مسيحيٌّ اِهتدَى يدعو أهل الحديث إلى القرآن – صبحي جنجل
(ملف جارٍ – 2023-07-20)
قائمة المحتويات
- 1. تمهيدات أساسية
- 1.1. ألا تتبع السنة؟ – لا يمكن اتباع السنة!
- 1.2. هل "السنة" شارحة للقرآن؟
- 1.3. اضطرارهم لنشر الأكاذيب خارجَ القرآن، دليل على صدق القرآن
- 1.3.1. الأكاذيب في كتب الأحاديث وما يسمى التوراة والإنجيل تزيدنا إيماناً بالقرآن – كيف؟
- 1.3.2. هل هذه آية من القرآن؟ حادثة جرت معي
- 2. هل رفع القرآن فوق المَرْوِيّات هو "زندقة"؟!
- 2.1. السنة ثلاثة أرباع الإسلام
- 2.2. الهوس بالتفاصيل والبحث عن الأسباب
- 2.2.1. أحمد بن حنبل والغزالي واللغو
- 2.2.2. نص للمنفلوطي من كتابه النظرات يبين التفات الناس للقشور
- 2.2.3. فهم صغر القرآن في أعين جماعة الحديث
- 2.2.4. الهجر القديم للقرآن – ميمون بن مهران
- 2.2.5. مصلحة المحدثين والفقهاء في فوضوية ما يسمى السنة
- 2.2.6. آخرون لهم هوس التفاصيل، اليهود والزردشتيون – وماذا عن المسيحيين؟
- 2.3. أحلام أهل الحديث: دخول الجنة بالحديث وليس بالقرآن
- 2.4. القرآن أحوج إلى السنة من السنة إليه.
- 2.5. "السنة قاضية على القرآن"
- 2.6. "السنة حاكمة على القرآن" ومشكلة الألباني مع "حديث" شائع
- 2.7. شنائع أخرى لهم في حق القرآن
- 2.8. هل الزندقة والكفر والإلحاد في من يفضل القرآن على المبعثرات؟
- 2.9. الخلاصة من القسم:
- 3. محاولة لفهم دين أهل الحديث من خلال قراءة فصل كامل من كتاب اللالكائي
- 3.1. الفوضى التي يتبعونها أظلم مما تتوقع
- 3.2. سنقرأ فصلاً كاملاً من كتاب اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة
- 3.3. "الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام"
- 3.4. ملاحظة أخيرة قبل البدء بقراءة الفصل:
- 3.5. عقيدة التُستَري – "متى يعلمُ المرء أنه على السنة والجماعة؟" – الخِصال العشر
- 3.5.1. اعتقاد التُستَري – الخصال العشر
- 3.5.2. مشكلة 9=10 – الفوضى1
- 3.5.3. الثانية: جعل الخصال حديثاً نبوياً! – الفوضى2
- 3.5.4. مشكلة المحتوى: الجماعة وخصوماتها صارت هي أصل الدين
- 3.5.4.1. "لا يترك الجماعة،"
- 3.5.4.2. "ولا يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،"
- 3.5.4.3. "ولا يخرج على هذه الأمة بالسيف،"
- 3.5.4.4. "ولا يكذب بالقَدَر،"
- 3.5.4.5. "ولا يشك في الإيمان،"
- 3.5.4.6. "ولا يماري في الدين،"
- 3.5.4.7. "ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب،"
- 3.5.4.8. "ولا يترك المسح على الخفين،"
- 3.5.4.9. "ولا يترك الجماعة خلف كل والٍ جَارَ أو عَدَل ".
- 3.5.5. ملاحظة
- 3.6. عقيدة الرازيين، أبي حاتم وأبي زُرعة – أصول دين الجماعة
- 3.7. عقيدة الطبري
- 3.8. عقيدة أحمد بن حنبل
- 3.9. عقيدة علي بن المديني
- 3.10. عقيدة سفيان بن عيينة – كيف تستكمل السنة؟
- 3.11. عقيدة أبي ثور بن خالد الكلبي – "وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ"
- 3.12. عقيدة الأوزاعي
- 3.13. عقيدة البخاري (صاحب الصحيح) – غرابة في فهم القرآن وفي الاستدلال بالأحاديث
- 3.13.1. مقدمة يذكر فيها أسماء لمشاهير اتفقوا معه على تحديد اعتقاده
- 3.13.2. الدين قول وعمل
- 3.13.3. عقيدة "القرآن غير مخلوق"، واستدلال غريب بالآيات
- 3.13.4. عقيدة القدَر، وأيضاً استدلال غريب بالآيات
- 3.13.5. الجماعة والصحابة
- 3.13.6. طاعة ولاة الأمر، واستدلال غريب بالآيات. والبخاري يستدل بحديث ليس في صحيحه
- 3.13.7. خلاصة:
- 3.14. عقيدة سفيان الثوري – أمير المؤمنين في الحديث
- 3.14.1. أهمية سفيان الثوري:
- 3.14.2. هوى الثوري في البعثرة
- 3.14.3. إسناد الرواية ومقدمة لها لبيان أهمية ما يقوله سفيان الثوري
- 3.14.4. القرآن غير مخلوق مع تكفير الخصوم – موضوعهم المفضّل
- 3.14.5. الإيمان قول وعمل
- 3.14.6. موافقة السنة هي تقديم الشيخين
- 3.14.7. المسح على الخفين، أيضاً من الأولويات
- 3.14.8. إخفاء البسملة
- 3.14.9. القَدَر، وتكفيرهم لخصومهم
- 3.14.9.1. (يَا شُعَيْبُ بْنَ حَرْبٍ لَا يَنْفَعُكَ الَّذِي كَتَبْتَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوُهِ وَمُرِّهِ ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.)
- 3.14.9.2. أخبار عن سفيان الثوري ومذهبه في القدَر، من خارج الفصل
- 3.14.9.3. "مَا قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ…ما قال أخوهم إبليس"
- 3.14.9.4. استشهاده 1 بـ {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي}
- 3.14.9.5. استشهاده 2 بـ {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
- 3.14.9.6. استشهاده 3 بقول أهل النار {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ}
- 3.14.9.7. استشهاده 4 بـ {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}
- 3.14.9.8. استشهاده 5 بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}
- 3.14.9.9. استشهاده 6 بـ {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}
- 3.14.9.10. استشهاده 7 بـ {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}
- 3.14.9.11. استشهاده 8 بـ {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ}
- 3.14.9.12. استشهاده 9 بـ {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: ٢٣]. س25
- 3.14.9.12.1. الرد الموجز
- 3.14.9.12.2. بعض التفاصيل في الضلال والإضلال
- 3.14.9.12.2.1. بعض الآيات في الإضلال ومنع الهداية وتخصيصها
- 3.14.9.12.2.2. شراء الضلال
- 3.14.9.12.2.3. معاني الضلال والإضلال
- 3.14.9.12.2.3.1. ولنبدأ بمادة ضلل في معجم مقاييس اللغة لابن فارس
- 3.14.9.12.2.3.2. من المعجم الاشتقاقي المؤصل - لـ محمد حسن جبل
- 3.14.9.12.2.3.3. هل يأتي الضلال بمعنى العذاب والهلاك؟
- 3.14.9.12.2.3.4. هل الإضلال هو بالضرورة إيجاد الضلال؟ ألا يجوز أن يكون وِجدان الضلال؟
- 3.14.9.12.2.3.4.1. {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ}
- 3.14.9.12.2.3.4.2. وهناك آية أخرى: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا}
- 3.14.9.12.2.3.4.3. استطراد: مع الفخر الرازي لتفهم الهوى الجبري لديهم أكثر.
- 3.14.9.12.2.3.4.4. أضل في القرآن على تأويل المعتزلة من غير المعتزلة.
- 3.14.9.12.2.3.4.5. محمد "أَتى قومَه فأَضَلَّهم"!
- 3.14.9.12.3. وماذا عن الختم؟
- 3.14.9.12.4. وماذا عن الغشاوة؟
- 3.14.9.12.5. نختم بهذا:
- 3.14.10. بعد الترويج للتجبير، يأتي الترويج للخضوع للحكّام
- 3.14.11. خاتمة رقيقة لعقيدة سفيان الثوري
- 3.15. خلاصة عقائد علماء أهل الحديث:
- 4. إحياء السنة بعد أن أماتها مُنكِرو السنة: مِن أهلِ السنة والجماعة، وَمن الشيعة – سنة الله
- 4.1. مقدمة
- 4.2. القسم الأول: مصطلحهم في السنة فاسد
- 4.2.1. هل مصطلحهم في السنة هو من القرآن؟
- 4.2.2. ألم يجدوا في القرآن كلمة أنسب من "السنة"؟ – الأُسوة
- 4.2.3. لماذا انتزعوا مصطلح السنة، وتركوا الحكمة مع أن معناها عندهم هو السنة؟
- 4.2.4. تسمية "أهل السنة" من أين؟ – وماذا عن "أهل القرآن"؟
- 4.2.5. السيرة النبوية وما يسمونه السنة النبوية
- 4.2.6. إذا كانت كلمة السنة تعني الطريقة، فهل تعبّر كتبكم عن طريقة النبي؟!
- 4.3. القسم الثاني: سنة الله في القرآن، وتفاهة وصف المشايخ لها
- 4.3.1. أيهما أعلى عندكم: سنة الله أم "سنة" النبي؟
- 4.3.2. ما هي سنة الله عند المشايخ؟
- 4.3.3. فلننظر في كتاب الله لنفهم سنة الله
- 4.3.3.1. سنة الله ("لُسنّتنا") في سورة الإسراء 17_77
- 4.3.3.2. وبهذا ننتقل إلى الورود الثاني والثالث لـ "سنة الله" في سورة الأحزاب، 33_38 وَ 33_62
- 4.3.3.3. سنة الله في سورة فاطر، 35_43
- 4.3.3.4. سنة الله في سورة غافر، 40_85
- 4.3.3.5. سنة الله في سورة الفتح، 48_23
- 4.3.3.6. خلاصة سنة الله – ونسألهم من جديد
- 4.3.4. باقي آيات جذر س-ن-ن – هل فيها ما يقولون؟
- 4.3.5. هل الحِنّاء هي سنة الله؟ هل سنة الخلفاء هي سنة الله؟
- 4.4. خاتمة
- 5. مَن قرأ القرآن عَلِم الحديث! – معنى الحديث الحقيقي – مُنَكِّرو الحديث القدماء – (تتمة الجريمة ضد سنة الله)
- 5.1. مقدمة
- 5.2. بدايةً نسأل "أهل الحديث" هل جاءت كلمة الحديث بالمعنى الذي جعلتموه لها؟
- 5.3. تسمية "أهل الحديث" أيضاً من اختلاقاتهم
- 5.4. ونسأل: لماذا عندكم التسميتان الحديث والسنة؟
- 5.5. لننظر في القرآن لنرى ما هو الحديث ولنكتشف أختَ جريمتهم مع السنة، سنة الله
- 5.5.1. كلمة "حديث" معرّفة بأل أو بالإضافة إلى معرّف
- 5.5.1.1. كل آيات كلمة "حديث" معرّفة بأل (عددها 6)
- 5.5.1.1.1. فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا <18_6>الكهف
- 5.5.1.1.2. وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ <31_6>لقمان، الاستثناء الذي ليس باستثناء
- 5.5.1.1.3. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا <39_23>الزمر، مع نادرة لأهل البعثرة، وإشكالية في مصطلحات علماء الحديث
- 5.5.1.1.4. أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ <53_59>النجم
- 5.5.1.1.5. أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُدْهِنُونَ <56_81>الواقعة
- 5.5.1.1.6. فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ <68_44>القلم
- 5.5.1.2. كل آيات كلمة "حديث" معرّفة بالإضافة (عددها 5)
- 5.5.1.1. كل آيات كلمة "حديث" معرّفة بأل (عددها 6)
- 5.5.2. 11 آيةً أخرى من جذر ح-د-ث، نذكرها لمزيد من البرهان
- 5.5.2.1. 6 آيات مع "حديث" نكرةً
- 5.5.2.1.1. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا <4_87>النساء
- 5.5.2.1.2. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ <7_185>الأعراف
- 5.5.2.1.3. مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى<12_111>يوسف
- 5.5.2.1.4. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ <45_6>الجاثية
- 5.5.2.1.5. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ <52_34>الطور
- 5.5.2.1.6. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ<77_50>المرسلات
- 5.5.2.2. 3 آيات مع "يُحْدِث/مُحدَث"
- 5.5.2.2.1. وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا <20_113>طه
- 5.5.2.2.2. مَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِم مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ <21_2>الأنبياء
- 5.5.2.2.3. وَمَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ <26_5>الشعراء
- 5.5.2.3. آيتان أخريان فيهما "حديث" نكرةً، فيهما: "حديث غيره"
- 5.5.2.1. 6 آيات مع "حديث" نكرةً
- 5.5.1. كلمة "حديث" معرّفة بأل أو بالإضافة إلى معرّف
- 5.6. الاعتداء على مصطلحي السنة والحديث ما كان صدفة – كره الناس للإنذار
- 5.7. آيتان من جذر (حدث) والخاتمة
- 6. {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
- 6.1. "صلى الله عليه وسلّم" شِرك – وبِدعة متأخّرة؛ باعترافهم!
- 6.1.1. مقدمة
- 6.1.2. تخبطهم في تفسير {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ…}
- 6.1.2.1. آية الأحزاب التي حرّفوا معناها – {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
- 6.1.2.2. تفسيرهم لـ "سلِّموا تسليماً"
- 6.1.2.3. تفسيرهم لـ "صلّوا عليه"
- 6.1.2.4. ما معنى تحريكات اللسان التي يرددونها؟
- 6.1.3. معنى التسليم في القرآن – وبيان الشرك في بِدعتهم
- 6.1.4. تاريخ بِدعتهم الشِركية
- 6.1.4.1. مع الطاهر ابن عاشور – كم مرة يجب أن تنطق بصلاتهم على النبي؟ ومتى ظهرت البِدعة؟
- 6.1.4.2. بِدعة الجمع بين "الصلاة" و "التسليم"
- 6.1.4.3. ولا بأس أن نبدأ بهذه الصورة: من جامع آيا صوفيا الشهير.
- 6.1.4.4. والآن لنتذكر ما جاء في تفسير ابن كثير:
- 6.1.4.5. لا وجوب للجمع بين الصلاة والتسليم – الطاهر ابن عاشور
- 6.1.4.6. النووي مِن جديد – سُنَن أهل الحديث – تعميم عبارة الشِرك – وتزييف النصوص
- 6.1.4.7. هل نُشِر الشِرك من أجل الاختصار؟
- 6.1.4.8. لا وجود للجمع بين الصلاة والسلام! والكثير من السلف كانوا يذكرون "محمداً" دون أية عبارة بعده – صلاح الدين بن إبراهيم
- 6.1.4.9. الألباني أيضاً: لا يلزم الجمع بينهما – ويُقِرّ بأن ذلك لم يكن لدى السلف القدماء!
- 6.1.4.10. النتيجة ليس لديهم "حديث" في بدعتهم الشِركية: "صلّى الله عليه وسلّم(تسليماً)"
- 6.1.5. الخاتمة والإنجاز الأخير لأهل البعثرة – بالتعاون مع الغرب:
- 6.2. "صلّى الله علي وصلى الله عليكم"؟!
- 6.3. ما معنى "صلّى على" في الآية؟ – إتمام شرح الآية
- 6.4. مظاهر أخرى للشِرك:
- 6.1. "صلى الله عليه وسلّم" شِرك – وبِدعة متأخّرة؛ باعترافهم!
- 7. منشورات مختلفة عن أهل الحديث
1. تمهيدات أساسية
1.1. ألا تتبع السنة؟ – لا يمكن اتباع السنة!
رب اشرح لي صدري ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
تركت المسيحية بعد أن قرأت كتابها المقدس، البيبل، ودخلت الإسلام بعد أن
قرأت القرآن. قد تقول: وماذا عن السُنة؟ أقول بمنتهى البساطة: السنّة غير
محددة. فلا يمكننا قراءتُها. وبذلك لا يمكننا اتباعها. إنْ حددها يوماً ما،
أهلُ الحديث، فإننا سنقرأها ونرى أمرها. فما يسمونه السنةَ ليس كتاباً محددا
يُعرَف نصه، بل هو متناثراتٌ غيرُ محددة، ينقلونها عن كتب هي أيضاً غير محددة،
وهذه الكتب أكثر من أن تُحصى، ولا نعرف أولَها أو آخرَها. ولذا فأنا أعجب
ممن يقول إنه يتبع السنة. ولو سألته أين قرأ نصها – أو أين يمكنه أن
يقرأ نصها، لما حصلت منه على جواب.
- هل السنة محتواة في صحيح البخاري؟ – بالطبع لا!
- فهل هي في الصحيحين؟ – سيقول أيضاً: لا!
- فهل هي محتواة في الكتب التسعة؟ – سيقول لك: معظمُها!
- تسأله: ما المقصود بـ "معظمها"؟ ما الذي بقي خارجَ هذه الكتب التسعة التي بلغت ستينَ ألفِ صفحةٍ؟
هل خارجَها: عُشرُ السنة؟ خُمسها؟ رُبعها؟ وأين نجد هذا الباقي؟ - ثمّ: لنسألْه هل كل ما جاء في هذه الكتب التسعة هو من السنة التي تزعمون اتباعها؟ – سيقول بالطبع: لا!
- فهل كل ما جاء في الكتب الستة هو من السنة؟ – سيقول أيضاً: لا؟
- فهل كل ما جاء في الصحيحين من السنة؟ – سيعترف بأن: لا.
لن أطيل الكلام في هذا وقد تقدم في تسجيل "النقاشات العقيمة في حجية السنة".
فأهل الحديث هنا أراحونا من النقاش. لأنهم بكل بساطة يقولون باتباع شيء هو أقرب إلى الفوضى منه إلى الإحكام، وهو أقرب إلى الغموض منه إلى البيان.
ولا أدري متى سيكون لديهم البلاغُ المبينُ عنه؟ متى سيفصّلون حاله؟ يحتاجون هنا إلى الكثير من الشرح.
حالياً مناقشتهم في ما يُسمّى حجيةَ السنة لا حاجة فيها، بل هي غير ممكنة، إلا إذا جعلوا لها كتاباً محدداً – وليكن عددُ مجلداته خمسين أو مئة أو ألفاً.
واعلم –هداك الله– أن تناولي هذا، للمسألة لا علاقة له بالقرآن ولا بالمتناثرات التي يسمونها أحاديث، قد يبدو قولي هذا غريباً ولكن الأمر بسيط وعام: المرء يجب أن يعرفَ ما يتّبع.
وأنا –إذا أردنا التخصيص هنا– كنت مسيحيا "أتّبع" كتاباً لا أعرفه وعندما عرَفتُه تركته وتركت دينَه، فهل تظن أني سأتّبع الآن شيئاً لا أعرفه بل لا أستطيع التعرفَ عليه، لأنه بعيد كلَّ البعد عن التحديد، لا نعرف له حدّاً أدنى ولا حداً أعلى، ولا نعرف له بداية أو نهاية. أأفعل مثل هذا اتباعاً "للجماعة" أو إرضاء لها؟ – ما أشقاني لو فعلت.
ولمزيد من الإيضاح: رفضي لاتّباع أهل الحديث متّصل بالطبع بتعاملهم المسيء إلى القرآن –وإني مُظهره إن شاء الله–،
ولكن حتى لو كانوا جميعاً أكثرَ الناس اتباعاً للقرآن وحتى لو كانت كل المتناثراتُ التي يُشيعونها منسجمةً كل الانسجام مع القرآن، ما كنتُ لأتبع شيئاً فوضوياً غامضاً، أياً كانت تسميتهم له: السنةَ أو الحديثَ أو الشريعة أو الفقهَ أو الإجماعَ أو المعلومَ من الدين بالضرورة أو أقوالَ السلف الصالح أو أقوال الأئمة المعصومين أو فتاوى العلماء..إلى آخره – ولا أدري أين آخرُه.
لذا، كما تقدّم، مناقشةُ أهل الحديث في "حجية السنة" لا حاجة لنا فيها الآن، قد كفانا إيّاها أهلُ الحديث بأنفسهم، لأن حالهم مع هذا الشيء الذي يسمونه السنة هو بالغ الفوضى وبيّن الغموض.
فكل من يزعم أنه يتّبع السنة هو واهم. لا يدري ما يتّبع.
وإني أدعو أهل الحديث وخصومَهم إلى التوقف عن الخوض في ما لا يُفيد.
المناقشة في حجية شيء ما، قبل تحديد هذا الشيء عبث، ومآله إلى مزيد من الخلاف والفُرقة.
1.2. هل "السنة" شارحة للقرآن؟
وبعد.
دعوني أذكرْ هنا أني، قبل أن أبدأ بقراءة القرآن، كنت أتوقع أنه يشبه الإنجيل –أو بالأحرى الأناجيلَ الأربعة– كأنْ يبدأَ بولادة محمد وينتهيَ بوفاته.
كنت أتوقع أن أجد فيه تلك القصصَ الغريبة التي تُشاع عنه، ظنّاً مني أنه الكتابُ المقدسُ الوحيدُ لدى المسلمين، ولم أكن أعرف مدى تأثير ما يسمونه السنة.
وهناك تصورات كثيرة خاطئة لدى المسيحيين عن فِرَق المسلمين، والعكس صحيح بالطبع أيضاً.
فلعلّ المسيحيَّ الذي سمع بكلمة سُنّة أو عبارة "الإسلام قرآن وسنة" – يظنّ السنةَ كتاباً مثل القرآن ولكنْ مع الفارق أنه ثانوي.
والحقيقة أن السنة –لدى أهل الحديث ومن سايرهم– ليست كتاباً بل هي نصوص مبعثرة لا يضبطها ضابط وليست ثانوية بل أوليةً، وأوليتها لا تكمن فقط في حجمها –الذي لا نعرف له حداً– بل أيضاً في جعلها معطِّلةً للقرآن.
فليس الأمر على ما يُقال: السنة جاءت لشرح القرآن وتفصيله. السنة لدى أهل الحديث أعظم بكثير.
1.2.1. قتل المرتد ورجم الزاني
ولعلّ أبرزَ ما يُظهِر هذا، هو: قتلهم المرتدَ ورجمُهم الزانيَ حتى القتل.
أهل الحديث هنا لم يشرحوا القرآن ولم يفصلوه ولم يبينوه –كما يقولون أو كما يقول بعضهم– بل جاؤوا بعقوبة تخالف القرآن. وأي عقوبة! القتل!
عقوبة الزنى في القرآن هي الجلد: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ – 24(النور)، 2)
أهل الحديث قالوا: هذه الآية خاصة بالزناة غير المتزوجين، أما المتزوجون (أو من كانوا متزوجين) فيُرجمون.
ولكن الآية كما ترى عامة: "الزانية والزاني". فأين ادعاؤهم أنهم يشرحون القرآن؟
وجاؤوا هنا بطامّات كثيرة، أرى أن أؤجل الكلام فيها.
بالمناسبة: يوسف القرضاوي ذاتُه له تسجيل، يسخر فيه من مرويات حدّ الرجم، ويعترف بمخالفته للقرآن ويقول بأنه من شرائع اليهود.
https://www.youtube.com/watch?v=2mEmbXr71gA
وهو محق في هذا، فالتوراة التي لدى اليهود والمسيحيين، فيها الرجم والحرق، عقوبتَين للزنى، أنقل عنها:
- وكُلُّ اَبنةِ رَجلٍ كاهنٍ دنَّستْ نَفسَها بالزِّنى تكونُ دنَّستْ أباها، تُحرَقُ بالنَّارِ.
(سِفر الأحبار أو اللاويين 21، 9) (هو ثالث أسفار التوراة)
https://www.bible.com/bible/67/LEV.21.9 - وإنْ وُجدَ رَجلٌ يُضاجعُ اَمرَأةً لها زوج، فكِلا الرَّجلِ المُضاجعِ والمَرأةِ
يُقتَلانِ. 23 وإذا كانَت فتاةٌ بِكْرٌ مخطوبةً لِرجلٍ، فصادَفَها رَجلٌ في المدينةِ
فضاجعَها، 24 فأخرِجوهُما إلى بابِ تِلكَ المدينةِ واَرْجموهُما بِالحجارةِ حتى
يموتا، (سفر الثنية 22، 22–24)
https://www.bible.com/bible/67/DEU.22.22-24
(وهناك تفاصيل كثيرة يمكنك مراجعتها في باب المرأة من المكدَّس في الكتاب المقدس.)
والطريف أن قتل المرتد تجده أيضاً في التوراة اليهودية والمسيحية، بل تجد فيها أيضاً قتل من يَدعوك لدينه! – فصّلت في ذلك في ملف "حرية المعتقد" وأكتفي هنا بهذا الاقتباس:
- وذهَبَ فعَبَدَ آلِهةً أُخرى [* …] فأخرِجوا ذلِكَ الرَّجلَ أو تِلكَ المرأةَ إلى خارج المدينةِ واَرْجموهُ بالحِجارةِ حتى يموتَ. (التثنية 17، 2–5)
https://www.bible.com/bible/67/DEU.17.2-5
أما القرآن فليس فيه من هذا شيء، والطريف أن اليهود والمسيحيين عطّلوا لديهم هذا الحكم وكذلك رجمَ الزاني ليأتيَنا به أهل الحديث،
الذين يؤمنون بالقرآن. فاعجبْ من حال البشر.
في كتاب الله فلدينا:
- لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (2 [البقرة]: 256)
- وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (18 [الكهف]: 29)
وفي القرآن آياتٌ عديدة تذكر الارتداد (حتى بلفظه) دون ذكر أيةِ عقوبةٍ دنيوية من البشر، وفيه أيضاً:
- وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ
النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ (3 [آل عمران]: 72-73)
فهنا نحن أمام أناس يكرهون الإسلام ويَكيدون له، يُوهمون المسلمين أنهم
دخلوا الإسلام، لكي يعلنوا بعد حين أنهم تركوه. راجين بذلك
أن يرتاب المسلمون حتى يصيروا مثلهم كافرين بالقرآن، وبنبوة محمد.
فهذا ليس ارتداداً سلمياً بل هو محاربة حقيرة للإسلام. (فالأمر مختلف كلياً عن الحالات العادية، مثل أنْ يولد شخص من أبوين مسلمين ثم يقرر فيما بعد أن يترك دينهم.)
ومع هذا(!)، لا تذكر الآية أية عقوبة لأعداء الإسلام!
ولكن أهل الحديث الذين زعموا أن أحاديثهم تشرح القرآن جاؤونا مثلا بحديث "من بدّل دينهَ فاقتلوه"، ولا أدري أيةَ آيةٍ شرح هذا الحديث!
- هل هو شرح لـ: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}؟
- أَم هو تفسير لـ: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}؟
- أم -تراه- هو تفصيلُ معنى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (10 [يونس]: 99)؟
حسبنا الله ونعم الوكيل! نقضوا القرآن في أهم مبادئه وأسماها، ويحسبون أنهم يحسنون صُنعاً.
يحسبون أنهم، بنقضهم للقرآن، صاروا يتّبعونه حقَّ الاتباع، ويرون أن مَن يتّبع القرآن، كما هو، صار كافراً به.
1.2.2. لا تهمنا الكثرة
لا يهمنا هنا إن كان صنّاع الأحاديث في الرجم والقتل أو غيرهما، أخذوها عن اليهود أو النصارى أو المجوس أو غيرهم، أو إن كانت من ابتكاراتهم.
ولا تهمنا كثرة الذين اتفقوا على أن الله أمر بقتل المرتد والزاني: من سُنة وشيعة وإباضية، ويهود ومسيحيين! –
لا يهمنا ذلك مهما زعم أهل الحديث: "السلف أجمع على ذلك!" "الأمّة أجمعت!" "أنت مخالف للجماعة!" "أنت تنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة!"
الكثرة ليست دليلاً على الحق، سواء أكانت هذه الكثرة في تاريخنا الماضي أو في محيطنا الحاضر. (هذا، إن تنزّلنا وقبلنا بوجود إجماع في ما يقولون.)
والقرآن أكّد على ذلك في مواضعَ كثيرة:
- وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (10 [يونس]: 36)
- {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرُصون} (6 [الأنعام]: 116)
- أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (25 [الفرقان]: 44)
- لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (43 [الزخرف] : 78)
- وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (2 [البقرة]: 170)
وأعيد، ليس لدى أهل الحديث منهج محدد، فحتى لو أردتُ أن أتجاهل
القرآن –واعذروا هذا التعبير– حتى لو أردت تجاهله – كيف لي أن أتبع ما يسمونه السنة
وهي غير محددة، لا من قريب ولا من بعيد؟
فجعلُهم السنةَ حاكمةً على القرآن أو قاضيةً عليه، لن يُنقذَهم من الفوضى التي هم فيها – والتي هم بها، منذ عصور فَرِحُون!
إن كنتَ مسيحياً أو شخصاً لم يطلّع جيداً على حال المسلمين فإنك قد تشكّ في قولي "حاكمةً على القرآن أو قاضية عليه"
سيزول شكّك – ويزداد عجبُك من حال أهل الحديث، بعد التفصيل الذي نحن إليه ذاهبون.
1.3. اضطرارهم لنشر الأكاذيب خارجَ القرآن، دليل على صدق القرآن
1.3.1. الأكاذيب في كتب الأحاديث وما يسمى التوراة والإنجيل تزيدنا إيماناً بالقرآن – كيف؟
ولكن قبل ذلك:
هل توجد أحاديثُ موضوعة؟ – نعم، كثيرة.
هل فيها إساءات إلى الله والقرآن، والأنبياء عامةً ومحمد خاصةً؟ – نعم، فيها.
لكن هذا لا يُشككني في القرآن الذي أنزله الله عليه!
بل على العكس هذا يزيدني إيمانا!
كيف؟
الأمر بسيط: هذه الإساءات بقيت مبعثرة متناثرة خارج القرآن.
لماذا؟ لماذا لم يَضَعْها أصحابُها، أعداء الإسلام فيه، حتى تنتشر أكثر؟!
السبب واضح: لم يتمكنوا من ذلك!
وَأَوْضح دليلٍ على ذلك، ما حصل في البَيْبل ("التوراة" و "الإنجيل").
تجد فيه أشنع الشنائع منسوبةً للأنبياء، بل لله!
الأنبياء لديهم غالباً مجرمون سفّاحون أو زناة أو عُنصريون أو سفهاء أو وثنيون!
أما الله فجعلوا له الأنداد! وجعلوه كالمخمور المضطرب أو العاشق الولهان الذي يسعى لإرضاء "الزانية" (هكذا يصفون شعب إسرائيل في كتابهم المقدس!).
وقالوا إن الله تصارع مع إسرائيل، وحتى تكتمل شناعتُهم هذه، جعلوا إسرائيل هو الغالب.
لن أُطيل في هذا هنا، الشنائع في حق الله وأنبيائه لا تُحصى في البيبل (راجع المكدس في الكتاب المقدس).
لكن لنذكر هذه القصة التي اخترعوها عن سليمان:
1.3.1.1. نص مقدس لدى اليهود والمسيحيين عن نبينا سليمان "المُشرِك"!
حتى تعرف ما كان يمكن أن يحدث بالقرآن وأن يُكتَب فيه عن محمد، أرى أن نقرأ هذا النص المقدس لدى اليهود والمسيحيين عن سليمان:
(سِفر الملوك الأول، الإصحاح 11)
1 وأَحَبَّ المَلِكُ سُلَيمانُ نِساءً غَريبةً كَثيرةً مع ابنَةِ فِرعَون، مِنَ الموآبِيَّاتِ والعَمُّونِيَّاتِ والأَدومِيَّاتِ والصَّيدونِيَّاتِ والحِثِّيَّات،
2 مِنَ الأُمَمِ الَّتي قالَ الرَّبُّ لِبَني إِسْرائيلَ في شَأنِها: «لا تَذهَبوا إِلَيهم ولا يَذهَبوا إِلَيكم، فإِنَّهم
يَستَميلونَ قُلوبَكم إِلى اتِّباعِ آلِهَتِهم». فتَعَلَّقَ بِهِنَّ سُلَيمانُ حُبًّا لَهُنَّ.
3 وكانَ لَه سَبعُ مِئَةِ زَوجَةٍ وثَلاثُ مِئَةِ سُرِّيَّة، فأَزاغَت نِساؤُه قَلبَه.
4 وكانَ في زَمَنِ شَيخوخَةِ سُلَيمانَ أَنَّ أَزواجَه استَمَلنَ قَلبَه إِلى اتِّباعِ آلِهَةٍ أُخْرى، فلَم يَكُنْ قَلبُه مُخلِصًا لِلرَّبِّ إِلهِه، كما كانَ قَلبُ داوُدَ أَبيه.
- وداود عندهم له جرائم كثيرة.
5 وتَبِعَ سُلَيمانُ عَشْتاروت، إِلاهَةَ الصَّيدونِيِّين، ومِلْكوم، قَبيحةَ بَني عَمُّون.
- أي الإله: ملكوم.
6 وصَنَعَ سُلَيمانُ الشَّرَّ في عَينَيِ الرَّبّ، ولم يَتَّبِعِ الرَّبَّ اتِّباعًا تامًّا مِثلَ داوُدَ أَبيه.
7حينَئِذٍ بَنى سُلَيمانُ مَشرَفًا لِكاموش، قَبيحةِ موآب، في الجَبَلِ الَّذي شَرقِيَّ أُورَشَليم، ولِمولَك، قَبيحَةِ بَني عَمُّون.
- سليمانهم مشرك يعبد الأصنام، هكذا!
8 وكذلك صَنَعَ لِجَميعِ نِسائِه الغَريباتِ اللَّواتي كُنَّ يُحرِقنَ البَخورَ ويَذبَحنَ لِآلِهَتِهنَّ.
9 فغَضِبَ الرَّبُّ على سُلَيمان، لأَنَّ قَلبَه مالَ عنِ الرَّبِّ، إِلهِ إِسْرائيل، الَّذي تَراءَى لَه مَرَّتَين.
10 وأَمَرَه في ذلك أَن لا يَتْبَعَ آلِهَةً أُخْرى، فلَم يَحفَظْ ما أَمَرَه الرَّبُّ بِه.
- فسليمانهم هذا مصرّ على الشرك حتى بعد أن تجلّى الله له مرتين!
الإصحاح 11:
https://www.bible.com/ar/bible/1981/1KI.11.1-13
وقد تظنُ، بعد ما رأيتَ هنا، أن سليمان عندهم، مشرك فاسق سفيه. لا، فالأمر على العكس. سترى حجم الفوضى:
المسيح عندهم في "الإنجيل" يتحدث عن حكمة سليمان ويقارن نفسه به: (جاءَت مِن أَقاصي الأَرضِ لِتَسمَعَ حِكمةَ سُلَيمان، وهَهُنا أَعظَمُ مِن سُلَيمان. – إنجيل متى 4: 42)
https://www.bible.com/ar/bible/1981/Mat.12.42
وفي العهد القديم لدينا نصوص كثيرة عن حكمة سليمان – المشرك! :
- 23وعَظُمَ المَلِكُ سُلَيمانُ على جَميعِ مُلوكِ الأَرضِ في الغِنى والحِكمَة . 24وكانَتِ الأَرضُ كُلُّها تَلتَمِسُ مُواجَهَةَ سُلَيمان، لِتَسمَعَ حِكمَتَه الَّتي أَودَعَها اللهُ في قَلبِه. (سفر الملوك الأول 10) ونفس العبارة في (أخبار الأيام الثاني 9: 22-23)
https://www.bible.com/ar/bible/1981/1KI.10.23-24
https://www.bible.com/ar/bible/1981/2CH.9.22-23 - 9 وأَعْطى اللهُ سُلَيمانَ حِكمةً وفَهمًا واسِعًا جِدًّا ورحابَةَ صَدرٍ كالرَّملِ الَّذي على شاطِئِ البَحْر. 10ففاقَت حِكمَةُ سُلَيمانَ حِكمَةَ جَميعِ أَهلِ المَشرِقِ وكُلَّ حِكمَةِ مِصْر. 11وكانَ أَحكَمَ مِن جَميعِ النَّاس، (سفر الملوك الأول 5)
https://www.bible.com/ar/bible/1981/1KI.5.9-11 - 1 وتَأَيَّدَ سُلَيمانُ بنُ داوُدَ في مُلكِه، وكانَ الرَّبُّ إِلهُه معَه، ورَفَعَ شَأنَه كَثيرًا. (سفر الأخبار الثاني 1)
https://www.bible.com/ar/bible/1981/2CH.1.1 - 7 وفي تِلكَ اللَّيلَة، تراءَى اللهُ لِسُلَيمانَ [* كالعادة؟] وقالَ لَه: « أُطلُبْ ما أُعْطيكَ ».
8 فقالَ سُلَيمانُ للهِ: «قد صَنَعتَ إِلى داوُدَ أَبي رَحمَةً عَظيمَةً ومَلَّكتَني مَكانَه.
9 فالآن، أَيُّها الرَّبُّ الإله، لِيَتَحَقَّقْ كَلامُكَ لِداوُدَ أَبي، لأَنَّك مَلَّكتَني على شَعبٍ كَثيرٍ كتُرابِ الأَرض.
10 فهَبْ لِيَ الآنَ حِكمَةً ومَعرِفَةً لأَخرُجَ وأَدخُلَ أَمامَ هذا الشَّعب، لأَنَّه مَنِ الَّذي يَستَطيعُ أَن يَحكُمَ شَعبَكَ هذا العَظيم؟»…
12 [* الله يقول له:] فقَد أُعْطيتَ الحِكمَةَ والمَعرِفَةَ، وسأُعْطيكَ غِنًى وثَروَةً ومَجدًا لم يَكُنْ مِثلُها لِلمُلوكِ مِن قَبلِكَ ولَن يَكونَ مِن بَعدِكَ». (سفر الأخبار الثاني 1)
https://www.bible.com/ar/bible/1981/2CH.1.7-12
والأعجب من كل هذا: أنهم جعلوا لسُلَيمانِهم "المشرك" هذا، سِفراً جعلوه في كتابهم المقدس.
فبدلاً من أن يقولوا هذا مشرك كافر، جعلوا له سِفراً مقدساً، يتعبدون الله به.
(والسِفر هو سِفر نشيد الأناشيد..المعروف بـ "دوائر فخذيكِ" "ثدياكِ توءما ظَبية" "أنا سور وثدياي بُرجان" "نهدكِ كعناقيد الكرم" – راجع باب "محتويات غريبة في الكتاب المقدس" ويبدأ هذا السِفر ليثبّت الافتراء بـ: 1نَشيدُ الأناشيدِ لِسُلَيمَان.)
ولسليمان يُنسَب أيضاً سِفرَا الجامعة والحكمة وكذلك مزموران في سفر المزامير المعروف (وفقاً لترجمة الحياة، التفسير التطبيقي).
فهذا يُظهر لك الفوضى لديهم: يتعبدون الله بأسفار جعلوها لمشرك يصرّ على شِركه حتى بعد ظهور الله له!
وهذا المشرك وصفوه بأنه نال الحكمة الفريدة من الله! ونعوذ به من الضلال.
ولكنها حال البشر، معظمِهم: اتخذوا الفوضى ديناً.
والسؤال من جديد: لماذا لم يحدث بالقرآن مثل هذا؟!
1.3.1.2. شنيعة في حق الله!
أعطيك مثالاً آخر، صغيراً:
65فَاسْتَيْقَظَ الرَّبُّ [* أي الله!] كَنَائِمٍ كَجَبَّارٍ مُعَيِّطٍ من الْخَمْرِ (المزامير 78)
هذا في ترجمة فنديك: https://www.bible.com/bible/13/PSA.78.avd
وفي ترجمة اليسوعية: (65كالنَّائِمِ استَيقَظَ السَّيِّد، وكالجَبَّارِ الَّذي فَرِحَ بِالخَمْر،)
https://www.bible.com/ar/bible/1981/PSA.78.65
والجرائم في حق الله كثيرة جداً لديهم. أكثر مما تتصوّر. فلم يتوقفوا عند نشر الفظائع عن الأنبياء.
1.3.1.3. الآخرة، وتهميش العمل الصالح
كما تقدّم، الكلام كثير في شنائع البيبل وليس هذا مكانَها، ولكنْ يوجد أمر أساسي أرى ضرورة ذكره هنا – هو الإيمان بالآخرة. فهو يجعلك تقوم بالعمل الصالح حتى لو كان هذا العمل لا يفيدك في الدنيا بل قد يضرّك ويعرّضك لمخاطرها.
كيف تعاملت "التوراة" و "الإنجيل" معها، مع الآخرة ويوم الحساب؟
1.3.1.3.1. الآخرة في "التوراة"
كنت عرفتُ الكثير من الشنائع في توراة اليهود والمسيحيين، ولكني صُدِمت عندما علمت بهذه الشنيعة الجديدة: توراتهم لا تعرف الآخرة، أسفار موسى الخمسة كلها لا تُوردها في أي موضع منها!
ولعلها إشارة من القرآن لإظهار جريمة أعداء موسى (في إزالة نصوص الآخرة): إذ وردت "صحف موسى" مرتين في القرآن، وفي كلتيهما نجد الآخرة:
- (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى – 87 [الأعلى] 16-19)
- (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا – 53 [النجم] 36-44 )
ونعود هنا إلى النص المفترى عن نبينا سليمان، ماذا جاء في نهايته:
9 فغَضِبَ الرَّبُّ على سُلَيمان، لأَنَّ قَلبَه مالَ عنِ الرَّبِّ، إِلهِ إِسْرائيل، الَّذي تَراءَى لَه مَرَّتَين.
10 وأَمَرَه في ذلك أَن لا يَتْبَعَ آلِهَةً أُخْرى، فلَم يَحفَظْ ما أَمَرَه الرَّبُّ بِه.
11 فقالَ الرَّبُّ لِسُلَيمان: «بما أَنَّ أَمرَكَ هذا، وأَنتَ لم تَحفَظْ عَهْدي وفَرائِضي الَّتي أَمَرتُكَ بِها، فسأَنتَزِعُ المُلكَ عنكَ وأُسَلِّمُه إِلى عَبدِكَ.
- لماذا لا يقول له، وقد تراءى له مرتين: (ستخسر الجنة وتدخل جهنم، إذا بقِيْت على الشِرك – على "هذا الأمر"!) – ؟
12 إِلاَّ أَنِّي لا أَفعَلُ ذلك في أَيَّامِكَ نَظَرًا لِداوُدَ أَبيكَ، بل مِن يَدِ ابنِكَ أَنتَزِعُه.
- فإكراماً لداود، لا يُعاقب الله ابنه سليمان، بل يعاقب ابن ابنه!
- وما يهمّنا هنا: أن العقاب دنيوي، ولكن لابن سليمان.
- فالمفتري لهذه القصة لم يخطر بباله أن يذكر عقاباً أُخرويا! وكأنه لم يسمع بالآخرة!
فأعداء الإسلام تمكنوا حينها من التخلّص من الآخرة، وإزالتها، وتمكنوا من أيضاً من إضافة نصوص يُستخلص منها أنه لا يوجد آخرة!
واعلم أن هذا أمر يحبّذه أصحابُ السلطة المفسدون في الأرض: القضاءَ على الإيمان بيوم الحساب. يريدون أن يؤمن الناس بأن كلَّهم مصيرُهم واحد وهو العدَم. فالمسلم كالمجرم: المُسلِم لله، كالمُسلِم لهم!
"فابحث يا إنسان عن صلاحَ دنياك، الذي تجده عندنا، نحن أصحابَ السلطة، ولا تكنِ الأحمقَ الذي يقاومنا، فيشقى في الدنيا، من دون أي مقابل، إذ لا وجود للآخرة، {إن هِيَ إلا حَيَاتُنا الدُّنيا نَمُوتُ وَنَحيَا وَمَا نَحْنُ بَمَبْعُوثِين – 23 [المؤمنون] 37}"
{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ – 10 [يونس] 15}
1.3.1.3.2. الآخرة في "الإنجيل"
هذا عمّا يسمونه التوراة، أما "الإنجيل" فقد ذكر الآخرة، ولكنه جعل من المسيح المصلوب ذبيحةً تكفيريةً عن خطاياهم! والمسيح هو عندهم الله! أي أن الله صَلَب نفسه ليفتديهم (راجع ملف الفداء).
فلذلك يكفيهمُ الإيمانُ بعملية الفداء أو – الانتحار هذه، لدخول الجنة – الأعمال الصالحة غيرُ لازمة.. فالنتيجة هي واحدة تقريباً لدى الفريقين، اليهود والمسيحيين.
1.3.1.3.3. الآخرة في "السنة"
والآن لنعد لما يسميه أهل الحديث "السنة". بالطبع ذُكِرت فيها الآخرة، ويوم الحساب بكثرة. لكن: كمية الأحاديث التي تجعل دخولَ الجنة من دون عناء، من دون جهد؛ فقط بتَكرار بعض الأقوال أو القيام ببعض الطقوس، أكثر من أن تُحصى. يكفيك أن تقول كذا وكذا ثلاثين مرة، حتى تُغفرَ كلُ خطاياك وتدخلَ الجنة ويبنيَ الله لك ثلاثة قصور فيها..إلخ. فما حاجتكُ بعدُ لتحمّل مشقة الأعمال الصالحة؟! ما حاجتك في "اقتحام العقبة"؟
قد تقول: لكنَّ الأعمالَ الصالحة ذُكِرَت في الكثير من "الأحاديث"! أقول: لم أنفِ هذا وكذلك لم أنفِه عمّا يسمونه "التوراةَ" و "الإنجيلَ"، ففيهما أيضاً حثّ على الأعمال الصالحة. فهل نتعامى عن مساوئ كتاب لأن فيه حسنات؟
ثم الإنسان بطبعه يحب أيسر الطرق، فإذا آمن بأن دخول الجنة يكون بتَكرار نُطقِ بعض الجمل (في دقيقة)، سينسى ويتناسى "اقتحام العقبة". وقد يستسهل ارتكاب الذنوب. فما عليه إلا أن يطبّق طريقة إحدى هذه "الأحاديث"، فيقولُ كذا، مئة مرة أو ثلاثين مرة أو عَشر مرات، فينال المغفرة والجنة..
وانظر إلى المواقع الاجتماعية ستجد إقبالاً شديداً على هذا النوع من الأحاديث التي ينشرها مَشيخاتُ الضلال، وليتهم لم ينسبوها لمحمدٍ خاتَم النبيين، بل إلى أحد المشاهير من أسلافهم.
فأهل الحديث هنا أيضاً بعّدوا الناس عن العمل الصالح، الذي يقوم به المرء لوجه الله، الذي يقوم به حتى لو كان دون فائدة في الدنيا أو حتى مُضِرّاً فيها.
1.3.1.3.4. الآخرة في القرآن
القرآن، كتاب الله، واضح وضوحَ الشمس في هذا.
وجود الآخرة فيه:
أمر ظاهر، لا يمكنك أصلاً أن تتخيل القرآن من دون الآخرة، من دون يومِ الحساب، البُشرى والإنذار.
في الصفحة الأولى في الفاتحة تجد: {مالك يومِ الدِّين}، وفي الصفحة الثانية {والذين هم بالآخرةِ يوقِنون}، الآخرة حاضرة حضوراً طاغياً في القرآن، ولكنْ في كل مرة تحضُر فيه، يحضُر معها شيء جديد، فلا يُمَلّ من ذكرها في كتاب الله.
ثم السؤال كيف تدخل الجنة وتنجو من النار؟
بالإيمان والعمل الصالح! وفي الإسلام {لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فليس لدينا شخص "يفتدينا" بانتحاره على الصليب أو يشفع لنا بمكانته عند الله، فندخلَ الجنة هكذا، فقط لانتسابنا للإسلام، أو لتَكرارنا لبعض الجمل أو الآيات – 33 مرة أو مئة مرّة.
- {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ – 6 [الأنعام] 94}
- {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى – 53 [النجم] 38-41}
- {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ – 29 [العنكبوت] 2-3}
- {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ – 103 [العصر] 1-3}
- {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا – 19 [مريم] 95}
- {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا – 18 [الكهف] 7}
- {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ – 43 [الزخرف] 72 }
- {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ – 16 [النحل] 32}
- {وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ – 32 [السجدة] 14}
- {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا – 4 [النساء] 123}
- {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ – 2 [البقرة] 81}
- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ – (88 [الغاشية] : 8-9)
- {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ – 6 [الأنعام] 94}
لكن، بلا شك، أهل الحديث سيقولون لك، هذه الآيات غامضة، لذا فخذ من عندِنا شرحَها وبيانها وتفسيرها وتفصيلها! فنحن عندنا علمُ المبعثرات التي نقضي بها على القرآن ونحكم عليه!
1.3.1.4. الخلاصة – لماذا تزيدنا أكاذيبهم إيماناً بالقرآن؟
- كثرة الأكاذيب في ما يسمى التوراة والإنجيل تزيدنا إيماناً بالقرآن، لأنها تبين فشلَ أعداء الله في دسّ تلك الأكاذيب أو أمثالها في القرآن.
- وإلا لكانوا استطاعوا أن يضعوا في القرآن تلك القبائح التي يعجّ بها كتابُهم، كانوا وضعوا فيه ما وضعوا عن موسى وداود وسليمان ويسوع..من المستشنعات! كانوا وضعوها فيه، والناس من بعدهم كانوا سيتعبدون الله بتلك المستشنعات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!
- وإلا لكانوا استطاعوا أن يضعوا في القرآن تلك القبائح التي يعجّ بها كتابُهم، كانوا وضعوا فيه ما وضعوا عن موسى وداود وسليمان ويسوع..من المستشنعات! كانوا وضعوها فيه، والناس من بعدهم كانوا سيتعبدون الله بتلك المستشنعات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!
- وكذلك: كثرة الأكاذيب في ما يسمونه السنة تزيدنا أيضاً إيمانا بالقرآن، وكثرةُ مخالفاتها للقرآن لا تشككنا به بل تزيدنا إيماناً به: لأنها تبين عجز أعداء الله عن دسّ تلك الأكاذيب في كتاب الله!
وإن جاءنا مسيحي أو يهودي يقول: "في أحاديثكم جاء كذا، عن القرآن وعن محمد. فقرآنكم كذا ومحمدكم كذا."
عندها نقول له: نحن نُلزمك بكتابك المقدس ذاتِه لا بالكتب الثانوية، وفيه عن الأنبياء، أنبيائكم، بل عن الله ما يفوق تصوّر أيِّ مفترٍ معادٍ لله! هذه الأولى. والثانية: لماذا لا تجدون تلك الأخبار، التي أحببتمُ الاعتمادَ عليها، في القرآن؟!
فالمفسدون في الأرض، أعداءُ الإسلام لم يتمكنوا من العبث بالقرآن (كما فعلوا بالتوراة والإنجيل) فاضطروا إلى اختلاق الأكاذيب خارجَه. وهم أحسنوا بذلك إلى القرآن من حيث لا يدرون ولا يشعرون:
اضطرارهم لنشر الأكاذيب خارجَ القرآن، دليل على صدق القرآن!
1.3.2. هل هذه آية من القرآن؟ حادثة جرت معي
لا بأس أن أذكر لكم هنا ما جرى لي في بداية طريقي مع القرآن.
لا أذكر كم كنت قرأت حينَها من القرآن، كنت ما زلت في مرحلة التعرّف الأول عليه.
شاهدتُ يومَها أحدَ الشيوخ يعظ في شؤون القرآن. بعد فترة من الاستماع إليه، وبعد جملة –قدّمها بـ "قال الله"– شعرتُ بشيء غريب.
قلتُ في نفسي: "قال الله"؟ أهذه آية من القرآن؟ لكن، هذا شيخ عالم بالدين والكلام مسجّل، لم يكن بثا مباشرا، فلا مجال هنا للخطأ في القرآن. وليس ما أورده مخالفاً للقرآن.
كما ذكرت، لم أكن أعرف إلا القليل من القرآن، ولكني اعتدت شيئاً ما في نسَقه. والجملة التي أورَدها الشيخُ، ناسباً إياها لله، لم تكن على هذا النسَق.
فتوقفتُ عن المشاهدة وبحثتُ عن تلك الجملة، لأرى حالها.
فوجدتُها هي هي، لم يغلَط فيها الشيخ بحرف.
ولكنها لم تكن آية قرآنية، بل مما يُسمّى بالأحاديث القدسية. ولم أكن سمعت عنها من قبل.
وبالطبع، كما تتوقع، فرحتُ بما جرى لي. فلم أكن ممن تعمّقَ في قراءة القرآن أو حفِظَ منه شيئاً. ولغة القرآن لم تعد لغة محكية، فنحن عنها في غربة. ولكن مع ذلك، ظهر لي الفرق بين القرآن وغيره.
وكان هذا مما شجعني على متابعة الطريق مع القرآن – والتقرّبِ به إلى الله.
فتميز القرآن ليس فقط في المعاني، بل أيضاً في الأسلوب!
2. هل رفع القرآن فوق المَرْوِيّات هو "زندقة"؟!
2.1. السنة ثلاثة أرباع الإسلام
"الإسلام قرآن وسنة" مقولة نسمعها كثيراً، ولكن السنة غير محددة، وقد مضى قولنا في هذا وتكرر.
لكن لنحاول التعرف أكثر تعامل أهل الحديث مع القرآن وتقديرهم له.
الإمام الأكبر شيخ الأزهر، أحمد الطيب، قال في خُطبة له أنه لولا السنة (لضاع ثلاثة أرباع الدين).
https://www.youtube.com/watch?v=Izqj3Ve_nXU&feature=youtu.be&t=295

