لماذا حلّ "صراط اليوغا" محلّ الصراط المستقيم؟
صبحي جنجل – 2024-02-11
قائمة المحتويات
- 1. فقرة1 ما هي تلك الكلمة في الفاتحة؟
- 2. فقرة2 كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ
- 3. فقرة3 كيف فسروا الصراط المستقيم في الفاتحة؟
- 4. فقرة4 في سبيل الله
- 5. فقرة5 سلسبيل
- 6. فقرة6 مظاهر أخرى لصورة الطريق في الفاتحة
- 7. فقرة7 تعامل الشيطان مع الصراط المستقيم
- 8. فقرة8 نصيحة وملاحظة لترسيخ صورة المسير على الطريق
- 9. فقرة9 سارعوا، استبقوا..
- 10. فقرة10 آيات أخرى في تشبيه الحياة بالسير في الطُرُق
- 11. فقرة11 الفهم الحقيقي لمعنى الصراط
- 12. فقرة12 صراط الحميد
- 13. فقرة13 خاتمة
1. فقرة1 ما هي تلك الكلمة في الفاتحة؟
سؤال: سورة الفاتحة قصيرة. فما هي الكلمات التي تكررت فيها؟
إذا نظرنا في البسملة فلدينا: الله، الرحمن، الرحيم. فهذه تتكرر. وكلها عن الله. فلا غرابة في ذلك.
لكن سؤالي عن الكلمات الأخرى.
فلعلّك تقول: "إيّاك" : { إيّاك نعبد، وإيّاك نستعين}. أيضاً هذه عن الله.
فما هي الكلمات الأخرى؟
لدينا الصراط. {اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم}.
هذه الكلمة تكررت في السورة، ولا يوجد غيرها!
وسؤال آخر:
ما هي "طلباتنا" في سورة الفاتحة؟
إنه طلب وحيد: { اِهْدِنا الصراط المستقيم}، وفيه جاءت كلمة الصراط – اهدِنا من الناحية النحوية: الأمر الوحيد في السورة، وهذا الذي نطلبه من الله، ولا نطلب غيره بصيغة الأمر، هو هداية الصراط المستقيم.
وسؤال ثالث:
كم مرة وردت كلمة "صِراط" في القرآن؟ كم تتوقّع؟
أظنك ستقدر الرقم دون نصفه أو حتى دون ربعه.
فقد وردت الكلمة خمس وأربعين مرة في خمس وأربعين آية!
والسؤال الرابع:
ما الذي يتبادر إلى ذهن المسلم عندما يسمع كلمة "صراط"؟
لو سألت اليوم أغلب المسلمين عن كلمة "الصراط" فإنهم سيذهبون إلى قصّة صراط جهنم. ("أدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ." – مثلاً في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري).
وهناك القصص العجيبة الكثيرة التي بعثرها أهل البعثرة عن صراطهم هذا الجديد.
لن أناقش هنا مروياتهم تلك، لا متُونها ولا أسانيدها.
بل لنفترض أنها حق، أن كلها حق. وأنه يوجد صراط هو جسر على جهنم. فهلْ يبرّر هذا أن يصير هذا الصراط هو المسيطر على أذهان المسلمين، دون الصراط المستقيم الذي يذكرونه 17 مرة كل يوم – في الفاتحة؟
لماذا أُغفل الصراط المستقيم، وجيء بصراطهم، صراط جهنّم، ذاك العجيب؟ هل كان هذا صُدفةً؟
لنؤجل الإجابة. ولنؤجل النظر في الصراط المستقيم. فسيكون الكلام عن الصراط المستقيم على دَفعات في هذا الدرس.
ولكنْ: ملاحظة هنا قبل أن نتابع:
- "أدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ" – هذا العبارة التي ذكرناها للتوّ، جاءت في صحيح مُسلِم هكذا:
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ.) – فمَن الذي بلّغ الخدري هذا؟ - وأمر آخر: في صحيح البخاري يوجد باب "52- الصراط جسر جهنّم"، وهذا الباب يتألّف من مرويّة واحدة، رقمها 6204.
لا ترد فيها أصلاً كلمة "صراط" – لا على لسان محمّد ولا على لسان أحد غيره. الباب 52 المعنون بالصراط، ليس فيه كلمة "صراط"!
(أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار ابن كثير - اليمامة، 1414 1993، مصطفى البُغا، ص2403، 52-باب: الصِراط جَِسْرُ جهنّم.)

