ما هو المعنى الحقيقي للدين؟ هل تأثر بالفارسية؟
صبحي جنجل – 2025-02-07 / 2025-01-18

قائمة المحتويات

1. الفقرات

1.1. فقرة1: هل جاءت كلمة الدين بـ 14 معنى؟

<2024-11-16 Sat>
ما هو معنى الدين؟

المعنى الشائع هو انتساب إلى جماعة ذات مذهب ما.
فيقال: فلان دينه الهندوسية أو البوذية أو الكونفوشية أو اليهودية أو المسيحية أو الإسلام.

وهذا الفهم الشائع لا أراه صائباً.

والحقيقة أن كتب التراث ذكرت بالإضافة للمعنى الشائع معانيَ كثيرةً أخرى.

ابن الجوزي (ت 597 هـ) ذكر في كتابه "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر" 11 معنى: (

  1. الإسلام
  2. التوحيد
  3. الحساب
  4. الجزاء
  5. الحكم
  6. الطاعة
  7. العادة وشاهده: {قل أتعلِّمون الله بدينكم}
  8. المِلّة
  9. االحدود
  10. العدد
  11. القرآن، وهذا المعنى ذكره بصيغة التمريض، قال: "وقد ألحق بعضهم وجهاً حادي عشر فقال: والدين: القرآن. ومنه قوله تعالى {أرأيت الذي يكذّب بالدين} –

ابن الجوزي (ت 597 هـ)، نزهة الأعين النواظر في عِلم الوجوه والنواظر، مؤسسة الرسالة، 1407 1987، ط3، دراسة وتحقيق: محمد عبد الكريم كاظم الراضي)

وموسوعة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم (أحمد بن محمد البريدي وَ فهد إبراهيم الضالع، دار التدمرية)، ذكرت 13 معنىً! ثلاثة لم يذكرها ابن الجوزي:
"الكفر" و "الدين بعينه" و "العيد"!
الكفر ذكرته الموسوعة هذه بسبب آية {ومن يتبغِ غير الإسلام ديناً} – وهذا غريب.
أما العيد فرأته في الآية {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً}.

فما حقيقة الأمر؟ هل جاءت كلمة الدين بكل هذه المعاني؟

1.2. فقرة2: {يوم الدينِ} وَ {لكم دينكم ولي دينِ}

<2024-11-15 Fri>
لننظر في هذين الموضعين لكلمة دِين:
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} <1_104>
{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} <6_109>

كلمة الدين في الآية الأولى ليست على المعنى الشائع الذي ذكرناه، ولذلك تترجم غالباً في الإنجليزية إلى يوم القضاء أو الحكم أو الجزاء (Judgment أو Recompense)، ولا يترجمونها إلى religion كما يفعلون في الآية الثاني {لكم دينكم ولي دينِ}، في السورة 109، الكافرون.
(راجع مثلاً ترجمة Sahih International.)

فما الحق؟
الذي أراه أن معنى الدين في الأولى يكاد يكون هو معنى الدين في الثانية، فليس الاختلاف كبيراً، كما يُشاع ويُظنّ (وإن كنّا طبعاً نعلم ونقرّ بأن كل كلمة قد تأتي بمعانٍ مختلفة، وهذا أمر بيّن ظاهر لكل من تصفح معجماً من المعاجم في العربية أو الألسنة الأخرى).

1.3. فقرة3: الحُكم

<2024-11-15 Fri>

نعود لِما كتبه ابن الجوزي (راجع فقرة1):
من ضمن المعاني التي ذكرها للدين كان: الحُكم. وكذلك ذكرت هذا المعنى موسوعة الوجوه والنظائر.

وهذا المعنى تجده في مصادر أخرى كثيرة للمختصين، لا حاجة لذكرها، فالأمر شائع فيها.