فكم ترك للقرآن، صاحبُنا هذا؟ الربعَ على الأكثر!
للقرآن ثلث ما للسنة من الإسلام – على الأكثر! تخيّل ذلك!
والكلامُ كان يقرؤه من أوراقه، فلا يبدو مُرتجلاً. هذا، إن كان الارتجال يسوِّغ له أن يقول ما قال.
لماذا أضيف "على الأكثر"، لماذا أقول ترك للقرآن الربعَ على الأكثر؟
لأن عبارته "لضاع ثلاثة أرباع الدين" لا تعني أنه ترك للقرآن ربعاً كاملاً من الإسلام، فهم لا يكتفون عادة بالسنة، بل يأتون بأقول مبعثرة للصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وأشياخ فِرَقهم وأقطابها..إلى آخره ولا أدري أين آخره.
وغني عن الذكر أن أقوال أولئك هي أيضاً غير محددة، فوضوية.
السلفيون الذين يضيفون في تعريفهم للإسلام عبارة "بفهم السلف الصالح" (أي: الإسلام: قرآن وسنة بفهم السلف الصالح) هم أصدق من غيرهم، فالآخرون أيضاً سلفيون، ولكنْ لكل حزب سلفُه الذي يفرح به، مهما عَظُم إهمالُه للقرآن.
نعود لصاحبنا الإمام الأكبر: إن كان يرى قدرَ السنة بهذه الضخامة، فلماذا لا يسعى –وهو صاحب هذا المنصِب– إلى تحديد السنة، التي يزعم اتّباعَها؟ لماذا يتركها مبعثرة عشوائية هنا وهناك؟ كيف يفرّط بثلاثة أرباع الدين على هذه الصورة؟!
2.2. الهوس بالتفاصيل والبحث عن الأسباب
2.2.1. أحمد بن حنبل والغزالي واللغو
تعرفون تعلّقَ أهلِ الحديث باللغو، ولا حاجة لإثبات ذلك، فكتبهم تشهد بذلك، وخلافاتهم حول أتفه الأمور تدلّ عليه.
ولعل هذا مما جعلهم يُلَقّبون بالحَشْوِية. لاهتمامهم بالحشْوِ، أي بما لا يُعتدّ به.
إليك مثلاً هذا القولَ:
- (مكثتُ في الحيض تسع سنين حتى فهمتُه.) هذا القول لأحمدَ بنِ حنبل. احتاج تسع سنين حتى تفقّه في شؤون الحيض!
https://www.alukah.net/sharia/0/120508/ تصفح 2022-02

مثال آخر لدى الغزالي، ذكر ما يلي:
(وقال رجل لبعض الصحابة من الأعراب وقد خاصمه: لا أحسبك تحسن الخراء [* كذا]، قال: بلى وأبيك إني لأُحسنها وإني بها لحاذِق. – الغزالي، إحياء علوم الدين، دار ابن حزم 1426 2005، ص155) يبدو أن هذا فقيه في البِراز ولكن لم يخبرْنا كم سنةً أمضى في دراسته للتفقه فيه.
وهذا الكلام وما هو أسخف منه –أعرضت عن ذكره– ، في باب "آداب قضاء الحاجة" من قسم "_أسرار_ الطهارة" من ربع العبادات، واسم الكتاب ماذا؟ – إحياء علوم الدين! هكذا! والغزالي لقبوه بـ "حجة الإسلام". (واللقب هذا مستشنع على كل الأحوال.)

2.2.2. نص للمنفلوطي من كتابه النظرات يبين التفات الناس للقشور
ولا بأس أن أذكر لكم مقطعاً للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي من القصة القصيرة "مدينة السعادة" من كتاب "النظرات" جاء فيها:
( ليت الفقهاء الذين يُنفقون أعمارهم في الحيض والاستحاضة، والمَذْيِ والودْي، والحَدَثِ الأكبر والحَدَثِ الأصغر، وليت الكلاميين الذين يسهرون الليالي ويقرِّحون المآقي في عَينيَّة الصفات وغيريّتها، والجوهر والعرَض، والحدوث والقدم، والدور والتسلسل، وليت المتصوفةَ الذين يحاولون أن ينازعوا الله في مشيئته ويجاذبوه قُدرتَه ويغالبوه على أمره ونهيه ويزاحموه في لوحه وقلمه، يعرفون من سر الدين وحكمته والغرض الذي قام له، ما يعرف هؤلاء البُلْهُ الأغرار [* أناس رآهم صاحب القصة في منامه] الذين لا يفهمون معنى الجنة والنار ولا يميزون بين الدين والتين! – المنفلوطي، النظرات، مدينة السعادة، الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان، ط1991، ص66 )

2.2.3. فهم صغر القرآن في أعين جماعة الحديث
والآن لنتذكر قول أحمد الطيب شيخِ الأزهر، أنه لولا السنة "لضاع ثلاثة أرباع الدين".
لماذا قال مثل هذا؟ لماذا يرى هو وغيره القرآنَ بهذا الصِغَر؟
أحد الأسباب هو ما ذكرناه، عن هوسهم بالقشور والطقوس، ووضع القوانين لأسخف التفاصيل.
وهذه القوانين وجدوها في كتبهم الأخرى، وليس في القرآن. ولهذا لم يُترَك للقرآن أكثرُ من ربع الدين.
وشيخ الأزهر لم يقل: "لضاعت ثلاثة أرباع الشريعة أو القوانين" بل قال "ثلاثة أرباع الدين". صارت القشور هي لبّ الإسلام!
واعلم أني لا أقلل من شأن التفاصيل والشكليات. فالتقيّد بها ليس سهلاً.
وخاصة في بعض الأوساط التي تعرفونها، التي تكره كلَ إشارة إلى الدين.
وتقول: الدين في معبدك فقط، أما خارجَه فالدين يجب أن يُدفَن.
وأياً كان حال الوسط الذي تعيش فيه. فإن الالتزام بدقائق الأمور أمر مُتعِب، وكل عملٍ مُتعِبٍ، تتمكن من إنجازه، يمنحك شعوراً بالانتصار، أياً كان هذا العمل. فكيف إذا كانت هذه الأعمال الدقيقة الكثيرة هي بأمر من الله وتمنح المغفرة والجنة، كما يقولون؟
ولكن: ماذا عن: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ماذا عن: مساعدة المظلوم ومقاومة الظالم؟ هذه الأمور من رتبة أخرى. هي الأصعب، هي الأخطر، هي الأصلح. وهي بأمر الله في كتابه العزيز، كما يعرف الجميع. فأين الأعمال الطقسية منها؟!
ولكن الذي حصل، أن القشور حلت محل الألباب، وليس هذا مستغرباً: فالناس يختارون أيسر الطرق، ومن السهل تزيينُه لهم، وإقناعهم به. فعندما هجر الناس القرآنَ، ارتحلوا إلى الطقوس، أو، إن شئتَ، فَقُلْ: هجروا القرآن لأنهم تعلّقوا بالطقوس.
خذْ ما شئت: الطقوس حلّت مكان القرآن في قلوب المسلمين – وهم يحسبون أنهم يُحسِنون صنعاً.
(والنصوص كثيرة – التي تبين أن ابتعاد المسلمين عن القرآن كان قديماً.)
2.2.4. الهجر القديم للقرآن – ميمون بن مهران
أورد هذا الخبر الذي وجدته صدفة، هو عن ميمونٍ بنِ مِهران، الذي ربّى أولاد عمرَ بنَ عبدِ العزيز، والذي يُعَدّ من أصلح خلفاء الدولة الأموية. والخبر من كتاب حِلية الأولياء لأبي نَعيمٍ الأصبهاني.
يقول ميمون بن مِهران:
"إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ قَدْ خَلُقَ [* أي بَلِيَ] فِي صَدْرِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَالْتَمَسُوا مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَإِنَّ فِيمَنْ يَبْتَغِي هَذَا الْعِلْمَ مَنْ يَتَّخِذُهُ بِضَاعَةً يَلْتَمِسُ بِهَا الدُّنْيَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُمَارِيَ بِهِ، وَخَيْرُهُمْ مَنْ يَتَعَلَّمُهُ وَيُطِيعُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ"

وأذكر له أيضاً من نفس الكتاب:
"من تَبِعَ القرآنَ قادَه القرآن حتى يحُلَّ به في الجنة، ومن ترك القرآنَ لم يدعه القرآنُ يتبعُه حتى يقذِفَه في النار."
(أبو نَعيم الأصبهاني، حِلية الأولياء، دار الحديث القاهرة، 1430/2009، ج3، ص224)

2.2.5. مصلحة المحدثين والفقهاء في فوضوية ما يسمى السنة
وبلا شك: كثرةُ التفاصيل، منحتْ المحدِّثين والفقهاء وسائلَ قويةً للسيطرة على العامّة، التي صارت تستفتيهم في كل صغيرة وكبيرة؛ ومن دون أن تستفتيهم: "أصحاب الشرع" صاروا يقولون: هذا حلال وهذا حرام.
وكان لهم في هذا "كنز" متزايد من النصوص التي لا تُحصى، يأخذون منها ما يُماشي مصالحهم أو مصالح سلاطينهم. والعامة لا تدري ما في تلك النصوص، فلا يبقى لها إلا طاعةُ "أهل العِلم" والتسليم لهم (أي أهل العِلم بالمرويات المتناثرة).
وهنا أشير من جديد إلى الفوضوية في تحديد السنة. فهذه الفوضوية هي هنا في صالح أصحاب الحديث، لأنها تمنحهم المرونة والزئبقية في اختيار ما يشاؤون إدخاله في الدين، إو إخراجَه منه. لديهم نبع لا ينضُب من المرويات، ولديهم أيضاً وسائلُ الجرح والتعديل. وهكذا يجعلون (الرياح تجري بما تشتهي السفن). ولهذا السبب ولغيره لا أتوقع أبداً أن يقوم "حِزب حدَّثنا" بتحديد أحاديثهم المعتمَدة. سيبقون فِرحين بما لديهم من فوضى.
2.2.6. آخرون لهم هوس التفاصيل، اليهود والزردشتيون – وماذا عن المسيحيين؟
وبعد. الهوس بالتفاصيل لم ينفرد به المحدِّثون والفقهاء، ويبدو أنه يلبّي نوعاً من أنواع التدين لدى البشر، الذين يريدون إظهاره شكلياً طقسياً، فإنك تجده لدى الزردشتيين واليهودِ أيضاً. ونصوص البيبل كثيرة في ذلك، أعني العهدَ القديم منه، راجع الباب الثاني عشر من المكدّس: "أصول الطعام واللباس وبناء المذبح والمعبد"، تجد فيه قوانين عجيبة غريبة.
وفي التلمود الأمرُ بعدُ أعجب وأغرب. مثال صغير (من الباب المذكور): في التوراة اليهودية المسيحية جاء هذا الأمر الغريب: "لا تَطبُخوا الجديَ بلبنِ أمّه". (تثنية 14، 21) فماذا صنع التلموديون (أصحاب المثناة) بهذا؟ – قالوا بمنع أكل أي شيء اجتمع فيه اللحم واللبن (أو أي شيء ينتج منه)!
واخترعوا شرائع تتعلق بالصحون: فالصحن الذي احتوى مرة لحماً لا يجوز أن يؤكل منه لبن أو جُبن في مرة أخرى. والبعض يرى وجوبَ فصل الأفران، فالفرن اللحمي –إن جاز التعبير– لا يجوز استخدامه لمنتجات الألبان! ولديهم صفحات فتاوى في ذلك.
وما أذكره هو من أشهر صفحة يهودية في ألمانيا "هَجَليل" Hagalil. كل هذا التكلّف –وأكثر– اصطنعوه من عبارة "لا تطبخوا الجدي بلبن أمّه".
(راجع الباب 12 السالف الذكر من المكدّس وفيه تجد هذا الرابط: http://www.hagalil.com/judentum/rabbi/fh-0812.htm)

أما المسيحيون فمعظمهم يجهل ما جاء في العهد القديم، وهم على نقيض اليهود في هذا، وإن كانت الطقوس الكنسية معقدة وملابس الكهنة فيها الكثير من التكلف. ولكنْ: تديّنُ جملة المسيحيين بعيد عن تلك التفاصيل، فهم وجدوا تديّنهم في شيء محسوس آخر: هو الأغاني والصور والتماثيل. وهي كثيرة في الكنائس. وتجد المسيحيين يركعون أمامها ويتوجهون بطلباتهم إليها.
سواء لديهم إن كانت تمثِّل المسيح أو مريم أو أحداً من القديسين الذين لا يُحصَون.
فبعد أن قل جدّاً ذِكْر الله (أقنوم الآب) في دعائهم، ذهبوا إلى يسوع (أقنوم الابن) ثم إلى مريم ("أم الله"، "والدة الله") ثم إلى جُملة القديسين. وكأن الشفاعة لهم، وكأنهم أقرب إليهم من الله وكأنهم أرحم بهم منه.
2.3. أحلام أهل الحديث: دخول الجنة بالحديث وليس بالقرآن
وبعد. قد ذكرنا أن السنة عندهم لا تقِلّ حجماً عن ثلاثة أمثال القرآن. فهل تفضيل السنة على القرآن فقط في الحجم؟ سنرى، سنرى الكثير، أكثر مما نحب.
2.3.1. الحلم الأول
لنبدأ بهذا الحُلم.
(وقال [أحمد بن حنبل] : ومات [رجل] من أصحابي فرئي في المنام، فقال: قولوا لأبي عبد الله: عليك بالسنة؛ فإن أوّلَ ما سألني الله سألني عن السنة.)

هذا لدى الإمام البربهاري في كتابه الذي سماه "شرح السنة"! هكذا تُشرح السنة (مكتبة دار المنهاج، 1426، ص134).
"عليك بالسنة" والله "يسألهم" –هكذ– عن السنة! قبل أي شيء آخر!
أين القرآن؟ هل نسُوه؟ أليس له حضور في أحلامهم هذه؟
بلى، بلى، إليك حُلماً ثانياً:
2.3.2. الحلم الثاني
(حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ،: أَنَّ رَجُلًا، رَأَى يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: أَبَاحَنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: بِالْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَبِمَاذَا؟ قَالَ: بِالْحَدِيثِ)

هذا من كتاب المحدّث المؤرخ الشهير، الخطيب البغدادي. وعنوان كتابه –ولا غرابة في ذلك– "شرف أصحاب الحديث".
(وإياك أن تقول: شرف أصحاب القرآن، فيغضبوا عليك!)
(الخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث، مكتبة ابن تيمية، 1417 1996، ص186)
والآن لنغير قليلاً هذا الخبر الذي نشره صاحب الشرف، الخطيب البغدادي.
بعد التغيير: (فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: أَبَاحَنِي الْجَنَّةَ.قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِالْحَدِيثِ) – هنا دون ذكر القرآن.

