من ضربك على خدك الأيمن..
مصيبة "عظة الجبل"
قائمة المحتويات
1. أسمى الأخلاق؟
لنتأمل هذين النصين مما يُسمى عِظَة الجبل 1 ليسوع المسيح:
38 «سَمِعتُم أَنَّه قيل: «العَينُ بِالعَين والسِّنُّ بِالسِّنّ».
39أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تُقاوِموا الشِّرِّير ، بَل مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن، فاعرِضْ لهُ الآخَر.
40ومَن أَرادَ أَن يُحاكِمَكَ لِيَأخُذَ قَميصَكَ، فاترُكْ لَه رِداءَكَ أَيضًا. 2 إنجيل متى 5
30 وكُلُّ مَن سَأَلَكَ فأَعطِه، ومَنِ اغتَصَب مالَكَ فلا تُطالِبْهُ به. إنجيل لوقا 6
أرجو أن تعيد القراءة وتفكر. ما رأيك بالمحتوى؟
هل يعلمنا هذا النص السمو الأخلاقي؟
هل تجد فيه القدوة في صالح الأعمال؟
هل فيه التحليق في عالم الروحانيات؟
إن كنت ترى مثل ذلك فإني أخبرك بأنك لست وحدك، فالمسيحيون يقولون ذلك والكثير من الملحدين – بل أيضاً "شيوخ مسلمون" مشهورون.
وهذه الطامّة الكبرى!
نُعيد:
مَنِ اغتَصَب مالَكَ فلا تُطالِبْهُ به : أن تستسلم للمغتصب عمل صالح؟
مَن أَرادَ أَن يُحاكِمَكَ لِيَأخُذَ قَميصَكَ، فاترُكْ لَه رِداءَكَ أَيضًا : هذا تشجيع على السرقة!
مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن، فاعرِضْ لهُ الآخَر. : هذه دعوة لزيادة تجبر الظالمين!
لا تُقاوِموا الشِّرِّير :
عدم مقاومة الشر سموّ أخلاقي؟!
بل هو الذل والهوان.
عملك الصالح يكون بمقاومة الشر وليس بالإسلام له.
أما النهي عن مقاومة الشر فهو شرّ!
كيف يمكن لأناس عقلاء [مسيحيين كانوا أم لا] أن يمدحوا مثل هذا الشر وأن يبتهجوا به؟
عظة الجبل حقُّها أن لا يروّج لها إلا الطغاة الذي يريدون الاستمرار في الظلم وتجنب أية مواجهة لهم من قبل المظلومين.
طامة كبرى أن نسمع دعاةً مسلمين يتغنون بعظة الجبل وهي تزيد الشر في العالم!
وليس أولئك الدعاة بالضرورة ممن عرف بالانحلال ومداهنة الغرب والتطبيل له.
فقد وجدت أيضاً من المشايخ المتعنتين الذين يكثرون من شتم الغرب كلاماً في تزيين صورة عظة الجبل، قالوا: (هي مُثُل عليا ولكن يصعب تطبيقها).
نَعَم يصعب تطبيقها ولكنها لا تمتّ بصلة للعلوّ، ولا يجب أن يسعى أصلاً أي إنسان لتطبيقها. إلا إذا كان منعدم المروءة: إلا إذا كان فقد إنسانيته وصار إلى كونه جثةً هامدة أقرب.
(والمسيحيون بالطبع لا يطبقون عظة الجبل ولا يسعون لذلك. بل قد ينهون أولادهم عن اتباعها - عندما يأتي ظرف حقيقي في الحياة العملية.
وهذه طامة أخرى: أن يمدحوا النصوص ومن ثم يقولون ومن دون أي خجل: نحن نعمل بعكسها. 3 )
تقليل الشر لا يكون بالإذعان له. وإني لَأَخجلُ من أن أكتب مثل هذه الجملة - لتفاهتها.
ولكن ماذا نفعل إن كان العقلاء فسدت فطرتهم السليمة وانقلبت عندهم المقاييس.
2. الرد على من يدافع عن عظة الجبل
بعد ما قلتُه هنا أتوقع أنه سيأتي مَنْ يتهمني بالتعنّت والشدة قائلاً:
(ألا تعرف أنك تستطيع التغلب على الشر بالخير وعلى الكره بالحب؟)
(هل تريدنا أن ننتقم من أعدائنا وثم ينتقمون هم منّا وهكذا يستمر العنف إلى ما لا نهاية؟)
(ألا تشعر بالسعادة لو استطعت أن تحوّل عدواً لك إلى صديق، بكرم أخلاقك وقوة تسامحك؟)
(لماذا تُنكِر كل هذا؟)
أُجيب:
لن أسألك إن كنت تعمل بعظة الجبل، لأني أعرف أنك لا تفعل. بل سأتحدث عن النص، كما هو، دون التعرّض لتصرفاتك.