شكل 1: صحيح البخاري، صراطهم العجيب
الأمر مريب، وأراه يستحق البحث.
ولكن ليس هذا غرضَنا هنا.
فلنتابع.
2. فقرة2 كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ
انظر:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ <40_39>غافر)
الذي يهمّنا هنا هو تعبير "دار القرار" عن الآخرة. فحياتنا هذه التي نحياها في الدنيا ليست إلا رحلة ولن نجد الاستقرار إلا في الآخرة في دار القرار.
وانظر أيضاً:
(أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا <25_75>
خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا <25_76>الفرقان)
هذا هو المستقر والمقام الحقيقي، وليس الدنيا!
ولدينا أيضاً:
(الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ <35_35>فاطر)
ويقابل ذلك أيضاً:
(جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ <14_29>إبراهيم)
(يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ <40_52>غافر)
ولدينا هذه الآيات
إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ <75_12>القيامة
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى <53_42>النجم
إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا <79_44>النازعات
وكذلك:
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ <50_43>ق)
وكنا ذكرنا أن كل موارد ص-ي-ر هي عن الآخر، ومصيرنا إلى الله.
kq1.html#kq1_n11
قد ترى مثل هذه الآيات عادية، ولكنها هامّة وجليّة، هي تذكّرك دائماً، بأن حياتنا الدنيوية كلها هي مرحلة مؤقتة، حتى يأتي لقاؤنا بالله:
(مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ <29_5>العنكبوت)
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا <18_110>الكهف)
وقد تكررت موارد جذر ل-ق-ي بمعنى لقاء الآخرة.
ولنكتف هنا بإضافة هذا الشاهد:
(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ <84_6>الانشقاق)
لاحظ استخدام الفاء، لم يقل الله حتى "ثم ملاقيه"، بل "فملاقيه"، وكأن اللقاء فوري. ('ثم' تستخدم عادة "للتراخي" كما يقول أصحاب اللغة)
وانظر أيضاً إلى تعبير "الآخرة" ألا يوحي لك بأنها المستقر والمقام؟
فالدنيا ليست إلا الطريق إليها.
3. فقرة3 كيف فسروا الصراط المستقيم في الفاتحة؟
وبهذا نعود للكلام عن الصراط، الصراط المستقيم، الذي ذكره الله في الفاتحة، لا صراطهم المُختَرَع، "صِراط اليُوغا" – إذا لا يمكن أن يجتازه إلّا محترفو اليُوغا Yoga – ألَم يصفوه بأنه: "أدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ" ؟ وأصحاب اليوغا لهم تدريبات عجيبة ومرونة خارقة تلزم لاجتياز مثل ذلك.
لكن دَعنا من هذا العبَث. ما يُريبنا هنا في أهل الحديث، أنهم جعلوا صراطهم المخترع هذا من أساس العقيدة.
راجع مثلاً عقيدة الرازيَين في كتاب اللالكائي الشهير:
ahl_hadith.html#alraziin
وكذلك من نفس الكتاب، عقيدة سفيان بن عيينة.
ahl_hadith.html#sfian_o
لماذا صار لهذا الشيء الغيبي هذه الأهمية لديهم؟ وكأن هدفهم، أو هدف أسلافهم، كان تغييب الصراط المستقيم؟
أيا كان، هم لا يفسّرون الصراط في الفاتحة بأنه صراطهم، صراط اليوغا.
ولكنهم جاؤوا أيضاً بأشياء غريبة، فيها تخبّط.
لكن لنبدأ بما اتفقوا عليه، وهو أن الصراط في اللغة: الطريق. (وهذا صحيح، وإن كان الأمر يحتاج إلى تفصيل، نأتي عليه في حينه).
ولكن على عادة أهل البعثرة، حتى إذا اتفقوا على معنى كلمة، فإنهم يحبّون اختراع التأويلات وابتداع التخصيصات لها.
ومما قالوه مثلاً: أن الصراط المستقيم هو طريق الحج! (راجع مثلاً تفسير القرطبي، وقد نسب القول إلى الفضل بن عياض. والفضل هذا وُلِد في سمرقند 107هـ (لعلّه كان قبلها على الهندوسية؟) – والقرطبي ذاته استبعد هذا التأويل)
ومما قالوه في الصراط هنا أنه: محمّد، أو هو محمّد وصاحباه أبو بكر وعُمَر،
أو قالوا بأنه هو الإسلام ذاته، أو قالوا بأنه القرآن.