لكن هذا لم يكفِهم: أن يدخلوا الجنة بالحديث. فهم يريدون إظهار فضل الحديث على القرآن! لذلك جاؤوا بـ "قال: بالقرآن؟ قال: لا. قال فبماذا؟ قال: بالحديث." وهكذا يظهر شرف أصحاب الحديث الذين استصغروا القرآن!
سنرى شنائعَ أخرى لأصحاب الشرف في حق القرآن.
2.3.3. مُلحَق
2.3.3.1. صحيح البخاري هو كتاب الرسول!
وهذا حُلم آخر وجدته لديهم:
(وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو إِسْمَاعِيل الْهَرَوِيّ [*طبعاً هذا اللقب لم ينفرد به ابن تيمية] فِيمَا قَرَأنَا على فَاطِمَة وَعَائِشَة بِنْتي مُحَمَّد بن الْهَادِي أَن أَحْمد بن أبي طَالب أخْبرهُم، عَن عبد الله بن عمر بن عَليّ، أَن أَبَا الْوَقْت أخْبرهُم عَنهُ سَمَاعاً، أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْهَرَوِيّ، سَمِعت خَالِدَ بن عبد الله الْمروزِي يَقُول سَمِعت أَبَا سهل مُحَمَّد بن أَحْمد الْمروزِي يَقُول سَمِعت أَبَا زيد الْمروزِي يَقُول:
كنت نَائِما بَين الرُّكْن وَالْمقَام فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لي يَا أَبَا زيد إِلَى مَتى تدرِّس كتاب الشَّافِعِي وَلَا تدرِّس كتابي ؟ فَقلت: يَا رَسُول الله، وَمَا كتابك؟ قَالَ: "جَامع" مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل.[*أي كتاب صحيح البخاري].
– ابن حجر العسقلاني، هدي الساري لمقدمة فتح الباري، الرسالة، 1434 2013، ت الأرنؤوط وغيره، ج2، ص550)

2.4. القرآن أحوج إلى السنة من السنة إليه.
لديهم جمل عديدة تعبّر عن مزاحمتهم القرآن بما يسمونه السنة (وهي في الحقيقة فوضى مروياتِهم)، منها:
(القرآن إلى السنة أحْوَجُ من السنة إلى القرآن)
فكما ترى هذا وجه آخر لتفضيلهم السنة على القرآن. فلم يكتفوا بالقول: القرآن بحاجة للسنة. لا فهو الأحوج إليها منها إليه! هذا ما أرادوه!
وأعيد: لماذا لم يحددوا نص هذه السنة التي يحتاج إليها القرآن؟
على كل حال، الجملة المذكورة، تجدها في مصادرَ كثيرة لديهم، منها الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي أيضاً وهو يذكر بعدها مباشرة شنيعة أخرى: (الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، 1423 2003، دار الهدى، ج1، ص81)
2.5. "السنة قاضية على القرآن"
2.5.1. السنة قاضية على القرآن
(السنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب قاضياً على السنة –الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، 1423 2003، دار الهدى، ج1، ص81)

فأهل الحديث لا يُخفون هواهم. السنة قاضية على الكتاب! ولم يكفِهم هذا. أضافوا: ليس الكتاب قاضياً على السنة. وهذا، كما ذكرت من كتاب "الكفاية في علم الرواية". فهكذا تنال كفايتك من علم الرواية، أي علم رواية البعثرات التي يغطون بها القرآن!
والدارمي جعل في مسنده ذاتهِ باباً سماه "السنة قاضية على كتاب الله تعالى" – قضى الله على ضلاله وما ولّده من ضلال!– جاء فيه:
" السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ" (مسند الدارمي)
وليس من قبيل الصدفة أن يذكر الدارمي بعدها مباشرة: (كان جبريل يَنزِل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن)!
(مسند الدارمي، "33-باب السنة قاضية على كتاب الله تعالى"،دار التأصيل، 1436 2015، ص414 415)

وأذكر أيضاً المَرْوَزِي في كتابه الذي سمّاه "السنة:" ذكر عبارة "السنة قاضية" وقبلها مباشرة (كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن)! وأضاف (ويعلّمه إياها كما يعلّمه القرآن). وماذا ذكر بعد عبارة "السنة قاضية على الكتاب"؟ ذكر: "القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن". فهم لا يُخفون مرادهم.
(المَرْوَزي، السُنة، دار العاصمة، 1422 2001، ص106 107)


ولاحظ لم يقولوا: قاضية في القرآن، بل أرادوها بشناعتها مع حرف الجر "على": السنة قاضية على الكتاب، على القرآن.
وأذكّرهم ببعض الشواهد، لعلهم نسُوها، فهي من كتاب الله الذي جعلوا الدين في القضاء عليه – وبماذا؟ بمبعثراتهم العشوائية – نذكّرهم ونذكر أنفسنا، لعلهم يدركون ما فعلوا بعبارتهم الشنيعة هذه:
- (فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ – 28 [القصص] 15)
- (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا – 35 [فاطر] 36)
- (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ – 43 [الزخرف] 77) - أي يريدون أن يموتوا، أن يفنوا.
- وأيضاً من دون "على": (فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ – 69 [الحاقة] 25–29)
ولكنهم يقولون لك –أصحاب الشرف، شرف البعثرة– سيقولون لك مثلاً: كل ما قصده السلف الصالح بذلك أن: السنة تفسِّر القرآن!
"السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة" تفسيرها "السنة تشرح القرآن"
وكذلك "من شاء فليؤمن وشاء فليكفر" تفسيرها – فهي غامضة جداً تحتاج للتفسير– وتفسيرها ماذا؟ – "من بدّل دينه فاقتلوه"
`
2.5.2. "السنة قاضية" – "مؤنّث الرجال" – والشذوذ الجنسي للخطيب البغدادي؟
وإليك قصتهم مع القضاء على القرآن بصيغة جديدة:
(قَالَ لِي الزُّهْرِيُّ: أَيُعْجِبُكَ الْحَدِيثُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُعْجِبُ ذُكُورَ الرِّجَالِ وَيَكْرَهُهُ مُؤَنَّثُهُمْ، أَمَّا ذُكُورُ الرِّجَالِ فَهُمُ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْحَدِيثَ وَالْعِلْمَ وَعَرَفُوا قَدْرَهُ، وَأَمَّا مُؤَنَّثُهُمْ فَهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِيشْ نَعْمَلُ بِالْحَدِيثِ، وَنَدَعُ الْقُرْآنَ؟ أَوَمَا عَلِمُوا أَنَّ السُّنَّةَ تَقْضِي عَلَى الْكِتَابِ، أَصْلَحَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ)

فالفحول هم الذين يقضون على كتاب الله ببعثرات أهل الحديث، أما الذين يقولون: أيُترَك القرآن ويُعمَل بالحديث؟ فهؤلاء هم "مؤنثو الرجال". هذا فيه ما يُغنيك عن أي رد.
والخبر هذا لدى الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع". هذه أخلاق الراوي المؤمن – بالقرآن؟
(الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، مكتبة المعارف، 1403 1983، ص141)
والخطيب البغدادي هو بالمناسبة متهم في العديد من الكتب بالشذوذ الجنسي، أنقل عن القِفطي (ت 624هـ) في إنباه الرواة على أنباه النحاة:
(وإن الخطيب أحمد بن على بن ثابت كان يميل إليه لحسنه [يميل إلى رجل لحسنه]. وقيل إن ولدَه هذا كان يعرف ذلك، وربما قاله ووصفه بالحسن مع الصّبابة. وقيل له [* أي لابن الرجل الذي كان الخطيبُ مغرماً به] يوما: إن الخطيب أحمد بن على بن ثابت كان يميل إلى ابن خيرون [* ذَكَر آخر، كان الخطيب مغرماً به] لجماله، فقال: كان ميله إلى أبي أكثر.) فهنا الخبر عن ذكرَين جميلين استلبا عقل المحدِّث الخطيب البغدادي، صاحب الشرف.
(إنباه الرواة على أنباه النحاة، القِفطي، دار الفكر العربي، 1406 1986، ص222)

ومن معجم الأدباء لياقوت الحموي: (كَانَ يخْتَلف إِلَيْهِ صبي صبيحُ الوَجْه [..] فَتكلم النَّاس فِي ذَلِك – دار الغرب الإسلامي، 1993، ص393)

وللإنصاف: الشذوذ كان شائعاً في عصرهم وقبله، والشعراء كتبوا القصائد في الشذوذ دون أي حرج. ولا أحد يهتم.
مظهرٌ آخر من مظاهر هجر القرآن.
2.5.3. "السنة قاضية" وأحمد بن حنبل والخلاصة
وبعد. هل قال كل أهل الحديث "إن السنة قاضية على القرآن وليس القرآن قاضياً على السنة"؟ لا، بالطبع لا. وقد أُثِر عن أحمد بن حنبل أنه: (سُئِلَ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ أَنَّ السُّنَّةَ قَاضِيَةٌ علَى الْكِتَابِِ، فقال: مَا أجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنَّ السُّنةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ، تُعَرِّفُ الْكِتابَ وَتُبيِّنُهُ – أبو طاهر السِلَفي، الطُيوريات، أضواء السلف، 1425 2005، ص1377)

فكما ترى، أحمد بن حنبل يتحرج من اللفظ. يقول إنه لا يجسُر على هذا القول.
ولكن هل رفض القول؟ هل شنّع على قائله؟ لا، لم يفعل. مع أنهم عادة لا يبخلون بالألفاظ الشديدة. فلسان حاله: أنا موافق على المعنى، ولكن اللفظ يحتاج لشيء من التليين والتلطيف. ولذلك يكتفي بـ (السُّنةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ، تُعَرِّفُ الْكِتابَ وَتُبيِّنُهُ). وهذا أيضاً شناعة! فالسنة هى فوضى مبعثراتٍ غيرِ مفسَّرة وغيرِ معرَّفة وغيرِ مبيَّنة، فأنّى لها أن تفسِّرَ كتاب الله وتعرّفَه وتبينَه؟
أهل الحديث يحلُمون! ليس إلا! اسألهم: أين نقرأ سنتهم هذه التي جعلوها تفسِّر كتاب الله وتعرِّفه وتبيّنه! ستجدهم يتلاشَون أمامك: سيقولون لك: "اقرأ كذا وكذا" "وإلى آخره"، من دون تحديد. صار الدين لديهم فوضى يلعبون بها وتلعب بهم.
ثم لم نسمع أن أحمدَ بنَ حنبل أنكر مثلاً قتل المرتد أو رجم الزاني! فليعترف هو أيضاً بأنه ممن يقضون على كتاب الله بالمبعثرات! ليعترفْ، وسيعترف هو وغيره أمامَ ربّهم، وسَيُذكَّرون بكل ما أساؤوا به إلى كتاب الله.
الخلاصة: أنهم بجملتهم يقضون على على كتاب الله بما يسمونه السنة، ويرفضون أن يقضي كتاب الله عليها. ولكن بعضهم يرفض تعبير "يقضي على" إما لأنه يراه شديداً أو لأنه يخشى أن يصبح مدخلاً للتشنيع عليهم، أي على أهل الحديث.
فالفريق الذي يقولها صراحة: "السنة قاضية على القرآن، ليس القرآن قاضياً على السنة"، هو الأصدق.
ولكني أعرف أن هناك أناساً من أهل الحديث لن يعترفوا بأنهم جعلوا أحاديثهم قاضية على القرآن، إلا إذا جاء فيها مثلاً: "قد ولّى زمن التوحيد وحلّ زمن التثليث والتربيع والتخميس".. [ولعلّهم يجدون لها أيضاً تخريجة..]
ولعلهم يقولون لك: القرآن يأمرنا بالقضاء عليه بالحديث.
ماذا نقول. مخادعة الناس لأنفسهم أمر شائع.
2.6. "السنة حاكمة على القرآن" ومشكلة الألباني مع "حديث" شائع
والآن نتوجه إلى ناصر الدين، محدّث العصر، الألباني.
له كتيّب صغير جداً وهو في الأصل محاضرة وعنوانه "منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يُستغنى عنها بالقرآن".
أراد أن ينهيه –الكتيّبَ– باستنكاره لحديث مشهور في كتب أصول الفقه. أنقل لكم النص كله، حتى تُدركوا انحراف أهل الحديث أكثر:
يقول:
(وقبل أن أنهي كلمتي هذه أرى أنه لا بد لي من أن ألفِت انتباه الإخوة الحاضرين إلى حديث مشهور، قلما يخلو منه كتاب من كتب أصول الفقه، لضَعفه من حيث إسنادُه ولتعارضِه مع ما انتهينا إليه في هذه الكلمة من عدم جواز التفريق في التشريع بين الكتاب والسنة ، ووجوبِ الأخذ بهما معا، ألا وهو حديث معاذٍ بن جبل - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أرسله إلى اليمن:
بم تحكم؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله قال:فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو [* أي لا أقصِّر]، قال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يحب رسولُ الله – الألباني، منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن، الدار السلفية، 1404 1984، ص21)

والآن أرجو منكم أن تتمهلوا قليلاً، فكّروا، حاولوا اكتشاف سبب استنكار الألباني لهذا الحديث، أعني متنَه. كيف سيعلّل رفضه له؟
وأعترف لكم أني ما كنت لأكتشف السبب، بل لم أتمكن من فهم تعليل الألباني إلا في القراءة الثانية.
نتابع: لعلكم توصلتم إلى الجواب. نقرأ تعليله العجيب.
يقول وهو يفسِّر الحديث:
(إن حديث معاذ هذا يضع للحاكم منهجاً في الحكم على ثلاث مراحل، لا يجوز أن يبحث عن الحكم في الرأي إلا بعد أن لا يجدَه في السنة، ولا في السنة إلا بعد أن لا يجدَه في القرآن. [* وهذا الكلام لا يعجب الألباني! – نتابع معه:]
وهو بالنسبة للرأي منهج صحيح لدى كافة العلماء، وكذلك قالوا: إذا ورد الأثر بطُل النظر.
ولكنه بالنسبة للسنة ليس صحيحا ؛ لأن السنةَ حاكمة على كتاب الله ومبينة له ، فيجب أن يبحثَ عن الحكم في السنة ، ولو ظنّ وجوده في الكتاب ، لِما ذكرنا فليست السنة مع القرآن كالرأي مع السنة، كلا ثم كلا بل يجب اعتبار الكتاب والسنة مصدراً واحداً لا فصل بينهما أبداً).

فالذي يستنكره الألباني هو الجزء الأول من الحديث: أعيد قراءته:
(قال له حين أرسله إلى اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله)
هذا الأمر يُغضِب محدِّثَ العصر. إذ فيه ترتيب: القرآن ثم السنة.
ولكن الألباني لا يرضى بذلك! عليك دائماً أن تعود إلى المبعثرات التي يسميها هو وأصحابه السنة! إذ قال: (فيجب أن يبحثَ عن الحكم في السنة، ولو ظنّ وجودَه في الكتاب)
ثم يصرّح أكثر، يقول: "السنة حاكمة على كتاب الله"! (كنا في "السنة قاضية" والآن صرنا في "السنة حاكمة على القرآن")
فهو يقدِّم السنة على كتاب الله، ولا يكتفي بالتسوية بينهما. فكيف يرضى بحديث معاذٍ هذا، وفيه تقديم القرآن على ما يسمونه السنة؟
لولا بقيةٌ من الحياء لديه لقال لك: تصحيح الحديث يكون هكذا!:
(قال له حين أرسله إلى اليمن: بم تحكم؟ قال: بسنة رسول الله قال: فإن لم تجد؟ قال: بكتاب الله)! – لعل هذه الصيغة تُرضي محدِّث العصر؟ أو لعله يحب أن يكتفي الناس كلهم بصحيح الألباني، سلسلتِه الصحيحة.
إن كلام الألباني هذا شنيع، ولكن استصغارَه الواضحَ للقرآن، ليس غلوّاً منه، بل اقتداءً بأسلافه المنحرفين عن القرآن. فلعلنا يجب أن نشكره على وضوحه وجرأته في إظهار انحرافه، كما هو، من دون تزيين.
تقديم السنة على القرآن لديهم أساسي، وقد ذكرنا أنهم يخالفون القرآن حتى إذا كانت المخالفة هي في القضاء على حياة البشر (قتل المرتد ورجم الزاني)! فلا تعجبوا من الألباني. هذا ما يدين به الكثيرون.
وأذكر هنا اقتباساً من كتاب "الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري" لمؤلفه عبد المجيد محمود عبد المجيد:
(ويجدر بنا أن نشير إلى أن المحدِّثين لم يميلوا إلى الاتجاه الذي يقدِّم الكتاب على السُنَّةِ، بل انحصر ميلهم في الاتجاهين الآخرين، فذهب أكثرهم إلى تقديم السُنَّةِ على الكتاب، وذهب القليل منهم إلى أنهما في مرتبة متساوية – عبد المجيد محمود عبد المجيد، 1979 1399، الاتجاهات الفقهية في القرن الثالث الهجري، ص194)

فاعلم، ماذا صنع هؤلاء بكتاب الله! لا يأخذون منه إلا ما يوافق متناثراتِهم. التي جعلوها قاضية وحاكمة على كتاب الله، ومُلغية له.
2.7. شنائع أخرى لهم في حق القرآن
والآن نورد هنا طائفة أخرى من الشنائع التي جاءنا بها أصحاب الشرف، شرف الحديث، شرف البعثرة.
2.7.1. لا يوجد أفضل من طلب الحديث، حتى من دون نية!
نادرة أخرى: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، [* ..] قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ الْحَدِيثِ [* وليس القرآن!] لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ – البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، 1404، ص309)

إن كنت ترى هنا الشناعة، فأصحاب الحديث لديهم شناعة أكبر:

(سمعت سفيان [* الثوري] يقول "ما أعلم شيئاً يُطلب به الله عزّ وجل هو أفضل من الحديث"، فقال له إنسان: إنهم يطلبونه بغير نية؟ [* يريد أنهم يجعمون الأحاديث حباً في الغرائب ومن دون نية صادقة] قال: طلبهم له نية)
فحتى لو كانت نية الرجل هي حب الشهرة في جمع الأحاديث، فإن جمعه لها أفضل الأعمال عند الله!
والخبر من كتاب "شرف أصحاب الحديث" للخطيب البغدادي (مكتبة ابن تيمية، 1417 1996، ص211)
2.7.2. "من روى أربعين حديثاً.."
ولا عجب أن نجد لديهم هذه البعثرة (من كتاب مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي):
(قال رسول الله: من روى عني أربعين حديثاً من السُنة حُشِر يوم القيامة في زمرة الأنبياء. – دار الكتب العلمية، 1407 1987، ص83)
ولم يخبرنا صاحب هذه البعثرة ماذا يحصل، لو روى أحدهم 80 حديثاً؟ أو مئة أو ألفاً؟ هل سيحسده الأنبياء عندها؟!
وتحسن الإشارة هنا أني قد بحثت عن هذا "الحديث" في موسوعة الدرر السنية، فلم أجد له أية نتيجة، حتى ضمن "قسم المتخصصين" – حيث تُورَد أيضاً أحاديث موضوعة. ولكني وجدْتُ ما يُشبهه في حديث يتيم، هم يقولون بأنه لا يصح!
ـــ
1 - من روى عنِّي أربعينَ حديثًا جاءَ في زمرةِ العُلَماءِ يومَ القيامةِ
الراوي : أبو هريرة | المحدث : ابن الجوزي | المصدر : العلل المتناهية
الصفحة أو الرقم : 1/122 | خلاصة حكم المحدث : لا يصح | أحاديث مشابهة
ـــ
https://dorar.net/h/BBYo297Z التصفح 2023-09

فيبدو أن السيوطي المتوفي في القرن العاشر الهجري، كانت لديه مجموعته الخاصة من "السنة"، أو أنه كان ممن يحبون البعثرة دون تفكير، ليس همّه إلا تسويدَ الصفحات. ولكنّ هذا لم يقلّل من إعجاب القوم به. بَعْثِر تَسُدْ!
وهذا أمر وجدته كثيراً في كتب أصحاب الحديث. تجد المؤلف ينقل خبراً ما في كتابه، ليعتمد عليه، فيأتي التعليق من محقق الكتاب في الحاشية: بأن الخبر ضعيف أو موضوع أو منكر (وهو أيضاً من أصحاب الحديث)، أو تحاول البحث بذاتك في الموسوعات الحديثية، فلا تجد للمبعثرة أثراً!
لكنهم راضون بهذه الفوضى، فرحون بها ويريدونها حاكمة على كتاب الله وقاضية عليه! (وأذكر أن أحمد بن حنبل، وهو مَن هو، جاء في مسنده بأحاديث موضوعة – وفق تصنيفاتهم.)
2.7.3. ما هو العلم كلّه؟ لدى أهل الحديث؟
"[سفيان الثوري]:إنما العلم كلّه العلم بالآثار" أيضاً من كتاب "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة" للسيوطي (مجلة الأزهر، 1420، ص65).

وهم يقصدون بالآثار، أخبارهم المتناثرة المتشظية هنا وهناك، من دون ضابط. وهذا هو كلّ العِلم!
وأنصح لك هنا أن تراجع كتاب "جامع بيان العلم" لابن عبد البر، حتى يظهر لك الأمر أكثر.
2.7.4. مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن
شنيعة أخرى من شنائعهم في حق القرآن:
(قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبُو عُثْمَانَ، وَأَبُو نَضْرَةَ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَخَالِدٌ الْأَشَجُّ نَتَذَاكَرُ الْحَدِيثَ
وَالسُّنَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ قَرَأْتُمْ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ وَقَرَأْنَا سُورَةً لَكَانَ أَفْضَلُ
فَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ: كَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: مُذَاكَرَةُ الْحَدِيثِ
أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ)
صاحبهم هذا –ولم يذكروا له اسماً– أرادهم أن يقرؤوا القرآن. ولكن عبث.
جاءه ردهم السمج ودون أي حياء "مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن".
(وأبو سعيد الخُدري، هذا، من "الصحابة".)
والخبر من السنن الكبرى للبيهقي! (دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، 1404، ص306 307)

2.7.5. تقبيل لسان صاحب الأحاديث
وهذا خبر غريب جاء لدى النووي، صاحب الشرح الشهير لصحيح مسلم.
(وعن سهل بن عبد الله التُسْتَري السيّد الجليل أحد أفراد زهّادِ الأمة، وعبّادها رضي اللهُ عنهُ، أنهُ كان يأتي أبا داودَ السجستاني ويقولُ:
أخرِجْ لي لسانَكَ الذي تحدثُ به حديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لأُقَبِّله_؛ _فيقبِّلهُ. – محيي الدين النووي ت 676، الأذكار من كلام سيد الأبرار، دار المنهاج، 1425 2005، ت الحريري، ص431)

(أبو داود هو صاحب السنن الشهير (من الكتب الستة) والتستري لنا عودة إليه في عقيدته التي نقلها اللالكائي في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة".
ahl_hadith.html#i-f042wk01tej0
)
بالإضافة لعملية تقبيل اللسان هذه العجيبة هناك سؤال يخطر في البال:
إن كان تقبيل لسان المحدِّث يحلو ويحسن، فماذا يفعلون بلسان من يتلو القرآن؟ هل يكتفون بتقبيله؟ ماذا يفعلون به؟ لم يخبرونا بذلك..
لكن يبدو أن تقبيل ألسنة المحدِّثين يمكن عدّه عبادة لديهم، فإليك هذا:
2.7.6. النظر إلى الرجل منهم عبادة
شنيعة أخرى:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي يَدْعُو إِلَى السُّنَّةِ، وَيَنْهَى عَنِ الْبِدْعَةِ عِبَادَةٌ »)
والكلام لدى الإمام ابن بطة في كتابه الشهير، الإبانة الكبرى. (أو "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة"، دار الراية، ج1، ص343)

وكأنهم يتغزّلون بأصحاب الحديث، كما كان يتغزل مجنون ليلى بليلاه.
ماذا نقول؟ هم لا يكتفون بجعل النظر إليهم من عبادة الله بل يجمعونها في نفس الجملة بالنظر في كتاب الله. ولا أدري كيف سوّلت لهم نفسهم مثل هذا، وأن يدوِّنوه وينشروه. وكأنهم لا يقرؤون ما يكتبون.
على أية حال: هذا من نِعَم الله أن جعل انحرافهم عن القرآن بيّناً، لكل من رفض التعامي.
2.8. هل الزندقة والكفر والإلحاد في من يفضل القرآن على المبعثرات؟
2.8.1. تكذيبك لأهل الحديث هو تكذيب لله، حتى لو كانت بعثراتهم تخالف كتابه!
خبر جاء في كتاب "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة" للسيوطي، وقد مرّ ذكره:
(وَأخرج الدَّارمِيّ عَن بشر بن عبد الله قَالَ: [* ..] أَنه حدّث يَوْمًا بِحَدِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ رجل: فِي كتاب الله مَا يُخَالف هَذَا، فَقَالَ:"لَا أَرَانِي أحَدثك عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَتعرض فِيهِ بِكِتَاب الله، كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعلم بِكِتَاب الله مِنْك." [* عودة لكلام السيوطي] هَذَا مَا انتقيته من مُسْند الدَّارمِيّ. – مجلة الأزهر، 1420، ص84)
أيْ: حتى لو كان ما يحدِّثك به أصحاب البعثرة مخالفاً للقرآن، عليك أن تأخذ به!
ومن أقوالهم أيضاً: (من بلغه حَدِيث فكذّب بِهِ فقد كذّب ثَلَاثَة، كذب الله وَرَسُوله، وَالَّذِي حَدّثهُ.)
هذه الجملة جاءت منسوبة للأوزاعي في كتاب "القرآنيون العرب"، أما في كتاب "السنة ومكانتها" لمصطفى السباعي فقد جاءت منسوبة للنبي نفسه، والألباني يجعلها حديثاً ضعيفاً منكراً في سلسلته الضعيفة. فوضى كالعادة.
(جمال بن محمد بن أحمد هاجر، القرآنيون العرب وموقفهم من التفسير، 1436 2015، دار التفسير، ص425. مصطفى السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، المكتب الإسلامي، 1396 1976، ط2، ص383. الألباني، السلسلة الضعيفة، مكتبة المعارف، 1408 1988، ج11 ص360 وَ ج12 ص745)
2.8.2. ما علاقة الزندقة بالقرآن لدى أهل الحديث؟
ونذكر درّة من درر "شرح السنة" للإمام البربهاري:
(وإذا سمعتَ الرجلَ تأتيه بالأثر فلا يريده، ويريد القرآن، فلا [تشك] [*ما بين المعكوفين السابقين في الأصل] أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم من عنده ودَعْه – (البربهاري، شرح السنة، مكتبة دار المنهاج، 1426، ص119).

خلاصة الأمر: لا تفكر: إذا جاءك صاحب البعثرات، بإحدى بعثراته، فاعلم أنه لا يتحدث إلا باسم الله، فطاعتك له هي طاعة لله!
فإذا رأيتها مخالفة للقرآن وأقمت القرآن عليها حاكماً، فاعلم أنك زنديق!
2.8.3. عرض الحديث على القرآن هو هدم للإسلام من عمل الملاحدة والزنادقة
والآن سيتبين لكم سوءهم أكثر.
أقدم لكم بعض تعليقاتهم على حديث، وبعدها سأخبركم بالحديث الذي شنّوا عليه هذه الحملة.
- باطل لا أصل له، التخريج : أورده الخطّابي في ((معالم السنن)) (4/299).
- لم يثبت فيه شيء ومن أوضع الموضوعات: الفيروزآبادي
- من أوضع الموضوعات: العجلوني
- ما رواه أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر: الشافعي
- ضعيف عن غير واحد من الأئمة - ابن تيمية
- ليس لهذا الحديث أصل والزنادقة وضعت هذا الحديث - علي بن المديني
- باطل وضعه الزنادقة: ابن العربي (ليس الصوفي، ذاك ابن عربي)
- الزَّنَادِقَةُ وَالْخَوَارِجُ وَضَعُوا ذَلِكَ الْحَدِيثَ : ابن عبد البر مستشهدا بكلام عبد الرحمن بن مهدي.
(ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، دار ابن الجوزي، 1414 1994، ص1191) - الشوكاني في "إرشاد الفحول": (فقال يحيى بن معين: إنه موضوع وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ.) وكذلك يستشهد بما جاء لدى ابن عبد البر "الزنادقة والخوارج وضعوا الحديث" (دار الفضيلة، 1421 2000، ص188)
(راجع https://sunnah.one/?s=%D9%81%D8%A7%D8%B9%D8%B1%D8%B6%D9%88%D9%87 وكذلك في الدرر السنية. التصفح كان 2022-01)
ومن معاصرين:
- موضوع باتفاق الأئمة.
(محمد بن محمد أبو شهبة، دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين، مكتبة السنة، 1409 1989، ص37) - وضعته الزنادقة لهدم الإسلام. الألوكة. محمد بن علي بن جميل المطري.
https://www.alukah.net/sharia/0/114958/ (التصفح كان 2022-01)
ونعود الآن إلى الألباني مرة أخرى.
قال عن حديث مشابه:
(باطل يقيناً. فإنه من وضع الزنادقة والملاحدة، أو ممن تأثر بهم واستجابوا لضلالتهم، شعروا بذلك أو لم يشعروا! كطائفة الخوارج والإباضية، ومن جرى مجراهم في تحكيمهم لأهوائهم، – الألباني، السلسلة الضعيفة، مكتبة المعارف، 1408 1988، ج3، ص590)

ثم:
(ولقد أطال النفَسَ في الكلام على طرق هذا الحديث، وبيان بطلانه، وأنه من وضع الزنادقة ؛ الإمامُ ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" (٢ / ٧٦ - ٨٢) فشفى وكفى جزاه الله خيرا، ومن ذلك قوله: إنه لا يقول هذا إلا كذاب زنديق كافر أحمق، [* وهنا يعود الكلام للألباني الذي يشيد بكلام ابن حزم ويقول] ولقد صدق رحمه الله وأجزل ثوابه )
والآن: لماذا استشنعوا هذا الحديث حتى قالوا إنه من وضع الزنادقة الملاحدة الكفار وأنه لهدم الإسلام!
- هل لأنه يسيء إلى الله؟
- أو لأنه يطعن في القرآن؟
- أو لأنه يناقض مبدأ من مبادئ القرآن؟
- أو لأنه يشوه سيرة محمد؟
لا، لا. إليك الحديث:
- (إذا رُوي عنِّي حديث، فاعرِضوه على كتاب الله، فإذا وافَقه فاقبلوه، وإن خالَفه فردُّوه)
- أو ("اعرِضوا حديثي على الكتاب، فما وافقه فهو مني، وأنا قلته") وتعليق الألباني المذكور كان على هذا الحديث.
فالحديث يقول بمبدأ عرض المرويات على القرآن. أي أن تكون الحاكمية لكتاب الله.
وهذا، كما رأينا، يناقض منهج أهل الحديث، ولذلك رأوا فيه تعدياً على دينهم!
فلا عجب في استشناعهم للحديث، ولكني، مع ذلك، تفاجأت عندما وجدتهم يصرِّحون هكذا باستهجانهم للقرآن. إذ صار عرض الحديث عليه من عمل أعداء الإسلام لهدم الإسلام!
فالدين عندهم أن تقوم بالعكس: أن تعرِض القرآن على مبعثراتهم الفوضوية، فهي القاضية عليه والحاكمة عليه والملغية له.
على كل حال، نشكر مرة أخرى الألباني وأمثالَه على هذه الصراحة، فقد أظهروا لنا أن إسلامهم ينهدم إذا رُفِع كتاب الله فوق مبعثراتهم. ولله الحمد.
{قَدْ تَبَيّنَ الرُشْدُ مِنَ الغيّ – 2: 256}
2.9. الخلاصة من القسم:
- السنة هي معظم الدين
- السنة هي الحاكمة على القرآن وعليك الرجوع إليها في كل حُكم حتى لو وجدته في القرآن
- السنة هي القاضية على القرآن، حتى لو جاءت بعقوبات القتل المخالفة للقرآن
- بالسنة تدخل الجنة فهي أول ما يسأل الله عنه
- مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن
- طلب الحديث أفضل الأعمال حتى لو كان من دون نية
- النظر إلى أهل الحديث عبادة
- عليك الأخذ بمبعثرات أهل الحديث مهما عظُمت مخالفتها للقرآن، وإلا فأنت زنديق تهدم الإسلام.
ولذلك فهم صادقون عندما سمَّوا أنفسهم أهل الحديث ولم يسموا أنفسهم أهل القرآن (أو اكتفوا بتسمية القرآن: مسلمين). ولكن الغريب أنهم يرون أنفسهم أهلاً للقرآن، بل لا يرون للقرآن غيرَهم أهلاً.
ولا يكون عندهم المرء متبعاً للقرآن إلا إذا جعله تحت مبعثراتهم الفوضوية التي ينتقون منها ما يناسب ظروفهم. ويقضون بما ينتَقُونه على كتاب الله، ويحكمون عليه!
ما الذي أبقَوه من الإسلام في إسلامهم هذا المختلق "المُبتدَع"؟
نتابع في المرة القادمة، وإن شاء الله تكون قريبة.
والسلام
3. محاولة لفهم دين أهل الحديث من خلال قراءة فصل كامل من كتاب اللالكائي
3.1. الفوضى التي يتبعونها أظلم مما تتوقع
قد تبيّن لنا أن أهل الحديث رأوا أن اتباع القرآن يكون بالقضاء عليه الله والحكمِ عليه بمروياتهم المبعثرة هنا وهناك. وقد رأينا أنهم جاؤوا بقتل المرتد ورجم الزني، مخالفين بذلك للقرآن. وخالفوه أيضاً في أمر جوهري: وهو جعل دخول الجنة بتكرار نطق عبارة، عدداً معيناً من المرات. ورأيناهم يجعلون الزندقة في عرض مبعثراتهم على القرآن.
فما الذي يتّبعه أهل الحديث، إن لم يكن هو القرآن؟
لعلّك تقول إنهم يتبعون ما سمّوه السنة النبوية بدلاً من القرآن.
- أقول: هذا غير ممكن. فنص "السنة النبوية" غير محدد لا من قريب ولا من بعيد. ليس لديهم إلا فوضى المبعثرات، كما بيّنا. فكيف يمكنهم أن يتبعوا هذه الفوضى؟
لعلك تقول هنا: نعم الأمر فوضوي، ولكن ما شكّلوا دينهم منه –حتى لو خالف القرآن– فقد أخذوه من المصنّفات الحديثية، أي مما نسبوه للرسول من أقوال وأفعال.
- أقول: هذا أيضاً غير صائب، فهم لم يكتفوا بمصنفاتهم الحديثية. بل لديهم مصادر أخرى في تشكيل دينهم. قد تكون أهم مما سمَّوه، هم، السنة النبوية.
وهذا ما سنبينه في هذا القسم، لترى أن ما علمتَه حتى الآن من فوضى دينِهم، ليس إلا جزءاً صغيراً من تلك الفوضى.
3.2. سنقرأ فصلاً كاملاً من كتاب اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة
لتسهيل فهم دين أهل الحديث رأيت أن نقرأ هنا فصلاً كاملاً من كتاب (اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، المكتبة الإسلامية، 1431 2010، ج1، ص245 إلى ص301) وعنوان الفصل: "ما روي عن المأثور عن السلف في جمل اعتقاد أهل السنة والتمسك بها والوصية بحفظها قرناً بعد قرن".
هذا الفصل ساق فيه اللالكائي (المتوفي 412هـ) اعتقادات مشاهير أهل الحديث، مثل اعتقاد أحمد بن حنبل والبخاري والطبري. سنبدأ باعتقاد التُستَري.
وأهمية هذا الفصل أنه يأتينا بشكل مكثّف لما يرونه أصولَ الدين.
والكتاب معروف لديهم وما زالوا يدرسونه وينشرون ما فيه حتى على اليوتوب وما شابه، وليتهم اكتفَوا بنشره في حلقاتهم.
[من قناة أبي إسحاق الحويني الرسمية: أفضل كتب العقيدة هو كتاب اللالكائي 0:39
ويذكره في التسجيل القصير عدة مرات:

3.3. "الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام"
وقبل البدء بالقراءة، أذكرك بقول أحمد الطيب في أنه لولا السنة لضاع ثلاثة أرباع الدين.
وإليك هنا نصاً آخر:

(الإسلامُ هو السّنة والسنةُ هي الإسلام. – مكتبة دار المنهاج، 1426، ص133)
فالسنة هي كل الإسلام (وليست فقط 3 أرباعه)، ولا أدري ما منزلة القرآن هنا.
هذا أنقله لك تمهيداً لما سيقوله أهل الحديث عن "السنة" وعن "عقيدتهم"، هم بأنفسهم.
ستجد صِغْرَ القرآن لديهم.
3.4. ملاحظة أخيرة قبل البدء بقراءة الفصل:
التعليق مني يكون بعد إشارة * بين معكوفين،هكذا: [* …]
أو في سطر جديد مبدوء بعلامة عدّ "-" (أو ما شابه).
3.5. عقيدة التُستَري – "متى يعلمُ المرء أنه على السنة والجماعة؟" – الخِصال العشر
اعْتِقَادُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ – من صفحة 297 إلى 298
3.5.1. اعتقاد التُستَري – الخصال العشر
"متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة"؟
هذا السؤال نجده في مصادر كثيرة لدى أهل الحديث.
وأول ما نلاحظه أن السؤال ليس عن الإسلام أو القرآن! بل عن "السنة" و "الجماعة".
ثم لا ندري لِمَ هذا السؤال – إن كانت لديكم كتب، فاتبعوها ولا تسألوا مثل هذه الأسئلة.
ولكن الأمر غامض لديهم، ولذلك جاء سؤال السائل بهذه الصيغة الغريبة، وكأنه يسأل: متى يعلم المرء أنه سريع في الركض؟ أو: متى يعلم المرء أنه قوي الذاكرة؟ – عندها قد يقال له مثلاً: إذ كنت تجتاز مسافة كذا في مدّة كذا، أو يقال له: أنت قوي الذاكرة كنت تحفظ كذا كلمة في كذا دقيقة..
دعونا الآن من التدقيق في السؤال وَلْنرَ الجواب.
لنقرأه في مقدمة المحقق لكتاب صغير لابن تيمية، "قاعدة مختصرة في وجوب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر":

(وقال سهلُ بنُ عبد الله التُّسْتَري وقد قيل له: متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ قال: "إذا عَلِم من نفسه عَشْر خصال:
- لا يترك الجماعة،
- ولا يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
- ولا يخرج على هذه الأمة بالسيف،
- ولا يكذّب بالقَدَر،
- ولا يشك في الإيمان،
- ولا يُماري في الدين،
- ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب،
- ولا يترك المسحَ عل الخُفّين،
- ولا يترك الجماعة خلف كل والٍ جَارَ أو عَدَل ". – ابن تيمية، قاعدة مختصرة في وجوب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر، المدينة المنورة مركز شئون الدعوة، 1416هـ، ص12)
3.5.2. مشكلة 9=10 – الفوضى1
قبل الكلام في المحتوى لنتحدث عن عدد الخصال، فهو كما ترى ليس 10.
هو يقول "إذا علم من نفسه عشر خصال" ولكنه لم يأت هنا إلا بتسع خصال!
لعلك تقول: هو خطأ جاء فقط في هذا الكتاب؟
لا، الأمر يتكرر:
موقع الألوكة


وفي موقع islamweb:
( https://www.islamweb.net/ar/fatwa/121612/ – 2022-04)

وكذلك في الطبعة الأولى من كتاب اللالكائي، والمحقق يضع فيها كل خصلة في سطر ولكنه أيضاً لم يلتفت للأمر: – (اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، دار البصيرة، دار الآثار، 1422 2001،ص171)
وفي مصادر أخرى كثيرة – القومُ لم يلتفتوا للخطأ!

ولكن في الطبعة السادسة للكتاب لوحظ الخطأ:
(لم يذكر المصنف إلا تسع خصال من العشرة. – تعليقاً في الحاشية – اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، المكتبة الإسلامية، 1431 2010، ج1، ص298)

وراجع مثلاً هذا التسجيل:
https://www.youtube.com/watch?v=T7aJgnylLpE
وهو درس عن هذه الخصال، الأستاذ لم يشعر بالخطأ في العد ولكن أحد الطلبة ينبهه لذلك في 19:20، وبعدها تأتي محاولة طريفة للتبرير من الأستاذ ثم التراجع عنها والاعتراف بالخطأ.. وقد ذكرتُه في التسجيل.
ذكرنا هذا لكي ترى أن تعاملَهم مع نصوصهم أيضاً فوضوي. ينشرون نصوصاً تختصر لهم دينهم في عشر خصال من دون يشعروا أنها تسع. وكأن الأمر لا يهمّهم. وكأنهم لا يقرؤون، ما يكتبون وينشرون ويدرِّسون.
ولكن المصيبة الأكبر تأتيك الآن:
3.5.3. الثانية: جعل الخصال حديثاً نبوياً! – الفوضى2
في التسجيل ذكر الشيخ الأستاذ أنه يرجو مساعدة في معرفة الخَصلة التي سقطت من العشرة. وسأقدمها له – أحسبها هي:
(وَلَا يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ بِذَنْبٍ،)
لا يهمنا هنا سبب سقوط هذه الخَصلة من اختصارهم للسنة.
فنحن الآن أمام مشكلة أفظع.
فهذه الخصلة الناقصة تجدها في خبر مشابه ولكن الكلام هناك ليس للتُستَري.
لنقرأ النص الآن لدى زين الدين ابن نجيم المتوفي 970هـ:
(وَفِي خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ [* جعلوا هنا الخصال لمحمد!] - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ كَانَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَكَتَبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى يَعْلَمُ الرَّجُلُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؟
فَقَالَ: إذَا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ فَهُوَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ [* الصياغة نفسها كما ترى، تكاد تكون حرفية!]:
- أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِالْجَمَاعَةِ،
- وَلَا يَذْكُرَ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ بِسُوءٍ وَيَنْقُصَهُ،
- وَلَا يَخْرُجَ عَلَى السُّلْطَانِ بِالسَّيْفِ،
- وَلَا يَشُكَّ فِي إيمَانِهِ،
- وَيُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى،
- وَلَا يُجَادِلَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى،
- وَلَا يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ بِذَنْبٍ، [* هذه الخصلة الناقصة]
- وَلَا يَدَعَ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ،
- وَيَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزًا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ،
- وَيُصَلِّيَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ » . – البحر الرائق، دار الكتب العلمية، ط1، 1418 1997، ج8، ص333)

الفوضى في دينهم، دين أهل البعثرة، جعلتهم ينسبون للرسول ما لشيوخهم، أو لشيوخهم ما نسبَه سلفُهم للرسول.
وبهذه الفوضى، كما رأينا، يريد الأشقياء القضاءَ على كتاب الله والحكمَ عليه.
والآن بعد أن فرغنا من مشكلة العد إلى عشرة ومصيبة افتراء الأخبار على خاتم النبيين، لننظر في محتوى تلك الخِصال:
3.5.4. مشكلة المحتوى: الجماعة وخصوماتها صارت هي أصل الدين
نُعيد:
وقال سهلُ بنُ عبد الله التُّسْتَري وقد قيل له: متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ قال: "إذا علم من نفسه عشر [* أي 9!] خصال:
3.5.4.1. "لا يترك الجماعة،"
أول ما يذكرونه: الجماعة!
3.5.4.2. "ولا يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،"
هذا أيضاً للحفاظ على الجماعة!
3.5.4.3. "ولا يخرج على هذه الأمة بالسيف،"
أيضاً للجماعة، ولا يذكرون ظروفاً يجب فيها الخروج، وبالسيف!
3.5.4.4. "ولا يكذب بالقَدَر،"
هذه موجهة ضد فرقة القَدَرية، وهم كثيراً ما يسمون المعتزِلة هكذا.
وتسمية القَدَرية أطلقت على الذين لا يؤمنون بالقدر، ويقابل هذه الفرقة فرقة الجبرية. هذه الفرقة قالت إن الإنسان كورقة سقطت من شجرة وليس لها إلا أن تذهب حيث تذهب بها الريح. أي أن الإنسان كآلة ليس له إرادة. الله يجبره على فعل الخير وفعل الشر!
أهل الحديث كثيراً ما يصفون أنفسهم بأنهم أهل الوسطية، ويرون هنا أنهم اختاروا الطريق الوسط بين القدرية والجبرية.
طبعاً مسألة القدَر ليست سهلة بل شائكة جداً وليس هذا موضعَ مناقشتها. لكن أريد أن أذكر لك قصة جاء بها اللالكائي ذاته، ومن نفس الكتاب، الذي ذكر فيه الخصال العشرة أو التسعة للتُستَري.
حتى ترى أهواء أهل الحديث:
3.5.4.4.1. قصّة البيضة وعدوّ الله
( ١٣٤١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , ثنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ،
قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ،
قَالَ: كُنَّا مَعَ إِنْسَانٍ يَتَكَلَّمُ فِي الْقَدَرِ، فَأَخَذَ بَيْضَةً، وَكُنَّا نَأْكُلُ بِيضًا وَخُبْزًا،
فَقَالَ: هَذِهِ الْبَيْضَةُ إِنْ شِئْتُ أَكَلْتُهَا وَإِنْ شِئْتُ لَمْ آكُلْهَا، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: فَشَأْ،
قَالَ: فَأَنَا أَشَاءُ، قَالَ: فَأَدْخَلَهَا فِي فِيهِ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا جَلْدَانِ فَفَكَّا لَحْيَيْهِ حَتَّى رَمَاهَا، فَقَالَا: زَعَمْتَ أَنَّكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَوْ شِئْتَ
لَأَكَلْتَهَا، وَلَكِنَّ الْمَشِيئَةَ إِلَى اللَّهِ، شَاءَ أَنْ لَا تَأْكُلَهَا فَطَرَحْتَهَا. – اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، المكتبة الإسلامية، 1431 2010، ج2، ص493)

فجريمة هذا الإنسان (الذي وصفوه بالقدرية) أنه قال إن شاء أكل البيضة. وبالطبع هو لم يقل إن مشيئته هي فوق مشيئة الله، ولم يقل أصلاً إنه إذا شاء شيئاً فلا يقدر أحد أن يمنعه. كل هذا لم يكن.
ولكن أهل البعثرة جعلوه بهذا "_عدوا لله_"، وافتخروا ببطولة صاحبيهما المتوحشين الأحمقين!
بل جعلوا فِعلتهما السفيهة هي مشيئةَ الله. فالله شاء منهما أن يهجما على "عدوّ الله" ليخرجا البيضة من فمه!
صحيح أنّ أهل الحديث ينتقدون أحياناً الجبرية، ولكن هذا لا يكاد يُذكر مع ما قالوه في مهاجمة القدرية – جاءت لديهم الفتاوى بقتلهم، وسنذكر ذلك.
فأهل الحديث أقرب إلى الجبرية ونصوصهم تشهد بذلك. ولا أدري كيف تفسّر القصة المذكورة إلا بأن المعحبين بها هم جبرِيّو الهوى، ينفون الإرادة عن البشر!
ولنا عودة إلى مسألة القدر الشائكة.
3.5.4.5. "ولا يشك في الإيمان،"
هذه بسبب مجادلاتهم مع خصومهم، فقد اختلفوا في تعريفاتهم للإيمان واختلقوا فيه الكثير من الغرابات.
منها مثلاً (أنّ أبا عبد الله [*أي أحمد بن حنبل] قيل له: إذا سألني الرجل، فقال: أمؤمن أنت؟ قال: سؤالك إياي بدعة ، أو قال: لا نشك في إيماننا. – ابن تيمية، الإيمان، المكتب الإسلامي،1416 1996،ص350)
هكذا! السؤال: "هل أنت مؤمن!" هو بِدعة لدى أهل الحديث.
مسائل الإيمان كثيرة وهي متشابكة، لنا عودة إليها، تبين اضطرابات أهل الحديث أكثر.
3.5.4.6. "ولا يماري في الدين،"
هذه العبارة تتكرر لديهم. الذي يريدونه أن لا تناقش شيئاً في الدين، ولذلك ينهون أتباعهم عن الاستماع إلى مخالفيهم من المؤمنين بالقرآن – أهل البعثرة عادتهم أن يسموهم: المبتدِعة أو أصحابَ الهوى أو الزنادقةَ أو غير ذلك.
3.5.4.7. "ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب،"
أهل الحديث يصلّون حتى على المذنب الذي ارتكب الكبائر. وهذا أمر اختلفوا فيه مع غيرهم. ولذلك يرونه هاماً(؟)
3.5.4.8. "ولا يترك المسح على الخفين،"
بالطبع المسح على الخفين مخالف للقرآن، ولكن أهل الحديث هنا جعلوه مهما.
ولا شك أن من أهم الأسباب في ذلك أن المسح على الخفين يميّزهم عن الشيعة والخوارج.
وأذكر للاستئناس أيضاً هذين الأمرين:
(ثلاثٌ مِنْ أَعْلَامِ السُّنَّةِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى صَلَوَاتِ الْجُمع، وَحُبُّ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ – ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، دار ابن الجوزي، 1414 1994، ص1179)

ابن عثيمين "المَسحُ على الخُفين من شعار أهل السنة" – 0:40
https://www.youtube.com/watch?v=LPYtmO1lEo0

فالمسح على الخفين من أهم علامة الانتماء "للسنة والجماعة" وهو من شعارهم! وكأنهم يحبون أن يسخروا من أنفسهم!
3.5.4.9. "ولا يترك الجماعة خلف كل والٍ جَارَ أو عَدَل ".
والمهم لديهم هنا "جارَ"، وهو ما يميّزهم عن الخوارج والمعتزِلة.
فهم يرون من أساس الدين الرضوخ للحكّام حتى لو كانوا ظلمة!
وهذا أمر يتكرر لديهم، كما سنرى.
ولعله مما ساهم في نجاحهم لدى السلاطين.
3.5.5. ملاحظة
قل لي هداك الله –سواء أكنت من أهل الحديث أم لا– هل يقبل عاقل مؤمن بجعل هذه "الخصال" علامة على دينه؟
واعلم: أنه لو كان التستري انفرد بمثل هذا التسخيف والتشويه للدين لَمَا كنت ذكرتُه ولكن الأمر يتكرر، وبصور أقبح، ولدى مَن هو أشهر من التستري، كما سنرى في بقية "الاعتقادات" التي جاء بها اللالكائي في كتابه المذكور. والله المستعان.
3.6. عقيدة الرازيين، أبي حاتم وأبي زُرعة – أصول دين الجماعة
اعتقاد الرازيَّين – من صفحة 286 إلى 296
النص كما جاء في الكتاب بكامله:
ص-286
اعْتِقَادُ أَبِي زُرْعَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، وَأَبِي حَاتِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ الْمُنْذِرِ الرَّازِيَّيْنِ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ
٣٢١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْمُقْرِئُ ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبَشٍ الْمُقْرِئُ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ [* أبو محمد هذا هو صاحب كتاب الجرح والتعديل] ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ [* هذه الأصول وليست الفروع!] ، وَمَا أَدْرَكَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ ، وَمَا يَعْتَقِدَانِ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَا:
أَدْرَكْنَا الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ حِجَازًا وَعِرَاقًا وَشَامًا وَيَمَنًا فَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمُ:
- فعقيدة الاثنين من "الإجماع"..
الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ،
ص-287
وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِجَمِيعِ جِهَاتِهِ ،
- بعض التفاصيل في التسجيل.
- في قانون الإيمان المسيحي: المسيح مولود غير مخلوق.
- لدى المسيحيين يُقال: مريم أم الله ووالدة الله.
- في قانون الإيمان المسيحي: المسيح مولود غير مخلوق.
وَالْقَدَرُ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ،
وَخَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ ،
وَأَنَّ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ ،
وَالتَّرَحُّمُ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَالْكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ.
ونعتقد أن اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ ،
ص-288
وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا كَيْفٍ ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١] .
- لم أجد عبارة "بلا كيف" في موسوعات البحث في الأحاديث.
وَأَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُرَى فِي الْآخِرَةِ ، يَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِأَبْصَارِهِمْ ⦗ص: ١٩٩⦘ وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ كَيْفَ شَاءَ وَكَمَا شَاءَ.
وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَهُمَا مَخْلُوقَانِ لَا يَفْنَيَانِ أَبَدًا .
وَالْجَنَّةُ ثَوَابٌ لِأَوْلِيَائِهِ ، وَالنَّارُ عِقَابٌ لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
ص-289
وَالصِّرَاطُ حَقٌّ ،
- بخصوص ما ذكرته في التسجيل عن صحيح البخاري راجع: ( أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار ابن كثير - اليمامة، 1414 1993، مصطفى البُغا، ص2403، 52-باب: الصِراط جَِسْرُ جهنّم. )
وَالْمِيزَانُ حَقٌّ ، لَهُ كِفَّتَانِ ، تُوزَنُ فِيهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ -حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا- حَقٌّ.
- راجع حديث البطاقة
وَالْحَوْضُ الْمُكْرَمُ بِهِ نَبِيُّنَا حَقٌّ.
وَالشَّفَاعَةُ حَقٌّ ،
وَالْبَعْثُ بَعْدِ الْمَوْتِ حَقٌّ.
وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَلَا نُكَفِّرُ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِذُنُوبِهِمْ ، وَنَكِلُ أَسْرَارَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَنُقِيمُ فَرْضَ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ مَعَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ دَهْرٍ وَزَمَانٍ.
وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ.
وَنَسْمَعُ وَنُطِيعُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرَنَا.
- بخصوص التسجيل راجع: رسالة بولس إلى روما 13: 1–2 وكذلك إنجيل متى 5: 39 وَ رسالة بطرس الأولى 2: 13
وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ.
وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ.
- هل معنى السنة هنا "كل ما أُثِر عن النبي من فعل أو قول أو تقرير"؟!
وَأَنَّ الْجِهَادَ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ مَعَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ.
وَالْحَجُّ كَذَلِكَ.
وَدَفْعُ الصَّدَقَاتِ مِنَ السَّوَائِمِ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالنَّاسُ مُؤَمَّنُونَ فِي أَحْكَامِهِمْ وَمَوَارِيثِهِمْ ، وَلَا نَدْرِي مَا هُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ حَقًّا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ،
وَمَنْ قَالَ: هُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ فَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ،
ص-290
وَمَنْ قَالَ: هُوَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ حَقًّا فَهُوَ مُصِيبٌ.
- وقبل سطرين: "مؤمن حقًّا" ابتداع.
وَالْمُرْجِئَةُ الْمُبْتَدِعَةُ ضُلَّالٌ ،
وَالْقَدَرِيَّةُ الْمُبْتَدِعَةُ ضُلَّالٌ ،
فَمَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَعْلَمُ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَأَنَّ الْجَهْمِيَّةَ كُفَّارٌ ،
وَأَنَّ الرَّافِضَةَ رَفَضُوا الْإِسْلَامَ ،
وَالْخَوَارِجَ مُرَّاقٌ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ مِمَّنْ يَفْهَمُ فَهُوَ كَافِرٌ.
- طيب: وماذا عمّن شك في الشاكّ الأخير – أهو أيضاً كافر؟؟
وَمَنْ شَكَّ فِي كَلَامِ اللَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ – فَوَقَفَ شَاكًّا فِيهِ يَقُولُ: لَا أَدْرِي مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ جَهْمِيٌّ.
وَمَنْ وَقَفَ فِي الْقُرْآنِ جَاهِلًا عُلِّمَ وَبُدِّعَ وَلَمْ يُكَفَّرْ.
وَمَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ أَوِ الْقُرْآنُ بِلَفْظِي مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ.
- والجهمية كفّروهم.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ:
وَعَلَامَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْأَثَرِ ،
وَعَلَامَةُ الزَّنَادِقَةِ تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ حَشْوِيَّةً يُرِيدُونَ إِبْطَالَ الْآثَارِ .
- وليس إبطال القرآن. وقد رأينا أنهم يصفون من يريد عرض أحاديثهم على القرآن بالزندقة!
وَعَلَامَةُ الْجَهْمِيَّةِ تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ مُشَبِّهَةً ،
ص-291
وَعَلَامَةُ الْقَدَرِيَّةِ تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ الْأَثَرِ مُجَبِّرَةً.
- تذكر قصة البيضة و"عدو الله":
ahl_hadith.html#i-2bl2oii0dgj0
وَعَلَامَةُ الْمُرْجِئَةِ تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ مُخَالِفَةً وَنُقْصَانِيَّةً.
وَعَلَامَةُ الرَّافِضَةِ تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ نَاصِبَةً.
وَلَا يَلْحَقُ أَهْلَ السُّنَّةِ إِلَّا اسْمٌ وَاحِدٌ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَجْمَعَهُمْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ
٣٢٢ - قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:
وَسَمِعْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ يَأْمُرَانِ بِهِجْرَانِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْبِدَعِ يُغَلِّظَانِ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ التَّغْلِيظِ ، وَيُنْكِرَانِ وَضْعَ الْكُتُبِ بِرَأْيٍ فِي غَيْرِ آثَارٍ.
وَيَنْهَيَانِ عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَيَقُولَانِ: لَا يُفْلِحُ صَاحِبُ كَلَامٍ أَبَدًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: «وَبِهِ أَقُولُ » ⦗ص: ٢٠٢⦘.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ حُبَيْشٍ الْمُقْرِئُ: «وَبِهِ أَقُولُ» .
قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُظَفَّرِ: «وَبِهِ أَقُولُ» .
وَقَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْمُصَنِّفَ: «وَبِهِ أَقُولُ» .
وَقَالَ الطُّرَيْثِيثِيُّ: «وَبِهِ أَقُولُ» .
وَقَالَ شَيْخُنَا -يعني المصنف-: «وَبِهِ نَقُولُ»
٣٢٣ - وَوَجَدْتُ فِي بَعْضِ كُتِبِ أَبِي حَاتِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحَنْظَلِيِّ الرَّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِمَّا سَمِعَ مِنْهُ ، يَقُولُ: مَذْهَبُنَا وَاخْتِيَارُنَا اتِّبَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِإِحْسَانٍ .
- لاحظ إلحاق الصحابة والتابعين بالرسول. وكأن اتباعهم للرسول غير كافٍ أو لا يتحقق إلا باتباع الصحابة والتابعين. ولا أدري أصلاً كيف يمكنهم أن يتبعوهم. وحالهم أشد فوضى مما يسمونه "السنة النبوية".
وَتَرْكُ النَّظَرِ فِي مَوْضِعِ بِدَعِهِمْ ، وَالتَّمَسُّكُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْأَثَرِ مِثْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ
ص-292
أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَلُزُومُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَالذَّبُّ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّبِعَةِ لِآثَارِ السَّلَفِ.
وَاخْتِيَارُ مَا اخْتَارَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي الْأَمْصَارِ مِثْلُ: مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْمَدِينَةِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ بِالشَّامِ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِمِصْرَ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَحَمَّادِ بْنِ زِيَادٍ بِالْعِرَاقِ مِنَ الْحَوَادِثِ مِمَّا لَا يُوجَدُ فِيهِ رِوَايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
- فإن "فات" النبيَ والصحابةَ والتابعين أن يتكلموا في شيء، اختار أئمة أهل الحديث ما شاؤوا، وصارت مشيئتهم هذه من الدين – من "السنة".
وَتَرْكُ رَأْيِ الْمُلبِّسِينَ الْمُمَوِّهِينَ الْمُزَخْرِفِينَ الْمُمَخْرِقِينَ الْكَذَّابِينَ ،
وَتَرْكُ النَّظَرِ فِي كُتِبِ الْكَرَابِيسِ ، وَمُجَانَبَةُ مَنْ يُنَاضِلُ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ
ص-293 [* حاشية المحقق]
ص-294
وَشاجرديه [* هكذا في الأصل] فِيهِ مِثْلِ دَاوُدَ الْأَصْبَهَانِيِّ وَأَشْكَالِهِ وَمُتَّبِعِيهِ.
وَالْقُرْآنُ: كَلَامُ اللَّهِ وَعِلْمُهُ [* في الأصل: عمله] وَأَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ ، لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ بِجِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَجْعُولٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ مِمَّنْ يَفْهَمُ وَلَا يَجْهَلُ فَهُوَ كَافِرٌ.
- {إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون – 43 [الزخرف] 3 }
وَالْوَاقِفَةُ وَاللَّفْظِيَّةُ جَهْمِيَّةٌ ، جَهَّمَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
- الدين ما قاله أحمد بن حنبل!
وَالِاتِّبَاعُ لِلْأَثَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ أصحابه و[عن] التَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ بِإِحْسَانٍ. وَتَرْكُ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَتَرْكُ مُجَالَسَتِهِمْ وَهِجْرَانُهُمْ ، وَتَرْكُ مُجَالَسَةِ مَنْ وَضَعَ الْكُتُبَ بِالرَّأْيِ بِلَا آثَارٍ.
ص-295
وَاخْتِيَارُنَا أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ ، مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، وَالْحَجِّ لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَجَمِيعِ فَرَائِضِ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ ، الْعَمَلُ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ.
- بخصوص تسجيل عبد العزيز الطريفي راجع:
https://www.youtube.com/watch?v=oR4mVPcK3kc
من د11.
وَالْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
وَنُؤْمِنُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ.
- لا يختارون إلا ما يميزهم عن خصومهم. عذاب القبر لم يذكر في القرآن.
وَبِالْحَوْضِ الْمُكْرَمِ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- وكذلك الحوض لم يذكر في القرآن.
وَنُؤْمِنُ بِالْمُسَاءَلَةِ فِي الْقَبْرِ.
- عُدنا هنا إلى القبر.
وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ.
وَبِالشَّفَاعَةِ الْمَخْصُوصِ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- وكذلك الشفاعة.
وَنَتَرَحَّمُ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
- وذكروا الترحم أيضاً في ص287
وَلَا نَسُبُّ أَحَدًا مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.
ونَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
ص-296
وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا نُقَاتِلُ فِي الْفِتْنَةِ ، وَنَسْمَعُ وَنُطِيعُ لِمَنْ وَلَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرَنَا.
وَنَرَى الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ وَالْجِهَادَ مَعَ الْأَئِمَّةِ ، وَدَفْعَ صَدَقَاتِ الْمَوَاشِي إِلَيْهِمْ.
وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ بِالشَّفَاعَةِ.
وَنَقُولُ: إِنَّا مُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَكَرِهَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَنْ يَقُولَ: أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا عِنْدَ اللَّهِ وَمُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا.
وَعَلَامَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْأَثَرِ.
- تكرر مثل ذلك.
وَعَلَامَةُ الْجَهْمِيَّةِ أَنْ يُسَمُّوا أَهْلَ السُّنَّةِ مُشَبِّهَةً وَنَابِتَةً.
وَعَلَامَةُ الْقَدَرِيَّةِ أَنْ يُسَمُّوا أَهْلَ السُّنَّةِ مُجَبِّرَةً.
وَعَلَامَةُ الزَّنَادِقَةِ أَنْ يُسَمُّوا أَهْلَ الْأَثَرِ حَشْوِيَّةً، وَيُرِيدُونَ إِبْطَالَ الْآثَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفَّقَنَا اللَّهُ وَكُلَّ مُؤْمِنٍ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
3.7. عقيدة الطبري
اعْتِقَادُ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ – من صفحة 299 إلى 301
النص كما جاء في الكتاب بكامله:
ص-299
٣٢٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ:
فَأَوَّلُ مَا نَبْدَأُ فِيهِ الْقَوْلَ مِنْ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَنْزِيلُهُ؛ إِذْ كَانَ مِنْ مَعَانِي تَوْحِيدِهِ. فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَيْفَ كُتِبَ ، وَكَيْفَ تُلِيَ ، وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ قُرِئَ ، فِي السَّمَاءِ وُجِدَ أَوْ فِي الْأَرْضِ حَيْثُ حُفِظَ ، فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَانَ مَكْتُوبًا أَوْ فِي أَلْوَاحِ صِبْيَانِ الْكَتَاتِيبِ مَرْسُومًا ، فِي حَجَرٍ نُقِشَ أَوْ فِي وَرَقٍ خُطَّ ، فِي الْقَلْبِ حُفِظَ أَوْ بِاللِّسَانِ لُفِظَ.
- فالطبري هنا له إضافات على تحريم القول "لفظي بالقرآن مخلوق".
فَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ أَوِ ادَّعَى أَنَّ قُرْآنًا فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ سِوَى الْقُرْآنِ الَّذِي نَتْلُوهُ بِأَلْسِنَتِنَا وَنْكَتُبُهُ فِي مَصَاحِفِنَا ، أَوِ اعْتَقَدَ غَيْرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ أَوْ أَضْمَرَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ قَالَ بِلِسَانِهِ دَايِنًا بِهِ؛ فَهُوَ بِاللَّهِ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ وَبَرِئ مِنَ اللَّهِ ، وَاللَّهُ بَرِئ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: ٢٢] ، وَقَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] ،
ص-300
فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَكْتُوبٌ ، وَأَنَّهُ مِنْ لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْمُوعٌ ، وَهُوَ قُرْآنٌ وَاحِدٌ مِنْ مُحَمَّدٍ مَسْمُوعٌ ، وَفِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَكْتُوبٌ ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّدُورِ مَحْفُوظٌ ، وَبِأَلْسُنِ الشُّيُوخِ وَالشُّبَّانِ مَتْلُوٌّ .
فَمَنْ رَوَى عَنَّا ، أَوْ حَكَى عَنَّا ، أَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا ، أَوِ ادَّعَى عَلَيْنَا أَنَّا قُلْنَا غَيْرَ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ ، وَلَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ، وَهَتَكَ سِتْرَهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.
وَأَمَّا الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ لَدَيْنَا فِي رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ دِينُنَا الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ وَأَدْرَكْنَا عَلَيْهِ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَهُ عَلَى مَا صَحَّتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالصَّوَابُ لَدَيْنَا فِي الْقَوْلِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ ⦗ص: ٢٠٨⦘ وَحَسَنَاتِهِمْ وَسَيِّئَاتِهِمْ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ مُقَدِّرُهُ وَمُدَبِّرُهُ ، لَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ ، وَلَا يَحْدُثُ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ ، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.
وَالصَّوَابُ لَدَيْنَا مِنَ الْقَوْلِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، وَبِهِ الْخَبَرُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَيْهِ مَضَى أَهْلُ الدِّينِ وَالْفَضْلِ.
- من جديد: يدخلون العمل في الإيمان.
- ولاحظ أنه يستند هنا على قول الصحابة وليس الرسول!
وَالْقَوْلُ فِي أَلْفَاظِ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ فَلَا أَثَرَ فِيهِ أَعْلَمُهُ [* !!] عَنْ صَحَابِيٍّ مَضَى ، وَلَا عَنْ تَابِعِيٍّ قَفَى [* فمن أين أتى به؟!] إِلَّا عَمَّنْ فِي قَوْلِهِ الشِّفَا وَالْغِنَا رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ وَفِي اتِّبَاعِهِ الرُّشْدُ وَالْهُدَى ، وَمَنْ يَقُومُ لَدَيْنَا مَقَامَ الْأَئِمَّةِ الْأُولَى [* هذا ليس الرسول، بل :] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ.
- صار أحمد بن حنبل هو منبع الدين!
فَإِنَّ أَبَا إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيَّ حَدَّثَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ يَقُولُ: اللَّفْظِيَّةُ جَهْمِيَّةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] مِمَّنْ يَسْمَعُ.
- وقد جاء في عقيدة الرازيين: وَالْوَاقِفَةُ وَاللَّفْظِيَّةُ جَهْمِيَّةٌ ، جَهَّمَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. ص294.
ص-301
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الِاسْمِ أَهُوَ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرُ الْمُسَمَّى فَإِنَّهُ مِنَ الْحَمَاقَاتِ الْحَادِثَةِ الَّتِي لَا أَثَرَ فِيهَا فَيُتَّبَعَ [* وفي خلق القرآن أيضاً ليس له أثر!] وَلَا قَوْلَ مِنْ إِمَامٍ فَيُسْتَمَعَ ، وَالْخَوْضُ فِيهِ شَيْنٌ ، وَالصَّمْتُ عَنْهُ زَيْنٌ .
وَحَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ وَالْقَوْلِ فِيهِ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى قَوْلِ الصَّادِقِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ قَوْلُهُ: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَقَوْلُهُ: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: ١٨٠]
وَيَعْلَمُ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ الَّذِي {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} .
فَمَنْ تَجَاوَزَ ذَلِكَ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ. فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ بَعُدَ مِنَّا فَنَأَى ، أَوْ قَرُبَ فَدَنَا:
أَنَّ الدِّينَ الَّذِي نَدِينُ بِهِ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مَا بَيَّنَّاهُ لَكُمْ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ ، فَمَنْ رَوَى خِلَافَ ذَلِكَ أَوْ أَضَافَ إِلَيْنَا سِوَاهُ أَوْ نَحَلَنَا فِي ذَلِكَ قَوْلًا غَيْرَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ ، فَهُوَ مُفْتَرٍ مُعْتَدٍ مُتَخَرِّصٌ ، يَبُوءُ بِإِثْمِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ ، وَعَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ وَلَعْنَتُهُ فِي الدَّارَيْنِ ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُورِدَهُ الْمَوْرِدَ الَّذِي وَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضُرَبَاءَهُ ، وَأَنْ يُحِلَّهُ الْمَحَلَّ الَّذِي أَخْبَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ يُحِلُّهُ أَمْثَالَهُ.
3.8. عقيدة أحمد بن حنبل
اعْتِقَادُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ – من صفحة 253 إلى 269
ص-253
٣١٧ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّكَّرِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدٍ الدَّقِيقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ ⦗ص: ١٧٦⦘ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَبُو [ ص-254 ] الْعَنْبَرِ قِرَاءَةً مِنْ كِتَابِهِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمِنْقَرِيُّ بِتِنِّيسَ قَالَ:
ص-255
ص-256
حَدَّثَنِي عَبْدُوسُ بْنُ مَالِكٍ الْعَطَّارُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ يَقُولُ: "
أُصُولُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا: التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ ، وَتَرْكُ الْبِدَعِ ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَهِيَ ضَلَالَةٌ ، وَتَرْكُ الْخُصُومَاتِ وَالْجُلُوسِ مَعَ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ ، وَتَرْكُ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ.
وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا آثَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ ، وَهِيَ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ ، وَلَيْسَ فِي السُّنَّةِ قِيَاسٌ ، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا الْأَمْثَالُ ، وَلَا تُدْرَكُ بِالْعُقُولِ وَلَا الْأَهْوَاءِ ، إِنَّمَا هِيَ الِاتِّبَاعُ وَتَرْكُ الْهَوَى.
وَمِنَ السُّنَّةِ اللَّازِمَةِ الَّتِي مَنْ تَرَكَ مِنْهَا خَصْلَةً لَمْ يَقُلْهَا وَيُؤْمِنْ بِهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا: الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْأَحَادِيثِ فِيهِ ، وَالْإِيْمَانُ بِهَا لَا يُقَالُ لِمَ وَلَا كَيْفَ ، إِنَّمَا هُوَ التَّصْدِيقُ بِهَا وَالْإِيمَانُ بِهَا.
وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ وَيَبْلُغْهُ عَقْلُهُ فَقَدْ كُفِيَ ذَلِكَ وَأُحْكِمَ لَهُ ، فَعَلَيْهِ الْإِيمَانَ بِهِ وَالتَّسْلِيمَ لَهُ ، مِثْلُ حَدِيثِ الصَّادِقِ وَالْمَصْدُوقِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الْقَدَرِ ، وَمِثْلُ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ كُلِّهَا ، وَإِنْ نَبَتْ عَنِ الْأَسْمَاعِ وَاسْتَوْحَشَ مِنْهَا الْمُسْتَمِعُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِهَا ، وَأَنْ لَا يَرُدَّ مِنْهَا جُزْءًا وَاحِدًا وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَاتِ عَنِ الثِّقَاتِ.
[وأن] لا يُخَاصِمَ أَحَدًا وَلَا يُنَاظِرَهُ وَلَا يَتَعَلَّمُ الْجَدَلَ ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الْقَدَرِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا مِنَ السُّنَنِ مَكْرُوهٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَلَا يَكُونُ صَاحِبُهُ إِنْ أَصَابَ بِكَلَامِهِ السُّنَّةَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَدَعَ الْجَدَلَ وَيُسَلِّمَ وَيُؤْمِنَ بِالْآثَارِ.
وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ، وَلَا تَضْعُفْ أَنْ تَقُولَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ، (فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ مِنْهُ وَلَيْسَ ببائنٍ منه) وليسَ مِنْهُ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ ، وَإِيَّاكَ وَمُنَاظَرَةَ مَنْ أَحْدَثَ فِيهِ ، وَمَنْ قَالَ بِاللَّفْظِ وَغَيْرِهِ ، وَمَنْ وَقَفَ فِيهِ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَخْلُوقٌ أَوْ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ [صاحب بِدعة مثل من قال هو مخلوق وإنما هو كلام الله] وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
ص-258:
وَالْإِيمَانُ بِالرُّؤْيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ.
وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَى رَبَّهُ ، وَأَنَّهُ مَأْثُورٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحٌ.
[قد] رَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
راجع الحاشية عن يوسف بن مهران وكذلك عن علي بن زيد! أحمد بن حنبل لا يعرف منَ يوسف هذا! وعلي بن زيد هذا ضعّفه محقق الكتاب:

