4.1. كيف استدلوا بآية ونسبوا الاستدلال الخاطئ لنبينا محمد
ننظر في تأويلهم للعبادة أنها الدعاء. ولهم في ذلك الأحاديث. وقد ذكرنا ذلك في فقرة-3. ولننتقل إلى صيغة أخرى، أطول، من الترمذي:
(الدُّعاءُ هوَ العبادةُ ثمَّ قالَ [*:] وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
الراوي : النعمان بن بشير المحدث :الألباني
المصدر :صحيح الترمذي الصفحة أو الرقم: 3247
خلاصة حكم المحدث : صحيح
التخريج : أخرجه أبو داود (1479 )، والترمذي (2969 )، وابن ماجة (3828 ))
ومن نفس الموقع هنا "شرح" لهذا الحديث.
برأيك كم سيكون طول الشرح؟
إنه طويل، ولكني أرى في نقله كاملا فائدة، مع أنها ليست أصلاً بشرح!
https://dorar.net/hadith/sharh/35699
(شرح الحديث : الدُّعاءُ مِن العِباداتِ الجليلةِ
[* بدأ هنا التحوير والتحريف: فالنص هو: "الدعاء هو العبادة"، ولكن أصحاب الموسوعة جعلوا الدعاء من العبادات – هكذا بالجمع]
التي حثَّ عليها الشرعُ ورغَّبَ فيها، وفيها يَكونُ العبدُ قريبًا مِن اللهِ تعالى؛
[*وهل هذا مما شكّك أحد فيه؟ ما علاقته بالشرح؟]؛
ففي الدُّعاءِ يَقِفُ العبدُ بينَ يدَيِ اللهِ سائِلًا حاجتَه متوسِّلًا إليه بأسمائِه وصِفاتِه،
[*كالعادة، وقد تحدثنا للتو عن بدعتهم في ثلاثية التوحيد: الألوهية، الربوبية، الأسماء والصفات]
مُتوجِّهًا إليه بقَلبِه، مُثنِيًا عليه بلِسانِه لا واسطةَ بينَه وبينَ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم:
"الدُّعاءُ هو العبادةُ"، أي: مِن أجلِه تَكونُ العبادةُ؛
[* كيف؟ العبادة هي من أجل الدعاء؟]
لأنَّ العبدَ في دُعائِه لربِّه يَكونُ مُعترِفًا بكَمالِ رُبوبيَّتِه وأُلوهيَّتِه [* عدنا إلى "عقيدة" فِرقتهم]،
ويَكونُ مُقبِلًا على اللهِ مُعرِضًا عن غيرِه، يَدْعوه بأسمائِه الحُسْنى لا يَدْعو أحَدًا غيرَه مِن نبيٍّ أو وليٍّ، [*هذه ضد الصوفية، ولا خطأ في ذلك، ولكن هل يلتفتون أيضا إلى انحرافاتهم هم؟]
مُستعينًا به في قَضاءِ حَوائجِه في الدُّنيا والآخرةِ،
ثمَّ قرَأ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم قولَه تعالى: [*فالاستشهاد الخاطئ بالآية ينسبونه إلى خاتم النبيين، وليس لراوي حديثهم
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، أي: اعبُدوني، [* هذا الاستدلال ينسبونه إلى رسول الله!]
وقيل: اسأَلوني؛
لأنَّ الدُّعاءَ إمَّا أن يَكونَ دُعاءَ عِبادةٍ وهو الثَّناءُ على اللهِ بصِفاتِه وأسمائِه، [*كالعادة!] أو دُعاءَ مَسألةٍ، وهي سؤالُ العبدِ ربَّه عزَّ وجلَّ حاجتَه،
وطلَبُ الرَّحمةِ والمغفرةِ، وقولُه تعالى: {أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، أي: أُثِبْكم على عِبادتِكم [*قبلها ورد "ادعوني"]،
وأُعْطِكم ما تَسأَلون؛ {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ}، أي: يَكونون مُتكبِّرين عِن عِبادتي ودُعائي [*لاحظ دمج العبادة مع الدعاء] {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}،
أي: يَكونُ جَزاؤُهم أنَّهم يَدخُلون النَّارَ وعَليهِمُ الذِّلَّةُ والصَّغارُ؛ جزاءَ استِكْبارِهم عن دُعاءِ اللهِ وعبادتِه.
وفي الحديثِ: [*وهذه خاتمة الترقيع] الحثُّ على الدُّعاءِ في كلِّ حالٍ، والوعيدُ الشَّديدُ جزاءَ الاستِكْبارِ عن عِبادةِ اللهِ ودُعائِه. –
https://dorar.net/hadith/sharh/35699 )
وبعد أن انتهينا أذكّر بأن هذا لديهم هو "شرح" للمبعثرة المذكورة!
فماذا نقول؟ بداية نذكر أن المشكلة هنا ليست فقط في السلفية، فقد ذكرنا علي جمعة وكيف استشهد بهذه المروية.
الحقيقة أن الآية التي اختاروها هي دليل على خطأ تأويلهم:
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ <40_60>غافر).
ولو أنهم استنتجوا من الآية أن مَن يُهمل دعاء ربّه هو مستكبر عن عبادته، لَما اعترضنا طبعاً، ولكنهم جعلوا الآية دليلاً أو برهاناً أن الدعاء هو العبادة. بل نسبوا هذا لنبينا محمد. [ثم نجدهم يخالفون هذا الكلام ويأتون بأشياء أخرى.]
وما استدلوا به هو حجة عليهم: إذ لا وجه لتغيير الكلمة، والقول بأن الكلمة الجديدة هي بمعنى الأولى! فالأقرب أن يقال إن المعنى مختلف، ولذلك استخدمت في نفس الآية كلمة أخرى (من جذر آخر).
وقد يُقال إن وضع كلمة "عبادتي" في آية غافر بدلاً من "دعائي" هو من باب التنويع، واستخدام المفردات.
فنقول: إنّا نجد هذه الآية (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ <19_65>مريم) – فلماذا لم ينوِّع الله فيها؟!
فلم يقل: "فاعبده واصطبر لدعائه" وكذلك لم يقل "فادعُه واصطبر لعبادته".
وقد يتكرر نفس الجذر في الآية عدّة مرات، وهذا كثير في القرآن.
ثم لو كانت العبادة هي الدعاء، لكنّا استغنينا عنها في كل القرآن، وكنا قلنا: "إياك ندعو" بدلاً من {إياك نعبد}.
4.4.2. ثمّ من الناحية اللغوية: كيف يكون الدعاء هو العبادة؟ / النظر في الآيات
لعلّك تقول: كلمة دعاء تأتي في سياقات متعددة، ولكن المقصود بالحديث هو دعاء الله، وهذا هو العبادة.
ولكن هذا أيضاً غير صحيح، وليتبيّنْ لنا ذلك من خلال قراءة آيات.
- وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا <2_61>
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا هِيَ <2_68>
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا لَوْنُهَا <2_69>
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا<2_70> - وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ
لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ <7_134> الأعراف
الدعاء هنا لله – فهل هو العبادة؟
هل يجوز أن نقول أن تفسير "ادعُ" هو "اعبُدْ"؟
فيصير لدينا مثلاً: "اعبدْ لنا ربّك يبيّن لنا ما لونها"
لعلك تقول: ولكن الكلام هنا كان منسوبا لأناس متنطعين أو كافرين.
– جيّد، ننظر في آيات أخرى:
- هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ <3_38> آل عمران
- كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ <54_9>
فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ <54_10> القمر - هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا
فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ
دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ <7_189> الأعراف - وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ <44_20>
وَإِن لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ <44_21>
فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ <44_22>الدخان
ما رأيك فيها؟ هل ترضى أن نفسر:
(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) بـ
"هُنَالِكَ عبد زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ العبادة"؟!
هل كان قبلها زكريا يعبد غير الله؟!
وهل تقول بأن تفسير
(فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ)
هو "فعبد ربّه أني مغلوب فانتصر" ؟!
العبادة شيء مستمر، قد يظهر في دعائنا لله أو في غير ذلك. والدعاء يتكرر، وهذا معلوم.
ولا بأس من مزيد من البيان:
(وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ
دَعَانَا [*هل نفسرها بـ "عبدنا"؟!] لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَمْ يَدْعُنَا [*هل نفسرها بـ "لم يعبدْنا"؟!] إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ <10_12> يونس)
الكلام هو عن الدعاء المعروف الذي يكثر في الشدائد. وهناك آيات عديدة في ذلك.
- فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ <29_65> العنكبوت - وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ <30_33> الروم
- وَإِذَا غَشِيَهُم مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ <31_32> لقمان
- فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ <39_49> الزمر
- وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ
وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ <41_51> فصلت
هل نفسّر الدعاء هنا بالعبادة: "فذو عبادة عريضة"؟!
4.4.3. عودة إلى كلمة "الاستكبار":
أرى أننا أطلنا الكلام، ولكن ثمّة دليل آخر يحسن ذكره.
هو متعلق بكلمة "يستكبرون" في الآية، التي استنتجوا منها أن الدعاء هو العبادة.
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ <40_60>غافر).
هم قالوا بأن "عبادتي" هي "دعائي".
فنسألهم هل هناك آية جاء فيها الاستكبار عن الدعاء؟
الجواب: لا.
ولكن لدينا شيء آخر:
- لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا <4_172> النساء - إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ <7_206> الأعراف
- وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ <21_19> الأنبياء
فلدينا 3 آيات أخرى في الاستكبار عن العبادة، وليس لدينا آية واحدة في الاستكبار عن الدعاء. فهل أراد الله في آية غافر وضع العبادة مكان الدعاء لكي يعلّمنا أن العبادة هي الدعاء؟!!
[ونذكر أيضاً هذه للاستئناس:
- قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ <40_48> غافر (نفس السورة التي استدلوا بآيتها)]
4.4.4. خلاصة
فبعد هذا كله يظهر لنا جلياً أن استنتاجهم من آية غافر <40_60> هو خطأ، وقد نسبوه إلى محمد،
وكذلك مقولتهم ("الدعاء هو العبادة") التي نسبوها أيضا إلى نبينا.
لماذا فعلوا ذلك؟ أو لماذا فعل ذلك المفترون القدماء؟
قد يكون السبب "نبيلاً": وهو حثّ الناس على دعاء ربّهم.
وقد يكون السبب خبيثاً: هو تمييع العبادة بحصرها في الدعاء.
وطبعاً هذا ليس مني استهانة في الدعاء، فقد نترك الدعاء، بعد اليأس والقنوط، وقد نستهزئ ممن يقول لنا: لماذا لا تدعو ربك؟ فالدعاء ليس سهلاً، ولكنه ليس هو العبادة ذاتها. بل من آثارها ونتائجها.
(تعقيب: هذا مقطع قصير لصالح الفوزان وهو يقول بالاستنتاج الخاطى الذي افتروه على نبينا محمد.
من صفحته على اليوتيوب:
25/12/2023
عنوانه:
"ما الدليل من القرآن على أن الدُعاء هو العبادة؟ | العلامة الشيخ صالح الفوزان"
https://www.youtube.com/watch?v=E0Nl-XoPgIU)
5. فقرة-5 "ما هي أفضل العبادات؟" / كيف ضلّوا عن فهم طبيعة العبادة!
"ما هي أفضل العبادات؟"
هذا سؤال يطرحه المشايخ كثيراً، ويقدّمون عليه إجاباتهم.
وطبعاً العامّة يلهثون وراء ذلك يريدون أن يعرفوا ما هي العبادة الفُضلى..
فما الجواب الصحيح، يا ترى؟
نبدأ بأن كلمة "عبادات" لم ترد في القرآن.
ولعلك تقول: "لكن الكلمة قد وردت في السنة في أحاديث كثيرة."
ولكن هذا أيضاً غير صحيح – أو هذا ما تبين لي من خلال البحث في موسوعة الدرر السنية.
[ما يُسمّى السنة ليس نصاً محدداً، يمكننا البحث فيه، ولذلك نظرت في تلك الموسوعة.]
فعدد نتائج " عبادات " = 0.
ومع التعريف نحصل على 3 نتائج ولكنهم يقيّمونها هكذا:
- الراوي : - | المحدث : ابن تيمية [*ت 728 هـ] | المصدر : منهاج السنة
الصفحة أو الرقم : 7/495 | خلاصة حكم المحدث : هذا الكلام فيه من الأكاذيب المختلفة ما لا يخفى إلا على أجهل الناس بأحوال القوم | أحاديث مشابهة - الراوي : - | المحدث : ملا علي قاري [* ت 1014 هـ] | المصدر : الأسرار المرفوعة
الصفحة أو الرقم : 123 | خلاصة حكم المحدث : قيل لا أصل له أو بأصله موضوع | أحاديث مشابهة - الراوي : - | المحدث : الزرقاني [*1122 هـ] | المصدر : مختصر المقاصد
الصفحة أو الرقم : 124 | خلاصة حكم المحدث : لا يعرف . وهو بالمهملة والزاي | أحاديث مشابهة
فهي مما لا يُستشهَد به!
المصدر:
- البحث عن "عبادات" بالتنكير: (2025-01)
https://dorar.net/hadith/search?q=%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on#specialist
https://archive.is/wsKpa - البحث عن "العبادات" بالتعريف:
https://dorar.net/hadith/search?q=%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on#specialist
https://archive.is/gEzX2
أليس هذا لافتاً، غيابُ الجمع؟
ولعلك تقول هنا: ولكنه توجد أحاديث تقول "أفضل عبادة …" وهذه بمعنى "أفضل العبادات".
وهذا صحيح، جاءت مثل هذه المبعثرات، ولكن يبقى الأمر غريباً أن كلمة "العبادات" (أقصد الجمع طبعاً) لم تأتِ فيها. فالكلمة شائعة جداً منذ مئات السنوات في كتب التراث. وهناك كتب أُلِّفت في ذلك، ولدينا "فقه العبادات"!
لننظر الآن في تلك المبعثرات التي قالت "أفضل العبادة/عبادة كذا".
ننظر في البداية فقط في "أحاديث حكم المحدثون عليها بالصحة، ونحو ذلك" وَ "أحاديث حكم المحدثون على أسانيدها بالصحة ونحو ذلك" [هكذا في تفاصيل عملية البحث من موقع الدرر السنية].
عندها نحصل فقط على 9 نتائج – وهذا إذا نظرنا في القسم "للمتخصصين" أما في القسم "لغير المتخصصين" فالنتائج: 0.
أنقل النتائج كما هي، لترى أن الكتب التي جاؤوا بها ليست هي الكتب المعروفة (الكتب الستة أو حتى التسعة). نقرأ:
1 - أفضَلُ العِبادةِ انتِظارُ الفَرجِ مِن اللهِ.
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : الدارقطني | المصدر : علل الدارقطني
الصفحة أو الرقم : 2591 | خلاصة حكم المحدث : يرويه بقيَّةُ بنُ الوليدِ، واختُلِف عنه؛ فرواه سُلَيمانُ بنُ سَلَمةَ الخبائِريُّ، عن بقيَّةَ، عن مالِكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ. وخالَفه نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ؛ فرواه عن بقيَّةَ، عن مالِكٍ، عن الزُّهريِّ مُرسَلًا. ولا يصِحُّ هذا عن مالِكٍ بوَجهٍ.
ــــــــــــــــــــــ
2 - عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما: أَفضلُ العبادةِ الدُّعاءُ. وقَرأَ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].
الراوي : مجاهد | المحدث : الحاكم | المصدر : المستدرك على الصحيحين
الصفحة أو الرقم : 1828 | خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح
[* ونتذكر أن ابن عباس قال "كَلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَمَعْنَاهَا التَّوْحِيدُ!"، – راجع فقرة-3]
ــــــــــــــــــــــ
3 - إنَّكم لتغفُلونَ عن أفضلِ العبادةِ التَّواضعِ
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : ابن حجر العسقلاني | المصدر : الأمالي المطلقة
الصفحة أو الرقم : 96 | خلاصة حكم المحدث : حسن غريب اختلف فيه على ابن المبارك والمشهور عنه موقوفاً
ــــــــــــــــــــــ
4 - أفضلُ العبادةِ درجةً عندَ اللهِ يومَ القيامَةِ الذاكرونَ اللهَ كثيرًا.