ولنضع كلمة "الحكم" مكان "الدين" في الآيتين السابقتين:
"مالك يوم الحُكم"
"لكم حُكمكم ولي حكمي"

ألا ترى أن هذا مناسب في الحالتين؟
لكن ليس مقصدي أن معنى الدين هو الحكم بشكل مطلق. ولكن هذا توجّهنا الأول، والتفاصيل نحن مُقدِمون عليها. وما توفيقنا إلا بالله.

1.4. فقرة4: الفارسية وكلمة الدين

هذا أمر كنت أنوي تأجيله، ولكني رأيت أن وقته المناسب هو الآن.
وهو لافت جداً ولكني لم أسمع به إلا من فترة قريبة.

هو شُبهة أثارها المستشرقون. قالوا بأن كلمة "دين" أعجمية!، أو بالأحرى أن المعنى الشائع لها هو أعجمي. أي معنى الانتساب إلى جماعة مذهبية ما (religion)، هو ليس من العربية.
واحتجوا بأن معنى كلمة الدين في الفاتحة ({مالك يوم الدين}) وغيرها، لا يتناسب مع هذا المعنى الشائع. ولم يكتفوا بهذا، فقد حدّدوا مصدر هذا المعنى للكلمة: قالوا هو من اللغة الفارسية!

والحقيقة، أنه توجد حقاً مصادر عربية في تراثنا، أشارت لذلك – أشارت إلى هذا التشابه، وإن كان تفسيرها لذلك يخالف ما أراده المستشرقون.

نذكر ما جاء لدى أبي منصور الثعالبي:
(إذ جعل في فصل "في ذكر أسماء قائمة في لغتَي العرب والفُرس على لفظ واحد" وذكر هنا: الدِّين! –
الثعالبي (ت 430 هـ)، فقه اللغة، ضبطه: ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية بيروت، 1420 - 2000، ص339)

ولدى أبي هلال العسكري:
(وَالفُرس تزْعم أَن الدّين لفظ فَارسي وتحتجّ بأنهم يجدونه فِي كتبهمْ الْمُؤَلّفَة قبل دُخُول الْعَرَبيَّة أَرضهم بِأَلف سنة ويذكرون أَن لَهُم خطا يَكْتُبُونَ بِهِ كِتَابهمْ الْمنزل بزعمهم يُسمى "دين دوري" أَي: كِتَابَه الَّذِي سَمَّاهُ بذلك صَاحبهمْ "زرادشت" وَنحن نجد للدّين أصلا واشتقاقا صَحِيحا فِي الْعَرَبيَّة وَمَا كَانَ كَذَلِك لَا نحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أعجمي_،
وَإِن صَحَّ مَا قَالُوهُ فَإِن الدّين قد حصل فِي الْعَرَبيَّة والفارسية اسْما لشَيْء وَاحِد _على جِهَة الِاتِّفَاق
وَقد يكون على جِهَة الِاتِّفَاق مَا هُوَ اعْجَبْ من هَذَا –
العسكري 395هـ ؟ ، الفروق اللغوية، تحقيق: محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة القاهرة، 1418 1997 ؟، ص220)

فكما ترى، العسكري ذكر الكلام، ويرى أنه لو صحّ فهو مجرّد صدفة. ولكن بعض المستشرقين حاولوا التدليس وقالوا بأنه رأى أن الكلمة دخيلة.
وبعض المستشرقين غلا أكثر، فرأى أن معاني كلمة الدين الأخرى من لغات أعجمية "سامية"، أي أن الحساب أو الجزاء أو الحكم أيضاً منها!
وهذا أمر لا يستحق الالتفات، فهناك أمور كثيرة مشتركة بين العربية وبين الآرامية والعبرية وغيرها من اللغات "السامية" (كما يسمونها).

ولكن ما قصة الفارسية والدين؟
أنا لا أعرف الفارسية، لا فارسيةَ اليوم ولا فارسية عصر البعثة النبوية أو بعدها.
لكن لا أستبعد أن يكون معنى كلمة دين آنذاك هو المعنى الشائع لكلمة دين اليوم في العربية (أي بمعنى: مذهب جماعة)، ولعلّ هذا من الأسباب التي ساهمت في تغيير معنى الدين، أو في انزياحه بقوة نحو ذلك المعنى، أو في تشعّبه الشديد، كما رأينا.