ص-259
وَالْحَدِيثُ عِنْدَنَا عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ بِدْعَةٌ ، وَلَكِنْ نُؤْمِنُ بِهِ كَمَا جَاءَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا نُنَاظِرْ فِيهِ أَحَدًا
وَالْإِيمَانُ بِالْمِيزَانِ كَمَا جَاءَ: "يُوزَنُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ".
وَتُوزَنُ أَعْمَالُ الْعِبَادِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ.
وَالْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ وَالْإِعْرَاضُ عَمَّنْ رَدَّ ذَلِكَ ، وَتَرْكُ مُجَادَلَتِهِ.
وَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُكَلِّمُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ.
وَالْإِيمَانُ بِالْحَوْضِ ، وَأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْضًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتُهُ ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ ، عَلَى مَا صَحَّتْ بِهِ الْأَخْبَارُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
وَالْإِيمَانُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُفْتَنُ فِي قُبُورِهَا ، وَتُسْأَلُ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ ،
- عذاب القبر مثل الحوض ليس من القرآن. ولهم خصومات مع الفرق الأخرى حولهما.
ص-260
وَمَنْ رَبُّهُ ، وَمَنْ نَبِيُّهُ.
وَيَأْتِيهِ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَكَيْفَ أَرَادَ ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ.
وَالْإِيمَانُ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا احْتَرَقُوا وَصَارُوا فَحْمًا ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى نَهْرٍ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ ، كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ وَكَمَا شَاءَ ، إِنَّمَا هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ.
وَالْإِيمَانُ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ خَارِجٌ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ فِيهِ ، وَالْإِيمَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ.
وَأَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَنْزِلُ فَيَقْتُلُهُ بِبَابِ لُدٍّ.
وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» .
ص-261
وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ ، وَلَيْسَ مِنَ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلَّا الصَّلَاةَ ، مَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ كَافِرٌ ، وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ قَتْلَهُ.
وَخَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ كَمَا قَدَّمَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ .
ثُمَّ بَعْدَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَصْحَابُ الشُّورَى الْخَمْسُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَطَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَسَعْدٌ ، كُلُّهُمْ يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ وَكُلُّهُمْ إِمَامٌ.
وَنَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا نَعُدُّ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ ، وَأَصْحَابُهُ مُتَوَافِرُونَ: أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرُ ، ثُمَّ عُثْمَانُ ، ثُمَّ نَسْكُتُ.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ أَصْحَابِ الشُّورَى أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَدْرِ الْهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا.
ثُمَّ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ ، كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ ، فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ ، لَهُ مِنَ الصُّحْبَةِ عَلَى قَدْرِ مَا صَحِبَهُ ، وَكَانَتْ سَابِقَتُهُ مَعَهُ ، وَسَمِعَ مِنْهُ وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً .
ص-262
فَأَدْنَاهُمْ صُحْبَةً هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْهُ ، وَلَوْ لَقُوا اللَّهَ بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَحِبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَوْهُ وَسَمِعُوا مِنْهُ وَمَنْ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَآمَنَ بِهِ وَلَوْ سَاعَةً أَفْضَلَ بِصُحْبَتِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَلَوْ عَمِلُوا كُلَّ أَعْمَالِ الْخَيْرِ [*!].
وَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلْأَئِمَّةِ وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ ، وَمَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَرَضُوا بِهِ. وَمَنْ غَلَبَهُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً [وَسُمِّيَ] أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالْغَزْوُ مَاضٍ مَعَ الْأُمَرَاءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ لَا يُتْرَكُ.
وَقِسْمَةُ الْفَيْءِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ إِلَى الْأَئِمَّةِ مَاضٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَطْعَنَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُنَازِعَهُمْ .
وَدَفْعُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ جَائِزَةٌ وَنَافِذَةٌ ، مَنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا ، ⦗ص: ١٨١⦘
وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ خَلْفَهُ وَخَلْفَ مَنْ وَلَّاهُ جَائِزَةٌ تَامَّةٌ رَكْعَتَيْنِ ، مَنَ أَعَادَهُمَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ، تَارِكٌ لِلْآثَارِ ، مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ ، لَيْسَ لَهُ مِنْ فَضْلِ الْجُمُعَةِ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَرَ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ مَنْ كَانُوا بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ ، فَالسُّنَّةُ أَنَّ تُصَلِّيَ مَعَهُمْ رَكْعَتَيْنِ ، [مَنَ أَعَادَهُمَا [ * ص-263 ] فَهُوَ مُبْتَدِعٌ] ،
وَيدِينُ بِأَنَّهَا تَامَّةٌ ، وَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ مِنْ ذَلِكَ شَكٌّ.
وَمَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ كَانَ النَّاسُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْخِلَافَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ بِالرِّضَا أَوْ بِالْغَلَبَةِ فَقَدْ شَقَّ هَذَا الْخَارِجُ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ، وَخَالَفَ الْآثَارَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ مَاتَ الْخَارِجُ عَلَيْهِ مَاتَ مِيتَةَ جَاهِلِيَّةٍ.
وَلَا يَحِلُّ قِتَالُ السُّلْطَانِ وَلَا الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ وَالطَّرِيقِ.
وَقِتَالُ اللُّصُوصِ وَالْخَوَارِجِ جَائِزٌ إِذَا عَرَضُوا لِلرَّجُلِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ ، فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَيَدْفَعَ عَنْهَا بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ لَهُ إِذَا فَارَقُوهُ أَوْ تَرَكُوهُ أَنْ يَطْلُبَهُمْ وَلَا يَتْبَعَ آثَارَهُمْ ، لَيْسَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْإِمَامِ أَوْ وُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، إِنَّمَا لَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ ، وَيَنْوِي بِجَهْدِهِ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَحَدًا ، فَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ فِي دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْمَعْرَكَةِ فَأَبْعَدَ اللَّهُ الْمَقْتُولَ ، وَإِنْ قَتَلَ هَذَا فِي تِلْكَ الْحَالِ وَهُوَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ رَجَوْتُ لَهُ الشَّهَادَةَ ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ.
ص-264
وَجَمِيعُ الْآثَارِ فِي هَذَا: إِنَّمَا أُمِرَ بِقِتَالِهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ وَلَا اتِّبَاعِهِ ، وَلَا يُجْهِزْ عَلَيْهِ إِنْ ⦗ص: ١٨٢⦘ صُرِعَ أَوْ كَانَ جَرِيحًا ، وَإِنْ أَخَذَهُ أَسِيرًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ وَلَا يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ [* مثل كلام بولس!] فَيَحْكُمُ فِيهِ.
وَلَا يَشْهَدُ عَلَى [أحدٍ من] أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ نرْجُو لِلصَّالِحِ ، وَنخَافُ عَلَيْهِ ، وَنخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ الْمُذْنِبِ ، وَنرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اللَّهِ.
وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِذَنْبٍ يَجِبُ لَهُ بِهِ النَّارُ تَائِبًا غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَتُوبُ عَلَيْهِ وَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ.
وَمَنْ لَقِيَهُ وَقَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَتُهُ كَمَا جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَنْ لَقِيَهُ مُصِرًّا غَيْرَ تَائِبٍ مِنَ الذُّنُوبِ [* !] الَّتِي قَدِ اسْتَوْجَبَ بِهَا الْعُقُوبَةَ ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ.
وَمَنْ لَقِيَهُ كَافِرًا عَذَّبَهُ وَلَمْ يَغْفِرْ لَهُ.
وَالرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَا وَقَدْ أُحْصِنَ إِذَا اعْتَرَفَ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رَجَمَتِ الْأَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ، وَمَنِ انْتَقَصَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ
ص-265
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَبْغَضَهُ لِحَدَثٍ كَانَ مِنْهُ أَوْ ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ كَانَ مُبْتَدِعًا حَتَّى يَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ، وَيَكُونَ قَلْبُهُ لَهُمْ سَلِيمًا.
- فهو يعترف بمساوئهم ولكن لا يجوز ذكرها!
- وإليك هذا الاقتباس من كتاب لشرح أصول السنة لدى أحمد بن حنبل (من تنقص أحداً من الصحابة، يعني: عابه أو ذكر مثالبهم أو مساوئهم أو نحو ذلك؛ فإنه يعتبر بذلك ابتدع وتعدى على حرمة الصحابة رضي الله عنهم. – عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، شرح أصول السنة لإمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1420، ردمك 6-100-36-0699، ص118)
وَالنِّفَاقُ هُوَ الْكُفْرُ ، أَنْ يَكْفُرَ بِاللَّهِ وَيَعْبُدَ غَيْرَهُ ، وَيُظْهِرَ الْإِسْلَامَ فِي الْعَلَانِيَةِ مِثْلَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[وهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ]: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ» هَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ ، نَرْوِيهَا كَمَا جَاءَتْ وَلَا نُفَسِّرُهَا.
وَقَوْلُهُ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وَمِثْلُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ».
وَمِثْلُ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
وَمِثْلُ: «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا».
وَمِثْلُ: «كُفْرٌ بِاللَّهِ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ ، وَإِنْ دَقَّ» .
وَنَحْوُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ مِمَّا قَدْ صَحَّ وَحُفِظَ فَإِنَّا نُسَلِّمُ لَهُ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ تَفْسِيرَهَا ،
ص-266
وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهِ وَلَا يُجَادَلُ فِيهِ وَلَا تُفَسَّرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ إِلَّا بٍمِثْلِ مَا جَاءَتْ ، وَلَا نَرُدُّهَا إِلَّا بِأَحَقِّ مِنْهَا.
وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ ، قَدْ خُلِقَتَا كَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ قَصْرًا ، وَرَأَيْتُ الْكَوْثَرَ ، وَاطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ لِأَهْلِهَا كَذَا ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ كَذَا ، وَرَأَيْتُ كَذَا»
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا لَمْ تُخْلَقَا فَهُوَ مُكَذِّبٌ بِالْقُرْآنِ وَأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا أَحْسَبُهُ يُؤْمِنُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُوَحِّدًا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُسْتَغْفَرُ لَهُ ، وَلَا تُتْرَكُ ⦗ص: ١٨٥⦘ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِذَنْبٍ أَذْنَبَهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ص-267: حاشية المحقق
ص-268: حاشية المحقق
ص-269: حاشية المحقق
3.9. عقيدة علي بن المديني
اعْتِقَادُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ – من صفحة 270 إلى 278
- هذا الذي قال: "ليس لهذا الحديث أصل والزنادقة وضعت هذا الحديث."
والحديث الذي قصده هو: إذا رُوي عنِّي حديث، فاعرِضوه على كتاب الله، فإذا وافَقه فاقبلوه، وإن خالَفه فردُّوه.
راجع: عرض الحديث على القرآن هو هدم للإسلام من عمل الملاحدة والزنادقة - معظم ما جاء هنا مطابق لما جاء لدى أحمد بن حنبل. المحقق يقول: (المنقول عن علي بن المديني هنا هو نفسه المنقول عن الإمام أحمد فيما تقدم مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه.) لذا اكتفيت في التسجيل بقراءة المقطع الأخير (ص 277). لكني أنقل النص هنا كاملاً.
ص-270
٣١٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رِزْقِ اللَّهِ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
نُصَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَّامِ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ النَّخَعِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْطَامٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَرَأَهَا عَلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدِينِيِّ ، فَقَالَ لَهُ: قُلْتَ أَعَزَّكَ اللَّهُ: السُّنَّةُ اللَّازِمَةُ الَّتِي مَنْ تَرَكَ مِنْهَا خَصْلَةً لَمْ يَقُلْهَا أَوْ يُؤْمِنْ بِهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا:
الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.
ثُمَّ تَصْدِيقٌ بِالْأَحَادِيثِ وَالْإِيمَانُ بِهَا ، لَا يُقَالُ لِمَ وَلَا كَيْفَ ، إِنَّمَا هُوَ التَّصْدِيقُ
بِهَا وَالْإِيمَانُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ وَيَبْلُغْهُ عَقْلُهُ فَقَدْ كُفِيَ ذَلِكَ ،
وَأُحْكِمَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ.
ص-271
مِثْلُ [حَدِيثِ] زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ الثِّقَاتِ.
وَلَا يُخَاصِمُ أَحَدًا وَلَا يُنَاظِرُ ، وَلَا يَتَعَلَّمُ الْجَدَلَ ، وَالْكَلَامُ فِي الْقَدَرِ وَغَيْرِهِ مِنَ
السُّنَّةِ مَكْرُوهٌ ، وَلَا يَكُونُ صَاحِبُهُ وَإِنْ أَصَابَ السُّنَّةَ بِكَلَامِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَدَعَ الْجَدَلَ وَيُسَلِّمَ وَيُؤْمِنَ بِالْإِيمَانِ.
وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ، وَلَا تَضْعُفْ أَنْ تَقُولَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ، فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بِبَائِنٍ [مِنْهُ] وَلَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ ، يُؤْمِنُ بِهِ وَلَا يُنَاظِرُ فِيهِ أَحَدًا.
ص-272
وَالْإِيمَانُ بِالْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يُوزَنُ الْعَبْدُ وَلَا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ، يُوزَنُ أَعْمَالُ الْعِبَادِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ ، الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ مَنْ رَدَّ ذَلِكَ وَتَرْكُ مُجَادَلَتِهِ.
وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُكَلِّمُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُحَاسِبُهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ، الْإِيمَانُ بِذَلِكَ وَالتَّصْدِيقُ.
وَالْإِيمَانُ بِالْحَوْضِ: أَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْضًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتُهُ ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ وَوُصِفَ،
ص-273
ثُمَّ الْإِيمَانُ بِذَلِكَ.
وَالْإِيمَانُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ: أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُفْتَنُ فِي قُبُورِهَا وَتُسْأَلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيَأْتِيهِ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَكَمَا أَرَادَ ، الْإِيمَانُ بِذَلِكَ وَالتَّصْدِيقُ.
وَالْإِيمَانُ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِخْرَاجِ قَوْمٍ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا احْتَرَقُوا وَصَارُوا فَحْمًا ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى نَهْرٍ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ وَكَمَا شَاءَ ، إِنَّمَا هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ.
وَالْإِيمَانُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَتْ فِيهِ، الْإِيمَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ وَأَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَنْزِلُ فَيَقْتُلُهُ بِبَابِ لُدٍّ.
وَالْإِيمَانُ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ عَلَى سُنَّةٍ وَإِصَابَةٍ وَنِيَّةٍ.
وَالْإِيمَانُ: يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
وَأَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا.
وَتَرْكُ الصَّلَاةِ كُفْرٌ ، لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلَّا الصَّلَاةَ ، مَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ كَافِرٌ وَقَدَ حَلَّ قَتْلُهُ.
وَخَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ كَمَا قَدَّمَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ الثَّلَاثَةِ أَصْحَابُ الشُّورَى الْخَمْسَةُ: عَلِيٌّ ، وَطَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ.
كُلُّهُمْ يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ وَكُلُّهُمْ إِمَامٌ ، كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ كُلُّهُمْ ، مَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ أَوْ وَفَدَ إِلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ ، لَهُ مِنَ الصُّحْبَةِ عَلَى قَدْرِ مَا صَحِبَهُ ، فَأَدْنَاهُمْ صُحْبَةً هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْهُ وَلَوْ لَقُوا اللَّهَ عَزَّ
ص-274
وَجَلَّ بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ كَانَ الَّذِي صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَآهُ بِعَيْنَيْهِ وَآمَنَ بِهِ وَلَوْ سَاعَةً أَفْضَلَ بِصُحْبَتِهِ مِنَ التَّابِعِينَ كُلِّهِمْ وَلَوْ عَمِلُوا كُلَّ أَعْمَالِ الْخَيْرِ.
ثُمَّ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلْأَئِمَّةِ وَأُمَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ[* ترد هذه المفردة في هذا النص القصير لأحمد بن حنبل 5 مرات!] ، وَمَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ وَرِضَاهُمْ.
لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةً إِلَّا وَعَلَيْهِ إِمَامٌ ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا [* الثانية] فَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالْغَزْوُ مَعَ الْأُمَرَاءِ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ [* الثالثة] ، لَا يُتْرَكُ.
وَقِسْمَةُ الْفَيْءِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ لِلْأَئِمَّةِ مَاضِيَةٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَطْعَنَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُنَازِعَهُمْ ، وَدَفْعُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ جَائِزَةٌ نَافِذَةٌ قَدْ بَرِئَ مَنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا [* الرابعة].
وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ خَلْفَهُ وَخَلْفَ مَنْ وَلَّاهُ جَائِزَةٌ قَائِمَةٌ رَكْعَتَانِ مَنْ أَعَادَهَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ تَارِكٌ
لِلْإِيمَانِ مُخَالِفٌ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ فَضْلِ الْجُمُعَةِ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَرَ الْجُمُعَةَ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ
مَنْ كَانُوا بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ [* الخامسة].
وَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلُّوا خَلْفَهُمْ لَا يَكُونُ فِي صَدْرِهِ حَرَجٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَمَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَأَقَرُّوا لَهُ بِالْخِلَافَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ بِرِضًا كَانَتْ أَوْ بِغَلَبَةٍ فَهُوَ شَاقٌّ هَذَا الْخَارِجُ عَلَيْهِ الْعَصَا ، وَخَالَفَ الْآثَارَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنْ مَاتَ الْخَارِجُ عَلَيْهِ مَاتَ مِيتَةَ جَاهِلِيَّةٍ.
وَلَا يَحِلُّ قِتَالُ السُّلْطَانِ وَلَا الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنْ عَمِلَ ذَلِكَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ.
ص-275
وَيَحِلُّ قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَاللُّصُوصِ إِذَا عَرَضُوا لِلرَّجُلِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ أَوْ مَا دُونَ نَفْسِهِ ، فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَدْفَعَ عَنْهُ فِي مَقَامِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ إِذَا فَارَقُوهُ [أَوْ تَرَكُوهُ] أَنْ يَطْلُبَهُمْ وَلَا يَتْبَعَ آثَارَهُمْ ، وَقَدْ سَلِمَ مِنْهُمْ ، ذَلِكَ إِلَى الْأَئِمَّةِ.
إِنَّمَا هُوَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَقَامِهِ وَيَنْوِي بِجُهْدِهِ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَحَدًا ، فَإِنْ أَتَى عَلَى يَدِهِ فِي دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْمَعْرَكَةِ فَأَبْعَدَ اللَّهُ الْمَقْتُولَ ، وَإِنْ قُتِلَ هُوَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ وَهُوَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ رَجَوْنَا لَهُ الشَّهَادَةَ كَمَا فِي الْأَثَرِ.
وَجَمِيعِ الْآثَارِ ، إِنَّمَا أُمِرَ بِقِتَالِهِ ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ ، وَلَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَلَكِنَّهُ يَدْفَعُهُ إِلَى مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَهُ فَيَكُونُ هُوَ يَحْكُمُ فِيهِ.
وَلَا يَشْهَدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِعَمَلٍ عَمِلَهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ ، نَرْجُو لِلصَّالِحِ وَنُخَافُ عَلَى الطَّالِحِ الْمُذْنِبِ ، وَنَرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِذَنْبٍ يَجِبُ لَهُ بِذَنْبِهِ النَّارُ تَائِبًا مِنْهُ غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ وَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ.
وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَقَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ كَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَنْ لَقِيَهُ مُصِرًّا غَيْرَ تَائِبٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي اسْتُوجِبَتْ بِهَا الْعُقُوبَةُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ.
وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا عَذَّبَهُ وَلَمْ يَغْفِرْ لَهُ.
ص-276
وَالرَّجْمُ عَلَى مَنْ زَنَا وَهُوَ مُحْصَنٌ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمَ الْأَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ.
وَمَنْ تَنَقَّصَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَبْغَضَهُ لِحَدَثٍ كَانَ مِنْهُ أَوْ ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ حَتَّى يَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ، فَيَكُونَ قَلْبُهُ لَهُمْ سَلِيمًا.
وَالنِّفَاقُ هُوَ الْكُفْرُ ، أَنْ يَكْفُرَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَعْبُدَ غَيْرَهُ فِي السِّرِّ ، وَيُظْهِرَ الْإِيمَانَ فِي الْعَلَانِيَةِ مِثْلَ الْمُنَافِقِينَ
الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَ مِنْهُمُ الظَّاهِرَ ،
فَمَنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ قُتِلَ.
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ:
«ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ» جَاءَتْ عَلَى التَّغْلِيظِ ، نَرْوِيهَا كَمَا جَاءَتْ ، وَلَا نُفَسِّرُهَا.
ومِثْلُ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» ،
وَمِثْلُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» ،
وَمِثْلُ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ،
وَمِثْلُ: «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» ،
وَمِثْلُ: «كُفْرٌ بِاللَّهِ تَبَرُّءٌ مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ» ، وَنَحْوُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَمِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ
فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِمَّا صَحَّ وَحُفِظَ ،
ص-277
فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ تَفْسِيرُهُ فَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهِ وَلَا يُجَادَلُ فِيهِ وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ لَنَا مِنْهُ وَلَا نُفَسِّرُ الْأَحَادِيثَ إِلَّا عَلَى مَا جَاءَتْ ، وَلَا نَرُدُّهَا.
وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ كَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا قَصْرًا ، وَرَأَيْتُ الْكَوْثَرَ ، وَاطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا كَذَا ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا كَذَا» ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا لَمْ يُخْلَقَا فَهُوَ مُكَذِّبٌ بِالْأَثَرِ ، وَلَا أَحْسِبُهُ يُؤْمِنُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
وَقَوْلُهُ: «أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ» وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ كُلُّهَا نُؤْمِنُ بِهَا. وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُوَحِّدًا مُصَلِّيًا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرْنَا لَهُ ، لَا نَحْجُبُ الِاسْتِغْفَارَ وَلَا نَدَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ لِذَنْبٍ صَغِيرٍ أَمْ كَبِيرٍ ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
[* ما تبقى من عقيدة علي بن المديني، لم يأت في اعتقاد أحمد بن حنبل:]
وَإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَيَدْعُو لَهُ وَيَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ فَارْجُ خَيْرَهُ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْبِدَعِ.
وَإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَيَذْكُرُ مَحَاسِنَهُ وَيَنْشُرُهَا فَاعْلَمْ أَنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ خَيْرًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْتَمِدُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَلَى أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، وَابْنِ عَوْنٍ ، وَيُونُسَ وَالتَّيْمِيِّ وَيُحِبُّهُمْ وَيُكْثِرُ ذِكْرَهُمْ وَالِاقْتِدَاءَ بِهِمْ فَارْجُ خَيْرَهُ.
[ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَؤُلَاءِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ
ص278
مِحْنَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ.]
وَإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، وَابْنِ أَبْجَرَ ، وَابْنِ حَيَّانَ التَّيْمِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، وَسُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ ، وَزَائِدَةَ فَارْجُهُ.
وَمِنْ بَعْدِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَابْنُ أَبِي عُتْبَةَ ، وَالْمُحَارِبِيُّ فَارْجُهُ.
وَإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَبَا حَنِيفَةَ وَرَأْيَهُ وَالنَّظَرَ فِيهِ فَلَا تَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَهُ مِمَّنْ يَغْلُو فِي أَمْرِهِ وَيَتَّخِذُهُ إِمَامًا.
3.10. عقيدة سفيان بن عيينة – كيف تستكمل السنة؟
- هو من رواة الحديث الكبار وروى عنه علي بن المديني الذي ذكرنا عقيدته.
ص252 فقط.
ص-252

٣١٦ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ التَّوَّجِيِّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبَّادٍ التَّمَّارُ ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّلَمِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ الْفَرَجِ أَبُو الْعَلَاءِ ، قَالَ:
سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: السُّنَّةُ عَشَرَةٌ ، فَمَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ [*!] السُّنَّةَ ، وَمَنْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا فَقَدْ تَرَكَ السُّنَّةَ:
- فما يلي هو التعريف الجامع المانع للسنة – لدى أهل البعثرة:
"إِثْبَاتُ الْقَدَرِ ، وَتَقْدِيمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَالْحَوْضُ ، وَالشَّفَاعَةُ ، وَالْمِيزَانُ وَالصِّرَاطُ ، وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ ، وَعَذَابُ الْقَبْرِ ، وَالْبَعْثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا تَقْطَعُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى مُسْلِمٍ"
وذُكِر هذه الإضافة من كتاب آخر على عقيدة سفيان: (ولما اطلع رحمه الله على مقالة المريسي في كتابه الذي ألفه في التعطيل والقول بخلق القرآن ؛ قال رحمه الله تعالى: "ما أشبه هذا الكلام بكلام النصارى؟!؟" – محمد بن عبد الرحمن الخميِّس، اعتقاد أئمة السلف - أهل الحديث، دار إيلاف، 1420 1999، ص36)
فكما ترى، هنا رُبط ذكر "القرآن كلام الله" أيضاً بقضية "خلق القرآن" التي تقاتلوا عليها. وإلا فالقرآن ليس ذا حضور يُذكَر لديهم.

بخصوص "إثبات القدر" أذكر بقصة البيضة وعدو الله.
والآن لنتذكر عقيدة التُستري: كان فيها أيضاً 10 خصال.
ولكن التستري لم يذكر مما ذكره سفيان إلا: "لا يكذِّب بالقدر"، ولعلنا نضيف: "ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب،" لأنها ذات صلة بـ "وَلَا تَقْطَعُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى مُسْلِمٍ"، وبخصوص الصحابة ذكر التستري فقط "ولا يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم".
فالسؤال مَن منهما لديه خصال السنة كاملة؟ وهل يعد سفيان مثلاً "كافراً" لأنه أنكر شيئاً "معلوماً من الدين بالضرورة" (أنا أجاريهم في تعابيرهم) – فقد قال سفيان
وسفيان قال: "_السُّنَّةُ عَشَرَةٌ_ ، فَمَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ [*!] السُّنَّةَ"
وقال أيضاً "وَمَنْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا فَقَدْ تَرَكَ السُّنَّةَ" فهل ترك التستري السنة؟
نترك هذا السؤال لأصحاب البعثرة.
ولنذكر شيئاً آخر، لعله لا يستحق الذكر بعد ما سُقناه حتى الآن من الانحراف عن القرآن. ولكن لا بأس:
كم كان عدد الخصال لدى التستري؟ كان 10! ولكن النص ذكر فقط 9!
فلعلك تتوقع الآن نفس الخطأ؟
لا.
لدينا هنا:
[* 1] إِثْبَاتُ الْقَدَرِ ،
[* 2] وَتَقْدِيمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ،
[* 3] وَالْحَوْضُ ،
[* 4] وَالشَّفَاعَةُ ،
[* 5] وَالْمِيزَانُ
[* 6] وَالصِّرَاطُ ،
[* 7] وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ،
[* 8] وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ ،
[* 9] وَعَذَابُ الْقَبْرِ ،
[* 10] وَالْبَعْثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ،
[* 11 !] وَلَا تَقْطَعُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى مُسْلِمٍ "
فهذه المرة أخبرنا مستكمِلُ السنة بعشرة خصال ولكنه جاءنا –على ما يبدو لي– بإحدى عشر!
أياً كان، هناك مصائب أخرى أهم. فلنمض من هنا إلى عقائد أخرى لدى مشاهير أهل الحديث.
3.11. عقيدة أبي ثور بن خالد الكلبي – "وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ"
- من صفحة 279 إلى 280
ص-279
٣١٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رِزْقِ اللَّهِ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمْدَانَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ:
أَرْسَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ إِلَى أَبِي ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ بِكِتَابٍ يَسْأَلُ عَنِ الْإِيمَانِ مَا هُوَ؟ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ؟ وَقَوْلٌ أَوْ قَوْلٌ وَعَمَلٌ؟ أَوْ قَوْلٌ وَتَصْدِيقٌ وَعَمَلٌ؟
فَأَجَابَهُ: إِنَّهُ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ ، وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ ، وَعَمَلٌ بِالجَوَارِحِ.
- وقد رأينا أن أهل الحديث يجعلون العمل جزءا من الإيمان، ولكن ليس كل العمل. فالأعمال الصالحة المعروفة بالفطرة ليست التي يريدونها ضمن هذا الجزء، كَأَنْ تُنفِقَ مما رزقك الله، من مالك من وقتك من جهدك، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، هذه الأعمال المعروفة بالفطرة لا يعنونها. الأعمال التي يجعلونها ضمن الإيمان هي التي لا تُعرف بالفطرة: كالصلاة وراءهم (وقد رأيناهم يأمرون بالصلاة وراء الظَلَمة منهم) والزكاةِ والحجِ وغيرها. وهذه الأعمال ترسّخ –كما ترى– سلطتهم الكهنوتية على المسلمين.
ص-280
وَسَأَلَهُ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ مَنْ هُمْ؟
- على عادتهم. الكلام في ما يسمّونه القَدَر من أساسيات الدين. وعليه كانوا يقتلون الفرق المخالفة لهم. وسيُعرّف لنا أبو ثور الآن من هم القَدَرية في نظره:
فَقَالَ: إِنَّ الْقَدَرِيَّةَ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ أَفاعيلَ الْعِبَادِ وَإِنَّ الْمَعَاصِيَ لَمْ يُقَدِّرْهَا اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ وَلَمْ يَخْلُقْهَا ، فَهَؤُلَاءِ قَدَرِيَّةٌ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ [* السلطة الكهنوتية تريد أن لا يُصلَّى إلا وراءهم!] ، وَلَا يُعَادُ مَرِيضُهُمْ ، وَلَا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ ، وَيُسْتَتَابُونَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ.