إني لا أنكر شيئاً مما قلتَ. وأعترف بأنك قد تتغلب على الشر بالخير. ولكن هل هذه قاعدة؟
هل سيتحول "الشرير" إلى ملاك لأنه يراك ذليلاً لا تقاومه (أو لا تقوى على مقاومته)؟
أو لأنك تسمح له بالاستمرار في الظلم بل تدعوه إليه [تعرض له "خدك الأيسر" وَ تترك له "رداءك أيضاً"]؟
فتح الباب على مصراعيه للظالم هو الذي سيجعله يستمر بالعنف إلى ما لا نهاية له، العنفِ ضدك وضد غيرك.
والفرح بتحويل العدو إلى صديق، أيضاً مما لا أنكره ولكنه لن يتحقق بانعدام المروءة الذي تمدحه! وقد لا يتحقق أبداً.
فاقد المروءة لن يجد من يريد مصاحبته – إلا شفقةً ورأفةً به وبحاله.
وللإيضاح سأبين لك كيف يكون ما ذهبتَ إليه أو حاولتَ:
وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ [ القرآن ، سورة فصّلت (٤١)]
لاحظ هنا كلمة "ادفع" وبعدها "بالتي هي أحسن"، أما عظة الجبل فهي تشلّ حركتك فمن أين لك الدفع؟، بل أنت المدفوع كيفما شاء الظالم. ولم يأت في كلامه تعالى ادفع العداوةَ "بالخنوع والاستسلام" بل "بالتي هي أحسن".
ونحن نأمل أن تحل المودة مكان البغض. لا شك في ذلك. ولكن ليس هناك ضمان لذلك، بل تبّدلُ الأحوال يصير مستبعداً إذا استسلمنا لظلم الأعداء وتذلّلنا لهم.
عَسَى اللَّـهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّـهُ قَدِيرٌ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٧﴾ [ سورة الممتحنة (٦٠)]
وهناك فرق بين العفو عن شخص وبين أن تشجّعه على التمادي في غيّه. العفو في الإسلام يؤدي إلى الإصلاح، إلى تقليل الشر وهذا لا يكون بـ لا تُقاوِموا الشِّرِّير.
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴿ ١٩٩﴾ [ سورة الأعراف (٧)]
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣٤﴾ [ سورة آل عمران (٣)]
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٤٠﴾ [سورة الشورى (٤٢)]
3. أحبوا أعداءكم وأبغضوا أولادكم وآباءكم!
يسوع في الأناجيل ذو شخصية مضطربة جداً. فهو القائل: "أحبوا أعداءكم" في عظة الجبل وهو ذاته يقول:
26 «إِنْ جَاءَ إِلَيَّ أَحَدٌ، وَلَمْ يُبْغِضْ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَزَوْجَتَهُ وَأَوْلادَهُ وَإِخْوَتَهُ وأَخَوَاتِهِ ، بَلْ نَفْسَهُ أَيْضاً، فَلا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذاً لِي. لوقا 14
أفيأمر بأن تبغض أمك وأباك وابنك وابنتك وبأن تحب الأعداء؟!
وأيضاً مما نسبه المسيحيون إلى يسوع أنه قال:
49 ((جِئْتُ لألقِيَ نارًا على الأرضِ، وكم أتَمنَّى أن تكونَ اَشتَعَلَت! .. أتظُنونَ أنِّي جِئتُ لأُلقِيَ السَّلامَ على الأرضِ؟ أقولُ لكُم: لا، بَلِ الخِلافَ. لوقا 12
34 ((لا تَظُنُّوا أنِّي جِئتُ لأحمِلَ السَّلامَ إلى العالَمِ، ما جِئتُ لأحْمِلَ سَلامًا بَلْ سَيفًا. متى 10
المسيحيون أساؤوا كثيراً إلى رسولنا المسيحِ عيسى ابن مريم4.
ليتهم يدركون ذلك فيتراجعوا عمّا افتروه عليه (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً).
وهدانا الله أجمعين
عليكم سلام الله مني
الهوامش:
وأحياناً عظة السهل على حسب ما جاء في لوقا 6: 17
النصوص المقتبسة من الكتاب المقدس تأتي مظللة.
وقد أعطوا لقب القداسة لأناس عرفوا بقتلهم للأبرياء وكانوا أبعد الناس عن "منهج": بَل مَن لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيْمَن، فاعرِضْ لهُ الآخَر.
راجع الباب 3: مخالفة المسيحيين لكتابهم المقدس من كتاب "المكدس في الكتاب المقدس".
ويوجد مسيحيون عرب مشهورون يرسلون منشورات على تويتر وغيره يفخرون بها بمسيحيتهم ويُرفِقون هذا الفخر بقولهم: ولكننا لن نعرض الخد الأيسر!
تكديس المسيحيين لكتابهم المقدس -يزعمون تقديسه- يجعل بعضهم يعتزّ كل الاعتزاز بـ "عظة الجبل" ولكنه في ذات الوقت يعتز بأنه يقطع يدك اليمنى واليسرى قبل أن تفكر بلمس خدّه.
راجع أيضاً كيف وصفوا تعامله مع أمه مريم في الباب 13، الفقرة 8، ص 265