الراوي : أبو سعيد الخدري | المحدث : السيوطي | المصدر : الجامع الصغير
الصفحة أو الرقم : 1273 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
ــــــــــــــــــــــ
5 - سلُوا اللهَ مِنْ فضْلِهِ، فإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُسْأَلَ، و أفضلُ العبادَةِ انتظارُ الفرَجِ.
الراوي : عبدالله بن مسعود | المحدث : السيوطي | المصدر : الجامع الصغير
الصفحة أو الرقم : 4685 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
التخريج : أخرجه الترمذي (3571)، والطبراني (10/124) (10088)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (1124)
ــــــــــــــــــــــ
6 - أفضلُ العبادةِ الدعاءُ
الراوي : عبدالله بن عباس وأبو هريرة والنعمان بن بشير | المحدث : السيوطي | المصدر : الجامع الصغير
الصفحة أو الرقم : 1275 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
ــــــــــــــــــــــ
7 - سلوا اللَّهَ من فضلِهِ؛ فإنَّ اللَّهَ يحبُّ أن يسألَ وإنَّ أفضلَ العبادةِ انتظارُ الفرجِ
الراوي : عبدالله بن مسعود | المحدث : أحمد شاكر | المصدر : عمدة التفسير
الصفحة أو الرقم : 1/495 | خلاصة حكم المحدث : [أشار في المقدمة إلى صحته]
التخريج : أخرجه الترمذي (3571)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5169) واللفظ له، وابن أبي الدنيا في ((الفرج بعد الشدة)) (2).
ــــــــــــــــــــــ
8 - أفضلُ العبادةِ الدُّعاءُ
الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : الألباني | المصدر : السلسلة الصحيحة
الصفحة أو الرقم : 1579 | خلاصة حكم المحدث : حسن لشواهده
التخريج : أخرجه الحاكم (1805)
ــــــــــــــــــــــ
9 - أفضلُ العبادةِ الدعاءُ
الراوي : عبدالله بن عباس والنعمان بن بشير وأبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع
الصفحة أو الرقم : 1122 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
ــــــــــــــــــــــ
فلدينا وفقا لهذه النتائج 4 خيارات لأفضل العبادة:
- انتظار الفرج من الله
- الدعاء
- التواضع
- ذكر الله كثيرا
هذا، كما ذكرنا، إذا اكتفينا بـ "أحاديث حكم المحدثون عليها بالصحة، ونحو ذلك" وَ "أحاديث حكم المحدثون على أسانيدها بالصحة ونحو ذلك". فإذا أزلنا الحصر وذهبنا إلى كل ما تأتينا به موسوعة الدرر السنية فإننا سنحصل على خيارات 5 أخرى لـ "أفضل العبادة":
- الفقه
- طول الصمت وحسن الخُلق
- العلم
- حسن الظن بالله
- قراءة القرآن
(وجاء "توقع الفرج" بدلاً من انتظار الفرج)
فلدينا صيغ كثيرة، وهذه عادة أهل البعثرة، يبتدعون شيئاً، ثم يغوصون في الفوضى حولَه. (ولك أن تعود إلى يوتوب لتبحث عن العبادات وأحسنها وأعظمها لدى مشايخ البعثرة، لتستزيد من تلك الفوضى.)
كان هذا عن أفضل العبادة. فماذا لدى المبعثرين أيضاً من العبادة أو العبادات؟
لديهم الكثير الكثير.
مثال: عبادة في …؟ نقرأ لدى "حجّة الإسلام" الغزالي:
(وقال رجل لبعض الصحابة من الأعراب وقد خاصمه: لا أحسبك تحسن الخراء [* كذا]، قال: بلى وأبيك إني لأُحسنها وإني بها لحاذِق. – الغزالي ت505 هـ، إحياء علوم الدين، دار ابن حزم 1426 2005، ص155)
وهذا الكلام وما هو أسخف منه جاء في باب "آداب قضاء الحاجة" من قسم "أسرار الطهارة" ضمن ربع العبادات ! وهذا في كتاب يسميه حجة الإسلام "إحياء علوم الدين"!
ــ
مثال آخر: عبادة النظر إلى رجل من كهنتهم
ننظر في عبادة أخرى لديهم:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، [* أي شيء يخطر ببالهم ينسبونه إلى ابن عبّاس] قَالَ: «النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ،
وَالنَّظَرُ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي يَدْعُو إِلَى السُّنَّةِ، وَيَنْهَى عَنِ الْبِدْعَةِ» عبادة
– ابن بطة ت387هـ، الإبانة الكبرى (أو "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة")، دار الراية، ج1، ص343)
ولاحظ أنه يقارن النظر في القرآن بالنظر إلى أحد أعضاء فرقتهم!
ولدينا:
(وقال لي رجل: نظرةٌ عندنا من أحمد [*المقصود: أحمد بن حنبل] تَعْدِل عبادةَ سنة.
– الذهبي ت 748 هـ، تاريخ الإسلام، دار الكتاب العربي، 1413 1992، ج18، ص77)
ــ
ولدينا أيضاً عبادة الجماع؟:
(قال النووي [* ت676 هـ] ـ رحمه الله: فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتَها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به، أو طلب ولد صالح، أو إعفاف نفسه. –
إسلام ويب، هل يؤجر إذا نوى بزواجه قضاء شهوته في الحلال، الأحد 4 صفر 1432 هـ - 9-1-2011 م
https://www.islamweb.net/ar/fatwa/146609/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D8%A4%D8%AC%D8%B1-%D8%A5%D8%B0%D8%A7-%D9%86%D9%88%D9%89-%D8%A8%D8%B2%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87-%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D8%B4%D9%87%D9%88%D8%AA%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D8%A7%D9%84 )
https://archive.ph/WaF76 (2025-01)
أرى أن نكتفي بهذا. والغاية لم تكن التشنيع عليهم، إنما بيان خطأ أساسي في فهمنا لكلمة العبادة، وهو يظهر في ما ذكرناه.
العبادة مُزِّقت وصارت فوضى.
فما هو الصواب؟
لعلك تتوقع بعد ما قلناه، ما أذهب إليه.
وهو أن السؤال أصلاً سخيف (سؤال: "ما هي أفضل العبادات (العبادة)؟")
وإن كان لا بد من إجابة على هذا السؤال، فلا توجد إلا إجابة وحيدة:
أفضل العبادات" هي: عبادة الله، وأي عبادة أخرى من الشيطان!
وقبل أن تتهمني بالتلاعب بالألفاظ، أسألك:
- ما هو أفضل الإسلامات؟
- ما هو أفضل الإيمانات؟
لم تسمع بهذا من قبل. لم تسمع أصلاً بهذا الجمع.
والحق أن جموع المصادر أندر من غيرها. (ولكن يمكننا أن نقول مثلاً: إعلان، إعلانات. وإعلان مصدر على وزن إفعال، مثل إسلام وإيمان.)
فالذي أراه أن جمعهم لكلمة عبادة كان خطأ. وأظن الذي سهّل لهم ذلك هو وجود التاء في نهاية هذا المصدر، فقالوا: العبادات. [وبالمناسبة: تعبير العبادات هو شائع أيضاً لدى خصوم التراثيين. الأمر شامل على ما يبدو.]
لكن اختيارهم الجمع، على طريقتهم خطأ.
جمع العبادات هو كأن تقول: عبادة الله، عبادة المال، عبادة الحاكم، عبادة شيخ الطريقة، عبادة الشيطان، عبادة الجن…
أما قولهم عبادة الصوم، عبادة الحج، عبادة … فلا أراها صائبة.
وما أقوله متصل بمعنى العبادة الحقيقي. فهو اسم للعَلاقة.
ولنقرب الأمر بمثال: لنفترض أنك صديق زيد.
قد تكون هذه الصداقة أفضل صداقاتك ، فصداقتك مع زيد أفضل من صداقتك مع عبيد.
ولكن: لو كنت ساعدتَ زيداً اليوم في مشكلة ما، فإننا لا نقول: هذه صداقة المساعدة.
أو لو أنك مدحتَ صديقك زيداً في غيابه، فلا نقول: هذه صداقة المدح.
ومثلا لو زرته في مرضه، فلا نقول: إنك قدّمت لزيد صداقةَ زيارةِ المريض.
كل هذا معروف وواضح. ولكننا فعلنا ما يشبهه في العبادة!
فالعبادة هي العَلاقة بحد ذاتها، وهذه العلاقة تظهر بأفعال مختلفة. ولكننا لا نقول بأن هذه الأفعال هي العبادة. كما أننا لا نقول: المدح هو الصداقة.
العبادة شيء مستمر. فليس مثلاً كالدعاء (وقد تحدثنا عنه في فقرة-4) الذي يتكرر، وخاصة في الشدائد.
فالعبادة ليست كالدعاء وكذلك ليست كالذِّكر المتكرر.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا <33_41>الأحزاب)
ولا يوجد: اعبدوا الله كثيراً، بل لدينا:
(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ <15_99>الحجر) – حتى الممات.
(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا <19_65>مريم)
فليست القضية: أن تعبد الله في اليوم 5 مرات أو 17 مرة أو 100 مرة في الأفعال: 1، 2، …، 100.
الأمر مستمر. وكذلك صداقتك لفلان. فهذه الصداقة علاقة مستمرة.
لا تقول: أنت صديق زيد في الأفعال كذا وكذا، ولكنك لست صديقه في الأوقات المتبقية. صداقتك أيضاً مستمرة. وحتى وأنت نائم نقول بأنك صديق زيد.
وأذكر هنا للاستئناس: أن كلمة معبَد لم تأت في القرآن، وكذلك لم أجدها في موسوعة الدرر السنية بمعنى مكان العبادة.
وهذا طبيعي. فالعبادة ليس لها مكان – وكذلك علاقة الصداقة ليس لها مكان. وكذلك الإيمان. فليس هناك مكان تكون فيه مؤمناً، ثم إذا تركته زال عنك الإيمان! فالأمر مستمر. ولكنه قد يتفاوت، فالإيمان قد ينقص وقد يزداد، وكذلك عبادته لله.
[ومشكلتنا أن عبادتنا لله ضعيغة جداً، وسنأتي للتفاصيل بعونه.]
وأؤكد أن الأعمال الصالحة التي يذكرها المشايخ هي نتائج للعبادة أو مظاهر لها، فلست طبعاً منكرا لها، ولكنها ليست هي العبادة. هي مرتبطة بها، ولكنها ليست مطابقة لها. كما أن الأعمال الصالحة التي تقوم بها نحو صديقك ليست هي الصداقة بعينها، إنما هي آثار ونتائج لها.
6. فقرة-6 معنى العبادة الواضح السهل / وترجمتها إلى الإنجليزية والألمانية
عرفنا أن العبادة هي عَلاقة. وهذه العلاقة تكون عادة مستمرة.
لكن ما هي؟
ما المقصود بـ {إيّاك نعبد}؟ ما معنى فعل "عَبَد"؟
المشكلة – أو إحدى المشاكل – أظنها تكمن في أنه لا يوجد فعل قريب معناه من "عبَد" – أو فلنقل إني لم أجِد فعلاً قريباً، مثل قرب "سقط" من "وقع" ، أو قرب "أبغض" من "كره".
فلعل هذا ما دفعهم للإتيان بمرادفات خاطئة، بعيدة؟
لم أجد المرادف في العربية. ولكني وجدت ما يقابل "عبد" في الإنجليزية والألمانية. فَأذنْ لي بشيء من الاستطراد – بل ما هو باستطراد! فاصبر قليلاً!
- كيف يترجمون فعل "عبَد" إلى إلإنجليزية؟
يجعلونه serve وهذا بمعنى: خَدَم، وكأننا نقول في الفاتحة "إيّاك نخدُم"!
أو يجعلونه worship، وهذا الفعل يأتي بمعنى التعظيم الكبير (الذي يكون غالباً للآلهة) أو بمعنى تقديم طقوس التعظيم تلك. ونلاحظ هنا أنه يُقال places of worship أي أماكن لهذا التعظيم، وهذا ما يعبّر عنه اليوم في العربية بكلمة "معابد" – وقد بينا في فقرة-5 أن المعنى هذا خطأ. فلا توجد أماكن للعبادة، العبادة مستقلة عن الأماكن!
ولعل هذا المعنى هو الشائع اليوم في مخيّلة الناس، عندما يسمعون الكلمة.
الفعلان serve وَ worship لا أراهما ترجمة لـ "عبد". - فلننظرْ في فِعل آخر، لم أجده في ترجماتهم.
إنه الفعل belong!
ولنتفكّر في هذه السياقات.
- مثل:
The book belongs to me.
أي: هذا الكتاب لي. فهذا للتعبير عن المِلكية.
فحرف الجر، اللام، هنا يعبِّر عن المِلكية، الكتاب في مِلكي. [لاحظ أننا لم نستخدم هنا فعلاً في الترجمة إلى العربية!] - وسياق آخر:
He belongs to a chess club.
أي: هو ينتمي إلى نادي شطرنج. - وآخر:
I felt I belonged there - I was important there.
أي: شعرت أنني أنتمي إلى هناك - كنت مهما هناك.
وهذه فيها معنى الانتماء المعنوي النفسي.
فتشعر بأن هُويّتك في الانتماء لتلك الجماعة في ذلك المكان. فالأمر هنا غير متعلّق بوجود بطاقة انتماء أو انتساب.
فأنت تشعر أن الجماعة هناك هي جماعتك. ومثال آخر مع present participle:
Membership of a group may provide an individual with a sense of belonging.
أي:
قد توفر العضوية في مجموعة للفرد إحساساً بالانتماء.
وهذا الإحساس بالانتماء والولاء هو في منتهى الأهمية – تفكّر فيه!
[الأمثلة المذكورة تجدها هنا:
https://www.ldoceonline.com/dictionary/belong
https://www.merriam-webster.com/dictionary/belong]
- مثل:
ونأتي إلى سياق هام آخر. ففعل belong يستخدم أيضاً للتعبير عن مِلك السيد (الإنسان) لِعبْدٍ :
The slave was a species of property; thus, he belonged to someone else.
أي: كان العبد نوعاً من الممتلكات. وهكذا، كان ينتمي belonged إلى شخص آخر، أي كان في مِلكه.
https://www.britannica.com/topic/slavery-sociology
التصفح: 2025-01
- أظن الأمر صار واضحاً. وأذكر شيئاً لطيفاً حدث معي:
كنت عند دراسة معنى العبادة، وضعت في محرّك بحث:
we belong to you
فكانت أول نتيجة: هي ترتيلة مسيحية. وهي طبعاً لله. بمعنى: "نحن لله".
https://www.youtube.com/watch?v=5n6W1Q-ZeLc
أَجَلْ، فنحن في مِلكه، وانتماءنا وولاؤنا الأول له وهو ربّنا الذي يَرُبّنا
[نقرأ في لسان العرب لابن منظور (ت 711 هـ)
(ورَبَّ ولَدَه والصَّبِيَّ يَرُبُّهُ رَبّاً، ورَبَّبَه تَرْبِيباً وتَرِبَّةً، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: بِمَعْنَى رَبَّاه.)
ولدينا أيضاً:
(وَالْمَطَرُ يَرُبُّ النباتَ والثَّرى ويُنَمِّيهِ)] - ويُقابل فِعل belong في الألمانية فِعل gehören ويأتي في نفس السياقات.
ويأتي أيضاً للتعبير على مِلكية العبد. - فهذا هو مقصدي:
أرى أن ترجمة فعل "عبد" إلى الألمانية الأفضل أن تكون gehören.
وكذلك أن تكون في الإنجليزية هي belong – فهي في رأيي أفضل من worship و serve؛ ولكن لا يوجد تطابق.
ولعل أصحاب الاختصاص لديهم ما هو أنسب. ونذهب الآن إلى آية، يأتي في ترجمتها غالباً الفعلان المذكوران، مع أن الآية ليس فيها فعل!
(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ <2_156>)
في ترجمة Sahih International:
Indeed we belong to Allāh, and indeed to Him we will return.
https://quranenc.com/ar/browse/english_saheeh/2
وفي ترجمة عادل تيودور خوري (1930-2023) Khoury للألمانية:
Wir gehören Gott, und wir kehren zu Ihm zurück.
https://tanzil.net/#trans/de.khoury/2:156
- وَلنعدِ الآن إلى العربية. ننظر في أقوال المفسرين في الآية ذاتها (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ <2_156>)، ونستفيد منها. وأقول قبل ذلك: الآية ليس فيها شيء من جذر عبد. وأقرب موقعين للجذر هما 2_138 و 2_172!