أما المعنى الأصلي لكلمة دين فإني آراه في الحُكم، كما أسلفت، وهو أصل حاضر أيضاً في اللغات "السامية".

1.5. فقرة5: مشكلتي مع المعنى الشائع، الكهنوت

لماذا أكتب هذا الملف؟ السبب الرئيسي هو أني رأيت تسخيفاً لكلمة الدين، وكنت متردداً في التأليف إلى أن وجدت الكلام عن الفارسية وأصل كلمة الدين.
فلا شك أن للفرس تأثيراً كبيراً في ما طرأ على الإسلام.
وهذا التغيير هو الشائع، إذ تصير الأديان كهنوتية، ويصير الولاء لما يقولونه هو بمثابة الدين.

وهو الذي حدّث في من بدّل ملّة موسى وملّة عيسى من قبل.

وعلينا هنا أن نلتفت إلى كلمة الإسلام.
(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ <3_19>آل عمران)
الإسلام، كلمة عامة، أن تُسلِم لله، وليس لجماعة. والطريف أن الغرب كان يسمي المسلمين بالمحمديين (وما زال بعضهم)، لأنهم لم يفهموا الإسلام – وليسوا هم وحدهم مَن لم يفهموا الإسلام.

فالإسلام اليوم هو لدى الأكثرية الانتساب للفرقة والتعصب لها ولمشايخها. أي الإسلام لها، وليس لله.
فنقول: فلان مُسلِم، لأنه شهد الشهادتين، أو لأن والديه مُسلمان، أو لأنه يتلو الفاتحة…إلخ.
فنحن ننسى بذلك أن الإسلام أن تُسلم لله، وليس هو ما كُتِب في أوراق الحكومة عنك، أو ما يقرّ به لسانك.

1.6. فقرة6: الملة والدين / "فلان حَسَنُ الدين"

قلنا إن معنى الدين قريب من الحُكم.
ولعل هذا من أسباب تغيّر معنى الدين إلى الطائفة أو الملّة أو religion.
فكل طائفة لها بطبيعة الحال أحكام، تقول بصحتها وتسعى لاتباعها أو تزعم ذلك.
فالفرق ليس كبيراً، لكن الدين أعمّ وقد لا يكون متعلّقاً بملّة جماعة ما.
فالذي أراه أن لكل إنسان ديناً حتى لو لم تكن له ملّة، وقد تكون له ملّة ولكن دينه بعيد منها!
فقد يقول لك بأن ملّته هي ملّة إبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد، وقد يشهد بصحّة كل ما جاء في القرآن، ولكنه يتّبع ديناً آخر، دون أن يعِيَ ذلك.
وكذلك الحال مع البوذي أو الهندوسي أو المسيحي أو اليهودي، قد يكون دينه مخالفاً لملّته، حتى لو كان يتعصّب لها، ويراها صحيحة. إذ تراه في ظروف حياته المختلفة يعمل بخلاف تلك الملّة.

ويحسن هنا نقل قول للعسكري:
(أَن الْملَّة اسْم لجملة الشَّرِيعَة وَالدّين اسْم لما عَلَيْهِ كل وَاحِد من أَهلهَا أَلا ترى أَنه يُقَال فلَان حسن الدّين وَلَا يُقَال حسن الْملَّة –
العسكري 395هـ ؟ ، الفروق اللغوية، تحقيق: محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة القاهرة، 1418 1997 ؟، ص220)

وهذا يبيّن لك أن الدين أكثر التصاقاً بالإنسان من ملّته التي ينتمي إليها.
فاختيارك للملّة الصحيحة، لا يعني أن دينك صحيح، فقد يكون دينك واهي الصِلة بتلك الملّة!
وكثيراً ماترى أناساً يصفون أنفسهم بأنهم مسلمون ومسيحيون ويهود وملاحدة، ثم تكتشف أن كلهم على دين واحد – لا يختلفون إلا في الأعياد والطقوس..