وكل هذه التأويلات تُبعدنا عن المعنى الذي اتفقوا عليه: وهو أن الصراط هو الطريق.
وقد رأينا في الفقرة السابقة تصوير الآخرة بأنها دار القرار، فالدنيا هي رحلة نسيرها في طُرُقنا.
فالمعنى ليس صعباً، إنّا نطلب من الله أن يهدينا الطريق الصحيح الذي يوصلنا للقائه في الجنة.
ولكنّ أصحاب صراط اليوغا يحبون الابتداعات.
ملاحظة1: لعلّك تتساءل: ما الخطأ في أن نقول بأن الصراط المستقيم هو القرآن؟
الجواب: ما الخطأ في أن نصف الطريق الصحيح بأنه خريطة؟! القرآن هو دليلنا لمعرفة الطريق أو الخريطة إن جاز التعبير. ولكنه ليس الطريق.
ملاحظة2: سنرى في ما يلي شواهد كثيرة تبيّن لنا أن الله يؤكّد في كتابه على صورة الإنسان في رحلته إلى الآخرة على الطرق المختلفة. وسنفهم إن شاء الله أهمية هذا التشبيه الحِسّي.
4. فقرة4 في سبيل الله
ماذا يتبادر إلى ذهنك إذا سمعت عبارة "في سبيل الله"؟
لعلك تقول: الجهاد والإنفاق والعمل الصالح عامة في سبيل الله.
جيد، ولكن ماذا تفهم من عبارة "في سبيل الله".
لعلك تقول: من أجل الله، أو لوجه لله.
أيضاً جيد، ولكن ألا تلتفت إلى كلمة "سبيل"؟
وهذا ما نريده هنا. فهذه أُخت كلمة الصراط. ولكن الذي أراه أنها غائبة عن وعي المسلمين. أعني معناها الحسي التشبيهي. فهناك سُبُل كثيرة، والمسلم يجب أن يبحث عن سبيل الله. فيبدو أن ما فعله أصحاب صراط اليوغا، أيضاً غيّب كلمة السبيل، "سبيل الله"(؟)
ولدي هنا سؤال يشبه ما سألته في فقرة1.
السؤال هو: كم مرة تتوقع جاءت عبارة "سبيل الله" في القرآن؟
الذي أظنه أنك ستقدّر العدد دون النصف أو حتى دون الربع.
عبارة "سبيل الله" هكذا بالحرف وردت: 69 مرة! – وقد جاءت بالمعنى بصيغ أخرى.
أما كلمة "سبيل" (بالمفرد أو الجمع: "سُبُل") فقد وردت 176 مرة! (ومعظم الموارد عن سبل الخير والشر.)
فنعيد السؤال: لماذا تشبيه الحياة الدنيا بمسير الإنسان للفترة المؤقتة، هو غير راسخ في قلب المسلم؟
لماذا الصراط عندهم هو صراط االيوغا (جسر فوق جهنّم)، وعبارة "في سبيل الله" هي "من أجل الله".
يجب أن يبقى التشبيه المذكور حاضراً في ذهنك. أهمية ذلك، إن لم تكن واضحة الآن، فإن ستتبين خلال هذا الدرس بإذن الله.
نتابع.
5. فقرة5 سلسبيل
ذكرنا أن كلمة سبيل أو سُبُل وردت 176 ويمكننا أن نضيف إليها المرة الـ 177.
مقصدي هو هذه الآية عن الجنّة:
(عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا <76_18>الإنسان)
فالقريب أن نفسّر كلمة "سلسبيلا" بأنها: "سَلْ سبيلاً"، أي اسأل سبيلاً، أو اطلب سبيلاً.
وهي صورة جميلة. كأن اسم هذه العيّن يعبّر عن سعيك في الدينا إلى سبيل الله أو في سبيل الله.
فعندما سألْت عن سبيل الله وطلبْته، نِلْت العين في الجنة، عين "سَل سَبيلاً".
وفي تفسير البيضاوي (685 هـ) نقرأ:
( وقِيلَ: أصْلُهُ سَلْ سَبِيلًا فَسُمِّيَتْ بِهِ كَتَأبَّطَ شَرًّا لِأنَّهُ لا يَشْرَبُ مِنها إلّا مَن سَألَ إلَيْها سَبِيلًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ.)