- البغوي: ({الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ} عَبِيدًا وَمِلْكًا)
- لدى الطبري: (يعني تعالى ذكره:
وبشّر، يا محمد، الصابرين الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمنّي، فيُقرون بعبوديتي، ويوحِّدونني بالربوبية، ويصدقون بالمعاد والرجوع إليّ فيستسلمون لقضائي [*…]ويقولون -عند امتحاني إياهم [*…] إنا مماليك ربِنا ومعبودِنا أحياءً، ونحن عبيده وإنا إليه بعد مَماتنا صائرون – تسليمًا لقضائي ورضًا بأحكامي.) - البسيط، للواحدي ت 468 هـ:
(وقوله تعالى: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أي: نحن وأموالنا لله، ونحن عبيد يصنع بنا ما يشاء، وفي {إِنَّا لِلَّهِ} إقرار له بالعبودية ) - الجصاص ت370 هـ :
(فَفِي إقْرارِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ ورِضًى بِقَضائِهِ فِيما يَبْتَلِيهِمْ بِهِ؛ إذْ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ) - الفخر الرازي ت 606 هـ: ({إنّا لِلَّهِ} لِأنَّ في إقْرارِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضَ الأُمُورِ إلَيْهِ والرِّضا بِقَضائِهِ فِيما يَبْتَلِيهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ [*…]
{إنّا لِلَّهِ} يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ راضِيًا بِكُلِّ ما نَزَلَ بِهِ في الحالِ مِن أنْواعِ البَلاءِ،)
- البغوي: ({الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ} عَبِيدًا وَمِلْكًا)
- فالمفسرون فهموا أن عبارة {إنا لله} هي تدل هنا على العبادة، وفيها أيضاً الرضا بقضاء الله.
أنت تبقى بولائك وانتمائك لله – أنت كلّك لله! - ونتذكر ما بدأنا به أني لم أجد فعلاً قريباً من "عبدَ"، فلو اضطررتُ أن أفسِّر {إيّاك نعبد} بكلمتين فقط فلن أستخدم تلك الأفعال التي ذكرناها في فقرة-3 – لن أقول: "إياك نطيع" أو "إياك ندعو" أو "إياك نوحِّد"، بل سأقول: "إنّا لَكَ". (وقد رأينا للتو آية {إنّا لله}).
تنبيه: أيضاً هنا لا يوجد تطابق. لكن {إنّا لله} هي أقرب إلى {إياك نعبد} مما ذُكِر: "إياك نُطيع" أو "إيّاك نوحد" أو "إيّاك ندعو". - وللتثبيت:
نلاحظ أن كل ما قلناه، هو ينطبق على العبد ، في علاقته مع ربّه (سيّده) [قد تأتي كلمة رب العبد للتعبير عن إنسان!].
فهذه العلاقة هي التي كنا نبحث عنها، هي أوّل شيء كان ينبغي أن يخطر بالبال!
وهي علاقة مستمرة، طويلة غالباً. وقد يموت العبد وهو ما زال لدى سيده [نتذكّر: {واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين}].
وعلاقةالعبد بسيده، ليس لها مكان محدد، فالعبد عبد لسيده في كل مكان وفي كل الأوقات.
[تذكّر ما قلناه في كلمة "معبَد" في فقرة-5.]
والعبد هو طبعاً مِلك لسيده.
وكذلك نجد انتماءه إليه، ولاءه إليه، انتسابه إليه.
العبد قد يختار له سيده اسماً جديداً، وهو –العبد– الذي يُسأل: من أنتَ؟، سيقول غالباً: أنا عبد فلان – ولن يقول: أنا ابن فلان وفلانة!
ومما قلنا ينتج أن العبد يطيع سيده.
وكذلك فإن السيد هو المسؤول عن عبده في الدرجة الأولى.
فالعبد يذهب إليه في شؤونه، ويذهب إليه أولاً، فهو "ربّه"!
وربّ العبد يحافظ على عبده.
(وسنفصّل أكثر في معنى العبد ومعنى الجذر ع-ب-د في فقرة-11.)
إن كنت تتعجّب من هذا المعنى. فالسبب أنك كنت تتوقع شيئاً غريباً.
ولكني نبّهتك في فقرة-1، أن المعنى الذي أراه هو قريب جداً. هو أول ما يخطر بالبال – أو أول ما خطر في بال المستمع العربي عند نزول القرآن – كما أرى.
أو لعلك تتعجّب لأنك كنت تتوقع عملاً محدداً (بسبب ما ينشره مشايخ البعثرة)؟ ولكنّا بيّنا بُطلان هذا من قبل (راجع فقرة 5 وما قبلها).
على أيّة حال، لم ينتهِ المشوار، فإننا سنفصّل ونأتي بمزيد من البيان بإذن رب العالمين.
ما يهّمني هنا في هذه الفِقرة، أن نعيَ أن عبادتَنا لله، هي في استذكارنا للتعلق الكامل به:
- أننا مِلكه
- وأن ولاءنا له – أنّ ولاءنا الأول له، إليه ننتمي، في كل الأحوال.
- وأن حالنا كالعبد الذي إذا حدثت معه أية مشكلة فإنه يذهب أولاً إلى سيّده، مالكه.
بل –طبعاً– علاقتنا بالله هي أشدّ وثوقاً.
فالعبادة أعمّ بكثير من كل ما قالوه – العبادة أعمق. كل ما قالوه هو فرع للأصل الذي ذكرناه.
شعورك بأنك لله، بأنك عبد الله، يجب أن يكون هو هوّيتك الأولى! وهذه الهوية هي تمنحك الحرية. [ولعلي أفصل في هذا لاحقاً.]
والهوية هي شيء مستمر {حتى يأتيكَ اليقين}!، كما ذكرنا في فقرة-5 – فليست العبادة محصورةً في أن تقوم بهذا العمل أو ذاك.
وهويتك، شعورك بالانتماء هو الأساس، هو المحرِّك:
إذا كانت الهويّة الصحيحة راسخة فيك، فإن الأعمال الصالحة ستصدر عنك بيسر.
وهويتك هذه: أنّك عبد الله. أنك مِلكه أنك تنتمي إليه، أن ولاءك الأول له، وليس لأي إنسان أو مذهب أو فِرقة، أو هوىً من الأهواء.
إذا كانت هوية العبد متجذّرة في نفسك، فإن ما ذكروه من الأعمال الصالحة هو تحصيل حاصل!
هو ثمار طبيعية، لِما تجذّر في نفسك.
ثبّت جذور كيانك في عبادة الله، في أنك عبده واستذكر هذا دائماً – عندها تأتي بما يحبّ من الثمار!
والعبد بطبيعة الحال يُطيع سيّده، فهو مِلكه.
فالأعمال الصالحة كلها تنتج عن {إيّاك نعبد}.
لكن! هذه الطاعة تصبح عسيرة جداً، إذا كانت هويتك ليست في الولاء لله:
أن تحاول الإتيان بالثمار الصالحة، دون أن تكون هذه الهوية حاضرة وظاهرة في ذهنك باستمرار، أمر عسير أو عبثي.
فالسؤال الذي يجب أن تسأله نفسَك هو: مَن أنا؟ ماذا أنا؟ ما شأني في الحياة؟ وبعدها تسأل: ماذا أعمل؟
"مَن أنا؟ ماذا أنا؟ ما شأني في الحياة؟" جوابها ينبغي أن يكون: أنا عبد الله!
فإذا كنت مطمئنا وراضياً ومتذكرا لهذا الجواب باستمرار، فإن أعمالك ستكون هي ما أمر به الله.
فهذا هو التأسيس الصحيح للعمل الصالح، لكل الأعمال الصالحة!
فإذا كانت هويتك في هوىً لك، فإنك قد تحاول أن تقوم بما يأمر به الله وقد تنجح في هذا، ولكنك بعد فترة ستنصاع لهواك، لأنه صار هويتَك التي حلّت محل: "أنا عبد الله"!
فتذكّر دائماً أن تسأل نفسك: مَن أنا؟ ماذا أنا؟، ولا تغفل عن الجواب الحق، لا تنسَه، لا تغطِّه بشيء آخر، لا تكفر بالجواب الحق: "أنا عبد الله".
كل عمل صالح هو صعب إذا كان ولاؤك الأول ليس لله، إذا كنت تنسى أنك عبد الله، أنك مِلك الله.
أنت وكل ما لك؛ حتى أفكارُك ومشاعرك هي في يد الله. ولكننا نغفل عن هذا باستمرار – ولعل الكثيرين لا يؤمنون به أصلاً!
فجعلنا عَلاقتنا بالله "ميكانيكية" – إن جاز التعبير – وهذا جاء مترافقاً مع تضييع العبادة أو تمزيقها – وقد تحدثنا عن ذلك في الفِقرات السابقة.
ــ
ــ
تعقيب: لعلّك تتساءل: لماذا لم تقل الفاتحة: "نحن عبادك" أو "إنّا عبادك" بدلاً من {إياك نعبد}؟
لأننا كلّنا مملوكون لله، وكلنا عباد ولكن بدرجات مختلفة.
حتى أكفر الكافرين هو عبد لله.
فاستخدام الفِعل "عَبَد" يعبر عن أننا نفعل – بل نعيش ما يقتضيه ذلك، فنحن نعتز بأننا عباد الله، ونتذكّر ذلك في أفكارنا وخواطرنا ونسعى لإظهاره في أقوالنا وأفعالنا – هكذا ينبغي أن تكون العبادة.
والعبد قد يكون عاصياً لسيده، أو طائعاً ولكن على كراهية، ولعله حانق على سيده ويبحث عن فرصة للهروب..
(أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ <9_118>التوبة)
فاستخدام الفِعل –كما ترى– هنا أقوى بكثير. وجاء قبله {إيّاك} في الفاتحة للتخصيص: {إيّاك نعبد}، لمزيد من التقوية.
7. فقرة-7 أول ثلاثة موارد لجذر ع-ب-د
يحسن هنا أن ننظر في آيات الجذر ع-ب-د الثلاث الأولى. هذا قبل أن نتشعّب في مواضيع أخرى.
7.1. في الفاتحة
ننظر في الفاتحة، نصفها الأول عن الله.
ثم يأتي {إياك نعبد}
وبعدها نطلب العون من الله،
ثم نطلب منه الهداية.
فلعل القارئ لأول مرة يرى أن الفاتحة لا تتطلب من الإنسان إلا القليل، فهو الذي يطلب من الله، يطلب العون والهداية.
والسبب هو كما بيّنا في عمق معنى العبادة وقوته.
فهو متعلّق بهويتك، بكيانك، بماهيتك، بانتمائك.
وهذا هو الأصل. ومنه تنتج الأعمال الصالحة كلها.
(وطبعاً الاستعانة وطلب الهدى من الله عمل صالح وقد يهمله الكثيرون.)
وهذا الأصل يفهمه الناس جيداً، ولذلك تجدهم يسألونك: ما انتماؤك، ما هي هويتك؟
ويريدونك أن تصرِّح به – لأنهم يعلمون أهميته. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالله – تجدهم ينسون الولاء والانتماء!
7.2. الآية الثانية للجذر عبد
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ <2_21>)
هنا لدينا الأمر بالعبادة، وهذه أول آية مع {يا أيها الناس}.
ثم يأتي ذكر الخلق. وكيف لا يكون ولاؤك وانتماؤك لمن خلقك؟ وكيف لا تكون مِلكاً له؟ كيف لا تعبده؟
ثم نجد أيضاً "والذين من قبلكم"، فالله خلق أيضاً والدَيك، ووالدِي والدَيك.
وهذا مهم، فنحن نجد عادة هويتنا في الانتماء إلى والدَينا، وننسى انتماءنا إلى خالق والدَينا! وقد نتعصّب إلى والدينا مهما أخطؤوا، والله سبحانه عن أي زلل، لا نشعر بالولاء نحوه!
هل بدأت ترى الكارثة في الفهم العام للعبادة؟
ونأتي إلى نهاية الآية {لعلكم تتقون}. هذه أشكلت على المفسرين، واضطربوا فيها.
ننقل عن ابن القيم، وقوله ليس هو الشائع:
(وقوله تعالى: {لَعَلَّكم تَتَّقُونَ} قيل إنه
[* إضافة الأعداد التالية مني للإيضاح]
- تعليل للأمر [* أي لفعل الأمر "اعبدوا ربكم"]
- وقيل تعليل للخلق [* أي أنه خلقهم ليتقوه]
- وقيل المعنى اعبدوه لتتقوه بعبادته [* لاحظ إضافة "بعبادته"]
- وقيل المعنى خلقكم لتتقوه وهو أظهر [*فهذا الراجح لديه] لوجوه:
أحدها: أن التقوى هي العبادة والشيء لا يكون علة لنفسه.
الثاني: أن نظيره قوله تعالى: {وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ}.
[*هذا بعد أن جعل التقوى هي العبادة!]
الثالث: أن الخلق أقرب في اللفظ إلى قوله: {لَعَلَّكم تَتَّقُونَ} من الأمر.
– https://tafsir.app/ibn-alqayyim/2/21 )
فابن القيم جعل معنى الآية: أن الله خلقنا لكي نتقيه، هذا بعد أن حوّل التقوى إلى العبادة!!
وعند الطبري نجد اختراعاً جديداً:
(وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويل قوله:"لعلكم تتقون": تُطيعون. [*هذه جديدة!] [*…] والذي أظن أنّ مجاهدًا أراد بقوله هذا:
لعلكم أنْ تَتقوا رَبَّكم بطاعتكم إياه، وإقلاعِكم عن ضَلالتكم.)
فهو يضطر لترقيع قول مجاهد، الذي رأى هنا الاتقاء هو الطاعة!
والذي أراه أن المعنى هو ببساطة: أن شعورك في أنك عبد الله – أن انتماءك إلى الله، أنك مِلك له، هو يدفعك إلى اتقائه.
7.3. ونتابع حتى المورد الثالث لجذر ع-ب-د:
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ <2_22>)
لاحظ أن الكلام هنا ليس فقط في الإيمان بالله، ولا حتى بأنه لا إله إلا هو، بل يجب ألا يكون له أنداد. ولكننا نجد من ذلك الكثير لدى من يتسمَّون بالإسلام – حتى لدى "العلماء"!
(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ <2_23>)
وهذا أمر لطيف أن يرد أول ذكر لمحمد بكلمة "عَبدنا".
[يوجد قبلها فقط صيغة المخاطب المفرد: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ <2_6>]
فلم يقل: خاتم النبيين أو رسولنا أو نبينا. ولو أن محمداً كان مؤلف القرآن أو أحد أصحابه لَمَا رضوا بهذا.
على كل حال اختيار كلمة عَبْد تذكرنا بالآية السابقة 2_21 {اعبدوا ربّكم}، وكذلك بالفاتحة.
وكلمة "عبْد" ليست على المعنى السيئ كما يرى الكثيرون. لعل أول ما يخطر في بالهم هو أفلام هوليود، حيث يُجلَد العبد وينكَّل به. الأمر ليس كذلك، لعلنا نفصل في فقرة قادمة إن يسّرنا الله لذلك (فقرة-11).
8. فقرة-8 تعقيب: التقابل بين العبْد والربّ / اعبدوا ربّكم <2_21> / رب العالمين <1_2>
رأينا أن فعل الأمر "اعبدوا" جاء أولاً مع الرب.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ <2_21>)
وكلمة الربّ فيها معنى السيطرة والمِلك، ولكن فيها أيضاً معنى العناية والتربية.
نتذكر ما وجدناه في لسان العرب لابن منظور (ت 711 هـ)
(ورَبَّ ولَدَه والصَّبِيَّ يَرُبُّهُ رَبّاً، ورَبَّبَه تَرْبِيباً وتَرِبَّةً، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: بِمَعْنَى رَبَّاه.)
ولدينا أيضاً:
(وَالْمَطَرُ يَرُبُّ النباتَ والثَّرى ويُنَمِّيهِ)
وفي مفردات الراغب الأصفهاني (ت 502 هـ)
(الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حدّ التمام، يقال رَبَّهُ، وربّاه ورَبَّبَهُ.)
[ولعلك تقول: ولكن جذر التربية من ر-ب-و، وجذر الربّ هو ر-ب-ب.