1.7. فقرة7: الدين – القوّة والدوام / العادة

نريد هنا مزيداً من الوضوح في معنى الدين. وقد تقدّم قولنا في أن الدين قريب معنىً من الحُكم.
والذي يبدو لي أن الدين فيه تخصيص للحُكم، فالدين فيه قوّة أو دوام.
والذي يساعدنا في هذا التفسير، هو أن الكثير من المراجع ذكرت أن من معاني الدين هو العادة!
والعادة، كما تعرف، لها دوام وقوة في حياتنا. وفي الألمانية يقال الإنسان هو Gewohnheitstier أي أنه "دابّة العادة"!

ولنقتبس من بعض المصادر (والاقتباس لا يعني أن المصدر أو العالِم لم يذكر أقوالاً أخرى في معنى الدين) :

  • الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت170 هـ) في معجمه الشهير، العين: "والدِّينُ: العادةُ"
  • الجوهري (ت 393؟ هـ) في الصحاح: "_والدينُ بالكسر: العادة والشأن._
  • ابن سيده الأندلسي (ت 458 هـ) في المُحكَم: "_والدِّينُ: العادَة،_ وقد رُوِيَ: (دِينَ هذا القَلْبِ من نُعْمِ … )"
  • الصاحب بن عبّاد (ت 385 هـ)
    "والحالُ. والعادَةُ. ومَطَر يَتَعَاهَدُ مَوْضِعاً لا يَزَالُ يُرِبّ به وُيصيْبُه."
    لاحظ أن المطر هنا سمّي بالدين، لأنه يداوم موضعاً ما، وكأنها عادته!
  • ابن فارس (ت 395 هـ) في مقاييس اللغة:
    "فَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعَادَةَ يُقَالُ لَهَا دِينٌ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَلِأَنَّ النَّفْسَ إِذَا اعْتَادَتْ شَيْئًا مَرَّتْ مَعَهُ وَانْقَادَتْ لَهُ."
    وهذا قول حسن. فالعادة تصبح قوية، حاكمة عليك.

وفي ما ذكرناه غُنية، وإلا فالمصادر كثيرة في هذا، وكنّا أشرنا في فقرة1 أن كتب الوجوه والنظائر ذكرت أيضاً العادة من ضمن معاني الدين.

ويحسن هنا أن نذكر كلمة قريبة من الدين وهي "الديدن" وهذه معناها العادة.

ونشير أيضاً إلى التشابه الصوتي بين "دان" وَ "دام" – فأحياناً يكون التشابه الصوتي قريناً للتشابة المعنوي.

طبعاً، لم أرِد بما اقتبسته، أن الدين هو العادة، وإنما أن أبين القوة والدوام في المعنى، من خلال قرابته بالعادة.

والحقيقة أنك إذا داومت على العمل الصالح فإنه يصبح كالعادة لديك، ويقلّ العناء في مواصلته، أما في البداية فيكون الأمر صعباً.
والعكس بالعكس، العمل الشرير قد يصعب عليك في البداية ثم تعتاده، ويصبح لديك طبيعياً، وكأنك اصطبغت به.

فاتباعك الهدى يزيدك هدى، وابتعادك عنه يزيدك ضلالاً.

1.8. فقرة8: مثال مع المطفف، أو الذي يسرق الضرائب

للإيضاح نذكر مثالاً عن بائع.
هذا البائع يحب أن يتلاعب بالميزان، هو من المطفّفين، أو يحاول بيع الفواكه العَفِنة فيضعها تحت الطازجة..إلخ.
هذا البائع قد يكون مسيحياً أو بوذيا أو هندوسياً أو مسلماً (بالمعنى الشائع)، أي أنه منتسب لإحدى هذه الجماعات "الدينية".
ولكن دينه هو الغش!، أو الغش من دينه، هو يحتكم إلى الغش. ولا علاقة لهذا بانتمائه لمذهب أو طائفة.