- هكذا بكل بساطة. قتلُهم لخصومهم ممن آمن بالقرآن ليس نادراً. ويبدو أنه أشيَعُ من قتلهم لمن يكفُر بالقرآن!
- والطريف أن أهل الحديث الذين يذكرون القدَر في مقدمة بنود عقائدهم، لا يسمون أنفسهم قدرية، بل يسمّون خصومهم في ذلك قدرية! فمن أنكر القدر لدى أهل الحديث هو قدَري، ومن آمن به ليس قدرياً!
- ولاحظ أن أبا ثور يؤكد في تعريفه أن الله هو الذي يخلُق "المعاصي"! فهو لا يكتفي بخلق "أفعال العباد" عامّة، بل يخص بالذكر منها "المعاصي". أي أن ارتكابك للجرائم هو من الله، من خَلقِه.
وإذا أنكرت ذلك القول عليهم، جاؤوك بالسيف والنطع لقطع رأسك. الأمر بمنتهى البساطة. - أمر آخر: مذهب الجَبرية هو أن الإنسان ليس مخيّراً بل أنه مُجبَرٌ على أعماله، أن الله أجبَره عليها. أهل الحديث لا يقبلون بنسبتهم للجبرية ولكنهم عانقوها معانقة. ولهم –وهذا أمر مهم– مرويات كثيرة وأساليبُ متعددة في تثبيط همة المسلمين لإنجاز العمل الصالح. ولعلنا نفصّل لاحقاً.
- وأُعيد: من يصفهم أهلُ البعثرة بالقدَرية هم مؤمنون بالقرآن! نتابع:
وَسَأَلْتُ عَن الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟
فَهَذَا كَافِرٌ بِقَوْلِهِ ، لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ.
- أيضاً هنا التركيز على السلطة الكهنوتية، في إمامة المصلين: لا تجوز الصلاة إلا خلفَ كهنة أهل البعثرة. ولدينا هنا كالعادة تكفير الفرقة المخالفة: التي قالت بخلق القرآن. وهذا إفتاء بالقتل، وقد ذكر أهل الحديث هذا صراحة في مصادر كثيرة، كما سنرى إن شاء الله.
- وأعيد: القائلون بخلق القرآن هم مؤمنون بأنه كلام الله المنزل على عبده ورسوله محمد. فمقصدهم بخلق القرآن ليس إلا أن الله خَلَقَه. ولكن أهل الحديث يرون أن القرآن ليس مخلوقاً أصلاً! ولذلك يكفِّرونهم.
وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
- وأذكر بقول سفيان الثوري : (إنما العلم كله العلم بالآثار.) فأهل العلم عندهم، هم أهل المبعثرات.
وَمَنْ قَالَ: كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَقَدْ كَفَرَ [* مرة أخرى التكفير!] وَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ –عَزَّ وَجَلَّ– حَدَثَ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ.
وَسَأَلْتُ: يُخَلَّدُ فِي النَّارِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ؟
وَالَّذِي عِنْدَنَا أَنْ نَقُولَ: لَا يُخَلَّدُ مُوَحِّدٌ فِي النَّارِ.
- هذا مما اختلفوا فيه مع خصومهم من المعتزِلة والخوارج. فأهل الحديث يرون أن من انتسب لجماعتهم سيدخل الجنة حتى لو ارتكب الكبائر. فقد جعلوا نبينا محمداً (وهو نبيهم) – جعلوه مختصاً بالتشفّع للمجرمين، مرتكبي الكبائر – إذا كانوا خاضعين لسلطتهم الكهنوتية.
- وغني عن الذكر أن "القدري" أو القائلَ بخلق القرآن، ليس عندهم من أهل التوحيد، بل هو كافر!
3.12. عقيدة الأوزاعي
- التسجيل تجده في عقيدة أبي ثور عند 8:32.
- النص منقول عن كتاب اللالكائي من صفحة 249 إلى 251 من المجلد الأول.
- عقيدة الأوزاعي تبدو غريبة ومقتطعة. ولكن هكذا نقلها اللالكائي إلينا.
- الأوزاعي هذا من كبار أهل الحديث وهو من وعّاظ السلاطين وله قصة قبيحة مع غيلان الدمشقي الذي وصفوه بالقَدَرية، لأنه كان مناهضاً لمذهب الجبرية وكان معارضاً لفساد بني أمية الذين روّجوا للجبرية. قد جرت تلك القصة القبيحة في عهد خلافة هشامِ بنِ عبدِ الملك. وقد أراد التخلّصَ من غيلان الدمشقي، المعارِض المزعج، وكان يمكنه أن يقتله هكذا، ولكن الأفضل له أن تأتي فتوى دينية "معتبرة" من "المفتي" الإمام الأوزاعي.
وهذا ما كان: إذا "حقّق" الأوزاعي مع غيلان، وجرت مناظرة تهريجية، "توصّل" الأوزاعي في نهايتها، إلى تكفير غيلان الدمشقي. وكان هذا هو المطلوب من قِبَل السلطان هشام بن عبد الملك. فكانت نتيجة هذه الفتوى الدينية "المعتبرة" هي: أن قطعوا يدي غيلان ورجليه، ثم صلبوه. والمصيبة أنهم يفخرون بمثل هذه الإنجازات. ولكن ليس مكان التفصيل في تلك القصة القبيحة هنا. ولنقرأ ما جاءنا به اللالكائي عن اعتقاد المفتي الأوزاعي.
ص-249
٣١٥ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمْدَانَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، قَالَ:
ص-250
سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ فَقَالَ: اصْبِرْ نَفْسَكَ عَلَى السُّنَّةِ ، [* هكذا، لم يذكر ما هو السؤال، ولكن يبدو أن "السنّة" هي الجواب على كل سؤال] وَقِفْ حَيْثُ وَقَفَ الْقَوْمُ، وَقُلْ بِمَا قَالُوا ، وَكُفَّ عَمَّا كَفُّوا، وَاسْلُكْ سَبِيلَ سَلَفِكَ الصَّالِحِ ، فَإِنَّهُ يَسَعُكَ مَا وَسِعَهُمْ.
- لاحظ أن السنة تُربَط بالجماعة، بجماعة الأوزاعي، ولذلك فبعد أن يذكر "السنة" يأتي مباشرة "وقِف حيث وقف القوم.." ولم يذكر في عبارته محمداً، وكأن اتباعَ أتباعِ الرسول أهم من اتباع الرسول ذاتِه. وبالطبع لا داعيَ لذكر القرآن عندهم.
وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الشَّامِ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ [* هكذا لم يذكرها] حَتَّى قَذَفَهَا إِلَيْهِمْ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِمَّنْ دَخَلَ فِي تِلْكَ الْبِدْعَةِ بَعْدَمَا رَدَّهَا عَلَيْهِمْ فُقَهَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ فَأُشْرِبَهَا قُلُوبُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَاسْتَحَلَّتْهَا أَلْسِنَتُهُمْ [* الأوزاعي من أهل الشام] ، وَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ غَيْرَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيه.
- ما هي هذه البدعة؟ المحقِّق يقول هنا في الحاشية "هي بدعة النواصب، والله أعلم". وهذا غريب عندي فالنصب (أي العداء لعلي) اشتهر به أكثر أهل الشام حيث حكم معاوية وأسس دولته.
- على أي حال، الذي يبدو من كتاب الشريعة للآجرّي (دار الوطن، 1418 1997، ص674) أن المراد بالبدعة هو السؤال: "أمؤمن أنت؟". نَعَم، هذا السؤال من البِدَع لدى أهل الحديث! (ولا مجال للتفصيل في هذا هنا، فهناك خصومات نشبت بين أهل الحديث وفرقة المُرجِئة، تعود إلى أن أهل الحديث جعلوا العملَ جزءا من الإيمان، وقد تولّد عن هذه الخصومات بعض الأمور الغريبة مثلُ تبديع مَنْ يسأل: "أمؤمن أنت؟") وقد ذكرنا لدى أبي ثور الاهتمام الغريب بمثل هذه المسائل: "الْإِيمَانِ مَا هُوَ؟ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ؟ وَقَوْلٌ أَوْ قَوْلٌ وَعَمَلٌ؟ أَوْ قَوْلٌ وَتَصْدِيقٌ وَعَمَلٌ؟"
وَلَسْتُ بِآيِسٍ أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ شَرَّ هَذِهِ الْبِدْعَةِ [*التي لم يذكرها] إِلَى أَنْ يَصِيرُوا إِخْوَانًا إِلَى تَوَادٍّ بَعْدَ تَفَرُّقٍ [* في المطبوع: بعد توادٍّ إلى تفرّق في دينهم وتباغض] فِي دِينِهِمْ وَتَبَاغُضٍ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا خَيْرًا مَا خُصِصْتُمْ بِهِ دُونَ أَسْلَافِكُمْ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُدَّخَرْ عَنْهُمْ خَيْرٌ، خُبِّئَ لَكُمْ دُونَهُمْ، لِفَضْلٍ عِنْدَكُمْ ، وَهُمْ أَصْحَابُ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ وَبَعْثَهُ فِيهِمْ ،
- أي أنه لا حاجة للتكلم في هذا، لأن الصحابة لم يفعلوا ذلك.
ولكن أهل الحديث أنفسهم يخالفون هذا المبدأ كثيراً: فالصحابة لم يتحدثوا عن "خلق القرآن" أو عن "تثليث التوحيد" (الذي أعنيه ما تحدث عنه مثلا ابن تيمية: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات).
وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ ، فَقَالَ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: ٢٩] "
- ولنتذكر هنا أن أحمد بن حنبل (في اعتقاده الذي نقلناها) جعل كل من رأى محمداً من أصحابه، فهل كلهم ممن ينطبق عليهم وصفُ الآية؟!
- وبهذا تنتهي عقيدة الأوزاعي.
3.13. عقيدة البخاري (صاحب الصحيح) – غرابة في فهم القرآن وفي الاستدلال بالأحاديث
من ص281 إلى ص285
ص-281
3.13.1. مقدمة يذكر فيها أسماء لمشاهير اتفقوا معه على تحديد اعتقاده
٣٢٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ الْهَرَوِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْجُرْجَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبُخَارِيَّ بِالشَّاشِ يَقُولُ:
سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَوَاسِطَ وَبَغْدَادَ وَالشَّامِ وَمِصْرَ لَقِيتُهُمْ كَرَّاتٍ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ثُمَّ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ.
أَدْرَكْتُهُمْ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، أَهْلَ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْجَزِيرَةِ مَرَّتَيْنِ وَالْبَصْرَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي سِنِينَ ذَوِي عَدَدٍ بِالْحِجَازِ سِتَّةَ أَعْوَامٍ ، وَلَا أُحْصِي كَمْ دَخَلْتُ الْكُوفَةَ وَبَغْدَادَ مَعَ مُحَدِّثِي أَهْلِ خُرَاسَانَ ، مِنْهُمُ الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَشِهَابُ بْنُ مَعْمَرٍ.
ص-282
وَبِالشَّامِ: مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيَّ ، وَأَبَا مُسْهِرٍ عَبْدَ الْأَعْلَى بْنَ مُسْهِرٍ ، وَأَبَا الْمُغِيرَةِ عَبْدَ الْقُدُّوسِ بْنَ الْحَجَّاجِ ، وَأَبَا الْيَمَانِ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ ، وَمِنْ بَعْدِهِمْ عِدَّةٌ كَثِيرَةٌ.
وَبِمِصْرَ: يَحْيَى بْنَ كَثِيرٍ ، وَأَبَا صَالِحٍ كَاتِبَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي مَرْيَمَ ، وَأَصْبَغَ بْنَ الْفَرَجِ ، وَنُعَيْمَ بْنَ حَمَّادٍ.
وَبِمَكَّةَ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْمُقْرِئَ ، وَالْحُمَيْدِيَّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ ⦗ص: ١٩٥⦘ قَاضِيَ مَكَّةَ ، وَأَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَزْرَقِيَّ.
وَبِالْمَدِينَةِ: إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَمُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ الزُّبَيْرِيَّ ، وَأَحْمَدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَبَا مُصْعَبٍ الزُّهْرِيَّ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيَّ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيَّ.
وَبِالْبَصْرَةِ: أَبَا عَاصِمٍ الضَّحَّاكَ بْنَ مَخْلَدٍ الشَّيْبَانِيَّ ، وَأَبَا الْوَلِيدِ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَالْحَجَّاجَ بْنَ الْمِنْهَالِ ، وَعَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدِينِيَّ.
وَبِالْكُوفَةِ: أَبَا نُعَيْمٍ الْفَضْلَ بْنَ دُكَيْنٍ ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُوسَى ، وَأَحْمَدَ بْنَ يُونُسَ ، وَقَبِيصَةَ بْنَ عُقْبَةَ ، وَابْنَ نُمَيْرٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ وَعُثْمَانَ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ.
وَبِبَغْدَادَ: أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ ، وَأَبَا مَعْمَرٍ ، وَأَبَا خَيْثَمَةَ ، وَأَبَا عُبَيْدٍ الْقَاسِمَ بْنَ سَلَّامٍ.
ص-283
وَمِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ: عَمْرَو بْنَ خَالِدٍ الْحَرَّانِيَّ.
وَبِوَاسِطَ: عَمْرَو بْنَ عَوْنٍ ، وَعَاصِمَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ.
وَبِمَرْوَ: صَدَقَةَ بْنَ الْفَضْلِ ، وَإِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ.
وَاكْتَفَيْنَا بِتَسْمِيَةِ هَؤُلَاءِ كَيْ يَكُونَ مُخْتَصَرًا، وَأَنْ لَا يَطُولَ ذَلِكَ ، فَمَا رَأَيْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ:
3.13.2. الدين قول وعمل
أَنَّ الدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: ٥]
- العبارة المعروفة لديهم هي: الإيمان قول وعمل، وقد رأينا أنهم يجعلون العمل جزءاً من الإيمان، ولكن ليس كل العمل. بل تلك الأعمال التي ترسّخ السلطة الكهنوتية مثل الصلاة في المسجد والزكاة وكذلك الحج. وهم يأمرون بالصلاة خلف أئمتهم (حتى لو كانوا ظلمة فجرة) ويجعلون هذا في مختصرات العقيدة لديهم، وتراهم –ولا غرابة– ينهَونك عن الصلاة خلف الفرق الأخرى (المؤمنة بالقرآن). وخُطبة صلاة الجمعة يمكن توظيفها لإيصال ما يُراد إيصاله من قبل الحاكم، وهذا كلَ أسبوع، والناس يرَون أنهم يؤدون فريضة دينية إذا أنصتوا لصاحب الخُطبة. ومن أصول عقيدة أهل البعثرة أيضاً الأمر بطاعة السلطان، حتى لو كان ظالما فاجرا. فالحال واضحة.
- لكنْ: البخاري هنا يقول: الدين قول وعمل، بدلاً من العبارة المعروفة: الإيمان قول وعمل. واختار معها تلك الآية وفيها كما ترى "الصلاة" و"الزكاة".
وأهل الحديث يندر أن يقولوا الدين إيمان وعمل مع أن الآيات في ذلك كثيرة {آمنوا وعملوا الصالحات}، {آمن وعمل صالحاً}. - وبالمناسبة: الآية التي جاءت قبلها مباشرة هي: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}، فهل كانت صلاتهم وزكاتهم هي التي يعنيها البخاري؟!
- وأخيراً أذكر هنا: أن أهل الحديث يحبون أن يرسخوا في أصول الدين التميّزَ عن الفرق الأخرى المؤمنة بالقرآن. ومعتقدهم "الإيمان قول وعمل" هو موجه أولاً ضد المرجئة. وهم كانوا –على ما يُروى– يقولون بأنه لا حاجة لأي عمل، وأنه "لا يضر مع الإيمان ذنب".
3.13.3. عقيدة "القرآن غير مخلوق"، واستدلال غريب بالآيات
وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِقَوْلِهِ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ}.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَبَيَّنَ اللَّهُ الْخَلْقَ مِنَ
الْأَمْرِ لِقَوْلِهِ: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:
٥٤] .
- قد تحدثنا عن قضية "خلق القرآن" ولكن لا بأس من بعض التكرار. فريق أهل الحديث قال بأن القرآن غير مخلوق، الفرق الأخرى قالت بأن القرآن مخلوق، أي أن الله خَلَقَه. فكل الفِرق –وهذا هو العجيب– متفقة على أن القرآن كتاب الله الذي أنزله على عبده ورسوله محمد. ولكنهم اختلفوا في: مخلوق أو غير مخلوق. وسالت من أجل هذه القضية الدماء! على الطرفين!
وقد تظن أن لدى أهل الحديث آثاراً ثابتة في ذلك، تعلّقوا بها، ولكن إليك ما جاء في موسوعة الدرر السنية:
(وفيما يتعلق بموقف السلف في هذه القضية فإنهم يمتنعون عن وصف القرآن
بما لم يوصف به على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ألسنة
الصحابة من أنه مخلوق أو غير مخلوق. وفي هذا يقول ابن تيمية مبيناً رأي
السلف في هذه المسألة: " وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل
أحد منهم إنه قديم، لم يقل واحداً من القولين أحدٌ من الصحابة ولا
التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة ولا غيرهم، بل الآثار
متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله"
– https://dorar.net/firq/988/3-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%84-%D8%A8%D8%AE%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86
2022-06)
فليس لديهم في ذلك أثر عن الرسول أو "الصحابة" ولا حتى التابعين.. كانوا يقولون القرآن كلام الله، وهذا لا خلاف فيه.
ولكن صار القول بأن "القرآن غير مخلوق" من أصول دينهم، وعليه تُضرب الرقاب! ونعوذ بالله من الضلال. وإليك أمثلةً من كتاب البخاري "خلق أفعال العباد":
3.13.3.1. البخاري وضرب الأعناق من أجل عقيدته في خلق القرآن
3.13.3.1.1. البخاري يستشهد بقول وَكِيع لضرب الأعناق
(فَمَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يُسْتَتَابُ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ. – البخاري، خلق أفعال العباد، دار أطلس
الخضراء، 1425 2005، ج2، ص30)

3.13.3.1.2. البخاري يستشهد بقول يزيد بن هارون لضرب الأعناق

(وَحَلَفَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، بِالِلَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَنْ قَالَ: «إِنَّ الْقُرْآنَ
مَخْلُوقٌ فَهُوَ زِنْدِيقٌ، وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ». – البخاري، خلق أفعال
العباد، دار أطلس الخضراء،1425 2005،ج2،ص12)
3.13.3.1.3. البخاري يستشهد بقول عبد الرحمن بن مهدي لضرب الأعناق
(وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: "وَلَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى الْجِسْرِ وَبِيَدِي سَيْفٌ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، لَضَرَبْتُ عُنُقَهُ".
– البخاري، خلق أفعال العباد، دار أطلس الخضراء، 1425 2005، ج2، ص32)
لاحظ: هنا من دون استتابة.

3.13.3.2. استدلال البخاري الغريب بالقرآن
- إني لا أرى من حاجة للتفصيل في هذه القضية ويكفينا أن نقول إن القرآن كلام الله، وهذا ما سُقناه قبل قليل من موسوعة الدرر السنية، عن محمد و "الصحابة" و "التابعين".
لكننا مضطرون هنا للتعليق، فالبخاري يستدل هنا بالآية، يوردها لتعليل معتقدهم، فقد قال: (الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِقَوْلِهِ: {إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ..}) - وقبل النظر في الآية، لننظر في أخرى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ <43_3>، فالقرآن مجعول. الله هو الذي جعله وصاغة باللسان العربي. فكيف نقول بأنه غير مخلوق؟
- أياً كان. لننظر في الآية التي أوردها البخاري:
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا
لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ <7_54>) هي كما ترى لم تذكر القرآن أصلاً.
فما وجه الاستدلال بها؟ البخاري لم يوضح هنا ولا في كتابه خلق أفعال العباد، مقصودَه، ولكنك تجده مثلاً هنا، وهو تأويل بهلواني حقاً:
(والأدلة على أنه [* أي القرآن طبعاً] غير مخلوق قوله تعالى : ( ألا له
الخلق والأمر ) فجعل الخلق شيئاً والأمر شيئا آخر لأن العطف يقتضي
المغايرة والقرآن من الأمر بدليل قوله تعالى : ( وكذلك أوْحَيْنَا إليك
روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً
نَهْدِي به من نَشَاءُ من عبادنا ) الشورى /52 ، فإذا كان القرآن أمراً وهو
قسيم للخلق ، صار غير مخلوق ، لأنه لو كان مخلوقاً ما صح التقسيم فهذا
هو الدليل من القرآن. –
https://islamqa.info/ar/answers/10153/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%86%D8%B2%D9%84-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D9%85%D8%AE%D9%84%D9%88%D9%82
2022-06)
فعندهم في {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}:
- "الروح" هي القرآن،
- و"مِن" فيها، هي للتبعيض أي أن الروح جزء من الأمر! وبالتالي القرآن جزء من الأمر.
وفي {لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} قالوا:
بسبب واو العطف (قالوا هي للمغايرة)، فالخلق مختلف عن الأمر.
وهكذا "استنتجوا" أن القرآن غير مخلوق.
كما قلت: تأويل بهلواني. وهو يليق بأسلوب البعثرة.
3.13.3.2.1. الردود على استدلالهم الغريب
- الرد 1: إذا كانت واو العطف دائماً للمغايرة، فلماذا تجعلون العمل قِسْماً من الإيمان؟ والله يقول {آمنوا و عملوا الصالحات} وكذلك {آمن و عمل صالحاً}؟!
لماذا قلتم: الإيمان قول وعمل، وجعلتم العمل جزءاً من الإيمان وهو مغاير له بدليل واو العطف (وهذا في عشرات الآيات)؟! - الرد 2: حتى لو سلّمنا لكم أن القرآن هو جزء من الأمر وأن الأمر مخالف للخَلْق. فهذا لا يقتضي أن القرآن ليس مخلوقاً، إنما يقتضي فقط أن القرآن ليس خَلْقاً!
- الرد 3: الآية الثانية التي تأولوها هي {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}،
ووفقاً لهذا الاستدلال وجب أن يقولوا بأن الروح (بصورة عامة) هي غير مخلوقة!، فلدينا في القرآن:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا <17_85>)!
3.13.3.2.2. ضعف الحجة – التعنُّت – حتى البخاري لم ينجُ منهم
فكما ترى فإن حجج أهل البعثرة واهية ولكنهم مع ذلك تحمّسوا لسفك الدماء عليها.
وقد تعجب أن البخاري ذاتَه تعرض لمضايقات أهل البعثرة، حتى إنه تمنّى الموت!
وذلك لأنه اتُّهِم بأنه قال: "لفظي بالقرآن مخلوق". ولكن هذه العبارة أيضاً مما يُغضب أهل البعثرة، أصحاب الحس المُرهَف.
إليك تعليق المحقق:
(سيأتي إن شاء الله في مبحث القرآن كلام الله، أن البخاري شُنِّع عليه واتُهم
بأنه من اللفظية القائلين لفظي بالقرآن مخلوق، وسأبين هناك الجواب على
هذه الفرية التي كانت سببا في دعاء البخاري أن يقبضه الله إليه، فاستجاب
الله دعاءه. – نفس المجلد من كتاب اللالكائي، ص283)
لا أرى من حاجة للتفصيل أكثر في مسألة خلق القرآن، فهي كلامية، ولم تعد ذات أهمية كبيرة، بل دعونا ننتقلْ إلى مسألة أهم وأشيَع:
هي ما يسمونه "القَدَر".
3.13.4. عقيدة القدَر، وأيضاً استدلال غريب بالآيات
وَأَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ بِقَدَرٍ لِقَوْلِهِ: [* فهو يستدل بهذه الآيات:] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: ٢] وَلِقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: ٩٦] وَلِقَوْلِهِ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: ٤٩] .
3.13.4.1. قبل مناقشة استدلال البخاري العجيب
قضية القدَر ليست بسيطة وقد شغلت الناس على مختلف أطيافهم منذ القِدَم. ولكن لنحاول التفصيل قليلاً.
أولاً نلاحظ التأكيد على أن الله يقدِّر الشر، وهو مما اختلفوا فيه مع المعتزِلة.
وأذكّر بما جاء في اعتقاد أبي ثور الكلبي (من نفس الفصل من الكتاب)، حيث ذكر المعاصي أنها من الله. قال:
3.13.4.1.1. تعريفهم للقدر – وضرب الأعناق
(إِنَّ الْقَدَرِيَّةَ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ أَفاعيلَ الْعِبَادِ وَإِنَّ الْمَعَاصِيَ لَمْ
يُقَدِّرْهَا اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ وَلَمْ يَخْلُقْهَا ، فَهَؤُلَاءِ قَدَرِيَّةٌ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ، وَلَا
يُعَادُ مَرِيضُهُمْ ، وَلَا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ ، وَيُسْتَتَابُونَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، فَإِنْ
تَابُوا وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ. – ص280)

فحتى يرضى عنك أهل البعثرة يجب أن تقول: إن الله هو الذي يخلُق معاصينا، شرورَنا وهو الذي "يقدُّرها" علينا.
وأن المجرم إذا ارتكب جريمةً، فإن الله هو الذي يشاء ذلك، أي أن يرتكب تلك الجريمة!
وللإيضاح أذكّر بقصة البيضة و "عدو الله":
3.13.4.1.2. قصة أكل البيضة و عدو الله!
لا بأس أن نتذكر هنا :
( ١٣٤١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , ثنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ،
قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ،
قَالَ: كُنَّا مَعَ إِنْسَانٍ يَتَكَلَّمُ فِي الْقَدَرِ، فَأَخَذَ بَيْضَةً، وَكُنَّا نَأْكُلُ بِيضًا وَخُبْزًا،
فَقَالَ: هَذِهِ الْبَيْضَةُ إِنْ شِئْتُ أَكَلْتُهَا وَإِنْ شِئْتُ لَمْ آكُلْهَا، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: فَشَأْ،
قَالَ: فَأَنَا أَشَاءُ، قَالَ: فَأَدْخَلَهَا فِي فِيهِ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا جَلْدَانِ فَفَكَّا لَحْيَيْهِ حَتَّى رَمَاهَا، فَقَالَا: زَعَمْتَ أَنَّكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَوْ شِئْتَ
لَأَكَلْتَهَا، وَلَكِنَّ الْمَشِيئَةَ إِلَى اللَّهِ، شَاءَ أَنْ لَا تَأْكُلَهَا فَطَرَحْتَهَا.
– اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، المكتبة الإسلامية، 1431 2010، ج2، ص493)

فالقدري الذي قال: هذه البيضة إن شئت أكلتها. جعلوه عدوَ الله بعد أن اعتدى المجنونان عليه. ولم يكتفوا بذلك بل جعلوا مشيئة الله هي أن يعتدي المجنونان عليه.
وهذا ليس كلامَ خصومِهم فيهم، بل هم الذين ينشرونه بكل فخر عن أنفسهم.
ويرون أنهم ينزّهون الله بذلك. كيف؟
يقولون بكل بساطة: الدنيا فيها شر. والله قادر على فعل ما يشاء. فالله يشاء الشر. هكذا!
وإليك –للإيضاح– هذا النصَ من الألباني،
وهو يعلِّق على العقيدة الطحاوية وهي شهيرة جداً لدى القوم:
3.13.4.1.3. الألباني: الله مريد الشر القبيح! – العقيدة الطحاوية
نص الطحاوي الذي علّق عليه الألباني هو:
([*البند 23] وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفُذ، لا مشيئة
للعباد ؛ إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن.)
تعليق الألباني:
(لكن يجب أن يُعلم أنه لا يلزَم من ذلك أن الله يحبّ كل ما يقع، فالحب غيرُ
الإرادة، وإلا كان لا فرق عند الله تعالى بين الطائع والعاصي وهذا ما صرّح
به بعض كبار القائلين بوحدة الوجود من أن كلا من الطائع والعاصي مطيع لله
في إرادته! ومذهب السلف والفقهاء وأكثر المثبتين للقدر من أهل السنة
وغيرهم على التفريق بين الإرادة والمحبة، وإلى ذلك أشار صاحب قصيدة
"بدء الأمالي" بقوله:
مريد الخير والشر القبيح ~ ولكن ليس يرضى بالمحال
– الطحاوي، العقيدة الطحاوية - شرح وتعليق محمد ناصر الدين الألباني، 1394هـ، ص7)

فصار الله عندهم يأمر بالخير ويحبّ الخير ويرضى بالخير
وينهى عن الشر ويكره الشر فلا يرضى به، ولكنه يريده ، فهو مريدُ الشر القبيح!
هذا ما توصلوا إليه بعد جهد جهيد. والله المستعان.
3.13.4.1.4. فكيف يعاقب الله المذنب إذا كان "قدّر" عليه ذنبه؟ – سفاهة الرد
ولعلك تتساءل الآن كيف يجيب أهل البعثرة عن التساؤل: أليس من الظلم أن يعاقب الله المذنبَ، إذا كان هو "قدّر" عليه ذنبه؟
إليك هاتين القصتين:

(١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ , أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثنا حَفْصُ
بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , عَنْ نَافِعٍ، قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ: فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزِّنَا بِقَدَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ،
قَالَ: قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ، ثُمَّ يُعَذِّبُنِي ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا ابْنَ اللخنا [*كذا] لَوْ كَانَ عِنْدِي
إِنْسَانٌ لَأَمَرْتُهُ _أَنْ يَجَأَ بِأَنْفِكَ.)
ابن الخنا: ابن الزنا، الفاحشة.
هكذا تكون الحجة المقنعة! ويبدو أنهم يفخرون بهذا الأسلوب. فقد جاء بعدها مرّة ثانية:
( ١٢٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
غِيَاثٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ
جَالِسًا عِنْدَ سَالِمٍ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَرَ، الزِّنَا بِقَدَرٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ،
قَالَ: كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ ويُعذِّب به ؟ قَالَ:
فَأَخَذَ الْحَصَا وَضَرَبَ بِهِ وَجْهَهُ. – اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة
والجماعة، المكتبة الإسلامية، 1431 2010، ج2، ص459 – وفي مصادر أخرى)