ولكن انتبه: هو جاء بصيغة التمريض "قيل". وهذا، في ما بدا لي، حال معظم المفسّرين، يرفضون هذا التفسير. ولا أدري ما الذي استشنعوه فيه!
وجاؤوا بالغرائب: أن كلمة سلسبيل مشتقة من س-ل-س وأن معناها السلاسة (أي أن ماء العين سلسلة). ولا أدري ماذا يكون وزن هذه الكلمة بهذا الاشتقاق – فَعْلَبِيل"؟ ماذا يفعلون بالباء؟، إذ ليست من الأحرف المزيدة.
ثم انظر لقول ابن الأعرابي (عالم اللغة المعروف، ت 231هـ) قال "لم أسمَعْ السَّلْسبيلَ إلاَّ في القرآنِ". نقل هذا السمينُ الحلبي (756 هـ) في "الدُر المصون".
فالأقرب والأوضح أن نقول إن الكلمة منحوتة من الكلمتين وأرادها الله هكذا في كتابه.
وليس هذا مما يجهله العرب، فلدينا مثلاً اسم الشاعر المعروف "تأبَّط شرّاً" (وقد ذكرناه للتو).
ومما يقوّي لدي أن المقصود هو "سَل سبيلاً" أننا نجد في سورة الإنسان كلمة سبيل مرتين، وهكذا:
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا <76_3>
إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا <76_29>الإنسان
وهذا مع قِصر سورة الإنسان.
فاتّخِذْ –صلّى الله عليك– إلى ربّك سبيلاً، سَل سبيلاً إليه – سَله هذا دائماً!
(لِمَن تُشكل عليه عبارة "صّلى الله عليك": ahl_hadith.html#slae_oly_nbi2)
6. فقرة6 مظاهر أخرى لصورة الطريق في الفاتحة
نعود إلى سورة الفاتحة. قد بيّنا أهمية كلمة الصراط فيها وأنها الكلمة الوحيدة التي تكررت فيها (باستثناء الله طبعا). وذكرنا أنها جاءت في الطلب الوحيد فيها { اهدنا الصراط المستقيم}.
وهذه الآية فيها أمر آخر يرسّخ تشبيه الطريق الذي أردنا هذا الدرسَ للتفصيل فيه.
فالهُدى أيضاً من المفردات المرتبطة بالطريق، بمعرفة الطريق –وهنا– بالسير في طريق الله.
(ورأينا في الفقرة السابقة: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا <76_3>الإنسان)
ولا ينتهى الأمر بذلك. فبماذا تنتهي سورة الفاتحة؟ بـ "الضالين"!، الذين ضّلوا عن الطريق.
وثنائية الهدى والضلال مما لا يخفى على أحد قرأ القرآن.
جذر هدي له 316 مورداً في القرآن، وضلل له 191 موردا!
فصورة سيرِكَِ في الطريق تتكرر باستمرار، وهي هامة جداً.
فسيرك للقاء الله مستمر! وأنت في كل لحظة في حياتك تتخذ قراراً جديداً في اتخاذ طريق جديد.
وفي كل سير تقترب من لقاء الله.
وحتى في نومك أنت تقترب من هذا اللقاء.
دار القرار في الآخرة كما رأينا.
أما الدنيا فهي مسيرك المؤقت إليها – ففي أي طريق تسير؟
وكيف تسير فيه؟
بضَعف وتردد؟ أو بقوة وإصرار؟
لنتابع.
7. فقرة7 تعامل الشيطان مع الصراط المستقيم
أساسية صورة الطريق تتبين لك أيضاً في ما جاء في القرآن عن عدوّنا المبين.
نقرأ:
(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ <7_16>
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ <7_17>الأعراف)
(وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ <27_24>النمل)
هذا ما يسعى إليه الشيطان دائماً، إبعادُك عن الطريق، طريق الله. ولاحظ استخدام الكلمتين "فصدّهم" و "لأقعدن"، هي تصوير حسّي مادي لشيء معنوي. ولكن هذا التصوير الحسّي أجدَى في أن ينبّهنا ويحذّرنا. فكما قُلنا، نحن في كل لحظة نتخذ قراراً جديداً، بالسير في هذا الطريق أو ذاك – أو في التقاعس والبقاء في مكاننا..
وإليك أمثلةً أخرى أوضح في التحذير. فكما تعرف، المسير ليس إلا مجموعة من الخطوات المتتالية.