وهذا الدين قد يكون خفياً وقد يكون معلناً. وأذكر هنا الغش ضد الدولة، فهذا كثيراً ما يفخر به الناس على مختلف انتماءاتهم الطائفية.
(وطبعاً الكثير من السياسيين يدينون بغشّ المواطنين أيضاً.)

فالدين هم أعمّ من المعنى الشائع. هو كالنظام الذي يسيّر مختلف تصرّفاتك.

وفي البلدان العربية يمكننا أن نقول: الرشوة هي من الدين!

1.9. فقرة9: إخلاص الدين – ما هذا؟

متى تشعر بأن الله هو حقاً محور حياتك، بأنه هو الحاكم في نظام حياتك؟
هذا لا يحدث كثيراً، بل هو نادر جداً.
ولننظر في هذه الآية:
(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ
وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا
جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [*!] لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ <10_22> يونس)

وهناك آيات مشابهة، تبين حالة الإنسان في الشدّة وهو يتضرع إلى الله ويشعر أنه في منتهى الحاجة إلى الله، ويبدأ يعِد اللهَ بأن كل سعيه سيكون لإرضائه، بأن قراراته وتصرفاته كلها ستنبع من خضوعه لحُكم الله: سيقول بأنه سيجعل دينه خالصاً لله.
ولكن ماذا يحدث بعدها؟، بعد زوال الشدة، ينسى الإنسان حاجته، ويعود لعادته القديمة – في أغلب الأحوال.

واللافت هنا أن الآية تخاطب جُملة الناس، فليس الخطاب فيها "يا أيّها الذين آمنوا".
فقبل الآية مباشرة:
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ [*!] رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ
إِذَا لَهُم مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ <10_21>

وكذلك بعدها:
فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ [*!] إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <10_23>

وهذا يعزّز ما ذهبنا إليه أن الدين هو أعمّ من الانتساب إلى ملّة أو طائفة أو فرقة وتصديق مبادئها.

وهناك أمر آخر لافت هنا:
الآية تقول:
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [*!] لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ <10_22>
اللافت أنها لم تقل: "مخلصين له في الدين"، فالدين هو مفعول الإخلاص.
فالبعض فسّر الآية بأن الإخلاص هو هنا بمعنى الصدق والوفاء، فيكون المعنى: الصدق والوفاء في مبادئ الطائفة أو الجماعة التي ينتمي إليها الإنسان.
وهذا تصغير وتضعيف لمعنى: إخلاص الدين. الأمر يحتاج لتدقيق، ولننظر في هاتين الترجمتين، لعل الأمر يصير أوضح:

في ترجمة القرآن المعروفة: "صحيح إنترناشيونال"

[they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, –

https://quranenc.com/ar/browse/english_saheeh/10]

لاحظ الترجمة غيّرت النص، إذ جعلت الإخلاص في الدين، في الـ religion.

وأمر مشابه في الترجمة الألمانية لـ Bubenheim وَ Elyas:

[(dann) rufen sie Allah an, (wobei sie) Ihm gegenüber aufrichtig in der Religion (sind) –
https://tanzil.net/#trans/de.bubenheim/10:22]

الأقواس المحدّبة في الترجمة ذاتها.

وكلمة aufrichtig بمعنى sincere وتعني الصادق أو الأمين. وحرف الجر in في الحالتين بمعنى "في".

وقد جاؤوا بهذه الترجمة، لأن المعنى الشائع للدين يدفعهم إليها.
فالدين برأيهم من حيث التعريفُ، هو لله.
هو الجزء الخاص بالله، فلا معنى أن نخلِصَه (أو نجعلَه صافياً) لله، فهو بالأصل له! لذلك ذهبوا إلى "الإخلاص في الدين"!
وكأنهم رأوا أن إخلاص الدين لله، شبيه بإخلاص التوحيد لله؛ والتوحيد أصلاً لله، فما وجه إخلاصه لله؟ لعلهم وجدوا في الأمر لغواً.