هذا صحيح، ولكن مثل هذا ليس نادراً. التشابه في اللفظ قد يقترن بالتشابه في المعنى.]
وهناك تقابل بين العبد والرب في آيات عديدة، نتذكّر:
- أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ <5_117> المائدة
- ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ <6_102> الأعراف
- ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ <10_3> يونس
- وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ <15_99> الحجر
- وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ <17_23> الإسراء
- وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا <18_110> الكهف
- ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا <19_2> مريم
- وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ <19_36> مريم
- رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ <19_65> مريم
- وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ <21_92> الأنبياء
- وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ <22_77> الحج
- إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ <27_91> النمل
- قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ <39_10> الزمر
- إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ <43_64> الزخرف
- فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ <106_3> قريش
9. فقرة-9 ما هي هُويّات المسلمين وانتماءاتهم؟
قد رأينا أن العبادة تحمل معنى المِلكية وكذلك معنى الولاء والانتماء، وأيضاً التوجّه المستمر نحو الرب – وهذا ما يُعرَف به العَبْد، وذكرنا بعض الدلائل وسنذكر غيرها.
فما حال فِرَق المسلمين معها؟ ما حال كهنتهم؟
طبعاً لن يُنكِروا أنهم مِلك الله.
لكن: هل ترى أن ولاءهم الأول له؟ هل ترى أن هويتهم الأولى هي في الانتماء إلى الله؟
لا أحسبك تقول بذلك، مهما كنت متسامحاً معهم.
فحالهم كارثية في هذا، إلا من رحم ربي.
ولذلك كان من الطبيعي أن ينفروا من معنى العبادة الحقيقي.
والهوية، شعورُ الانتماء شيء أساسي لدى كل إنسان. والكل يُدركونه، ولكنْ نجدُ الذين "أسلموا لله" اخترعوا لهما هويات وولاءات مختلفة رفعوها عاليا. وهذه الاختراعات هي التي مزّقت الأمّة إلى فرق ضالة ولاؤها ليس لله – أو فلنقلْ: ولاؤها الأول ليس لله.
والحقيقة أني تطرقت لهذا الضلال مراتٍ عديدةً في ما نشرته من قبل. ولكني لم أعلم أنه متعلق بالعبادة.
ويمكننا هنا أن نذكر أمثلة كثيرة:
ولنبدأ بالقومية. القومية العربية. هذه الهوية صارت أعلى من الهوية الإسلامية – هوية الإسلام لله!
وهذا في رأيي هو عبادة لغير الله، وإن كان الناس لا يرون ذلك.
والأمر يزداد بشاعة إذا تذكرنا أن فكرة القوميةِ العربية هي أصلاً لم تأتِ من العرب، بل كانت تقليداً للغرب وبدعم منه والهدف كان إضعاف الدولة العثمانية والقضاء عليها.
وكم بذلوا لترويج هذا الصنم! الكتب والمؤتمرات والأناشيد والأغاني.
انظر مثلاً إلى هذه السخافة التي أوجدوا لها لحناً من أجمل الألحان:
(بلادُ العُربِ أوطاني ~ منَ الشّامِ لبغدانِ
ومن نجدٍ إلى يَمَنٍ ~ إلى مِصرَ فتطوانِ
فلا حدٌّ يباعدُنا ~ ولا دينٌ يفرّقنا
لسان الضَّادِ يجمعُنا ~ بغسَّانٍ وعدنانِ
– فخري البارودي، 1887- 1966)
بصراحة عندما أقرأ هذه الكلمات اليوم، أضحك وأشمئز.
فالكلمات هزلية، ولا تكاد تدرك كيف استطاع المسلمون أن يتغنوا بها!
الدين لا يفرقهم! ولسان الضاد يجمعهم! بغسّان وعدنان!
ومن غسّان وعدنان، من مِن العرب يعرف عنهما شيئاً؟ وتريدون الاجتماع بهما!
ولعلك تقول: هما أرادوا قبيلة غسّان لأنها كانت نصرانية، حتى يُلغوا النعرات الطائفية.
طبعاً هذه حجة ضعيفة، بل هي حتى حجّة عليهم!
فالمسيحيون يؤمنون بالله! فلماذا لم يذكر الشاعرُ اللهَ في قصيدته هذه؟ (حتى في التتمة لا يذكر الله!) ألا يرى أن المسلمين والمسيحيين يجمعهم الله، خالقهم؟ أيعمى عن ذلك؟ أيعمى هو والمنشدون بعده عن ذلك – ثم يستحْلون "ولا دين يفرّقنا"؟! أي ضلال هذا! أي جاهلية هذه!
وليت جماعة العروبة هذه كانوا يحسنون لسان الضاد!
لم يأتوا بشيء! العربية تراجعت في عصرهم، ولم يحققوا أي إنجاز في الوحدة.
ولكننا ما زلنا نسمع اليوم كلمة "عُروبي" للتعظيم والتبجيل، أما كلمة "إسلامي" فهي غالباً للذم!
وأصحاب الولاء للعروبة خفتت أصواتهم، بعد زوال الدولة العثمانية. فظهرت أصوات جديدة، أو لعلها نفس الأصوات، تصيح بالولاءت والانتماءات الجديدة: الفينيقية والبابلية والسومرية والفرعونية والكنعانية..إلخ
ثم ظهرت الأقطار التي رسمها الغرب. ونشأت أندادٌ جديدة لله، والمسلمون لا يرون أي إشكال في هذا!
ولننتقل إلى الحاضر: ما زلت تقرأ على صفحات المسلمين في مواقع التواصل الاجتماعي: "وطني خط أحمر". العبارة بحد ذاتها من الغرب، والفكرة في الحقيقة أيضاً. ولكن المسلمين يتحمسون لها، وقد تأخذهم حمية الجاهلية لذلك "الوطن".
[هل يجرؤون على القول: "الإسلام خط أحمر" أو "ربّي خط أحمر" أو "الله خط أحمر"؟]
وحتى – حتى لو تناسينا الإسلام! – ما وجه هذا الانتماء والولاء؟ وما وجه الافتخار بالدولة التي تقع فيها المدينة التي وُلِدنا فيها؟
ثم يأتي من يزعم أنه أسلم لرب العالمين، فيجعل خارطة دولةٍ نشأتْ بالصدفة، ووُلِد هو بالصدفة في إحدى مدنها – هذه يجعل فيها ولاءَه! هذه تصبح هويته!
أي كارثة هذه التي نحن فيها؟
وبالطبع لم ننته من الأمثلة. فما حال فِرق السنة والشيعة والإباضية؟ هل أعضاؤها ولاؤهم الأول لله، أم لها؟
لا أحسبك ستكابر! إن أعضاء كل فرقة يتعصبون لفرقتهم ويتعامون عن كوارثها، وكل همهم كشف مثالب الفرق الأخرى أو اختراع مثالبَ لها!
هي مهزلة.
ولننظر في مثال هو بيّن، جاء لدى البربهاري (ت 329 هـ):
(إذا رأيتَ الرجلَ من أهل السنة، رديءَ الطريق والمذهب، فاسقاً فاجراً، صاحبَ معاصٍ، ضالاً ، وهو على السنة فاصحبه، واجلِس معه فإنه ليس [تضرك] معصيتُه، وإذا رأيتَ [الرجل] مجتهداً – وإن بدا متقشّفاً محترِقاً بالعبادة - صاحب هوى، فلا تجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه ولا [تمشِ] معه في طريق، فإنّي لا آمن أن تستحلي طريقتَه [فتهلِك] معه. – ما بين معكوفين دون *، هو هكذا في الأصل (انظر الصورة) – البَرْبَهاري، شرح السنة ، مكتبة دار المنهاج، 1426، ص120)

يقول عن رجل بأنه 1. فاسق 2. فاجر 3. صاحب معاص 4. ضال – يقول عنه بأنه على السنّة! لأن ولاءه وانتماءه إلى فرقته! هذا ما يهمه. ما يهمّه هو أن تبقى الفِرقة قوية متماسكة، وإن كان أعضاؤها ضالين فاسقين فاجرين!
[ولولا أن البربهاري شهير لديهم، لقلنا بأن هذا النص وضعه شخص أراد التشنيع على أهل السنة!]
والحقيقة ما يبدو هنا في منتهى السفاهة هو منطقي جداً، إذا كان شعور الانتماء إلى الفرقة هو الأساس، الولاء لها هو الأساس، عندها يكون الكلام منطقياً، عندما لا يكون الولاء لله.
ولننظر في نص آخر، والنصوص كثيرة. عن أحمد بن حنبل.
(دخلتُ على أحمدَ بنِ حنبل، فجاء رسول الخليفة يسأله عن الاستعانة بأصحاب الأهواء ؟ فقال أحمد: لا يُستعان بهم. قال: فيُستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بهم؟! [* فاليهود والنصارى لا يدخلون تحت مسمى أهل الأهواء!] قال: لا، لأن اليهود والنصارى لا يدعون إلى أديانهم، وأصحاب الأهواء داعية. – ابن الجوزي ت 597 هـ، مناقب الإمام أحمد بن حنبل، هجر للطباعة والنشر، 1409، ص214)

وهذا نص سفيه، قِيل في أحمد بن حنبل:

(وقال الربيع بن سليمان قَالَ الشافعي من أبغض أحمد بن حنبل فهو كافر
فقلت: تطلق عليه اسم الكفر؟ فقال: نعم، من أبغض أحمدَ بنَ حنبلٍ، عاند السنة ومن عاند السنة قصد الصحابة، ومن قصد الصحابة، أبغض النَّبِيّ ومن أبغض النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفر بالله العظيم. [و نص آخر:]
وقال أحمد بن إسحاق بن راهويه سمعت أبي يقول: لولا أحمد بنُ حنبلٍ، وبذلُ نفسه لمّا بذلها، لذهب الإسلام [* !] . – ابن أبي يعلى ت526 هـ، طبقات الحنابلة، مطبعة السنة المحمدية، وقف على طبعه وصححه محمد حامد الفقي، ج1، ص13)
أحمد بن حنبل هو المعيار! من أبغضه كفر بالله!
والأمر لا يختص بهذه الفرقة أو تلك. التعصبات الجاهلية للفِرقة تكاد تكون هي القاعدة. لدى السنة والشيعة والإباضية، وكذلك لدى أهل التصوف والعرفان.
هويتهم هي في الانتماء إلى تلك الفرقة، هم أسلموا لها، وليس لله! ولكنهم يرون أنفسهم عابدين لله، بل يرون أنفسهم العلماءَ في عبادة الله! والعامّة تصدقهم.
وانظر اليوم في مواقع التواصل فإنك ستلاحظ هذه التعصبات. بعضها خفي وبعضها يظهر لك في حقل التعريف بالشخص. والكل يرى نفسه مسلماً – مسلماً لله!
وأذكّر هنا بنص كتبته في ملف "مسيحي اهتدى يدعو أهل الحديث إلى القرآن"
ahl_hadith.html#slae_oly_nbi4

أنقل:
ما الذي نجده في الصورة؟
أول ما نلحظه أنهم وضعوا اسم الله بجانب محمد وعلى نفس العلو وبنفس حجم الخط! وهذا قبيح، قبيح جداً! والأقبح منه هو إضافة أسماء البشر الآخرين(الصحابة)، غيرِ الأنبياء إلى جانب الله.
(1. عُمَر، 2. أبو بكر، 3. الله، 4. محمد، 5. عثمان، 6. علي)
وهذه لو رآها شخص غريب لأول مرّة لظنّ فينا أننا مسدِّسون: نعبد ستة آلهة!
لكن ليس هذا ما أردت – اللافت هنا غياب أسماء أخرى: فأين الأنبياء الآخرون؟ أين إبراهيم؟ أين موسى؟ أين عيسى؟
ونحن كلنا مجمعون أن الأنبياء أعلى من الصحابة. فماذا حصل؟ إنه التعصّب لهُويّة الجماعة.
فهُوية الجماعة، هي في الصحابة، وليست في الأنبياء – الذين يؤمن بهم أيضاً اليهود و"المسيحيون".
ولذلك تجد لديهم عبارات "الترضي" أهمّ وأشيع من "الصلاة" على غير محمد من الأنبياء، بل هي أهم وأشيع من قولك "تعالى" أو "عزّ وجل" بعد ذكر الله! (وأعيد: أنا لا أدعو إلى التقليبات اللسانية الشائعة لديهم، ولكني أحدثهم بمعاييرهم.)
فالميول الشِركية تَظهر مصحوبة مع التعصّبات للجماعات وهُويّاتها.
وأعطيك مثالاً يبين لك انحرافاً مشابهاً:
ماذا يَحدُث إذا شُتِم نبينا محمد في الغرب؟ – نغضب. وهذا طبيعي.
لكن ماذا يَحدُث إذا شُتِم نبينا عيسى؟ – لا شيء! لا شيء! وقد تكون الشتائم ضده أفظع!
لماذا؟ لأن عيسى هو مشترك بيننا وبين المسيحيين. فليهتمّوا هم به!..
وهذا ما قد تسمعه من بعضهم يقولون لك: المسيحيون أنفسهم لا يأبهون بذلك!
وكأن إهمال المنتسبين للمسيح هو مبرر لإهمالنا، لأنهم قدوتنا في تعاملهم مع المسيح!
وقد تقول هنا: إنهم في الغرب يسخرون من أشياء نحن لا نؤمن بها!، مثل صلب المسيح وقيامته.
أقول: صحيح، ولكنهم يسخرون أيضاً من أشياء مشتركة مثلِ أعجوبة ولادته، من دون رجل. وقد يسخرون من مريم، وقد أشار القرآن إلى طعن اليهود فيها، فهل نلتفت اليومَ لذلك عندما يتكرر؟ – لا، نحن نتعصّب لجماعتنا، وما يختص بها!
ثمّ ثمة أمر آخر: ماذا عن الأفظع:
ماذا عن السخرية في الغرب، من الله، رب العالمين؟ هل نغضب لذلك؟ لا! لا يهمنا في شيء! لكن لو سُخر مثلاً من صحابي ما أو من أي شخص معروف بنسبته لجماعتنا، فإننا نغضب! لأن ولاءنا هو لجماعتنا وطائفتنا، وما يختص بها ؛ والله ليس خاصاً بنا، بل هو رب العالمين! فانتقاصه لا يخصّ هوية جماعتنا!
وكأن ما يختص بجماعتنا ويميّزها هو أعلى من الله!!
وعندما كتبت النص لم أكن أعلم معنى العبادة، الذي أخبرتك به هنا.
ولذلك فإني لا أتوقع أن يرضى أحد عمّا قلته. هم يرون هويتهم، كينونتهم في أن يُنسَبوا إلى فرقهم وليس في أن يُنسَبوا إلى الله، لأنهم يعبدون غير الله – يعبدون مع الله أشياء أخرى، لا يجعلونها من أنداد الله، بل يرفعونها فوقه!، سبحانه وتعالى.
وبالمناسبة: أهل التنوير التنخيري أيضاً لن يرضوا بما قلته عن العبادة، فهم لديهم الولاء الأول لحاكم الدولة، أو الدولة، أو للغرب، أو للإنسانية، أو العولَمة.
أطلتُ عليك؟ فلنتابع في فِقرة جديدة.
10. فقرة-10 التأكيد على معنى المِلكية في العبادة
أراني أطلت الكلام في فساد الهوية والانتماء لدى المسلمين، ولم أتحدث عن المِلكية.
مع أن الأمر أيضاً أساسي، وهو مرتبط طبعاً بالهوية والانتماء والولاء.
فينبغي أن نتذكر دائماً أننا مِلك له سبحانه وتعالى. يفعل بنا ما يشاء. وهذا يتكرر مع جذر ع-ب-د. نذكر أيضاً:
- (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا [* لاحظ استخدام فعل اشتروا هنا] بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ <2_90>)
- (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ <6_88> الأنعام)
- (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ <7_128> الأعراف)
نحن مِلك لله، وهو يفعل ما يشاء، ولا يظلم أحداً.
- (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ <10_107> يونس)
- (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ <14_11> إبراهيم)
- (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ <16_2> النحل)
- (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [* فلن يظلم أحداً] <17_30> الإسراء)
- ( وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ <28_82> القصص)
- (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ <29_62> العنكبوت)
- (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ <30_48> الروم)
- (إِن نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ <34_9> سبأ)
- (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ <34_39> سبأ)
- (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ <40_15> غافر)
- (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ <42_19> الشورى)
- (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ <42_27> الشورى)
- (وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا <42_52> الشورى)
ونذكر أيضا:
(إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ
وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ <5_118> المائدة)
فنحن مِلك لله، يفعل بنا ما يشاء، ولا يظلم أحداً.