وجذر خ-ط-و ورد في القرآن 5 مرات في 4 آيات، كلّها في هذا الصورة الشديدة التحذير:
- يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ <2_168>البقرة
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ <2_208>البقرة
- وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ <6_142>الأنعام
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ <24_21>النور
كلها عن تحذير اتباع خطوات الشيطان.
وهذه هي الحقيقة في كل خطيئة أو جريمة:
الشيطان يسحبك خطوة واحدة، ثم خطوتين، ثم ثلاث – حتى يُخرجك عن حدود الصراط.
والمشكلة أنه في كل خطوة خاطئة تخطوها تزداد صعوبة الرجوع إلى الصراط. الضلال سيزداد والهدى سينقص.
ولذلك فالشيطان يتبع معك سياسة التدرّج في الانحراف، حتى يصبح الانحراف لديك "عادة".
ونعود إلى الصد عن طريق الله:
وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَبَيَّنَ لَكُم مِن مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ <29_38>العنكبوت
(وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ <43_61> وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ <43_62>الرخرف)
ونذكر أيضاً:
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ <36_60>
وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ <36_61>يس)
ونتحدث عن تشبيه آخر حسّي. ما يتعلّق بفعل "زلّ".
نقرأ في مفردات القرآن للراغب الأصفهاني (ت 502هـ):
(الزَّلَّةُ في الأصل: استرسال الرِّجل من غير قصد، يقال: زَلَّتْ رِجْل تَزِلُّ، والْمَزِلَّةُ: المكان الزّلق)
والقرب مما نحن فيه، في تشبيه الطريق، بيّن.
ولنبدأ بهذا من القرآن:
(وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [*مرة أخرى الصد عن سبيل الله] وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ <16_94>النحل)
ولنقرأ عن الشيطان والإزلال:
( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ <2_36>)
(فَإِن زَلَلْتُم مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ <2_209>
وقبلها الآية التي ذكرنها قبل قليل:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ <2_208>)
ولدينا أيضا:
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ <3_155>)
وما يبدأ بزَلة قد يصبح خطيئة كبيرة. وخروجاً كاملاً عن حدود الله!
وَبَدْؤُك بالسير على طريق الله شيء، واستمرارك بالسير عليه شيء، مختلف كلياً.
ولذلك نطلب الهداية المتجددة {اهدنا الصراط المستقيم}.
ونذكر أيضاً:
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ <22_3>
- وكلمة "الاتباع" فيها أيضاً الصورة الحسية في الطريق.
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ <22_4>الحج)
وهنا أيضاً ثنائية الضلال والهدى، وكلمة تولّى أيضاً عن صورة الطريق الحسية.
8. فقرة8 نصيحة وملاحظة لترسيخ صورة المسير على الطريق
كما ترى، الآيات المتعلق بصورة الطريق، بتشبيه حياتنا في الدنيا بالسير في طريق أو طرق – هي آيات كثيرة جداً،
وبالطبع لا يمكننا أن نأتي عليها كلها في هذا الدرس، لكن يمكنك أن تفعل هذا بنفسك.
ما عليك إلا أن تبحث في موارد جذور مثل:
- صرط (صراط)
- سبل (سبيل)
- طرق (طريق)
- هدي
- ضلل
- تبع (اتبع)
- صدّ
- حدّ (حدود الله)
- خطو (خطوات)
- عوج (تبغونها عوجاً)
- لقي (لِقاء)
- قفو (لا تقفُ ما ليس لك به علم)
- قدم (تقدّم)
- سعى
- قام (استقام، مستقيم)
- …
(غني عن الذكر أن موارد الجذور المذكورة ليست كلّها مما ذكرنا، ولكنك ستجد فيها الكثير مما يتعلّق بصورة السير في الطريق.)
9. فقرة9 سارعوا، استبقوا..
وبعد، معرفتك بطريق الحق شيء، وسيرك فيه شيء.
وحتى لو كُنت تسير فيه، فهناك فوارق جمّة.
- فقد تكون في سيرك متردداً، كسولاً، خائفاً، بطيئاً،
- وقد تكون قوياً ثابتاً مُصرّاً مثابراً ملازماً سريعاً مقتحماً.
في الحالة الأولى قد تتحول مع مرور الزمن إلى الخروج عن طريق الله. فالأمر عظيم.