وكما قلنا، الخطاب كان هنا عاماً، فالدين ليس أصلاً مخصوص بالمؤمنين.
فهل تقول الآية: مُخلصين لله عبادةَ اللات والعزّى ومناة؟ فعبادة الثلاث كان من "دين" المشركين. فهل قصدت الآية إخلاص هذا الشِرك لله؟!

ولكن حتى لو افترضنا أن المخاطبين هنا هم المؤمنون يبقى هناك اضطراب، فالآية فيها: "مخلِصين له الدينَ" وليس "مخلِصين له في الدين".

والإشكال يظهر أيضاً في التفاسير، ولكن بطريقة أخرى:
في تفسير الطبري (ت 310 هـ):
[{دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أَيْ: أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ لِلَّهِ وَلَمْ يَدْعُوا أَحَدًا سِوَى اللَّهِ.]
فهل الدعاء من مرادفات الدين؟
الآية تتحدث عن إخلاص الدين، وليس الإخلاص (في) الدعاء!
والطبري ذاته قال في تفسيره في 2_94:
2_94
("خلص لي فلان" بمعنى صار لي وحدي وصفا لي.)
فأن تخلِصَ دينَك لله هو أن تجعله صافياً لله. ولكن الطبري جاء في آية يونس بشيء آخر، كما ترى.

ونذهب إلى تفسير البغوي (ت 516 هـ):
[أَيْ: أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ لِلَّهِ وَلَمْ يَدْعُوا أَحَدًا سِوَى اللَّهِ.]
أيضاً ذهب إلى الدعاء.
وفي تفسير ابن كثير (ت 774 هـ):
[أَيْ: لَا يَدْعُونَ مَعَهُ صَنَمًا وَلَا وَثَنًا، بَلْ يُفْرِدُونَهُ بِالدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ،]

ولنقرأ أيضاً هذا المقطع لدى الفخر الرازي (ت 606هـ):
[السُّؤالُ الخامِسُ: ما المُرادُ مِنَ الإخْلاصِ في قَوْلِهِ: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} .
والجَوابُ: [*بل هو إجابات، إجابات غريبة:]
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ:
يُرِيدُ تَرَكُوا الشِّرْكَ، ولَمْ يُشْرِكُوا بِهِ مِن آلِهَتِهِمْ شَيْئًا ، وأقَرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ. [*ولا أحسب هذه مفردات ابن عباس!]
قالَ الحَسَنُ: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ} الإخْلاصُ:
الإيمانُ، [* هذه جديدة! الإخلاص هو الإيمان؟!]
لَكِنْ لِأجْلِ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يُنَجِّيهِمْ مِن ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَيَكُونُ جارِيًا مَجْرى الإيمانِ الِاضْطِرارِيِّ. [*!]
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ:
هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ ما يَدْعُونَ، فَإذا جاءَ الضُّرُّ والبَلاءُ لَمْ يَدْعُوا إلّا اللَّهَ.
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ
أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ الدُّعاءِ قَوْلُهم: أهْيا شَراهْيا، تَفْسِيرُهُ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ.]
انتهى! ما رأيك بـ "أهْيا شراهْيا" هذه؟

ومنبع الإشكال، في رأيي، أنهم لم يفهموا الدين بالمعنى العام، بل خصّصوه وصغّروه، فحصروه في نطاق معيّن.
وهذا أمر يتكرر لدى المفسرين: تكون المفردة القرآنية عامة، فيختلقون لها معنى خاصاً، ثم يختلقون لهذا المعنى تفاصيل لا تُحصى.