وبعد،
فالمِلكية في العبادة تعلمنا التسليم لأمر الله.
وهناك أمر آخر: كونك مِلكاً لله يعني أنك أداة في يد الله، فإذا أسأت فأنت تسيء إلى مِلك الله!
وفي نفس الوقت عبادتنا لله هي قرب منه، وعزّة لنا.
فالمِلكية، مِلكية الله لنا، هي متصلة بالولاء والهوية: فنحن هويتنا أن الله هو مالكنا وربّنا. هذه هويتنا الأولى وبهذا نعتزّ.
ولكننا نرى هذه الهوية منسية لدى المسلمين – لمن أسلموا؟ لله؟
وأمر آخر:
ليس كل ما تملكه في نفس المقام. فقد يكون لديك شيء تملكه ولكن لا تشعر بغيابه من بيتك. (مثلاً لو سرقت من بيتك 10 غرامات من المِلح) أما لو سرقت منك هاتفك الجوال، فإنك ستشعر بغيابه بعد أقل من دقيقة.
وكذلك الله مالكنا، مالك كل شيء – فإذا كنت مخلصاً في عبادتك له،
فإن عنايته بك وصونه لك سيكون أعظم.
11. فقرة-11 الهوية والانتماء والولاء لدى العبْد / معنى العبْد ليس بالسوء المُتخيّل / توسّع في معنى الجذر
نريد البحث في كلمة العبد وجذر ع-ب-د أكثر، ليزداد المعنى وضوحا.
- كلمة العبْد مرتبطة في مخيلتنا بكل شيء سيئ. نسمع الكلمة فنتصوّر أمامنا إنساناً منكوباً مقيّداً بالأغلال، وهو يُجلَد ويُسَخّر في أشقى الأعمال.
ولكن هذا غير صحيح. ليس هذا ما فهمه من عاصر نزول القرآن من كلمة العبْد والعبادة. - ولننظر في الأسماء. كيف يُسمّى العَبْد؟ له تسميات أخرى، مثل الفتى والغلام.
فيُقال لمالك العبد: أين فتاك أو غلامك؟ والكلمتان قريبتان من الوَلَد.
طبعاً العبد ليس كالولَد، ولكن المعنى متقارب بين الفتى والغلام وبين الولد.
فالتسمية ليست في الأصل للتعبير عما يجول في خيالنا من احتقار وإذلال،
وما نراه في أفلام هوليود.
وحتى اليوم قد يُقال للأجير الذي يعمل في صنعة ما لدى "معلِّمه"، بأنه "صبيّه" ، والمقصود ببساطة: أنه يعمل لديه. - ولا بد هنا أن نذكر تسمية أخرى. هي تسمية الموالي. وهي تعبّر عن العبيد. ومفردها "المولى"، وأنت تعلم على مَن تُطلق تسمية المولى أيضاً:
(وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ <8_40> الأنفال)
(وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ <22_78> الحج)
والسبب في ذلك أن الوَلْي هو في الأصل القرب أو اللزوم.
نقرأ في الصحاح للجوهري (ت 393 هـ) "الوَليُ: القربُ والدنوُّ."
وفي لسان العرب لابن منظور (ت 711 هـ) "وتَوَلَّى الشَّيءَ، لَزِمه."
وَ "والمَوْلى: الصاحِبُ والقَريبُ كَابْنِ الْعَمِّ وَشِبْهِهِ."
وفي المعجم الاشتقاقي لمحمد حسن جبل (ت 1436 هـ) "المعنى المحوري: لزومُ الشيء شيئًا"
وَ "جلس مما يلي زيدًا: مما يُلاصقه ويُدانيه"
الفيروزآبادي (ت 817 هـ) في بصائر ذوي التمييز: "وَلِيَهُ وَلْياً: دَنَا منه،"
وفي القاموس المحيط له: "الوَلْيُ: القُرْبُ، والدُّنُوُّ"
ولذلك نجد أن الله سُمِّي أيضاً بالمولى، بسبب القرب.
وكذلك العبد يكون قريباً من سيّده.
فكما ترى التسميات: المولى والغلام والفتى ليس فيها ما يُتخيل من القهر والذل والخنوع. ونلتفت هنا إلى معنى من المعاني التي جاءت مع جذر ع-ب-د. وهو اللزوم وقد ذكرناه للتو مع جذر و-ل-ي.
نقرأ في لسان العرب من جديد:
(وعَبِدَ بِهِ: لَزِمَه فَلَمْ يُفارِقْه؛ عَنْهُ أَيضاً.
[* ونلاحظ أن العبد يلزم سيّده]
والعَبَدَةُ: البَقاءُ ؛
يُقَالُ: لَيْسَ لِثَوبِك عَبَدَةٌ أَي بَقاءٌ وَقُوَّةٌ)
ليس الكلام عن عَبَد، ولكن عن فعل من نفس الجذر (عَبِد).
وكلمة البقاء هي أيضاً لافتة، وكنا تحدثنا في (فقرة-4 وَ فقرة-5) عن أن العبادة هي علاقة مستمرة ({حتى يأتيك اليقين}!)، وليست في فعل هذا أو ذاك (وإنما الأفعال الصالحة تنتج عن صِدق تلك العبادة).
- أمر آخر متعلق بالتسميات. وهو اسم مشهور جداً. الشاعر الجاهلي: امرؤ القَيس، صاحب المعلّقة (قِفَا نبكي من ذكرى حبيبٍ).
الامرؤ هو الإنسان. لكن ما هو القيس؟ القيس كان أحد الآلهة لديهم! فالشاعر ينتسب باسمه إلى ذلك الإله. وكأنه تسمّى بـ "إنسان الإله"، أي الإنسان التابع للإله (القيس) أو المنسوب إليه أو المنتمي إليه.
ولدينا أيضاً من الأسماء الجاهلية " عبد القيس" و" عبد قيس". ولا أرى فرقاً كبيراً بين المعنيين.
هذا يؤكد لنا معنى الانتماء والهوية في الانتساب إلى الإله، بـ "عبد" أو "امرئ".
راجع من أجل هذا كتاب جواد علي، أو موسوعته في 10 مجلدات:
(المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، 1413 1993 ط2)،
في المجلد 6، ص16 (هذا من الفصل 61: أديان العرب)
وكذلك المجلد 4، ص369 (هذا من الفصل 45: المجتمع العربي) نقرأ من كتاب المفصل أيضاً.
(ولفظة "عبد" و "العبد" لفظة عامة في الأصل، وقد وردت بهذا المعنى في أكثر اللغات السامية، فاستعملت في معانٍ مجازية وفي معان حقيقية، ولم تكن تعني شخصًا مملوكًا بالمعنى الحقيقي من لفظة "مملوك" بالضرورة. – ج4، ص565 [فصل48])
(وصار العبد في البادية ألصق بصاحبه [*القرب واللزوم!] من مثيله في القرية، حتى صار وكأنه جزء من أهل البيت الذي اشتراه أو ورثه. – ج4، ص570)
وهذا اقتباس هام:
(ويلاحظ أن بعض الأعلام المركبة المبتدأة بـ"عبد" مثلًا، لا تتكون كلمتها الثانية من اسم إله،
إنما تكون اسم موضع أو اسم شخص أو اسم جماد،
[* وهذا دليل آخر على فكرة الانتماء والولاء للشيء]
مثل: عبد حارثة، وعبد المطلب، وعبد أمية، وعبد الدار، وعبد الحارث، وعبد الحجر، وما شاكل ذلك. – ج6، ص18)
وقد رأينا قبلُ ارتباطَ جذر ع-ب-د بالقرب واللزوم، وهنا لدينا الانتماء والولاء. والأمور متشابهة.
فليس الأمر متعلقاً بالضرورة بإله.
وهذا يجعل معنى العبادة أقوى!
أجَل!
فالعبادة ليست فقط في أن تُفرِد الله بالألوهية. بل يجب أن تفرِدَه بولائك المطلق، فيكون انتماؤك الأول إليه – هويتك: هي أنك عبد الله! وهنا الصعوبة!
ذكرنا للتو اسم عبد المُطّلب. وهو اسم جد نبينا محمدٍ، وفقاً لِما جاء في كتب السير.
والمُطّلب ليس اسم إله من الآلهة آنذاك. بل هو اسم عمِّه، عمِّ عبد المطلب.
فهَل سُمي بعبد المطلب، لأن عمه كان يضطهده ويسخّره للأعمال الشاقة؟!
لا، بل لأن والد عبد المطلب مات، فانتسب إلى عمّه المطلب – فصار اسمه: "عبد المطلب".
فالأمر مرتبط أيضاً بالهوية والانتماء والانتساب. صار يُنسَب إلى عمه، بعد أن مات أبوه.
وقد جاء في الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم):
"أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"
[طبعاً كلمة "ابن" ليست هنا عن البنوة الحقيقية.]
- ونلتفت هنا أيضاً إلى أسماء نجدها لدى الشيعة. مثل عبد النبي وعبد الزهراء وعبد الحسين. وهم لا يقولون بأن النبي أو فاطمة أو الحسين هو الله – سبحانه.
بل لهم تأويلات في ذلك. قريبة من المعنى الذي ذكرناه.
وموضع الشاهد هنا ليس لتسويغ هذه التسميات، إنما بيان الولاء والانتماء ضمن معاني العبد.
وأنا أرفض هذه التسميات لسببين:
- النبي وفاطمة والحسين تُوفوا، فلا يمكننا أصلاً أن نكون موالين لهم الولاء المطلق.
- كلمة العبد صارت بالقرآن على المعنى المعروف، ونحن لا نعبد إلا الله.
فلماذا نختار بالذات هذه الأسماء؟
نبينا محمد يريدنا أن نعبد الله وحده.
وهو بالطبع ليس مالكنا، حتى لو كان حياً. مالكنا هو الله وحده.
فولاؤنا المطلق، انتماؤنا المطلق، يكون فقط لخالقنا الله عزّ وجل – والبشر كلهم يخطؤون، حتى الأنبياء.
- النبي وفاطمة والحسين تُوفوا، فلا يمكننا أصلاً أن نكون موالين لهم الولاء المطلق.
وأخيراً نرجع في التاريخ:
لو ذهبت آنذاك إلى عبْد فسألته: مَن أنت؟
هل تراه سيذكر لك اسم والدَيه؟
لا، ولعله لا يعرفهما. بل سيقول لك: أنا عبد فلان (الحدّاد مثلاً).
ولعلّ اسمه أصلاً هو اسم جديد اختاره له سيّده.
فهويته الجديدة هي في الانتماء لسيّده هذا. وإذا كان سيّده صالحاً وهو كذلك.
فإنه سيكون ولاؤه لسيّده.
فهل ترانا يكون انتماؤنا وولاؤنا إلى السيّد الحقيقي، رب العالمين؟
أم يكون ولاء ذلك العبد الصالح لإنسان يملكه أقوى من ولائنا نحن المسلمين، الذين أسلموا لرب العالمين؟..
12. فقرة-12 ما علاقة {وبالولدين إحسانا} بإفراد الله بالعبادة؟
ننظر في هذه الآية، وهي الرابعة لجذر ع-ب-د:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنتُم مُعْرِضُونَ <2_83>)
ألا ترى فيها شيئاً لافتاً؟ كيف تفهمها؟ أو كيف كنت تفهمها؟
ما علاقة "لا تعبدون إلا الله" بـ "بالوالدين إحساناً"؟
ما وجه الجمع بين إفراد الله بالعبادة وبين ذكر الإحسان مع الوالدين؟
هل كان يُتخَذ الوالدان إلهَين، بجانب الله؟
والأمر يتكرر:
- (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا <17_23> الإسراء)
- (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا <4_36> النساء)
لعلّك تتوقع الإجابة بعد أن قرأت الفِقرات السابقة.
فالسبب هو أن هوّية الإنسان، كلِّ إنسان، هي عادة في الانتماء لوالديه.
وليست صدفة أن نجدهما في "الهوية" (البِطاقة الشخصية).
وكذلك ليست صدفة أن نجد الأكثرية الساحقة من الناس على مِلّة والدَيهم.
هذا معروف لدى الجميع.
فالله ذكر بعد عبادته وحدَه، {وبالوالدين إحساناً}، لكي يحذرنا أن نقع في ما يقع فيه أكثر الناس، في ولائهم الأعمى للوالدَين.
وهنا أمر لطيف، فالله قال {وبالوالدين إحساناً} ولم يقل "وعليكم أن تحسنوا إلى الوالدين"، بل جاءت العبارة تعقيباً على إفراد الله بالعبادة. وكأنه قال: العبادة لله وحدَه، أما الوالدان فلهما منكم الإحسان، فليس لهم الولاء المطلق. وقد بينا أن الولاء تقتضيه العبادة.
وانظر أيضاً هنا كلمة "حُسناً" من نفس جذر "إحسان":
(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <29_8> العنكبوت)
فهذه العادة، أن يتبع الولد والدَيه في الملّة. هذا نشهده حتى اليوم، ولكنه كان أقوى آنذاك، وخصوصاً في المجتمعات العربية القبَلية.
ونذكر أيضاً:
(وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [* يذكّرك!] فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <31_15> لقمان)
وهناك طبعاً الآيات الكثيرة التي ذكرت اتباع الأبناء للآباء في الضلال والشِرك، نكتفي بهذه:
- (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ <11_62> هود)
- (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ <11_109> هود)
- (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ <12_40> يوسف)
- (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ <21_53> الأنبياء)
- (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ <34_43> سبأ)
تعقيب: نعود إلى الآية
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنتُم مُعْرِضُونَ <2_83>)
نلاحظ فيها التدرّج. فبعد أن أُفرِد الله بالعبادة، جاء الإحسان للوالدين، كما شرحنا.
ثم يأتي "ذي القربى" فهذا أيضاً مما يكون له الانتساب، ثم يُذكَر الإحسان لليتامى والمساكين، وهؤلاء يكونون عادة من نفس القبيلة، ثم جاء "وقولوا للناس حسنا" بصورة عامة.
13. فقرة-13 النسبة إلى الربّ / الربّانيون والربّيّون
ننظر في هذه الآية:
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ
وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ <3_79> آل عِمران)
الأنبياء يقولون للناس: كونوا ربّانيين، وهذا جاء بعد نفي العبادة لهم.
وكلمة ربّاني هي نسبة لكلمة "الرب"، ربّ العالمين.
وهذا يبيّن لك من جديد معنى الولاء والانتماء والانتساب الذي تتضمنه العبادة.
ونقرأ في تفسير الطاهر ابن عاشور (ت 1393 هـ، 1973 م)
(والمَعْنى أنَّ الآمِرَ بِأنْ يَكُونَ النّاسُ عِبادًا لَهُ هو آمِرٌ بِانْصِرافِهِمْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ. ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ أيْ ولَكِنْ يَقُولُ كُونُوا مَنسُوبِينَ لِلرَّبِّ، وهو اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ النَّسَبَ إلى الشَّيْءِ إنَّما يَكُونُ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِ المَنسُوبِ بِالمَنسُوبِ إلَيْهِ.)
وما يهمنا هنا هو اختيار كلمة للنسبة إلى الله. (فعلانيّ من فعل، مثل رَقَباني ولِحْياني)
ولكن الذي حدث أنه صار لدينا "المسيحيون" – ولا يمكننا أن ننسى أن المسلمين صار كثيرون منهم "محمديين"!
قد تقول هنا: ولكن المسيحيين يجعلون المسيح هو الله، أما فِرَق المسلمين فلم تفعل ذلك مع محمد.
صحيح هذا، ولكن انتماء الكثيرين هو إلى محمّد أكبر منه إلى الله! وراجع ما ذكّرنا به في فقرة-9.
فما يجب أن يكون حاضراً في أذهاننا، هو أن نسبتنا الأولى هي إلى خالقنا، وحدَه، وليس إلى أي إنسان أو أي كائن. نحن ننتمي إليه ونحن مِلك له: نحن عباده.
إذا كانت ترسّخت فينا هذه الفكرة، فإننا سنتقدم بقوة وثبات في الأعمال الصالحة. فهذه نتائج للأصل: الذي هو العبادة.