ولننظر في هذه الآيات:
- يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [*وقد أكثرنا من الكلام في أن جل القرآن عن الله واليوم الآخر]
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ <3_114>آل عمران - وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ <3_133>آل عمران
- فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ <21_90>الأنبياء
- وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ <23_60> أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ <23_61>المؤمنون
وموضع الشاهد واضح، الله لا يتحدث فقط عن القيام بالصالحات، بل عن المسارعة في القيام بها.
وهذا هام: فكم من مرة تنوي أن تقوم بالخير، فتؤجّلُه يوماً أو يومين أو سنة وسنتين!
تتبع خطوات الشيطان.. خطوة فخطوة ثانية، فثالثة، فعاشرة.. حتى تنسى أنك كنت نويت فِعلَ ذلك الخير!
واعلم أن إسراعك في الخير يزيدك هدى وقوة وهمّة من الله، لتتابع صراطك المستقيم وتزداد فيه ثباتاً.
وننظر أيضاً في هذه الآيات.
استبقوا الخيرات وَ سابقوا إلى مغفرة
- وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ <2_148>
- وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ <5_48>المائدة - سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ <57_21>الحديد
ألا ترى أهمية صورة السير والتقدّم في سبيل الله؟
رأينا ارتباط ذلك بالسرعة، وهنا الارتباط بالسباق.
هي صور حسية جميلة.
وليتنا نتعظ بها. فالسرعة والإقدام والتسابق بيننا في كل شيء، إلا في ما يُرضي الله!
ونذكر أيضاً:
- وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ <9_100>التوبة - أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ <23_61>المؤمنون(وهذه ذكرناها من قليل)
- ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ <35_32>فاطر
هذه الصور الحسية كلّها مرتبطة ارتباطاً وطيداً بالصراط المستقيم، الذي غيّبوه بصراط اليوغا Yoga.
هي صور ضرورية لأنها ترسّخ في ذهنك أهمية العزم في التقدم في سبيل الله.
فالإسلام ليس هو دين الخمول وليس هو أن تقوم ببعض الطقوس أو تكرر نطق بعض الكلمات – وما تراه اليوم شائعاً لدى المسلمين الذين أضلهم الكهنة، جُهلاء الدين.
وانظر معي أيضاً هذه الآية:
(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ <90_11>البلد)
أين تجد الاقتحام؟ إنما تجد لدينا الاستكانة والخمول – ونحسب أننا مهتدون!
ولا أتحدث هنا عن أعمال ثورية –كما قد يتبادر إلى الذهن– بل أعني عمل الخيرات اليومية، فهذه أيضاً تحتاج للقوة والهمّة.
والآية بعدها:
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ <90_12> فَكُّ رَقَبَةٍ <90_13>)
وانظر أيضاً:
( وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا <17_19>الإسراء)
أما المسلمون اليوم فقد شُغِلوا بالقشور، ولعلهم اضطروا لذلك، بعد أن غُيِّب عنهم القرآن وأُغرِقوا في المبعثرات – المبعثرات التي يحبها أهل صراط اليوغا.
10. فقرة10 آيات أخرى في تشبيه الحياة بالسير في الطُرُق
ذكرنا أن الآيات كثيرة في صورة الطريق، وأراني لم أذكر منها ما يكفي، ولذلك أضيف هنا هذه، وقد اقتربنا من نهاية الدرس.
- يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ <5_15>
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ <5_16>المائدة - وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ <6_116>الأنعام
- وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ <6_153>الأنعام
- وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ <7_86>الأعراف
(وقد رأينا في القعود والصد في فقرة-7) - الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ <11_19>هود
- قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ <12_108>يوسف
- وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ <23_74>المؤمنون
- أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ <67_22>الملك
11. فقرة11 الفهم الحقيقي لمعنى الصراط
نعود إلى الفاتحة، أو بالأحرى إلى كلمة الصراط.
كنا ذكرنا أنه يوجد إجماع على أنها بمعنى الطريق، ولعل هذا كافٍ لأكثر الأغراض.
ولكن دعونا ندقِّقْ هنا أكثر، ففي ذلك فائدة.
كلمة الصراط هي بالأصل السِراط، ولكن السين جُعلَت صاداً لتناسب الطاء في نهاية الكلمة.
إذاً علينا أن نبحث في معنى سَرَط.
والمعنى ستتعجّب منه، فهو: بلع! أجَل. إنه يُقال: سرَط الطعام.