ولعل تقول هنا: لكن إن كان الدين هو بمثابة الحكم العام الذي يُخضِع الإنسان له نفسه، فلماذا قيل هنا "مخلِصين له الدين" في لحظة الشدة هذه، فهذه فترة محدودة جداً، لا يمكن فيها ظهور إخلاص الدين!
أقول: المقصد، في رأيي، أن الإنسان في هذه اللحظة يدرك بأنه في أشد الحاجة إلى الله ويُدرك أنه في منتهى الفقر إلى الله، في هذه اللحظة ودائماً. ولذلك ينوي أن يغيّر حياته كلياً من أجل الله. فإخلاص الدين هنا في نيّة الإنسان. وهذا المقصود.
أما أن يبقى الإنسان على ذلك بعد زوال المحنة، فهذا نادر جداً.

وإخلاص الدين ذُِكر 11 مرّة وفي كلّها يكون الدين مفعولاً به، فليس الكلام عن الإخلاص في الدين:

  1. وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ <4_146>النساء
  2. وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ <7_29>الأعراف
  3. <10_22> [التي نظرنا فيها]
  4. فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
    فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ <29_65>العنكبوت
  5. وَإِذَا غَشِيَهُم مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
    فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ <31_32>القمان
  6. إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ <39_2>الزمر
  7. قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ <39_11>الزمر
  8. قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي <39_14>الزمر
  9. فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ <40_14>غافر
  10. هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ <40_65>غافر
  11. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ <98_5>البينة

فالأمر في غاية الأهمية. أن تُخلِص حُكْم حياتك، نظامَها، قانونَها لله! وهذا شيء يتكرر باستمرار، ولا يمكنك حصره في المسجد أو في بعض "الشعائر".

1.10. فقرة10: خلاصة / {مالك يوم الدين}

رأينا أن كلمة الدين جعلوا لها 14 معنى بل أكثر.
وهذا فيه مبالغة فظيعة. فالمعنى الأساسي هو الحُكم. ويبدو أنه في أكثر المواضع يحمل معنى الحُكم القوي، طويل الأمَد. وكُنّا رأينا في فقرة7 أن الدين يأتي بمعنى العادة، وهذه فيها أيضاً قوّة وتمتد لفترة طويلة.

فهذا كان الإشكال الأول مع ما يُشاع عن كلمة الدين.
أما الإشكال الثاني فهو أكبر:
لأن الفكرة الراسخة لدى الناس أن الدين بمعناه الأساسي هو شيء مثل religion، هو مجموعة من العقائد التي تقول بها طائفة ما.
فالدين صار بهذا صغيراً جداً، ومن دون تأثير حقيقي في الحياة.
ـ،ـ
وبعد،
ننتهي هنا بالذهاب إلى البداية. إلى {مالك يوم الدين} في الفاتحة. لعلّ أهميّة الأمر تتثبت لديكم.

الله اختار كلمة "يوم الدين"، وكان يمكن أن يختار مثلاً التعابير القرآنية الأخرى مثل:

  • يوم الحساب
  • يوم الوعيد
  • يوم الحسرة
  • يوم الجمع
  • يوم الفصل

ولكنه اختار "يوم الدين". وأرى هذا عظيماً:
فكلمة يوم الدين تربطك مباشرة بالدنيا، بدينك في الدنيا، أي بحُكمك الذي تتبعه فيها، وتخضع له أعمالك.
فإنْ صَلَح دينُك في الدنيا ، صَلَحَ دينُك في الآخرة!
إن صَلَح حُكمُك على نفسك في الدنيا، صلح حكم الله عليك في الآخرة.
دينك في يوم الدين هو ثمرة دينك في الدنيا.
فيجب أن تتذكر هذا دائماً.
هذا من جمال كلمة الدين وقوتها.
وليته كان لا يضيع في "التفاسير" والترجمات..

(وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ <82_17>
ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ <82_18>
يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ <82_19>الانفطار)
(الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا
وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا
وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ <7_51>الأعراف)
ـ،ـ
ـ،ـ
تعقيب هذا ما تيسّر لي، ولعل ما كتبته يحتاج لتنقيح أو تصويب، فاقبلوه مني هكذا، لعلي أصلحه قريباً، ولعلكم تفيدونني في هذا.
والسلام


الرئيسية | آخر تحديث | الملفات | التواصل | ادعمني