ونذكر هنا طبعاً أيضاً نسبة أخرى جاءت مع الربّ وهي كلمة "رِبِّيّ".
(وَكَأَيِّن مِن نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ <3_146> آل عمران)
نقرأ في تفسير أبي حيان الأندلسي (ت 745 هـ)
(والرِّبِّيُّ: عابِدُ الرَّبِّ، وكُسِرَ الرّاءُ مِن تَغْيِيرِ النِّسَبِ، كَما قالُوا: إمْسِيٌّ في النِّسْبَةِ إلى أمْسِ، قالَهُ الأخْفَشُ.) [وتوجد في اللهجات الأخرى أيضاً: رَبّيّ وَ رُبّيّ]
ولاحظ هنا قوة المدح للِربّيين: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}.
وبالطبع هذا صعب جداً أن تصبر في الشدائد في سبيل الله. ولكنه يتيسّر لك إن كنت ترى كينونتك في الانتماء إلى الله.
14. فقرة-14 صبغة الله / كذكركم آباءَكم / حزب الله
14.1. ما هي صِبغتك؟
من صاحب صِبْغتك هذه؟
من صاحب صبغتك التي اصطبغت بها نفسك كلها؟
هل هي صبغة الله؟
"صبغة الله" جاءت في آية واحدة.
(صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ <2_138>)
لاحظ كلمة "عابدون". الكلام عن انتمائك الذي يظهر عليك، كما تظهر الصبغة – هذا ما أرجّحه – وإن كانت هناك أقوال أخرى في الآية.)
ولننظر في السياق:
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ <2_134>
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ <2_135>
[* "كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا": فهم يرون الاهتداء بالانتساب إلى فرقهم! مقياس الهداية هو الانتساب إلى الفِرقة. وهذا ليس فقط داءَهم، بل نراه أيضاً لدى فرق المسلمين – أو من يتسمّى بالإسلام بكثرة..]
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ [*لله رب العالمين] مُسْلِمُونَ <2_136>
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا
[*فهذا هو الهدى وليس في الولاء لهذه الجماعة أو تلك]
وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ <2_137>
[*وهنا تأتي "صبغة الله"]
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ <2_138>
قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ <2_139>
[*الإخلاص الحقيقي المطلق يكون لله، رب الجميع، وليس للفرق التي تتفاوت أعمالها]
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ <2_140>
[*لاحظ أن الله ينفي أن يكون إبراهيم أو إسماعيل أو إسحاق أو يعقوب أو الأسباط هوداً أو نصارى! فهو يبين لهم خطأ المنهج، عندما يريدون الانتساب إليهم. وهذا بالطبع ما زلنا نشهده في طوائف المسلمين]
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ <2_141>)
لاحظ أن هذه الآية هي تكرار حرفي للآية <2_134>،
فهي تأكيد أن تكون أعمالنا نحن، هي الصالحة وليس الصلاح بالانتساب إلى فرقة مضت نقول بأن أعمالها كانت الأصلح.
هذه طريقة المراهقين الذين يرون الصلاح في الانتماء أو الولاء لفرقة أو لشخص – وهناك شيوخ مراهقون، ما أكثرهم.
ــ
وبعد
انظر إلى هذه الصورة. أراها معبّرة وإن كانت "ترفيهية".

فلدينا رجلان بدّلا وجههيها، فصارا رونَلدو ومِسّي. هذه صِبغتهما الجديدة!
بالطبع سيزيلان القناعين. لكن هناك شجارات كبيرة تحدث حول كرة القدم بين المشجّعين، وقد تؤدي إلى إصابات خطيرة وحتى القتل.
كيف يحدث هذا؟ لأن الإنسان يرى هويته في لاعب الكرة أو فريق الكرة. هذه هويته.
هذا قِناعُه الذي "اصطبغ به" – وكأنه صار يعبد الفريق أو اللاعب!
14.2. تعقيب: التذكير بمعنى {رب العالمين} ومناسبة ذلك لما قلناه هنا
وأريد هنا التنبيه إلى {ربّ العالمين} وكنت تحدثت من قبل عن المعنى. وهو يناسب معنى العبادة وكذلك "صِبغة الله".
كنت نشرت في المنشور عن "ربّ العالمين": (يجب على كلٍّ منا أن يسعى ليكون علامة أو عَلَماً في الصراط المستقيم
وأن ينشر العِلْم بالصراط المستقيم – هذا، وهو يسأل الله دائماً الهداية إلى ذاك الصراط.
– ./oalmin.html)
ومن الملف أيضاً:
[نقرأ في معجم لسان العرب لابن منظور (ت711 هـ) "وعَلَمَه يَعْلُمُه ويَعْلِمُه عَلْماً [*ليس عِلْماً]: وَسَمَهُ".]
فـ "العالَمين" هي بمعنى العلامات أو أدوات لوضع العلامات أو الأعلام، وهي تشمل كل المخلوقات، وخاصة البشر.
وهذا يناسب ما قلناه للتو عن "صِبغة الله"، وكذلك يناسب ما قلناه عن معنى العبادة.
عندما تكون عبداً لله، فإنك تكون علامة أقوى للاهتداء إلى طريق الله، ومواصلة التقدم فيه. عندما تكون هويّتك في الانتماء لله فإنك تكون علَماً ظاهراً لله.
وطبعاً لدينا التقابل بين العبْد والربّ [رب العالمين] الذي أتينا عليه في فقرة-8.
نسأله تعالى أن نكون عِباداً أعلاماً في سبيله!
ملاحظة: عندما نشرت منشور "رب العالمين" أول مرة، لم أكن توصلت إلى معنى العبادة الذي شرحناه هنا. فالرابط لم يتبين لي إلا بعد أن بحثت في معنى العبادة.
14.3. كذكركم آباءكم
ونتابع مع الصورة.
لعلك ترى في ما ذكرته مبالغة، وإقحاماً لشيء لا يخص بحثنا في العبادة.
لكن تفكّر معي.
هذان الرجلان ماذا فعلا بواسطة القناعين. هما ذَكَرا رونلدو ومِسّي. هذا ذِكْرٌ للاعبين – وأي ذكر – أمام الجميع وبتغطية الوجه الأصلي!
فهل يذكر المشجّعان اللهَ كما يذكران اللاعبَين؟!
قد يكون الرجلان مسيحيين أو مسلمين. ولكنهم لا يذكران الله إلا قليلاً – في الخفية، أو فقط في جماعة تحبّ أن يذكر الله أمامها – مثلاً في المسجد أو الكنيسة.
وقد لا يجرؤان على ذِكر الله حتى إن سُئِلوا عن ملّتهما.
أما إذا تعلق الأمر باللاعبَين فهم يرتديان الأقنعة، وقد تكون على ملابسهم التي يرتدونها في العمل أيضاً صورة رونلدو ومِسّي.
وهذا التحرج أو الخجل من الله كثير، خاصة في الغرب. هناك أناس يؤمنون بالله، ولكن إن سُئِلوا، قالوا:
- ألا ترى أن هناك قوة عُظمى؟ [يجيبون بسؤال]
- أومن بوجود شيء يفوق إدراكنا
- أو أشعر أحياناً بقوة خارقة لها تأثير في العالم
- أو أومن بطاقة الكون.
..إلخ
يتجنبون ذكر الله ليس خوفاً من عقوبة مادية – بل فقط لأن الناس اعتادوا ترك الله – هذا صار دينهم!
والذي يَضعُف عن ذكر الله، لا يعبد الله، لأنه لا يجرؤ حتى على إظهار نسبته إليه، إذا سُئِل عنها – فضلاً عن الدعوة العلنية إلى الله.
وننظر في هذه الآية:
(فَإِذَا قَضَيْتُم مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا
فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ <2_200>)
ونتذكر هنا أيضاً فقرة-12، فالشائع أن تكون هوية الإنسان تابعة لوالديه، وخاصة في المجتمعات القبلية. هم يتفاخرون بالأب والجد، ولهم في ذلك الأخبار والأشعار المعروفة.
فعبادتك لله يجب أن تجعل ذكرَك له أعلى من أي ذكر آخر.
ولكنّ حالَنا كما ترى، حتى لدى فِرَق المسلمين. يذكرون شيخ فرقتهم أو حاكم دولتهم أكثر من الله، وأقوى من ذكرهم له، سبحانه. ولكنهم يرون أنفسهم مسلمين وقد يُعَدّون من علماء المسلمين!
وننظر أيضاً في هذه الآية:
(اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي <20_42>
[*تنيا من الوني، وهو الفتور]
اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى <20_43>
فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى <20_44>
قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى <20_45>
قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى <20_46> طه)
طبعاً هذا خطاب لنبيَين، فقد تراه خاصاً بهما لشدته وصعوبته. ولكني أسألك: متى تعرضت أنت لخطاب شخص مثل فرعون؟!
فلا نبررْ تقصيرنا في ذكر الله، في ذكر انتمائنا لله بمثل هذا – واعلمْ أني فعلت مثل هذا، فأسأل الله لي ولك الغفران والهداية.
14.4. حزب الله
ونعود إلى قضية الشعارات والألوان وهي منتشرة كثيراً. هي كالصبغة للناس. وتجدها لدى الدول والأحزاب السياسية وكذلك لدى الفِرَق الرياضية.
وما يهمنا هنا هو كلمة حِزب. وهي تبيّن لنا صعوبة تمسكك بالنسبة إلى الله.
جاءت آيتان مع حزب الله.
الأولى:
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ <5_55>
وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ <5_56>
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ <5_57> المائدة)
الثانية:
(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهُ
وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ <58_22> المجادلة)
عبادتك لله، انتماؤك إليه، كونُك في حزبه، صعب كما ترى.
فولاؤك لله يجب أن يكون هو الأول، هو المطلق، ومنه يتفرع أي ولاء آخر.
والمحزن أن تجد اليوم أناساً مسلمين يتقرّبون ويتوددون، لا إلى أقاربهم ["وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ"]، بل إلى الغرباء ممن يسخرون من الإسلام. ومع ذلك يرون أنفسهم من أفضل المسلمين!
وهنا يجب أن نلتفت إلى تزييف تجده لدى الفرق المنتسبة إلى الإسلام. هم يجعلون فرقتهم هي بمثابة: "اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا" (كما رأينا للتو في المائدة)، وهذا طبعاً من فرط تمجيدهم لفرقتهم، أن يجعلوا أنفسهم في ذلك المقام.
فهم يرون أنّ رفعَهم لشعار الإسلام هو دليل أنهم المسلمون، بل هذا عندهم هو دليل أنهم وحدَهم المسلمون، مهما كانوا فاسقين، ومهما كانوا يفترون على الله ورسوله والذين آمنوا!
ولقائل (من جماعة الثالوث) هنا أن يقول: لماذا لا توادون أعداءكم. أليس هذا أفضل وأرقى.
بداية، نذكّرهم بكتابهم:
(«إِنْ جَاءَ إِلَيَّ أَحَدٌ، وَلَمْ يُبْغِضْ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَزَوْجَتَهُ وَأَوْلادَهُ وَإِخْوَتَهُ وأَخَوَاتِهِ،
بَلْ نَفْسَهُ أَيْضاً، فَلا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذاً لِي. – لوقا 14، 26)
https://www.bible.com/ar/bible/101/LUK.14.26
هذا العبارة السفيهة افتروها على نبينا عيسى!
فهو يأمر هنا ببغض الأقارب. فعن أي حبّ يتحدثون.
أما كلامهم في عظة الجبل (أحبوا أعداءكم، لا تقاوموا الشر)، فقد فنّداه من قبل:
qawem.html
ونذكِّرهم بحبّهم هذا الغريب: وهو لديهم ولدى اليهود:
الأمر بقتل الرضع:
(فَاذْهَبِ الآنَ وَهَاجِمْ عَمَالِيقَ وَاقْضِ عَلَى كُلِّ مَالَهُ. لَا تَعْفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بَلِ اقْتُلْهُمْ جَمِيعاً رِجَالاً وَنِسَاءً، وَأَطْفَالاً وَرُضَّعاً، بَقَراً وَغَنَماً، جِمَالاً وَحَمِيراً».
https://www.bible.com/ar/bible/101/1SA.15.3
)
وكذلك لديهم، الإبادات الشاملة:
(16أَمَّا مُدُنُ الشُّعُوبِ الَّتِي يَهَبُهَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ لَكُمْ مِيرَاثاً فَلا تَسْتَبْقُوا فِيهَا نَسَمَةً حَيَّةً، بَلْ دَمِّرُوهَا عَنْ بِكْرَةِ أَبِيهَا،
https://www.bible.com/ar/bible/101/DEU.20.KEH
)
وراجع المزيد في كتابي "المكدس في الكتاب المقدّس".
https://archive.org/download/almukaddas/mukaddas.pdf
14.5. تعقيب على كلمة حِزب
تعقيباً على كلمة حِزب وما يرتبط بعبادة الله، نقرأ:
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ <89_27>
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً <89_28>
فَادْخُلِي فِي عِبَادِي <89_29>
وَادْخُلِي جَنَّتِي <89_30> الفجر)
لاحظ كلمة "عِبادي"، وقد فسّرها كثُر بـ "حِزبي"، راجع مثلاً مختار الصحاح للرازي ولسان العرب لابن منظور وتاج العروس للزبيدي. [كلها في باب ع-ب-د]
وفي تفسير الطبري: "وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يوجِّه معنى قوله: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} إلى: فادخلي في حزبي."
فهذا يعزّز معنى الانتماء في العبادة. وكأنك في حِزب، حِزب الله.
15. فقرة-15 كيف تبدّل معنى الدين / الولاء والبراء / أنا والثالوثيون
هنا أريد الإشارة إلى معنى الدين كما أراه.
فالشائع أنه اسم صنف، يندرج تحته مثلاً: اليهودية والمسيحية والهندوسية والبوذية والطاوية والشنتوية… وهكذا تُرى كلمة religion.
ولكن يبدو أن هذا المعنى الشائع هو مأخوذ عن الفارسية!؛
فالذي حدث في كلمة الدين أنها صارت مرتبطة بالانتماء إلى جماعة بعينها. والكلمة في الأصل تدل على الحكم، الذي تغلب فيه الاستمرارية والقوة. فدينك ليس هو الجماعة التي تنتمي إليه، والتي يُكتَب اسمها في هويتك (بطاقتك الشخصية)، بل ما تدين به في حياتك بشكل مستمر، في أعمالك.
راجع التفاصيل:
din.html
وما يهمّنا هنا هو:
أنّ ما حدث بكلمة الدين هو عَرَض لنفس المرض، الذي جعل كلمة "العبادة" تتغير!
ففكرة الولاء لله، والنسبة إليه في العبادة، هي غائبة عن المسلمين – بل صار الولاء للفرقة. وقالوا أيضاً بوجوب البراءة من المخالفين، مخالفي تلك الفِرقة.
وهذا أمر في منتهى الفظاعة، ولكنه الشائع لدى فرق البعثرة. الولاء والبراء لديهم محوره، هو فِرقتهم. يجب أن تكون موالياً لها ومتبرئاً من خصومها.
ولذلك فلا نعجب من حمية الجاهلية التي نراها في تعصباتهم لأعضاء فرقهم، مهما أخطؤوا وأجرموا.
فالأساس لديهم أن تتعصّب لها ولا يهّمهم أن تكون مقتنعاً صادقاً في اتباع مبادئها!
ولذلك تجد تلك المبادئ تتبدل مع الزمن، وهذه أيضاً حال الأحزاب السياسية – المهم أن يبقى الأعضاء موالين للحزب ولرئاسته، حتى لو كانوا يناقضون ما كان يقول الحزب أو الفرقة قبل مئة سنة أو خمسين أو عشر.
فهذا شائع. هو داء شامل في البشر، لأن همهم الدنيا!
تجد الإنسان يدافع عن فِرقته، عن حزبه، عن كل أعضائها، مهما بلغوا من فساد.
مساوئهم محاسن، ومحاسن مخالفيهم محاسن.