وهؤلاء يريدون أن يعلّمونا الإسلام!
وأذكرك بما قاله ابن حنبل في اعتقاده في حديثه عن القدَر:
(وَمِنَ السُّنَّةِ اللَّازِمَةِ الَّتِي مَنْ تَرَكَ مِنْهَا خَصْلَةً لَمْ يَقُلْهَا وَيُؤْمِنْ بِهَا لَمْ يَكُنْ
مِنْ أَهْلِهَا: الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْأَحَادِيثِ فِيهِ،
وَالْإِيْمَانُ بِهَا لَا يُقَالُ لِمَ وَلَا كَيْفَ ، إِنَّمَا هُوَ التَّصْدِيقُ بِهَا وَالْإِيمَانُ بِهَا.
وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ وَيَبْلُغْهُ عَقْلُهُ فَقَدْ كُفِيَ ذَلِكَ وَأُحْكِمَ لَهُ ، فَعَلَيْهِ
الْإِيمَانَ بِهِ وَالتَّسْلِيمَ لَهُ -من نفس الفصل، ص256)
فهم يصرّحون: الإسلام هو أن تسلِّم عقلك لهم، وإياك أن تفكّر، فقد فكّروا هم عنك!
ولا تشكك في أقوالهم مهما كانت شنيعة ومهما كانت تسيء لله وتخالف القرآن.
كان هذا مدخلاً لفهم مذهبهم في القَدَر، ولننتقل الآن إلى الآيات التي استشهد بها صاحبُنا البخاري.
3.13.4.1.5. مناقشة موسى وآدم – من صحيح البخاري. "تلومني على أمرٍ قُدِّر عليّ"؟
ونذكر للإيضاح أكثر، حديثاً من صحيح البخاري:
(٣٢٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا إبراهيم بنُ سعد، عن ابن شِهاب، عن حُمَيدِ بنِ عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال:
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (احتجَّ آدمُ وموسى، فقال له موسى: أنت
آدم الذي أخرجَتْكَ خطيئتُك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك
برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمرٍ قُدِّرَ عليَّ قبل أن أُخلق). فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فحجّ آدمُ موسى). مرتين.
– أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار ابن كثير - اليمامة، 1414 1993، مصطفى البُغا، ص1251 (كتاب الأنبياء، باب: 32، رقم الحديث 3228))
فلا يجب أن يُلام المجرم على إجرامه! لأن الله كتب عليه الإجرام قبل أن يُولَد! هكذا الدين لديهم.
وأذكر بما جاء في كتاب الله عن آدم وزوجه: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ <7_23>) فآدم هنا يعترف بذنبه، ولكن أهل البعثرة وسلفَهم، أصحابُ الأهواء، وليسوا أصحابَ القرآن.
3.13.4.2. استدلاله بـ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}
ولننظر الآن إلى استدلالات البخاري بالقرآن. نبدأ بالآية الأولى. وهي من سورة الفلق:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ <113_1>: تعوّذ بالله، ربّ الفلق، الصبح
مِن شَرِّ مَا خَلَقَ <113_2>: من الشر بصورة عامة، من شر ما خلق الله، من شر مخلوقاته
وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ <113_3> هنا بدأ التخصيص: الشر منسوب للظُلمة، والشر قد يكون شر المجرمين أو اللصوص في الليل، أو مثلاً حوادث السير في الليل، ويمكنك أيضاً تختار معنىً مجازياً. ولاحظ التقابل مع نور الفلَق في الآية الأولى.
وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ <113_4> وهنا تخصيص آخر لمخلوقات الله، وهم البشر هنا.
وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ <113_5> وهذا تخصيص آخر لشر البشر.
فكل ما في الأمر أننا نعوذ بالله من شر مخلوقاته بصورة عامة. ولكن المبعثرين استنتجوا من الآيات أن الله أراد إخبارنا بأنه يخلق في المجرم إجرامَه! وهو الذي "يقدِّره" عليه! (فلا يُلام على ذلك، كما رأينا في محاججة آدم وموسى في صحيح البخاري.)
كما ترى، استشهاد البخاري عجيب. وكأنه اكتفى بأن عثر في السورة على "شرّ" و "خلق"، فقال هي دليل على أن الله هو الذي يخلُق فينا أعمالنا الشريرة. فجعل من شر المخلوقات شرَ الخالق!
ومن مقدمة البخاري التي ذكر فيها أن آلاف العلماء وافقوه على اعتقاده هذا، يتبين لك أن البخاري لم ينفرد بهذا الفهم الغريب لآيات الله.
ولعل الأصح أن نقول: هو ابن بيئته التي نشأ فيها، فجاء بما جاؤوا.
نتابع مع الآية الثانية.
3.13.4.3. استدلاله بـ {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}
هذه الآية يكثرُ جداً استشهادُهم بها لإثبات مذهبهم الجَبْري أو شبهِ الجَبري.
وقد تُشكِل عليك الآية إذا قرأتها منفردةً، ولكن سياقها يزيل كل إشكال، بل تكفي الآيةُ قبلها:
فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ <37_91>الصافات. الكلام طبعاً عن إبراهيم
فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ <37_91>
مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ <37_92>
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ <37_93>
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ <37_94>
قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ <37_95>
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ <37_96>
أكاد أجزم بأن كل مَن يقرأ هذه الآيات، كثُر علمه أو قلّ، لن يجد فيها الجَبرية إلا إذا كان محقوناً بها من قبلُ.
فالسياق واضح: إبراهيم يوبخهم على ما يعلمونه هم. هو ينسب لهم وليس لله، عبادةَ الأصنام: "تعبدون"، وإليهم ينسب النحت: "تنحتون"!
فكيف يُقال بأن إبراهيم أراد إخبارهم بأن الله هو الذي خلق عملَهم للأصنام وعبادتهم لها؟ وكأنه يريد تسويغ فعلتهم الشنيعة، بأن يخبرهم أن: الله هو الذي خلقها، هو الذي أرادها!
قد يعترض هنا أحدهم ويقول: (ولكن الآية فيها "خلقكم وما تعملون" وليس "خلقكم وما منه تعملون"، فـ "منه" هذه من كيسك وليست في الآية.
فإذن، الله هو الذي خلق نحتهم وكذلك عبادتهم لهذه الأصنام. فليس في الآية تحديد "وما تعملون".)
الردود:
- الرد 1: السياق كاف لتفسير المعنى، ويغنينا عن الرد.
الرد 2: حذف كلمات تُعرَف من السياق ليس نادراً. وفي حذف حرف الجر وُضِع مصطلح "المنصوب بنزع الخافض" (المدرسة الكوفية في النحو) أي أن ينُصب الاسم المجرور بعد حذف حرف الجر. كأن تقول: أمرتُك الخيرَ، بدلاً من: أمرتُك بالخيرِ.
وفي الفاتحة لدينا مثلاً {إياك نستعين}، دون حرف الجر "ب".
ولكن لدينا:
- استعان مع حرف الجر في {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ <2_45> وَ <2_153> البقرة}
- وكذلك: قَالَ {مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ <7_128> الأعراف}
وبالمقابل لدينا أيضاً مع حذف الباء:
- وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ <12_18> يوسف
- وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ <21_112> الأنبياء
فكما ترى، لم يُقَل هنا: المستعان بِه.
- استعان مع حرف الجر في {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ <2_45> وَ <2_153> البقرة}
والطبري ذكر في الآية في معنى "ما" وجهين، في الثاني قال:
(فيكون معنى الكلام عند ذلك : والله خلقكم والذي تعملونه :
أي والذي تعملون منه الأصنام)
فهو يقدِّر هنا حذف "مِن". ولم يذكر الطبري إلا وجهين في تفسير الآية. الأول هو جعل "ما" مصدرية، على مذهب القوم.
- الرد 3 (من دون تقدير حذف):
سؤال: ألا يجوز أن نصف تلك الأصنام التي عملوها بأنها مجرد حجارة؟ بالطبع هذا جائز. فيكون وصفُ إبراهيم لأصنامهم التي عملوها بالنحت: أنها حجارة، وإن كانت منحوتة! والحجارة خلقها الله. ويمكن اعتبار هذا التوبيخ من إبراهيم استهزاء بهم. وكأنه يقول لهم: ليس ما تعملونه إلا حجارة! - الرد 4 (أيضاً من دون تقدير حذف):
نحن متفقون مع أهل الحديث أن العمل الذي قام به قوم إبراهيم هنا هو النحت. فنسألهم: النحت مخلوق أم غير مخلوق؟ لا شك أنهم سيقولون: بل مخلوق. ونحن نوافقهم. وينتهي الإشكال هكذا: قُدرة الناس على النحت والرسم والنقش هي من خلق الله، هو الذي جعل هذا في البشر؛ لكن هم الذين يختارون، أيُحسنون العمل بهذه القُدرة أو يسيئون. وهكذا الحال مع أي قُدرة وهبها الله لنا: نحن مبتلَون بها، أنعملُ بها خيراً أم شراً.
وبهذا يتبين أن حجة البخاري وأصحابه ضعيفة، كيفما قلّبت الأمور، وحتى لو تجاهلت سياق الآية وإمكانية حذف حرف الجر.
3.13.4.4. القرآن يبين الحق ويزيل مذهب الجبرية!
قد يظن من لم يقرأ القرآن أن القضية غامضة، فالتبست على أهل الحديث.
ولكن الآيات التي تبيّن أن الله يَجزينا بما عملناه، وليس بما يخلقه فينا من أعمال، هذه الآيات جليّة وكثيرة بلغت المئات.
ليس لنا أن نوردها كلها ولكن نكتفي ببعضها، لعل أحد الناسين أو الجاهلين ينتفع بها.
3.13.4.4.1. الجزاء والعمل 1
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ <46_14> الأحقاف
مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ <28_84> القصص
ولو نظرت في الآيات التي ورد فيها جذرا "عمل" و "جزي" فإنك ستجدها كلها تدور حول هذا المعنى، فالله يجزي الناس بأعمالهم. ما عملوه هم! وليس ما خلقه هو فيهم عَمَلاً.
وعدد هذه الآيات 30: <2_85> <3_136> <4_123> <7_147> <7_180> <9_121> <10_4> <16_96> <16_97> <18_88>
<24_38> <27_90> <28_84> <29_7> <30_45> <32_17> <34_4> <34_33> <34_37> <36_54>
<37_39> <39_35> <40_40> <41_27> <45_28> <46_14> <52_16> <53_31> <56_24> <66_7>.
3.13.4.4.2. الجزاء والعمل 2
- أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ <32_19> السجدة
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <66_7> التحريم
- وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <43_72> الزخرف
- اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <52_16> الطور
- إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا <78_40> النبأ
3.13.4.4.3. ما الله بغافل عما يعمل الناس
ثم لدينا الآيات التي تُنذِر الناس بأن الله يرى أعمالهم، ولا أدري لماذا لم يخبرهم أنه هو الذي يعملها!
- فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ <2_85>البقرة
- وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ <6_132>الأنعام. هل الله يخبر بأنه غير غافل عما يعمله هو؟
- وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ <11_123>هود
- وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ <14_42>إبراهيم
- إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ <41_40>فصّلت
- وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا <18_49>الكهف. فمن الذي عمل الأعمال؟
- وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ <82_10> كِرَامًا كَاتِبِينَ <82_11> يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ <82_12> إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ <82_13> وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ <82_14>الانفطار
- فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ <3_195>آل عمران
- وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ <5_8> وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ <5_9> وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ <5_10>المائدة
عند أهل البعثرة الله يقول هنا إنه خبير بما يعمله هو! - وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ <39_70>الزمر. عند المبعثرين الله يخبر أنه أعلم بما يفعله هو!
- وَمَا أَنفَقْتُم مِن نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِن نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ <2_270>البقرة
- وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ <3_180>آل عمران
- وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <9_105> التوبة. عند أهل البعثرة الله هو الذي يعمل الأعمال، فلِم يقول: {فسيرى الله عملكم؟} و {فينبئكم بما كنتم تعملون}؟
3.13.4.4.4. التكليف على قدر الطاقة
كثيراً ما نستذكر آية {لا يُكلِّف الله نفساً إلا وُسعها} عندما نخشى أن تزداد المحن بحيث لا نقدر على تحمّلها فتبدر منّا أعمال غير صالحة؛
فنتثّبت بهذه الآية ونتذكر عدل ربنا ورأفته.
لكن وفق مذهبهم تصير درجةُ صعوبة التكليف مستقلةً عن طاقة النفس وقدرتها على التحمل – فالله هو الذي يخلق في النفس أعمالَها،
وطاقة الإنسان على التحمّل ليست عائقاً أمام الله ليخلق فيه أي عمل:
فهو يجعل الإنسان يعمل أصلحَ عمل مع أنه لم يعد يقوى على تحمّل أي شيء ومع أنه يمرّ في أحلك الظروف – ومع أنه كان دائماً شرّ الناس!
كل هذا سواء! مبدأ التكليف في الآية لا يستقيم مع مذهبهم. فكل التكاليف عند الله سواء – مهما صعُبت ومهما سهُلت.
لنقرأ:
- لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ <2_286>البقرة
- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ <7_42>الأعراف
- وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ <23_62>المؤمنون.
فالله عادل معهم في أنه لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به، وفي أنه لا يضيع شيء مما يعلمونه، كله مدوّن.
3.13.4.4.5. وأخيراً ما يترتب على قولة أهل البعثرة هو: أن الله "ظلام للعبيد"!
ولننظر الآن أكثر في قضية الظلم والعدل.
- يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ <16_111>النحل. فالعدلُ أنه يحاسبهم على أعمالهم هم، وليس على ما يخلقه هو فيهم.
- وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا <18_49>الكهف
- تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ <3_161>آل عمران
- وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ <39_70>الزمر
- وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ <2_281>البقرة
- فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ <3_25>آل عمران
- وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ <8_60>الأنفال
- وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا <4_124>النساء
- إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا <19_60>مريم
- وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ <21_47>الأنبياء
- فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <36_54>يس
- وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ <39_69>الزمر
- وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ <45_22>الجاثية
- وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ <46_19>الأحقاف
- فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ <29_40>العنكبوت
وأخيرا:
- وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ <3_181> ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ <3_182>آل عمران
- وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ <8_50> ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ <8_51>الأنفال
- ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ <22_9> ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ <22_10>الحج
- قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ <50_27> قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ <50_28> مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ <50_29>ق
- مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ <41_46>فصلت
لكن وفق عقيدة أهل الحديث صار الله ظلاماً للعبيد. وقد ذكرنا أنهم وصفوه بمريد الشر القبيح.
3.13.4.4.6. وَأَن لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى
وأختم هذا القسم بهذه الآيات، لعلها تُفيد من لم يقرأ القرآن، أما الذي قرأه ولكن اتخذه مهجوراً فلن ينتفع بها:
- أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى <53_38>
وَأَن لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى <53_39> وفيمَ السعي إن كان الله هو الذي يخلق أعمالنا؟!
وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى <53_40>
ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى <53_41> - وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا <17_19>
- فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ <21_94>
فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى <79_34>
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى <79_35>
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى <79_36>
فَأَمَّا مَن طَغَى <79_37>
وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا <79_38>
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى <79_39>
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى <79_40>
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى <79_41>
فأنت تسعى وتعلم أنه الله هو الخبير بحالك، لن يكلفك أكثر من طاقتك في السعي. ولن يُضيع أعمالك – أعمالك أنت.
3.13.4.5. استدلاله بـ {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}
ونأتي الآن إلى استدلاله بالآية الثالثة: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
3.13.4.5.1. الرد بالسياق – والسورة عن المكذبين الكافرين وعقابهم.
حتى نفهم الآية ننظر في سياقها. أعلم أن هذا بديهي. ولكن يبدو أن الكثيرين يتغافل عنه.
كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ <54_42>القمر. الكلام عن آل فرعون
أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ <54_43>
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنتَصِرٌ <54_44>
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ <54_45>
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ <54_46>
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ <54_47>
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ <54_48>
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ <54_49> (الآية التي استشهد بها)
وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ <54_50> ترى هنا قدرة الله وضبطه للأمور
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ <54_51>
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ <54_52>
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ <54_53>
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ <54_54>
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ <54_55>
وهكذا تنتهي السورة.
فسياق الآية، هو وعيد للكفار. والسورة، سورةُ القمر، من بدايتها في هذا الباب:
- وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ <54_2>
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ <54_3> - كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ <54_9>
- كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ <54_18>
- كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ <54_23>
- كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ <54_33>
- وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ <54_41> كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ <54_42>
وبعدها، ما ذكرنا من السياق القريب للآية.
فهل يُعقَل أن الله أراد هنا، والكلام في الوعيد والعقاب للمكذبين المجرمين، أن يقول لهم: "جرائمكم هذه التي أعاقبكم عليها، أنا خلقتُها فيكم، أنا أردتها فيكم!" وكأنه يقول: "اعلموا أني ظلّام للعبيد!"؟!
فتعلّق البخاري والكثيرين غيرِه بهذه الآية باطل لإثبات نظريتهم الجبرية أو شبه الجبرية.
المعنى الذي يريدونه لكلمة القَدَر ليس في هذه الآية.
المعنى الذي يريدونه ليس من القرآن بل من مصادرهم الأخرى.
بالمناسبة: الله تجده في البيبل ظالماً. ولكن بأسلوب آخر:
هذا ما يقوله مثلاً إله اليهود والمسيحيين في ما يُسمى الوصايا العشر:
(أَنا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلهٌ غَيور، أُعاقِبُ إِثمَ الآباءِ في البَنين، إِلى الجِيلِ الثَّالِثِ والرَّابِعِ، مِن مُبغِضِيَّ، – سِفر الخروج20 ، أيْ مما يسمّى التوراة)
وتوجد أمثلة كثيرة أن الله عندهم يعاقب الأبرياء على ذنوب المذنبين.
وفي العهد الجديد توجد أمثال تشبه الله بحكّام ظلمة!
هناك إساءات كثيرة لله في البيبل.
3.13.4.5.2. تعبير "كل شيء" – وعقيدة جديدة (منّي!)
والآن لننظر في تعبير "كل شيء" الذي استندوا إليه.
نبدأ بسؤالهم: القرآن شيء. فلِمَ لا تقولوا بأن القرآن مخلوق، بأن الله خالق القرآن؟ بل تقتلون من قال بهذا؟
(ولدينا: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ <6_101> وكذلك: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ <6_102>)
(بالطبع سيقولون القرآن كلام الله، ولا تنطبق عليه الآية. – دعونا من هذا الآن.)
لدينا أيضاً:
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ <13_8>الرعد
فلماذا لم يقولوا: "عقيدتنا الإيمان بالمقدار خيرِه وشرِّه". كما قالوا مع القدَر؟
وما رأيكم أن نجاريهم في أسلوب البعثرة الذي اتبعوه مع القرآن، فنصنع هذه العقيدة الجديدة:
- عقيدتنا: أن الله أتقن السوء والفشَل والشرّ. مستدلين بـ: الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ <27_88>النمل
- عقيدتنا: نؤمن بأن الله أحسن السوء والفشل والشرّ. مستدلين بـ: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ <32_7>السجدة
- عقيدتنا: نؤمن بإنطاق الصمتِ والشرّ ولا بأس أن نضيف: نؤمن بإنطاق الشاورما. مستدلين بـ: اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ <41_21>فصلت
والصمت شيء، والشر شيء، والشاورما شيء. - عقيدتنا: الإيمانُ بالتفصيل، خيرِه وشرّه. مستدلين بـ: كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا <17_12>الإسراء
ونضيف أيضاً: الفوضى شيء، فالله فصّل الفوضى تفصيلاً. - عقيدتنا: أن الله خلق من الشرّ زوجين، وكذلك من حرف الجر "في" مثلاً. حرف الجرّ "في" له زوجان. ونستدل بـ:
وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ <51_49>الذاريات
ولعلنا نغوص أكثر فنقول:
إذا كان للشر زوجان. فكلّ منهما هو شيء. فوجب أن يكون لكل زوج زوجان،
من جديد. فيصير للشر أربعة أزواج. ثم نطبق نفس القاعدة على هذه
الأزواج الأربعة، فيصير لدينا ثمانية أزواج. وهكذا..إلى ما لا نهاية. - نؤمن أنه يوجد في كل وادٍ من أودية الأرض شاعرٌ أو تابعٌ له يهيم. مستدلين بـ:
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ <26_224>
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ <26_225>الشعراء - وعقيدتنا أن: الأرض تنبُت منها الأشعار. مستدلين بـ: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ <15_19>الحجر
والأشعار موزونة.. وكذلك أن الله أنبت في الأرض مثلاً طائرات ودبّابات، فكلها موزونة..
أكتفي بهذا – حتى ترى ما يمكن أن نصنع لو اتبعنا منهج البعثرة في تفسير القرآن.
3.13.4.5.3. خلاصة القول:
بالطبع الكلام في القدَر يطول ولكن نكتفي هنا بأن أثبتنا أن المعنى الذي أراده البخاري لكلمة "قدَر" لا يستخلص بأي وجه من {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
فإن كان لدى أهل الحديث ردّ آخر يسوِّغ مذهبَهم في القدَر فليتكرّموا علينا به.
وأرجو ألا يكون ردُّهم هو من باب رمي الحصى ووجء الأنوف وضرب الأعناق، بل أن يكون من آيات الكتاب الحكيم. ولنتابع الآن مع نص اعتقاد البخاري.
3.13.5. الجماعة والصحابة
وَلَمْ يَكُونُوا يُكَفِّرُونَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِالذَّنْبِ
- هذه موجهة للخوارج والمعتزلة، وقد رأينا أن معتقدات أهل الحديث هي في مجملها للتميّز عن الفرق الأخرى. ولذلك لا تكاد تجد لديهم ما هو مشترك بينهم وبين الفرق المخالفة. ولذلك فهم بعيدون عن القرآن، وإذا ما ذكروه للاستشهاد به، كان استشهادهم سيئاً.
- والطريف أن الذين أغرقوا في تكفير الآخرين، يصدر منهم مثل ذلك. فهم يكفِّرون من قال: الله خلق القرآن، ويكفِّرون من لا يقول بقولهم: الله خلق المعاصي وقدّرها على الناس. ولديهم فنون شتّى في التكفير، نحن ذاكروها قريباً إن شاء الله.
لِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمِنْ يَشَاءُ} [النساء: ٤٨] .
- هل معنى هذه الآية أن الله يغفر بالضرورة لكل من انتسب إلى "أهل القِبلة"؟! وأنه لا يكفر أحدٌ منهم؟!
وَمَا رَأَيْتُ فِيهِمْ أَحَدًا يَتَنَاوَلُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهُمْ.
- هذا الخبر لم يذكره البخاري في صحيحه، ولكنك تجده في صحيح مسلم.
ص-284
وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: ١٠] .
- غريب أيضاً هذا الفهم. فالآية لم تأمر بالاستغفار لأحد. ولكن لو تنزّلنا: فالذين يستغفرون هنا هم الذين تأخروا بالإيمان بنبوة محمد وهم يستغفرون للمؤمنين الصادقين الذين سبقوهم، فهل نفهم من هذا أن نستغفر لكل من سماه أهل الحديث صحابةً، مهما بدر منهم، وأن نتعامى ونتغافل عما صدر منهم من خطايا؟! أن نجعل هذا التعامي من أصول الدين؟! ثم هل كان "الصحابة" الذين قتل بعضهم بعضاً، يستغفر بعضهم لبعض؟!
وَكَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الْبِدَعِ: مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ؛
- أي أن هذا تعريف للبدع! ولكنك لو بحثت في كتب عقائدهم فإنك ستجد الكثير مما لم يكن عليه محمد ولا الصحابة! مثل خلق القرآن وتثليث التوحيد (كما أشاعه ابن تيمية: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات) وحتى كلمة "عقيدة" هي "بِدعة". فلن تجدها في القرآن ولن تجدها في موسوعة الدرر السنية للحديث.
فالقوم، كما هو ظاهر، مضطربون في الفوضى.
لِقَوْلِهِ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: ١٠٣] وَلِقَوْلِهِ: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: ٥٤] .
- والبخاري يفاجئنا هنا من جديد باستشهاده بالقرآن. يقول: "لقوله". فهو يعلّل تعريفه للبدع بهاتين الآيتين(؟) ثم الكلام عن طاعة الله والرسول وليس عن طاعة الصحابة.
- وكأن أمر الله للصحابة بطاعته وبطاعة الرسول هي تزكية لهم! وهي شهادة بأنهم فعلوا! – عجيب فهم البَعْثَريين للقرآن.
ص-285
وَيَحُثُّونَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتْبَاعُهُ لِقَوْلِهِ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: ١٥٣] .
- البخاري مُدهش في تأويلاته كما ترى. فالآية تأمر الناس باتباع الصراط المستقيم، صراط الإسلام، وليست عن الصحابة أو اتّباعهم، فلماذا أضاف كلمة "أتباعه"؟ ألأنه رآها من نفس جذر "اتبعوه" و "تتّبعوا"؟!
3.13.6. طاعة ولاة الأمر، واستدلال غريب بالآيات. والبخاري يستدل بحديث ليس في صحيحه
وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
- عُدنا إلى التطبيل للسلاطين، وهذا جعلوه أيضاً من "العقيدة"، من أصول الدين، حتى في المختصرات! وهو يناسب هواهم الجَبْري.
" ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ ، وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ"
- هذا الحديث أيضاً لن تجده في صحيح البخاري. فلماذا استشهد به في اعتقاده هذا، المختصر؟ لا أدري. مع أنه ذكر في المقدمة أن ما يقوله هنا مجمع عليه من قبل كل العلماء، زملائه.
ثُمَّ أَكَّدَ فِي قَوْلِهِ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: ٥٩] .
- وتتمة الآية تذكر التنازع والتعامل مع هذه الحالة: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)
- وأذكر بما قاله أحمد بن حنبل، زميلُ البخاري:
(وَمَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ كَانَ النَّاسُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْخِلَافَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ بِالرِّضَا أَوْ بِالْغَلَبَةِ فَقَدْ شَقَّ هَذَا الْخَارِجُ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ، وَخَالَفَ الْآثَارَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ مَاتَ الْخَارِجُ عَلَيْهِ مَاتَ مِيتَةَ جَاهِلِيَّةٍ.)
(وَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلْأَئِمَّةِ وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ ، وَمَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَرَضُوا بِهِ. وَمَنْ غَلَبَهُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً [وَسُمِّيَ] أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.)
وَأَنْ لَا يَرَى السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- هذه أيضاً ضد الخوارج والمعتزلة.
وَقَالَ الْفُضَيْلُ: " لَوْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَمْ أَجْعَلْهَا إِلَّا فِي إِمَامٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَلُحَ الْإِمَامُ أَمِنَ الْبِلَادُ وَالْعِبَادُ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ، مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا غَيْرُكَ.
3.13.7. خلاصة:
كما ترى، البخاري غريب في فهم آيات القرآن، يستشهد بها مسيئاً فهمها أو متجاهلاً سياقها.
وكذلك هو غريب في تعامله مع الأحاديث. فهو استشهد هنا بحديثين: الأول ضعيف إسناداً، والثاني لا نجده في صحيحه.
فما سبب ذلك؟ ولماذا وافقه جمهور "العلماء" الذين التقى بهم وذكرهم في بداية النص؟
أم تراه هو الذي وافقهم؟ ووافق الذين سبقهم؟
فالإنسان ابن بيئته. ويجب البحث فيها وفي تاريخها. لكن ليس هذا مبحثنا.
3.14. عقيدة سفيان الثوري – أمير المؤمنين في الحديث
- من صفحة 245 إلى 248
3.14.1. أهمية سفيان الثوري:
سفيان الثوري طبعاً مشهور لكل من كان له أدنى عِلم بالتراث. ولكن لا بأس من نقل بعض ما قيل فيه. هذا من كتاب خُصِّص له:

( [*بعض الاقتباسات]
- "هو أحد المذاهب الستة المتبوعة: أبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، وسفيان الثوري ، والشافعي، وأحمد بن حنبل؛ رحمهم الله".
[النووي]
- "كنت إذا شئتَ رأيت سفيان مصلياً، وإذا شئت رأيته محدثاً، وإن شئت رأيته في غامض الفقه"
- ما رأيت مثل سفيان كأن خُلِق لهذا الشأن".
[ابن المبارك]
- "_أتدري من الإمام؟_ الإمام سفيان الثوري لا يتقدمه أحد في قلبي." [* ولا عجب في ذلك!]
[أحمد بن حنبل]
- "أُصيب المسلمون بعمر بن الخطاب، وأُصبنا بأبي عبد الله في زماننا."
[إسماعيل الزاهد]
[*وبعد المقارنة بعمر تأتي المقارنة بالنبي!:]
- "إني لأحسبه يُجاء غداً بسفيان حجّة من الله على خلقه، يقول لهم: لم تدركوا نبيكم؛ قد رأيتم سفيان".
[شعيب بن حرب] "سمعت عبد الرحمن بن مهدي ذكر سفيان وشعبة ومالكاً وابن المبارك، فقال: أعلمهم بالعلم سفيان."
[ابن راهويه]
[* يقصدون "علم المبعثرات" وليتهم كانوا فيه مدقّقين،
وقد رأينا قول سفيان: "إنما العِلم كلُّه العلمُ بالآثار."
ahl_hadith.html#i-kg81lm311ej0]
–
المصدر:
عبد الغني الدقر، الإمام سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، دار القلم، 1415 1994، ص5- 6)
ومن نفس المصدر في ص44:
(قال شعبة، وابن عيينة، وأبو عاصم، وابن معين، وغير واحد من العلماء: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث.)
ووصفه هذا تجده في مصادر كثيرة.
ولدينا هنا مقارنة بأبي بكر وعمر بن الخطاب: (وقال بشر الحافي: كان الثوري عندنا إمامَ الناس. وعنه قال: سفيان في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما – شمس الدين الذهبي ت748هـ، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، 1417 1996، ج7، ص239)
3.14.2. هوى الثوري في البعثرة
ولعل أقواله التالية تبيّن لك سبباً من أسباب تعظيمه:
(سمعت سفيان [* الثوري] يقول "ما أعلم شيئاً يُطلب به الله عزّ وجل هو أفضل من الحديث"، فقال له إنسان: إنهم يطلبونه بغير نية؟ [* يريد أنهم يجعمون الأحاديث حباً في الغرائب ومن دون نية صادقة] قال: طلبهم له نية) راجع:
ahl_hadith.html#i-ac71lm311ej0
فحتى لو كانت نية الرجل هي حب الشهرة في جمع الأحاديث، فإن جمعه لها أفضل الأعمال عند الله!
الخبر من كتاب "_شرف_ أصحاب الحديث" للخطيب البغدادي (مكتبة ابن تيمية، 1417 1996، ص211)
وقد رأينا قوله: "إنما العِلم كلُّه العلمُ بالآثار."
ahl_hadith.html#i-kg81lm311ej0
("يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَحُكَّ رَأْسَهُ إِلَّا بِأَثَرٍ"
"إنَّما الدين الآثار" –
الهَرَوي، ذم الكلام وأهله، مكتبة العلوم والحكم، 1422 2001، ج2، ص180-181، الرقمان 327 و 328)

ونذكر أيضاً ما جاء في المصدر السالف، الإمام سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، في ص36:
"لقد بلغ تعلّق سفيان بالحديث وولوعه به وشهوته له، مبلغَ الهوسة [*هكذا] فقد يكون في عبادة أو تفكر،
أو في حالة عالية مع الله تعالى فإذا جاء الحديث انقلب كأنه ليس هو الخاشع المتعبد."
ولا أدري ما حالة الانقلاب هذه التي تنتابه عندما يبدأ تأتي أحاديثه.
وهناك أخبار أخرى عنه، ينقلها أتباعه، لا توحي بأنه كان إنساناً عاقلاً متزناً. ويدخل فيها أيضا هذا الخبر:
(كان سفيان الثوري لا يدعُ أمرداً يجيء له يجالسه. وقال يحيى بن معين: ما طمع أمرد بصحبتي.
وكذلك الإمام أحمد، ودخل سفيان الحمام، فدخل عليه غلام حسن الوجه،
فقال: " أخرجوه أخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطاناً، ومع كل صبي بضعةَ عشرِ شيطاناً ".
– جلال الدين السيوطي، حقيقة السنة والبدعة (أو الأمر بالاتباع و النهي عن الابتداع)، دار الفكر اللبناني، 1992، ص27-28)
حاله عجيبة، ذاك أمير المؤمنين في الحديث. ولنبدأ الآن بقراءة عقيدته التي جعلها اللالكائي مقدّمة الفصل.
[وهذا عن الخطيب البغدادي وما نُقل عنه، في علاقته مع الصبيان:
ahl_hadith.html#i-5f41lm311ej0
]
3.14.3. إسناد الرواية ومقدمة لها لبيان أهمية ما يقوله سفيان الثوري
ص-245
[*هكذا يبدأ النص في كتاب اللالكائي]
٣١٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّاجِيَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ بِسُرَّ مَنْ رَأَى سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.
قَالَ: سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ حَرْبٍ يَقُولُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ –سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ: حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ مِنَ السُّنَّةِ يَنْفَعُنِي –اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ– بِهِ ،
- هو يسأله عن "حديث من السنة". ولكن سفيان لن يذكر له حديثاً واحداً ينسبه لمحمد. السنة مضطربة لديهم، مضطربة نصّاً (كما بيّنا) ومضطربة اصطلاحاً. فوضى بفوضى.
فَإِذَا وَقَفْتُ بَيْنَ
ص-246
يَدَيِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَسَأَلَنِي عَنْهُ. فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: يَا رَبِّ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَخَذَتْهُ عَنْهُ فَأَنْجُو أَنَا وَتؤخَذُ أَنْتَ.
- الله سيسأل شعيبا عمّن أخبره؟ على أي حال هو يريد أن يبين أهمية ما قاله له الثوري.
- لكن لدينا هنا إشكال وهو يعلّم التواكل: "فَأَنْجُو أَنَا وَتؤخَذُ أَنْتَ" أي إذا كان ما قاله سفيان غير صائب، فإن شعيباً سينجو! أي إذا اتبعت "مشيخاتك" وكان كلامهم خطأ فهذا ينجّيك عند الله! وكأنك دابّة لديهم، لا تؤاخذ في طاعتها لهم. نسوا أنه من واجبك أن تتدبر بنفسك. وألّا تكون مقلّداً تقليدا أعمى. حوّلوا الإسلام لديانة كهنوتية.
فَقَالَ لي: يَا شُعَيْبُ هَذَا تَوْكِيدٌ وَأَيُّ تَوْكِيدٍ ، اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
- سفيان يدرك أهمية المسألة، ويبدأ كلامه بالبسملة!
3.14.4. القرآن غير مخلوق مع تكفير الخصوم – موضوعهم المفضّل
الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ ، مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ ،
- يبدو أن هذا أول ما خطر ببال الثوري في عقيدته، أن يكفر المخالفين، والذين يؤمنون بالقرآن.
إذا قلت إن القرآن من خلق الله، قد أنزله على عبده ورسوله محمد فأنت كافر في دين سفيان، وقد تحدثنا عن ذلك. حتى يرضَوا عنك يجب أن تقول: القرآن غير مخلوق أصلاً.
3.14.5. الإيمان قول وعمل
وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ [*عبارة "ونية" لا يذكرونها دائماً في عقائدهم] ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ. وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ إِلَّا بِالْعَمَلِ ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ وَالنِّيَّةُ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ.
- قد تحدثنا عن عبارة "الإيمان قول وعمل" من قبل وبينا أنهم يُدخلون الأعمال التي ترسّخ سلطتهم الكهنوتية في الإيمان، يجعلونها جزءا من الإيمان.
- نلاحظ أنه لا يقول "بموافقة القرآن" بل "بموافقة السنة"، ولنر ما يقصد الثوري بـ "السُنة":
3.14.6. موافقة السنة هي تقديم الشيخين
قَالَ شُعَيْبٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَمَا مُوَافَقَةُ السُّنَّةِ ؟ قَالَ: تَقْدِمَةُ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
- هذا أول ما يذكره في موافقة ما يسميه "السنة". وهذا من أساس "العقيدة" لديهم. وأعيد وأكرر: الأمر يتعلق بترسيخ الخلافات مع الفرق الأخرى التي تؤمن بالقرآن.
يَا شُعَيْبُ لَا يَنْفَعُكَ مَا كَتَبْتَ حَتَّى تُقَدِّمَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا عَلَى مَنْ بَعْدَهُمَا.
- كالعادة، أساس الدين لديهم الاهتمام بالثانويات. فدينك هو أن تقيّم دين الآخرين.
- ولا أدري لماذا توقف عندهما. فلدينا أكثر من مئة ألف "صحابي"، فَلْيأتِنا بترتيبهم حتى نكون مسلمين على الصراط المستقيم!
- ستتكرر عبارة "يَا شُعَيْبُ لَا يَنْفَعُكَ مَا كَتَبْتَ"، هنا مثلاً:
يَا شُعَيْبُ بْنَ حَرْبٍ لَا يَنْفَعُكَ مَا كَتَبْتُ لَكَ حَتَّى لَا تَشْهَدَ لِأَحَدٍ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ إِلَّا لِلْعَشَرَةِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَكُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ.
- أيضاً مما اختلفوا فيه مع الفرق الأخرى التي كفرت أناسا من الصحابة.
- لاحظ أنه يذكر "كلهم من قريش". وكأن انتسابهم القبلي مهم أساسي في ميزان الله.
3.14.7. المسح على الخفين، أيضاً من الأولويات
يَا شُعَيْبُ بْنَ حَرْبٍ لَا يَنْفَعُكَ مَا كَتَبْتُ لَكَ حَتَّى تَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ دُونَ خَلْعِهِمَا أَعْدَلَ عِنْدَكَ مِنْ غَسْلِ قَدَمَيْكَ.
وإليك ما يقوله موقع إسلام سؤال وجواب:
(ذهب جمهور العلماء (منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي) إلى أن غسل القدمين أفضل ، قالوا : لأن غسل القدمين هو الأصل ، فكان أفضل .
انظر : "المجموع" (1/502) .
وذهب الإمام أحمد إلى أن المسح على الخفين أفضل ، واستدل بـ :
1- أنه أيسر ، و ( مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا
أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ) رواه
البخاري (3560) ومسلم (2327) .
2- أنه رخصة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ
تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ ) رواه أحمد (5832) وصححه الألباني
في "إرواء الغليل" (564) .
3- أن في المسح على الخفين مخالفةً لأهل البدع الذين ينكرونه ،
كالخوراج والروافض .
https://islamqa.info/ar/answers/45535/%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AD-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%81%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%81%D8%B6%D9%84-%D8%A7%D9%85-%D8%BA%D8%B3%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D9%85%D9%8A%D9%86
2022-07