ستسأل: وما علاقة ابتلاع الطعام بالطريق؟
المعنى طبعاً مجازي. ولكن يوجد اختلاف بين اللغويين: فالبعض قال بأن الطريق يبتلع الناس، والبعض الآخر قال بأن الناس هم الذين "يبتلعون" الطريق. وهذا في رأيي هو الأصح.
لننظر في المعجم الاشتقاقي لمحمد حسن جبل(ت 1436 2015):
(وليس غريبًا أن يعبِّر عن الطريق تركيبٌ يعبر عن البلع، فقد سموا الطريق لَقَمًا - بالتحريك.
وقالوا "فرس لِهَمٌّ (كخِضَمّ) ولِهْمِيم ولُهْمُوم: جواد سابق ".)
أيْ: كأن الفرس يلتهم الطريق التهاماً لسرعته.
وفي معجم متن اللغة لأحمد رضا (ت 1372 1953): (السُّرَط: الفرس الجيد الجري.)
وفي تاج العروس لمرتضى الزبيدي (ت 1205هـ):
(وَمن المَجَازِ: فَرَسٌ سُراطِيُّ الجَرْيِ، أَي شَديدُهُ، كَأَنَّهُ يَسْتَرِطُ الجَرْيَ، أَي يَلْتَهِمُه. وقالَ ابْن دُرَيْدٍ: كَأَنَّهُ يَسْرُطُ الجَرْيَ سَرْطاً.)
وقد رأينا في فقرة-9 أهمية ذلك في تقدم المسلم على طريق الله.
( وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ <3_114>آل عمران)
( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ<5_48>المائدة)
فبهذا يكون معنى {اهدنا الصراط المستقيم} –وقد ذكرنا أن هذا هو الطلب الوحيد في الفاتحة – معناه: أن يهدينا الله أن "نلتهم" هذا الطريق أو "نبتلعه" ابتلاعاً. أي أن نتمكن من الالتزام بالتقدّم القوي في طريق الله، حتى نلقاه في دار القرار.
فالصراط المستقيم، ليس هو فقط الطريق الصحيح، بل يتضمّن أيضاً سعينا الثابت فيه.
ولعلّ هذا يفسّر أن سورة الفاتحة ليس فيها إلا هذا الطلب الوحيد {اهدِنا الصراطَ المستقيم}.
فما حاجتنا بعد، إن كان الله يقدّم لنا هذه الهدية: أن نمضي بثبات في طريقه، في طريقنا إليه؟!
12. فقرة12 صراط الحميد
ولنذكر أخيراً هذه الآيات التي نسبت الصراط للحميد:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ <14_1>إبراهيم
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ <22_24>الحج
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ <34_6>السبأ
وأذكركم وأذكر نفسي بأن الفاتحة تبدأ بـ { الحمد لله}.
13. فقرة13 خاتمة
ها قد انتهينا. وسؤالي أعيده: هل كانت صُدفة أنّهم غيّبوا صراط الحميد، وجاؤونا بصراط اليوغا؟ وحتى معنى كلمة الصراط في الفاتحة غيّبوه. (وكلمة صراط وردت 45 مرّة)
وكلمة "في سبيل الله" هي في الأذهان "من أجل الله" – غاب معنى "في طريق الله". (وقد ذكرنا أنها وردت حرفياً 69 مرّة)
لماذا حدث كل هذا؟ وكيف حدث؟
أرى أنه لا يَحسن إلقاء الذنب على أجدادنا. ولا نفع في ذلك.
فالقرآن أمامنا، فلماذا لم نقرؤه نحن بأنفسنا؟ لماذا اكتفينا بأن يقرؤه غيرُنا عنّا ولنا؟
صورة الإنسان الذي يسير في السُبُل المختلفة، هي شائعة وقوية في القرآن. فلماذا غفلنا عنها؟ ألأننا رأينا التعب في المسير؟ فَاستَحْلَينا الخمول والكسل؟
فأحببنا أن يُضلّنا كهنة الضلال، بأن الجنة لمن قال كذا وكذا 53 مرّة؟ وبأن الدين هو في اتباع الطقوس؟
فلا عناءَ في اختيار الطريق، ولا عناء في التقدم في الطريق، ولا عناء في متابعة السير في الطريق! – ما أحلى هذا الدين!
ــ
ــ
نختم:
جعلنا الله ممن يجدون الطريق الصحيح، فيختارونه، ويلتزمون به، ويسارعون في التقدم عليه بقوة.
أَيْ:
هداني الله وإياكم الصراطَ المستقيم!