نتذكّر ما نقلناه في فقرة-9 عن البربهاري:
(إذا رأيتَ الرجلَ من أهل السنة، رديءَ الطريق والمذهب، فاسقاً فاجراً، صاحبَ معاصٍ، ضالاً ، وهو على السنة فاصحبه، واجلِس معه فإنه ليس [تضرك] معصيتُه،
وإذا رأيتَ [الرجل] مجتهداً – وإن بدا متقشّفاً محترِقاً بالعبادة - صاحب هوى، فلا تجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه ولا [تمشِ] معه في طريق، فإنّي لا آمن أن تستحلي طريقتَه [فتهلِك] معه. – ما بين معكوفين دون *، هو هكذا في الأصل (انظر الصورة) – البَرْبَهاري، شرح السنة ، مكتبة دار المنهاج، 1426، ص120)

وهنا أتذكر الثالوثيين، وحالي معهم. فهم يتقبّلون الخروج من المسيحية (وفقاً لتسميتهم) – يتقبّلون خروجك منها، إذا بقيت موالياً للجماعة. وهذه الموالاة طبعاً تزول إذا أعلنت على الملأ خروجك منها وانتقادك لها.
وقد شهدت أشياء لا توصف إلا بحميّة الجاهلية. تجد أحدَهم يسخر! من البيبل (الكتاب المقدس)، وأقرب أصدقائه يسخرون من الله، وهو يفرح بسخريتهم من الله!، من إلهه – ثم يكتشف فجأة أنه مسيحي ومتعصّب لمسيحيته، إذا عَلِم أنك تركت ديانته، ودخلت الإسلام.
لو قلتَ له بأنك دخلت الإسلام عن غير قناعة – مثلاً للزواج من مسلمة، لتَقَبّل منك دخولك الإسلام،
لكن أن تترك ديانته (التي هو أصلا كافر بها!) عن قناعة، وتُشهِر ذلك، فهذا لديه في منتهى الحقارة! هناك أمور لا يحسن ذكرها هنا، ولعلي، لو ذكرتها، ما كنت ستصدقني.. فلنمضِ إلى فِقرة جديدة.
16. فقرة-16 مَن مالكك؟ ماذا يملكك؟ / عبادة غير الله / عبادة الشيطان
كيف يُعبَد غير الله؟ ماذا نقصد بذلك؟
16.1. ما معنى "فلان يعبد المال" ؟
كثيراً ما نقول: فلان يعبد المال.
طبعاً لا نقصد بهذا أن فلاناً له طقوس محددة يقوم بها من أجل المال، ولا أنه يرى أن المال هو إله خلق الكون. وقد يكون فلان منتسباً إلى الإسلام.
وطبعاً لا نعني بأن فلاناً يطيع المال، وكأن المال شخص يقول له: اذهب إلى جارك واسرق الذهب من بيته.
وكذلك لا نعني أنه يتوجه إلى الدولار بدعائه، فيقول مثلاً: يا أيّها الدولار اشفِني! يا أيّها الدولار اجعل منافسي يفشل في أخذ الصفقة!
وكذلك لا يقول: يا أيها الدولار إنك الإله الواحد!
وليس له طقوس يقدّمها له.
فماذا نعني بعبارتنا: "فلان يعبد المال" أو "فلان عبد المال"؟
هو ما تقدّم في شرحنا لكلمة العبادة:
- من يعبُد المال هو مِلك للمال، المال يملكه ، وليس هو الذي يملكه!
المال يقوده وقد يجعله يقتل من أجل المال، قد يقتل شخصاً مقرباً إليه حباً للمال. وكذلك ما قلناه عن الانتماء والولاء. الذي يعبد المال شغله الشاغل هو المال.
وهو يذكره دائماً (راجع فقرة-14)، يظل لسانه "رطباً" بذكر الدولار.
ويفخر مثلاً بأنه اخترع طريقة لسرقة الدولة،
وكذلك يفخر بأنه تمكن من "النصب" على فلان ذلك المبلغ الكبير.
وهو، لأنه يرى انتماءه إلى المال ونسبته إليه، فهو يقيّم الناس بالمال، وكذلك الأفعال.
طبعاً العبادة درجات، فليس كل من نَصِفُه بأنه عبد المال، هو على هذه الصورة.
وكذلك مَن يعبدون الله، عباداتهم متفاوتة.
16.2. فكيف نفهم عبادة الشيطان؟
تحدثنا عن عبادة المال، والمال هو شيء مادي. فكيف نفهم عبادة الشيطان؟
عبادة الشيطان وردت في القرآن مرتين فقط: <19_44> مريم، <36_60> يس.
نبدأ بالمرة الثانية :
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ <36_60> يس)
وهذه سياقها:
(فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <36_54> … وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ <36_59>)
فالكلام للمجرمين الذين صاروا في النار. أولئك ذكّرهم الله بأنه نهاهم عن عبادة الشيطان.
والمفسرون كثيراً ما يؤولون عبادة الشيطان بالطاعة. وكنا تحدثنا أن العبادة هي علاقة وليس فعلاً واحدا تقوم به. عبادتك للشيطان تؤدي إلى طاعته في الأفعال الكثيرة. فإن أطعت الشيطان مرّة فهذا لا يُقال عنه عِبادة.
لنفترض أن لديك امتحاناً غداً، وما زلت بحاجة للدراسة، فالشيطان قد يجمِّل لك مشاهدة مباراة كرة قدم. وقد تطيعه في هذا. فهل يُقال لك بهذا "أنت تعبد الشيطان" ؟!
وفي الآية، كما ترى، الناس استحقوا نار جهنّم. هؤلاء قيل لهم:
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
ولذلك فإننا نجد آيات كثيرة جاءت تنهانا عن اتباع خطوات الشيطان.
[راجع: ملف الصراط المستقيم: sa.html#sa_n7]
فيجب الحرص من البداية، فكثرة الخطوات في طريق الشيطان ستجعلك عبداً له. وعندها تستحق نار جهنمّ.
ولننظر الآن في الآية الأخرى ، آية مريم، لعلّ الأمر يصبح أوضح:
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا <19_44> مريم)
هذه قالها نبينا إبراهيم لوالده. وبعدها:
(يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا <19_45>
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [*!] وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا <19_46>)
وهنا أمر غريب وجدته كثيرا في التفاسير، قالوا بأن "لأرجمنّك" هنا بمعنى "لأشتمنّك"!
ولا أدري لماذا جاؤوا بهذا. فالسياق تهديديّ واضح، وقد جاء مع أنبياء ومؤمنين آخرين، فهل كانوا يُهدَّدون بالشتم؟! – نقرأ:
- (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ <11_91> هود)
- (إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا <18_20> الكهف)
- (قَالُوا لَئِن لَمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ <26_116> الشعراء)
- (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ <36_18> يس)
- (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ <44_20> الدخان)
فهل هنا أيضاً تهديد الكافرين للمؤمنين كان بالشتم؟!
ما أزال أتعجب من كلام بعض المفسرين.
أنقل هنا للاستئناس من تفسير الماتريدي:
(وقوله تعالى : { لئن لم تنته لأرجمنك } يحتمل وجوها .
أحدها : { لئن لم تنته } عن دينك الذي أنت عليه { لأرجمنك } أي لأَقْتُلَنَّكَ .
والثاني : { لئن لم تنته } عن دعائك إياي إلى دينك { لأرجمنك } أي لأطرُدَنَّكَ .
والثالث {[12000]} : { لئن لم تنته } عن قذف آلهتنا وسبها وذكرها بسوء { لأرجمنك } أي لأشتمنك مكان شتمكَ وقذفكَ آلهتنا . فالرجم يشتمل على هذه الوجوه الثلاثة : القتل والطرد والشتم .)
وأنقل عن تفسير حديث، ظلالِ القرآن، لسيد قطب:
(أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ، وكاره لعبادتها ومعرض عنها ? أَوَبلغ بك الأمر إلى هذا الحد من الجراءة ? ! فهذا إنذار لك بالموت الفظيع إن أنت أصررت على هذا الموقف الشنيع : ( لئن لم تنته لأرجمنك ) ! فاغرب عن وجهي وابعد عني طويلا . استبقاء لحياتك إن كنت تريد النجاة : ( واهجرني مليا ) . .
بهذه الجهالة تلقى الرجل الدعوة إلى الهدى . وبهذه القسوة قابل القول المؤدب المهذب . وذلك شأن الإيمان مع الكفر ؛ وشأن القلب الذي هذبه الإيمان والقلب الذي أفسده الكفر .)
وفي معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ((رَجَمَ) الرَّاءُ وَالْجِيمُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَرْجِعُ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهِيَ [الرَّمْيُ بِ] الْحِجَارَةِ، ثُمَّ يُسْتَعَارُ ذَلِكَ. مِنْ ذَلِكَ الرِّجَامُ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ. يُقَالُ رُجِمَ فُلَانٌ، إِذَا ضُرِبَ بِالْحِجَارَةِ.)
طبعاً قد يأتي الرجم بمعنى الشتم – بل قد يأتي أي شيء فيه شدة وغلظة، بمعنى الشتم أو الاعتداء الساحق بالكلام. ونقول كثيرا بالعامية: ذبحه. ونحن نعني: ذبحه بكلامه، أي أفحمه.
لكن سياق الآيات يدل على تهديد واضح، فلا أرى للشتم هنا مكاناً.
ثم –وهذا هام– نتذكر ما حدث مع إبراهيم ذاته، في سورة الأنبياء:
(إِذْ قَالَ لِأَبِيه [*أبوه المجرم المشرك موجود] وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ <21_52>
[…]
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ <21_66>
أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ <21_67>
قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ <21_68> الأنبياء)
وكذلك لدينا في الصافات محاولة القتل:
(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ <37_85>
[*…]
قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ <37_95>
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ <37_96>
قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ <37_97>
فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ <37_98>الصافات)
ولدينا أيضاً:
(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ <29_24> العنكبوت)
[لكن هنا لم يُذكر والد إبراهيم صراحةً]
فهذا الأب هو إما محرِّض على قتل ابنه أو مشارك فيه.
وهذا لأنه دعاه لعبادة رب العالمين.
نقرأ أيضاً:
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ <6_74> الأنعام)
فهذا والد إبراهيم. ماذا يُقال فيه؟ إنه شخص في قاع الشر.
ولذلك قال له ابنه:
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ <19_44> مريم)
فالأمر –نعيد– ليس متعلقاً بطاعة الشيطان في بعض المرات. نحن هنا أمام شخص يعيش الشِرك وكان يريد قتل ابنه بسبب ذلك. إلى هذه الدرجة تمكن منه الشِرك، إلى هذه الدرجة ملكه الشِرك – ملكه الشيطان.
وبهذا نتذكر المثال السابق مع المال.
ألا يمكننا أن نقول عن شخص يسرق ويقتل من أجل المال أنه يعبد الشيطان؟ بلى.
فالذي يصبح مملوكا من المال هو مملوك من الشيطان – حتى لو كان يكذِّب وجود الشيطان.
وانظر مثلاً: ( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ <58_19> المجادلة)
نقرأ في تفسير البيضاوي (ت 685 هـ): ({اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ} اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ مِن حُذْتُ الإبِلَ وأحَذْتُها إذا اسْتَوْلَيْتَ عَلَيْها، وهو مِمّا جاءَ عَلى الأصْلِ.)
فالشيطان قد يستولي على الإنسان، قد يملكه. ولا يهمنا هنا إن كان المملوك يقيم طقوساً للشيطان أو لا. وإن كان هذا أيضاً موجوداً وانتشرت الرموز التي تُعدّ تعظيما للشيطان، لعنه الله – انتشرت لدى فناني أمريكا، وخاصة في الأغاني.
ولعلك تعلم أنه يُقال في الإنجليزية possessed وكذلك في الألمانية besessen – تقال لمن يسيطر عليه روح شريرة أو فكرة سيئة.
وكلمة possessed من فعل possess – أي مَلَك.
وكذلك besessen من فعل besitzen أيضا بمعنى ملك.
ووالد إبراهيم كان طبعاً ولاؤه لتلك الأصنام وانتماؤه إليها، بصورة جنونية، دفعه إلى قتل ابنه أو المشاركة في ذلك.
وهذا هو ولاء للشيطان – حتى لو كانت الأصنام لا تحمل اسم الشيطان – وإن كان هذا أيضاً ممكنا لدى والد إبراهيم.
فالذي أراه، وأرجو أن أكون مصيباً، أن أية عبادة لغير الله، هي بصورة غير مباشرة أو مباشرة عبادة للشيطان.
17. فقرة-17 كيف أضاعوا العبادة بتعريفاتهم
نعود إلى بعض أقوالهم في العبادة. ليس لبيان خطئها، فهذا قد تقدّم، بل لبيان ضررها!
ونبدأ بما قالوه أن العبادة هي الدعاء.
وهذا تسخيف عظيم للعبادة.
فقد يكون الإنسان يعبد حاكم دولته أو شيخ طريقته، من دون أن يقول: "يا فلان اشفِني من مرضي".
وكذلك حال الإنسان الذي يعبد المال، وقد تحدثنا عنها في الفقرة السابقة.
فهو لا يدعو الدولار مثلاً ليشفيه من مرضه، أو ييسّر له صفقة ما أو ليمنحه ولداً.
فإذا حصرنا العبادة في الدعاء، جعلنا عابد المال هذا وكذلك أقرانه الذين يعبدون حكّامهم أو مشايخهم – جعلناهم عابدين لله!
وكذلك الحال مع التوحيد. فقد تقول بوحدانية الله، وأنت تعبد غيره. ويمكننا أخذ نفس المثال مع عابد المال. فهو لا يقول: لا إله إلا الدولار.
وحصر العبادة في الطاعة ، أيضاً تمييع للعبادة. فالطاعة هي أمور متكررة في حياتنا. ولا أظن أن أحداً يزعم أنه يُطيع الله في كل ما أمر به ونهى عنه.
فكيف نصف شخصاً بأنه يعبد غير الله – إذا كان الكل عُصاة (بدرجات مختلفة طبعاً)؟!
فإنهم، بما اخترعوه، ميّعوا العبادة وضيعوها. وليس هذا غريباً، فالناس يحبّون الولاء والانتماء للدنيا – لمحيطهم الدنيوي، فكان من الطبيعي أن تُحرَّف العبادة. فاخترعوا ما اخترعوه – مع أن معنى العبادة واضح، مشتق من العَبْد.
18. فقرة-18 كيف جعلوا الله عبداً لهم!
- لعلك تتعجّب من كلامي هذا؟
هل تتعجّب منه حقاً؟ نبدأ باليهود.
(24 لم تَشتَرِ لي بِالفِضَّةِ قَصَبَ طيبٍ، ولم تُروِني مِن شَحمِ ذَبائِحِكَ،
بل أَنتَ استَعبَدتَني بِخَطاياكَ، وأَسأَمتَني بِآثامِكَ. –
سِفر أشعيا، الإصحاح43)
https://www.bible.com/bible/1981/isa.43.24
والكلام هنا منسوب لله سبحانه. هو يقول لشعبه "استعبدتني".
والنصوص كثيرة لديهم تبيّن أنهم يرون الله متعلقاً بهم، محتاجاً إليهم، هو مهووس بهم. هو مهووس بهم فقط، وهذا مهما أجرموا وأشركوا.
وأفحش نصوص البيبل جعلوها على لسان الله بسبب هذا. إلههم جنّ جنونه لأن شعبه المقدّس خانه مرّات ومرّات.
(20 وعَشِقَت خُلَعاءَ بَدَنُهم بَدَنُ حَميرٍ وَمنِيُّهم مَنِيُّ خَيْل.)
https://www.bible.com/ar/bible/1981/EZK.23.20
هذا من ترجمة اليسوعية، وفي ترجمة الحياة:
(20 فأُولِعَتْ بعشّاقِها هناك الذين عورتُهم كعورةِ الحميرِ ومَنيُّهم كمنيّ الخيلِ.)
https://www.bible.com/ar/bible/101/EZK.23.20
هو –إلههم– يقول لهم هذا، لأنه تركوه وذهبوا إلى آلهة أخرى.
كما قُلنا، الذي يقرأ كتابهم المقدس يشعر بتبعية إلههم لهم. هو يتبعهم ويلهث وراءهم كي يقبلوا به إلهاً! هو مدمن عليهم! هو مُدمِن ذليل!
- ولذا فلا عجب أن نجد اليهودية صارت قومية أكثر منها مِلّة، تؤمن بالله.
وإنك ترى أشهر مشاهير اليهود يكفرون حتى بوجود الله ويدعون غيرهم للكفر به، ولعل أكثر من يُسمّى اليوم يهوداً هم متبرؤون من كتبهم المقدسة، جزئياً أو كلياً. ولننتقل بسرعة إلى الديانة المنسوبة إلى رسول الله، المسيح ابن مريم.
طبعاً النصوص الماضية هي أيضاً مقدسة لدى الثالوثيين، فَسِِفرا أشعيا وحزقيال من البيبل (الكتاب المقدس). فلا يمكنهم التبرؤ منها. فإلههم أيضاً ذليل.
لكن نتحدث عن أمر آخر، أيضاً فيه الذل. وهو أساس مِلّة الثالوثيين!
إنه صلب المسيح، ليقدّم بذاته ذبيحة إلهية تكفِّر عن خطاياهم!
فهم يؤمنون بأن إلههم انتحر من أجلهم، لكي يدخل الخاطئين منهم الجنة.
ثمّ جعلوه يعيش أحقر عيشة في الدنيا. يُهان ويُبصَق عليه، يُجلَد وتُدقّ فيه المسامير.
وتوجّوا تعذيب المسيح: بذبحه على الصليب – من أجلهم! من أجلهم! وهو يصرخ: "إلهي، إلهي لماذا تركتني"! (مرقس 15: 34؛ متى27: 46 )
فهل أكون مغالياً إذا قُلت: جعلوا المسيح عبدَهم.
كيف؟ وقد عاش أحقرَ من أي عبد – وفق كتابهم المقدس.
والمسيح عندهم، كما تعرف، هو الله.
- ننتقل بسرعة إلى الفِرَق المنتسبة إلى الإسلام.
ولنبدأ بأحد المتصوفة (ي ج)، أو غلاتهم. هذا قال بأن الله "عَبَد نفسه بنفسه"
واستشهد بأحد أسلافه أنه قال "العبدُ ربّ والربُ عبد".
ولم أذكر هنا اسم المتصوف بالكامل لأنه، على ما يبدو، حذف المقطع (؟).
والأمر لا يهمني كثيراً، فجماعة وحدة الوجود هذه حالهم. فلننتقل إلى فرقة أخرى.
الإمام حسين الشيرازي يقولها من دون مواراة:
("حبّ علي حسنة لا تضرّ معها سيئة" هذا حديث معتبر بإجماع العلماء)
ثم:
(البعض يقول هادا راح يسبب أنه كل واحد راح يتجرأ. ما يخصّنا إحنا [*أي: نحن]!!)
ثم:
(خلّيه من رأسه إلى قدمه معصية. شنو الإشكال؟ [*أي: ما هو الإشكال؟])
https://www.youtube.com/watch?v=A7nrO_QQZdk
ما هي خلاصة هذا الكلام، افعل ما تشاء، ويكفيك أن تحب علياً، حتى لو كنت ممتلئاً بالمعاصي. هذا لا يضرك: "حبّ علي حسنة لا تضرّ معها سيئة".
ولديهم أيضاً:
(قال رسول الله "ص": يا عَلِيّ،
أَنْتَ قَسِيمُ الجَنَّةِ يوْمَ الْقِيامَةِ
تَقُولُ لِلنَّارِ: هَذَا لِي، وَهَذَا لَكِ.
– الشيخ الأقدم والمحدّث الأكبر أبو جعفر الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي، عيون أخبار الرِضا، منشورات الشريف الرضي، 1378هـ، ج2، ص92))
فأيضاً إلههم هو تابع لهم. وفي أهم شيء: في الآخرة!
- الفكرة معكوسة:
نحن يجب أن يكون ولاؤنا المطلق لله، انتماؤنا الأول له،
ولكن عندهم صار الله هو محكوماً بالولاء المطلق لهم، لفرقتهم.
ولذلك صار حبّك لرئيس الفرقة هو الذي يدخلك الجنة، مهما أجرمت.
وهنا أذكّر بعبارة يحبّها كثيراً اليهود وصهاينة الثالوثيين.
يقولون: مَن يُبارك الإسرائيليين يباركه الله ومن يلعنهم يلعنه الله.
وكأن الله لديه هوية (بطاقة شخصية) مكتوب فيها: "إسرائيلي" أو "صهيوني"! – ولذلك فولاؤه لهم، وقد رأينا قبل قليل ما نسبوه إليه من البذاءات.
[راجع أيضاً: "التاتو tatoo الصهيوني" الذي نقشه إلههم على كفّه! kq2.html#kq2_n39b] - ونقرأ لدى الفرقة الأخرى. وقد تشابهت قلوبهم.
(قال سألت سعيد بن المسيّب عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال لي: اسمع يا زُهري، من مات محبّاً لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وشهد للعشرة بالجنة، وترحّم على معاوية كان حقيقا على الله أن لا يناقشه الحساب. –
تاريخ دمشق، ابن عساكر ت571 هـ، دراسة وتحقيق: محب الدن أبي سعيد عمر بن غرمة العَمروي، دار الفكر، 1418 1997، ج59، ص207 )
هم يفرضون على الله أن لا يحاسبهم!
لماذا؟ لأنهم أحبّوا رؤساء الفرقة الأربعة وترحّموا على الخامس.
ولاحظ أنهم لم يذكروا حبّ الله أو حبّ رسوله. [ولنا عودة بعد قليل إلى حبّ الله.] وننتقل إلى شيء مشابه، هنا المعيار شخص واحد، هو أحمد بن حنبل:

(إذا رأيتم الرجل يحبّ أحمدَ بن حنبل فاعلموا أنه صاحب سنّة. – ابن عساكر، تاريخ دمشق، دار الفكر، 1415 1995، ج5، ص293)
وإلا فأنت ضال كافر، نقرأ ما نُسِب للشافعي:
(وقال الربيع بن سليمان قَالَ الشافعي من أبغض أحمد بن حنبل فهو كافر
فقلت: تطلق عليه اسم الكفر؟
فقال: نعم، من أبغض أحمدَ بنَ حنبلٍ، عاند السنة ومن عاند السنة قصد الصحابة، ومن قصد الصحابة، أبغض النَّبِيّ ومن أبغض النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفر بالله العظيم.
[*و نص آخر:]
وقال أحمد بن إسحاق بن راهويه سمعت أبي يقول:
لولا أحمد بنُ حنبلٍ، وبذلِ نفسه لمّا بذلها، لذهب الإسلام [* !] .
– ابن أبي يعلى ت526 هـ، طبقات الحنابلة، مطبعة السنة المحمدية، وقف على طبعه وصححه محمد حامد الفقي، ج1، ص13)
نتابع، مع شيخ آخر، يسمونه شيخ الإسلام. ابن تيمية (ت 728هـ)، ماذا قيل فيه:
(حتى قال محمد حامد الفقي رحمه الله وغيرُه من علماء مصر: لا نزال نعرف ونميّز بين أهل التوحيد والسنة في محبة ابن تيمية.
فمن كان يُبغضه عرفنا أنه ليس من أهل التوحيد ولا من أهل السنة، [*!]
ومن كان يحبه عرفنا أنه من أهل التوحيد والسنة – عبد الله الغنيمان، السبائك الذهبية، دار ابن الجوزي، ص39)

- ننتقل إلى حزب آخر، حزب أبي حنيفة:
( وإذا أردت أن تعرف الإنسان هل هو سنى أم لا فانظر لموقفه نحو أئمتنا [*! هذا هو المقياس] وفى مقدمتهم، أولهم، وفقيههم وأسبقهم رضى الله عنهم أجمعين، سيدنا أبو حنيفة رضى الله عنه وأرضاه. [* ..]
عبد العزيز بن أبى رواد كان يقول
من أحب أبا حنيفة فهو سنى
ومن أبغضه فهو مبتدع شقى
[* تكرار] من أحب أبا حنيفة رضى الله عنه وأرضاه فهو سنى هذا على السنة ومن أبغضه فهو مبتدع شقى وكان يقول:
بيننا وبين الناس أبى [* كذا] حنيفة النعمان
فمن أحبه وتولاه [* الولاء الحقيقي يجب أن يكون لهم وليس لله!]
فهو على السنة
ومن أبغضه وانحرف عنه فهو على البدعة
بيننا وبين الناس أبو حنيفة [*لاحظ التكرار والحماس!]
هذا هو الفيصل بين أهل الهدى وأهل الردى [*أي الموت]
فمن أحبه، هذا على السنة
من أحبه من تولاه على السنة ،
من أبغضه انحرف عنه فهو على البدعة يقول هذا كما قلت شيخ الإسلام العبد الصالح عبد العزيز بن أبى رواد رضوان الله عليهم أجمعين
– كتاب خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان، ج54، ص3)
https://shamela.ws/book/21782/3439
https://archive.is/GJGTg - الفرق تريد أن يكون ولاؤك المطلق لها، وأن تتبرأ من مخالفيها، ولذلك نجد ضد أبي حنيفة مثل هذا، لدى "أهل الحديث":
("سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُ: « مَا أُحِبُّ أَنْ أُوَافِقَهُمْ عَلَى الْحَقِّ » قُلْتُ لِأَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، رَجُلٌ اسْتُتِيبَ فِي الْإِسْلَامِ مَرَّتَيْنِ » يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ" – ص 192)
("قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يُؤْجَرُ الرَّجُلُ عَلَى بُغْضِ_أَبِي_حَنِيفَةَ_وَأَصْحَابِهِ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ" – ص 180)
المصدر: عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل ت290، السنّة، دار ابن القيم،1406 1986 - وإليك هذه الطريقةَ الظريفة في مغفرة الخطايا:
(وقال الفُضَيل بنُ عياضٍ: إذا عَلِم الله عزّ وجل من الرجل أنه مُبغِضٌ لصاحب بِدعة غُفِر له ، وإن قلّ عملُه. – البربهاري، شرح السنة، مكتبة دار المنهاج، 1426، ص 138)
وصاحب البدعة يندرج تحتها كل من كان من فرقة مخالفة.
فولاؤك الحقيقي للفرقة وليس لله، وتبرؤك يجب أن يكون من كل من يخالفها.
فبدلاً من {لا إله إلّا الله} تقول: "لا فرقة إلا فرقتُنا"، الولاء لها والتبرؤ من كل مَن يخالفها. - فهي نفس الفِكرة: الدين الحق أن تحب شيخ الفرقة، وإذا أبغضته فأنت في جهنّم.
ولاؤك المطلق للفرقة ورئيسها أو رؤسائها! هكذا يكون الإسلام لديهم!
ونتعجّب: لماذا لا يذكرون حبّ الله ؟
هم يرون الله تابعاً لفرقتهم، أو لشيخها.
طبعاً لا يقولون لك: شيخ فرقتنا أعلى من الله. ولكنهم يهتمون أكثر بولائك إلى شيخهم أو شيوخهم، من ولائك إلى الله.
وكأن الله هو أحد أعضاء تلك الفرقة، أحد أعضائها الصغار!، الموالين لها.
فالله –سبحانه– صار لديهم صاحب بطاقة انتساب لفرقتهم، هو التابع لها.
ولذلك تجدهم يؤكدون على أهمية حب شيخ فرقتهم. هذا هو المعيار، هذا هو الفيصل، ولا يذكرون الله إلا قليلا! ونذكر أيضاً مثالا حديث لدى مشاري راشد العفاسي:
(إذا رأيت الرجل يحب
ابن باز والألباني والعثيمين
وآل الشيخ وصالح الفوزان وعبدالمحسن العبّاد واللحيدان ومحمد أمان الجامي
فاعلم أنه صاحب سنة . –
https://archive.is/z8fIQ
https://twitter.com/Alafasy/status/428035661204320256
)

هذا هو المقياس. ولاحظ أنه لم يقل العبارة التي أودناها من قليل: "إذا رأيتم الرجل يحبّ أحمدَ بن حنبل فاعلموا أنه صاحب سنّة."
فكل مبعثر يتحدث بلسان عصره، ومحيطه.
[والمنشور كما ترى هذا كان من سنة 2014، ولا ندري كيف سيعرف الشيخ المبعثر السُنّةَ اليوم!]
- ونتذكّر هنا بعض الآيات عن الحب، لعل أحد النائمين يصحو:
- (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ <3_31> آل عمران)
هذه الآية لا وجود لها لدى فرق الضلال.
إن كنت تحب الله وجب عليك أن تتبع رسوله، وبهذا يحبك الله.
ولاحظ أن الآية لم تقل حتى: "أحبّوني يُحببْكم الله"، فعليك الاتباع، عليك العمل!
وهم جعلوا الأساس في حب شيخ فرقتهم، السفيه أو الشقي!
(وقالوا لك النظر إليه عِبادة! – راجع: فقرة-5) - هذه حالهم:
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ <2_165>)
لكن هل هذه حالهم؟
بل هي أسوأ فهم يحبون أندادهم أكثر من الله! فالله هو أحد أعضاء فرقتهم الصغار! ألفاظ التعظيم له هي شكلية، ما يهمّهم هو أن تكون مواليا للفرقة ومشايخها. - وانظر هذه الآية، أليست هذه حالهم؟
(الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ <14_3> إبراهيم)
أحَبّوا الدنيا أكثر، ولذلك أقنعوا أنفسهم بأن الجنة لهم من دون عمل.
راجع: فقرة19، من هو مالك يوم الدين يا ترى؟ (يسوع؟ بطرس؟ محمد؟ علي؟)
kq1.html#kq1_n19
والمقياس أصلاً هو في حب الفِرقة التي ينتمون إليها، ولاؤهم المطلق لها هو النجاة.
وهذا دين أكثر الناس، الولاء للفِرقة، للمحيط الذي يعيشون فيه!
- (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
19. فقرة-19 الخاتمة؟
لا أدري إن كانت هذه هي الفقرة الأخيرة. ولكني أنوي نشر ما لدي بعدها.
فإن البحث في معنى العبادة يشغلني منذ فترة طويلة، وأرى أن أكتفي بما كتبته هنا.
ولعلي أضيف إلى هذا البحث ملحقات، أو لعلي أضطر لتعديله – أو لعلّي أسعد بتعديله. والله أعلم.
فما الذي وجدناه؟
أكثر المنتسبين للإسلام لا يستحقون أن يقولوا {إيّاكَ نعبد}! — ليسوا أهلاً لها!!
فقد يقرون بأنهم مِلك الله، ولكنهم لا يرون انتماءهم الأول إليه – بل لعلهم يجعلون انتماءهم إليه في المرتبة العاشرة.
وحتى تسمية "مسلِم" هم غافلون عنها. فإما أنهم يتجنبونها فينسبون أنفسهم إلى أسماء فرقهم المبتدعة، أو يجعلون الإسلام هو الإسلام لفرقتهم!
حالة كارثية وعامة. حتى العلماء يغفلون عنها غالباً، بل قد يغذونها، كما رأينا.
الذي حدث في العبادة أنهم حصروها في بعض الأشياء، وبهذا صار من الممكن أن يعبد أحدهم أشياء كثيرة، ويقدّمها في العبادة على الله، وهو يرى نفسه عابداً لله وحده – كيف؟
لأنه يقول: لا إله إلا الله.
أو لأنه لا يسجد إلا له.
أو لأنه يوجه دعاءه إليه فقط..إلخ..
وهكذا تم تقزيم العبادة!
فهناك جريمة جرت في حق الله، في حق عبادته. وكلنا يتلو {إيّاك نعبد}!
والفظيع أن معنى العبادة هو معنى واضح، وسهل. وكان ينبغي أن يكون أول ما يخطر بالبال!
فالعبد مِلك لسيّده،
والعبد انتماؤه الأول لسيده وكذلك ولاؤه
والعبد يذهب إلى سيده في كل شؤونه – قبل الذهب إلى غيره.
[وراجع فقرة-11 حيث توسعنا في معنة ع-ب-د]
ولكنهم ابتدعوا تلك الفوضى المظلمة في معنى العبادة.
وأعيد هنا: العبادة عزّة، فليست تذللا ولا خنوعاً، بل هي عزّة أن تكون عبداً لرب العالمين، وهو الذي يحفظ عباده!
إنا لله، إنّا له، فهو مالكنا وربنا الذي يربّنا،
ونحن له، نحن ننتمي إليه وولاؤنا المطلق له وحدَه، انتماؤنا الأعلى هو إليه – العبادة أن يكون هذا حاضراً فينا دائماً:
أن تكون هويتنا وكينونتنا أننا عباد الله.
ــ
ــ
أطلتُ عليك.
أرجو أن أكون وفقت في ما نشرته.
(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ <40_44> غافر)
والحمد لله.