)
فسفيان الثوري يجعل قضية المسح على الخفين (وهي ليست من الأصول) في أولويات العقيدة – عقيدةِ أهل السنة، ولكنه يخالف بذلك "جمهور العلماء" لدى أهل السنة!
فهذا هو الدين، ترسيخ الفُرقة والخصومات مع الفرق الأخرى المؤمنة بالقرآن.
ولاحظ ما قاله أحمد بن حنبل: "أن في المسح على الخفين مخالفةً لأهل البدع الذين ينكرونه ، كالخوراج والروافض"!
- وأذكِّر بما مضى قوله عن ذلك ضمن عقيدة الستري (ابن عثيمين: المسح على الخفين من شعار أهل السنة!).
- فلولا الحياء لقال أهل الحديث بالتثليث والتربيع والتخميس، لا لشيء إلا لمخالفة "أهل البدع"!
- فوضى بفوضى. وهذه الفوضى يريدونها حاكمة وقاضية على كتاب الله!
3.14.8. إخفاء البسملة
يَا شُعَيْبُ بْنَ حَرْبٍ وَلَا يَنْفَعُكَ مَا كَتَبْتَ حَتَّى يَكُونَ إِخْفَاءُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلَ عِنْدَكَ مِنْ أَنْ تَجْهَرَ بِهِمَا.
- إخفاء البسملة أفضل من الجهر بها! وهذا أساس الدين!
- المحقق: (كذا، ولعله: "بها")
هكذا أرادها الحاخام الثوري الذي بدأ "عقيدته" بـ "يَا شُعَيْبُ هَذَا تَوْكِيدٌ وَأَيُّ تَوْكِيدٍ ، اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وبكلامه هذا يتبين لك من جديد حالة الفوضى التي يعيشونها! فكلامه هذا يخالف جماعته!:
يقول الشيخ حسن أبو الأشبال الزهيري في شرحه لعقيدة سفيان الثوري:
(وهذه كذلك من مسائل الفروع، واعلم أن هذه القضية عند أهل السنة
والجماعة من مسائل الخلاف في الفروع لا في الاعتقاد، ولا ندري ما الذي
حمل سفيان على أن تكون هذه المسألة عنده من مسائل الاعتقاد. [* وكأنه يخجل من
قول سفيان]، يعني: المالكية والأحناف وهو المذهب الظاهر في العراق في
ذلك الوقت على يد أبي حنيفة: أن الجهر بالبسملة في الصلاة سنة،
وقراءتها واجبة في الفرض والنفل في كل ركعة،
في الصلاة السرية والصلاة الجهرية، ولكن الجهر بالبسملة في
الصلاة الجهرية محل خلاف بين أهل العلم، وقال باستحباب الجهر الأحناف،
وقال: بوجوب الجهر بالبسملة المالكية، وجمهور أهل العلم يقولون:
باستحباب الإسرار بها. – https://shamela.ws/book/37437/738 وهنا صوتياً https://audio.islamweb.net/audio/index.php/index.php?page=lecview&sid=1179&read=0&kh=0&lg=870
2022-08)
ولا أريد الإكثار ولكن إليك شاهداً آخر:
( لا شك أن الجهر بالبسملة في الفاتحة في الصلاة جائز ، وليس بدعة ولا حراماً ، ولكن في أكثر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر بها بل كان يقرؤها سرّاً .
عن أنس رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضى الله عنهما كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِـ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) . رواه البخاري ( 743 ) .
وعند أحمد ( 12868 ) " وكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " .
وهذا مذهب الحنفية والحنابلة ، وخالفهم الشافعية فقالوا بسنيَّة الجهر بها .
ومع كون السنَّة الثابتة : عدم الجهر بالبسملة ؛ إلا أنه لا حرج من الجهر بها ، خاصة عند من كان مذهبهم الجهر بها ، تأليفاً لقلوبهم . –
https://islamqa.info/ar/answers/175551/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D8%AC%D9%88%D8%B2-%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%B1-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B3%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D8%AC%D9%84-%D8%AA%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%81-%D9%82%D9%84%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D9%84%D9%8A%D9%86
2022-08)
وبهذا يتثبت لك من جديد أن دينهم فوضوي. أمير المؤمنين في الحديث يأخذ قضية خلافية في الفروع فيجعلها أساسية في الأصول. والله المستعان.
3.14.9. القَدَر، وتكفيرهم لخصومهم
نأتي من جديد لمسألة مفضلة لديهم. وهي ما يسمونه "القضاء والقدر" ولهم فيه تخبطات كثيرة، على عادتهم. وليس هذا مجال التفصيل فيه ولكننا نريد التعليق على ما جاءنا به الثوري.
3.14.9.1. (يَا شُعَيْبُ بْنَ حَرْبٍ لَا يَنْفَعُكَ الَّذِي كَتَبْتَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوُهِ وَمُرِّهِ ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.)
(يَا شُعَيْبُ بْنَ حَرْبٍ لَا يَنْفَعُكَ الَّذِي كَتَبْتَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوُهِ وَمُرِّهِ ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.)
- عُدنا من جديد لقضية القدر، أي أن الله هو الذي يخلق فيك العمل الذي تعمله، شرا كان أو خيراً. وأذكر بقصة آكل البيضة الذي وصفه أهل البعثرة بأنه عدو الله، لأنه قال: "هَذِهِ الْبَيْضَةُ إِنْ شِئْتُ أَكَلْتُهَا وَإِنْ شِئْتُ لَمْ آكُلْهَا".
- والأهمية هي هنا في كلمة "شرِّه" فهم يريدون أن معاصي الإنسان هي من خلق الله. ونتذكر قول أبي ثور الكلبي:
(إِنَّ الْقَدَرِيَّةَ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ أَفاعيلَ الْعِبَادِ وَإِنَّ الْمَعَاصِيَ لَمْ
يُقَدِّرْهَا اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ وَلَمْ يَخْلُقْهَا، فَهَؤُلَاءِ قَدَرِيَّةٌ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ، وَلَا
يُعَادُ مَرِيضُهُمْ ، وَلَا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ ، وَيُسْتَتَابُونَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، فَإِنْ
تَابُوا وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ. – ص280 من نفس الفصل من الكتاب)
وحول هذا اختلفوا مع المعتزلة وغيرهم. وكما رأينا من قبل: ما يختلفون فيه مع غيرهم هو ما يجعلونه من أساس الإسلام، هكذا دينهم. - ولنتابع مع تشنيعهم على "القَدَرية" (هكذا يسمونهم) وقد أفتوا بتكفيرهم وقتلهم.
وكذلك سيأتي الآن بتسع شواهد قرآنية دون أن يبين فهمه لها. فمراده غامض. ولذلك فلنحاول التعرف على مذهب الثوري في القدر من خلال هذه الأخبار.
3.14.9.2. أخبار عن سفيان الثوري ومذهبه في القدَر، من خارج الفصل
هذا مرّ بنا:
( ١٢٩٤ - […] قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،
قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ سَالِمٍ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَرَ، الزِّنَا بِقَدَرٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ،
قَالَ: كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ ويُعذِّب به ؟ قَالَ:
فَأَخَذَ الْحَصَا وَضَرَبَ بِهِ وَجْهَهُ. – اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة
والجماعة، المكتبة الإسلامية، 1431 2010، ج2، ص459 – وفي مصادر أخرى)

كما ترى، كلام الرجل منطقي ولكن ماذا كان رد أهل البعثرة؟ وفقاً لرواية سفيان الثوري: كانت الحجة البالغة هي رمي وجه الرجل بالحصا! ويريدونك أن تأخذ دينك عن هؤلاء!
وخبر آخر:
يقول سفيان الثوري: (إن الرجل ليعبدُ الأصنامَ وهو حبيب الله – من نفس كتاب اللالكائي، ج2، ص424)

العبارة جاءت هكذا لوحدها، لم أقتطعها من سياقها!
والمحقِّق يحاول التحسين، يقول "يعني باعتبار المآل لا باعتبار الحال".
ولكن الذي لدينا هنا هو واو الحال: "وهو حبيب الله" – هو حبيب الله في حالة عبادته للأصنام!
وفي هذا الخبر وغيره يبدو لك الله –تعالى عما يصفون– مزاجياً يتبع القُرْعَة: فإن كانت لك جعلك تعمل عمل أهل الجنة فيدخلك الجنة، وإن كانت عليك جعلك تعمل عمل أهل النار فتدخل النار!
والله عندهم يخلق فيك مشيئتك للزنا والقتل والسرقة والكفر، ويخلق فيك فعلَ هذه المعاصي، ثم يعاقبك عليها!
(وقد رأيناهم يصفون الله بأنه مريد الشر القبيح وينشدون في ذلك الأشعار.)
وإن أبديت استشكالك لهذا الإجرام بحق الله، رَمَوك بالحصا أو ضربوا عنقك!
وإليك أيضاً ما جاء في كتاب القدر للبيهقي:
٢٠٠ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: وَقَعَ
فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ قَالَ: فَأَتَيْتُ أُبَيًّا فَقُلْتُ: إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ
الْقَدَرِ فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي
فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ،
[*هكذا! وقد يقول إلههم: إني أجعل المسلمين كالمجرمين!! أما نحن فنؤمن بما قاله: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ <68_35>]
وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ
لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ»
قَالَ: فَأَتَيْتُ حُذَيْفَةَ فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِ هَذَا قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَحَدَّثَنِي
بِمِثْلِ هَذَا قَالَ: فَأَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِمِثْلِ هَذَا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ بِنَحْوِ
مَعْنَاهُ

3.14.9.3. "مَا قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ…ما قال أخوهم إبليس"
نتابع مع النص الذي نقله اللالكائي:
(يَا شُعَيْبُ بْنَ حَرْبٍ وَاللَّهِ مَا قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ مَا قَالَ اللَّهُ ، وَلَا مَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ ، وَلَا
ص-247
مَا قَالَ النَّبِيُّونَ ، وَلَا مَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ ، وَلَا مَا قَالَ أَهْلُ النَّارِ ، وَلَا مَا قَالَ أَخُوهُمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ.)
هكذا الفجور في الخصومة: صار "القدرية" الذين يؤمنون بالقرآن إخوة لإبليس، لا لشيء إلا لأنهم يخالفون أهل الحديث في ميولهم الجَبرية!
ولاحظ أنه لم يذكر هنا صراحة قول القدرية الذي صاروا به إخوة لإبليس وكذلك لم يذكر صراحة قول فِرقته، اكتفى بأنه يؤمن "بالقدر خيره وشره، حلوه ومرّه".
هو ذكر عدة آيات ولنبدأ بهذه التي استشهد بها بقول إبليس.
3.14.9.4. استشهاده 1 بـ {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي}
(وَقَالَ أَخُوهُمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: ٣٩] .)
هكذا! القدرية هم إخوان إبليس! بل إبليس أفضل منهم هنا لأنه آمن بـ "القَدَر" الذي يؤمن به الثوري وإخوانه، إذ قال لربه: أغويتني!
ولا أدري إن كان يرى الثوري أن الله هو صاحب الذنب في ذنب إبليس؟! أنّ الله أجبر إبليس على معصيته؟! أنه أمره بالسجود لآدم ولكنه منعه من ذلك لكي يدخله جهنم؟!! أن الله ظلم إبليس؟ لا أدري ما أراد بالتحديد.
على كل حال: ابن عباس يؤول هنا "أغويتني" بـ "أضللتني"! من نفس كتاب اللالكائي ج2، ص271. وابن عباس عندهم: حبر الأمة وترجمان القرآن! (طبعاً: أنا لا أُلزم نفسي بأن ابن عباس قال هذا ولكن هذا ما يروونه.)
فدعونا نتساءل: هل يجب أن نقول لأهل البعثرة إن الله أضلَّ إبليس؟ إن الله وسوس لإبليس؟ هل يجب أن نقول بهذا حتى يرضَوا عنا؟!
لكن دعونا من الثوري وأخباره ولننظر في كتاب الله. لنتمم الآية –وعادة أهل البعثرة بعثرةُ القرآن–:
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ <15_39> – فأول ما نراه أن إبليس يقول بأنه هو الذي يزّين وهو الذي يُغوي، وهذا يخالف مذهب أهل الجبر، الذين يرَون أن الله هو الذي يخلق الأفعال في الناس.
ولمزيد من الإيضاح نقرأ من نفس المقطع من سورة الحجر بعض الآيات، وليتصبّر أهل الحديث على استماعها:
فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ <15_30>
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ <15_31> إبليس هو الذي رفض!
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ <15_32> واسمع الآن جواب إبليس:
قَالَ لَمْ أَكُن لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ <15_33>
- فلماذا لم يقل إبليس هنا: "أنت يا رب أضللتني ومنعتني من السجود!" ؟! ماذا تراه يقول سفيان – وإخوانه مبعثرو القرآن؟
ولدينا أيضاً في سورة ص:
(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ <38_73> إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ
<38_74> قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ
الْعَالِينَ <38_75> قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ <38_76>
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ <38_77>)
نتابع:
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ <15_34>
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ <15_35>
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ <15_36>
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ <15_37>
إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ <15_38> وبعدها تأتي الآية التي استشهد سفيان بها – أو بجزء منها:
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ <15_39>
فالكلام عن طرد إبليس وعقابه الأبدي في جهنم. فمن أين جاؤوا بتأويلهم العجيب؟ فالأقرب أن تكون الغواية هنا –إن قبلنا الاستشهاد بقول إبليس كما فعل الثوري– الإزالة أو الإهلاك. وقد نقل الطبري وابن كثير مثل هذا. وهما، كما تعرف، ليسا من المعتزلة أو الشيعة.
ويقول الله: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا <19_59>
إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا <19_60>
فهل المقصود هنا بالغي: الوسوسة والإغراء بارتكاب المعاصي؟!
ولننتقل إلى آية أخرى استشهد بها الثوري فيها أيضاً جذر "غوي":
3.14.9.5. استشهاده 2 بـ {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
(وَقَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: ٣٤])
ما وجه استشهاد الثوري هنا؟ –
لنقرأ السياق:
{قَالُوا [* الكفرة] يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا [* أي العذاب الذي أنذرهم به في الآية 25 و26] إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ <11_32>
قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ [* أي العذاب!] اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ <11_33> وَلَا يَنْفَعُكُمْ [الآية المُورَدة]
وبعدها بقليل:
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُغْرَقُونَ <11_37>}
فهؤلاء الكفرة المعاندون المستهزئون هم ظلموا أنفسهم، ولا ينفعهم النصح إذا أراد الله إغواءهم – أي هلاكهم!
وهذا ما قاله الطبري:
({وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي} يقول : ولا ينفعكم تحذيري عقوبَته ونزولَ سطوته بكم على كفركم به ،{ إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ} في تحذيري إياكم ذلك لأن نصحي لا ينفعكم لأنكم لا تقبلونه. {إِنْ كَان اللّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُم} ، يقول : إن كان الله يريد أن يهلككم بعذابه . {هُوَ رَبّكُمْ وَإلَيْهِ تُرْجَعونَ} يقول : وإليه تردّون بعد الهلاك.
حُكي عن طيّىء أنها تقول : أصبح فلان غاويا : أي مريضا . وحُكي عن غيرهم سماعا منهم : أغويتَ فلاناً ، بمعنى أهلكتَه ، وغَوِي الفصيلُ [* أي ولد الناقة]: إذا فَقَدَ اللبنَ فمات . وذكر أن قول الله : {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّا} [سورة مريم: ٥٩] أي هلاكا .)
ولكن حتى لو تنزّلنا وقبلنا بالمعنى الذي يهوَونه للإغواء. فنحن في الآيات أمام أناس كفرة استحقوا العذاب على ما سبق من أعمالهم. فليس الأمر أن الله –عزّ وجلّ– يختار بشكل عشوائي أناساً للإغواء. بل الأمر كما قال:
- وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ <45_22>
- كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ <74_38>
والآيات في ذلك كثيرة، ولكنها قليلة لدى الذين غطَّوا القرآن بالمبعثرات أو بعثروا القرآن.
وأمر يجب الانتباه إليه، قدرة الله على فعل الشيء لا تعني أنه يفعل هذا الشيء. فالله قادر أن يجعل المسلمين المؤمنين الصالحين كلهم في جهنم وقادر أن يجعل الكفار الفجرة الفسقة كلهم في الجنة، ولو أراد أن يفعل تعالى ذلك، لقدر أن يفعل. لا شك في ذلك. ولكنه أخبرنا في كتابه أنه لا يظلم أحداً.
3.14.9.6. استشهاده 3 بقول أهل النار {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ}
(وَقَالَ أَهْلُ النَّارِ: {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} [المؤمنون: ١٠٦].)
قد رأينا استشهاد الثوري بإبليس والآن يستشهد بأهل النار. فغايته هي أن يجعل الفرقة المخالفة له، التي يسمونها القَدَرية وهم مؤمنون بالقرآن – غايته أن يجعلها مثل إبليس ومثل أهل النار، بل أسوأَ منهم!
أهو الفجور في الخصومة فحَسب أم تعمّد لتشويه الدين؟
نعود للآية. أوّلَ ما قرأتها لم أفهم مقصد الثوري بها، ما هدفه من إيرادها؟
فليس فيها شيء مِنْ هواه الجبري. فالمجرمون يعترفون بشِقْوتهم البالغة: {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} ويعترفون بضلالهم {وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} وفي الحالتين هما ينسبان ذلك لأنفسهم وليس لله. فليست هنا الحال كما في قول إبليس في الآية التي رأينا: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي}.
فحِرْتُ في استشهاد الثوري هذا. ولم أفهم غايته حتى نظرت في بعض التفاسير فوجدتهم يضيفون بعد كلمة "شِقوتنا": (التي كتبتَ علينا) – تجد هذا لدى الطبري وتفسير ابن أبي زمنين وغيرهما. أي أنهم نسبوا ذنبهم لله الذي "_كتبه_" عليهم. وبهذا التأويل يتبرّأ أهل النار ويصير الله ظالماً. فلا أدري ما الذي حببهم بهذا التأويل.
نردّ: لماذا لم يقل أهل النار: غلبت علينا شقوتنا وإضلالُك لنا؟ لماذا يقولون: كُنّا قوماً ضالين!
ولنجمع الآيات الآن التي يحب بعثرتها المبعثرون: ولا بأس أن نبدأ بالآية 99:
{
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ <23_99>
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا [*هو يعترف بأنه أذنب ويقول بأنه لو عاد لعمل الصالحات!]
فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ <23_100>
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ <23_101>
فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ [*فليس الأمر مزاجياً اعتباطياً!] فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ <23_102>
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [*هؤلاء هم الأشقياء!] <23_103>
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ <23_104>
أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ [*هم الذين كفروا بما جاءهم من الآيات!] <23_105>
[*الآن الآية التي أرادها الثوري دليلاً على "عقيدته":]
قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ <23_106>
[*هذا ما أدرجه الثوري ويأتي بعدها رأساً:]
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا [* فهم يعترفون بانحرافهم!] فَإِنَّا ظَالِمُونَ
[*توجد صلة بالآية 99: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ] <23_107>
[*ولنتابع أكثر، ليتبين لك انحراف سفيان الثوري أكثر:]
قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ <23_108>
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ <23_109>
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ <23_110>
[*أيضاً أهل الجنة لم يدخلوا الجنة بالصدفة] إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ <23_111>
}
فهم مذنبون معترفون بذنبهم ويزعمون أنهم لو عادوا لتركوا تلك الذنوب وعملوا الصالحات! ولم يقولوا: يا رب غيّر الشِقوة التي كتبتها علينا واكتب علينا النجاة والجنة فنعود للدنيا فيكون عملنا عمل أهل الجنة الذي كتبته علينا! ليس من هذا شيء!
ولننظر الآن في كلمة "الشقاء" ونحن بصحبة كتاب الله وهو يبيّن لنا:
- {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى <20_123> وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى <20_124>}
ستشقى إن كنت لا تتبع هدى الله أو تُعرِض عن ذكره. أعمالك أنت التي تجعلك شقياً! - { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى <87_9> سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى <87_10> وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى <87_11>}
[*من يختار تجنب ذكر الله سيكون من الأشقياء!] - {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى <92_15> الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى <92_16>}
مرة أخرى: إذا أعرضت وكذّبت فإنك من الأشقياء. وإذا كذبت هذه الآيات الواضحات واتبعت أهل الجبرية فإنك من الأشقياء، إنك اخترت أن تكون من الأشقياء!
ونذكر للتثبيت أيضا، ما جاء هنا على لسان أهل النار، بعد أن سألهم أهل النار:
مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ <74_42> قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ <74_43> وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ
الْمِسْكِينَ <74_44> وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ <74_45> وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
<74_46> حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ <74_47>
فإنّك لتعجبُ من حالهم كيف سوّلت لهم أنفسهم مثل هذا التأويل السخيف السقيم لآيات الله البيّنات. كيف؟ أبلغ حبُهم الضلالَ –في الجبرية– هذا المبلغ؟
3.14.9.7. استشهاده 4 بـ {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}
(وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: ٣٢].)
والاستشهاد بهذه الآية أيضا من غرائب الثوري وأقرانه، فهي عن الملائكة وعن علمهم، فما مناسبتها هنا؟
فدعونا ننتقل للآية التالية.
3.14.9.8. استشهاده 5 بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}
(وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: ٤٣] .)
ما الذي يريده سفيان وأصحابه بهذه الآية؟ [واعلم أنه لم ينفرد سفيان بإيراد مجموعة الآيات لتثبيت هواه الجبري]؟ هل أراد القول إن الله يُؤتي هداه بشكل عشوائي؟ فيمنحه فلاناً ويمنعه عن فلان – حسب "المزاج"؟ يرى مثلاً المجرم الكافر فيحبّ له الهداية فيصيّره مهتدياً؟ ويرى الصالح المسلم فيحبّ له الضلال فيصيّره ضالاً؟
لا أدري ما يريد، لكن أذكر بقوله: "إن الرجل ليعبدُ الأصنامَ وهو حبيب الله"!
لنقرأ كتاب الله، لنقرأ الآية ذاتها التي لم يشأ أمير المؤمنين في الحديث أن يُتمَّها:
{..وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [*والآن ما تركه من الآية:] لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <7_43> } بأعمالهم، بما عملوه هم ، نالوا الهداية من الله ونالوا الجنة! فأين ما يبغيه المُجْبِرة؟
وبعدها مباشرة:
وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا
فَهَلْ وَجَدتُّم مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ <7_44>
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ <7_45>
فكل الأفعال منسوبة لهم، وليس لله.
قد يعترض أحدهم متسائلاً: فما معنى أن الله يهدي؟ هل تُنكر ذلك؟
3.14.9.8.1. نحن بحاجة للهداية المستمرة المتجددة
بداية، الهداية يمكننا أن نأخذها بمعنى الدليل، فتقول فلاناً هداني إلى الطريق الصحيح، أي دلّك عليه.
ويمكننا أيضاً أن نأخذ الهداية على أنه الهديّة كما يُقال اليوم. بل كما جاءت في القرآن:
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ <27_35>
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ <27_36>
فهداية الله هي أي نعمة من أنعامه تيسّر لنا السير على الصراط المستقيم.
ومنه نفهم أن الهداية ليست شيئاً تحصله عليه مرّة، فتستغني به عن نِعَم الله وأفضاله.
ولذلك فنحن وحتى خاتمُ النبيين كان يسأل الله الهداية بشكل مستمر {اِهدِنا الصراطَ المستقيمَ} – جاءت في الفاتحة.
فهل الذي يقولها ضالّ مثلاً ويسأل الله لذلك الهداية؟ بالطبع لا.
فنحن بحاجة لهداية الله في كل خطوة نخطوها، في كل أعمالنا وأفكارنا وحتى في خواطرنا ومشاعرنا.
وانظر مثلاً في هذه الآية المعبِّرة:
وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا <17_74>
فمحمد، خاتم النبيين، لم يكن مستغنياً عن تثبيت الله وهدايته.
وانظر إلى هذه الآية:
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا <4_83>
فهل يعني هذا أننا معدومو الإرادة؟ أو أن الله يهدي فلاناً ويثبت قلبه هكذا على المزاج؟
لا، بالطبع لا. الله هو العليم البصير يرى كل ما بذلتَه – أنت وما تبذله – أنت ويعلم طاقتك – أنت، فيشاء لك من هَداه وفضله ما تستحق. فإذا كنت تسعى سعيك إلى الله مستعيناً به فلن تضلّ.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ <4_40>)
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ <3_195>)
(وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ <42_26>)
وهناك آيات كثيرة لا تُحصى تُبين لك مبدأ الجزاء الدُنيوي. نَعَم ما أعنيه هنا ليس جزاءَ الآخرة، بل الجزاء الدنيوي: وهو جزاء مستمر متجدد متبدل. فإن كنتَ تسعى لله لن تكون حالك كمن يُعرِض عنه.
(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ <2_152>)
3.14.9.9. استشهاده 6 بـ {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}
3.14.9.9.1. ننظر في السياق القرآني. وقد جاءت العبارة مرتين:
- في سورة الإنسان سبقتها مباشرة: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [*المشيئة منسوبة للإنسان وكذلك العمل: "اتّخذَ"] <76_29> وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا <76_30>
- وفي سورة التكوير قبلها مباشرة: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ <81_27> لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ [*وهنا أيضاً المشيئة والعل منسوبان للإنسان] <81_28> وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ <81_29>
فلماذا أغفل الثوري هذا السياق المهم؟ - وأمر آخر: الآيتان هما في مشيئة الخير: الأولى في اتخاذ سبيل الله والثانية في الاستقامة. ولكن خلاف أهل البعثرة مع الفرق الأخرى كان في الشرور والمعاصي، ونستعيد ما بدأ به الثوري عظته: "يَا شُعَيْبُ بْنَ حَرْبٍ لَا يَنْفَعُكَ الَّذِي كَتَبْتَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوُهِ وَمُرِّهِ ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ."
فحتى لو فسّرها المجبِّرون على هواهم، فليس لهم بها متعلَّق.
فسياق الآية في الحالتين ليس فيه إنكار لمشيئة الإنسان ولا دعوة استسلامية، بل يحث الإنسان على السعي في سبيل الله. أعيد: على سعيه –هو، الإنسان– في سبيل الله.
3.14.9.9.2. وللاستئناس نذكر آيات أخرى في المشيئة.
- ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا <78_39> وهي أشبه بآية سورة الإنسان
- قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا <25_57>
- كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ <80_11> فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ <80_12>
- نَذِيرًا لِلْبَشَرِ <74_36>
لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ <74_37>
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ <74_38> أين يهرب منها أهل الجَبْر؟
3.14.9.9.3. كيف فهم الثوري وأتباعه الآية؟ هل إرادة الله مطابقة لإرادة الإنسان؟
وأُخرى: لنفرض أن سفيان الثوري وأتباعه نسوا سياق الآية. كيف فهموا الآية؟
هل على أن إرادة الإنسان مطابقة لإرادة الله؟ أي أنها قالت (وما تشاؤون إلا ما شاء الله)، بدلاً من "إلا أن يشاء الله"؟ هل هذا ما أرادوا أن يفهموه منها؟
أي أنك إذا أردت القيام بأية جريمة فإن الله هو الذي يريد هذا منك؟
فنذكرهم بآيات أخرى:
- تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ <8_67>
فهنا الإرادتان مختلفتان، وهذا في آية واحدة، قصيرة. - وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا <4_27>
- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ <4_44>
ولدينا: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ <4_26>
- يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ <9_32>
فهل يريد إلههم إطفاء نوره وفي نفس الوقت إتمام نوره؟!
3.14.9.9.4. شيء عن الإرادة
فإرادة الله لا تطابق إرادة البشر. لكن هل يعني هذا أن إرادة الإنسان مستقلة عن الله؟
بالطبع لا، هي متعلقة به. وهناك آيات كثيرة في ذلك.
ولكن الله ييسّر لك البِر إن رآك تسعى إليه. ولذلك نقرأ مثلاً:
(وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ <49_7> الحجرات)
البعض أشكلت عليهم الآية، إذ قالوا: ما فضل المؤمنين إن كان الله قد حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر؟ لماذا لم يفعل الله هذا أيضاً مع الكافرين؟
والحقيقة أنه لا إشكال في الآية. فعدل الله يقتضي أن لا يكون إنعامه على الناس متساوياً. أجل هذا هو العدل. فهدى الله لموسى لم يكن كهداه لفرعون. وهذا عدل. إذ رآك الله تُقبل إليه فلن يعاملك كمن يُعرِض عنه. ولا ننسَ أن آية الحجرات عن أتباع محمد الذين آمنوا برسالته وعانَوا وجاهدوا معه. فهل من العدل أن يتركهم الله كالكافرين المحاربين لمحمد؟!
فالآية ليست تقول: بأن الله حبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر، هكذا من لا شيء، وعلى المزاج، بل كان هذا جزاء دنيوياً لسعيهم.
وقضية الإيمان تشبه الهداية، فالمهتدي بحاجة للهداية المتجددة، وكذلك المؤمن بحاجة للإيمان المتجدد. فكونك اليوم مؤمناً مهتدياً لا يعني أنك على هذا باقٍ بعد سنة أو شهر أو يوم.
وهكذا فإنّ تحبيب الطاعات وتكريه المعاصي ليس شيئاً مُطلقاً. بل يحتاج للتجدد وهو يتجدد بسعيهم على الصراط المستقيم لله.
- إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا <76_29>
- لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ <81_28>
فالله يُنعم عليك بأن تشاء الاستقامة أو تزداد رغبتك بها وعزيمتك على تحمل أعبائها – فهل أنت ملبٍّ لهذه المشيئة؟
ثم اعلم أنه كثيراً ما تكون فيك مشيئاتٌ متعددة ومتضاربة – فيأتي عملُك تلبيةً لأحسنها وقد يأتي تلبية لأسوئها!
فحتى لو فرضنا أن الله هو يخلق فيك المشيئة للخير، فهذا لا يُسقط عنك قرار العمل في سبيل تلك المشيئة، مشيئة الخير.
فرغبتك للخير تزداد وتنقص – الله يراك ويرى سعيك فيستجيب بفائق رحمته وقدرته وعلمه.
إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا <76_29>
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [*لاحظ ما يأتي الآن] إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا <76_30>
فالله يعلم ما تستحق وبأي قدر، فييسر لك الصالحات حتى يحقق العدل.
فالمُعرِض عن الله لن ينال من هذه النعم ما يناله الذي يتقرّب إلى الله. وكذلك فقد تكون ظروفك أصعبَ من ظروف شخص آخر هو بنفس صلاحك، فيُنعم الله عليك أكثر: بزيادة إيمانك وعزيمتك (أي رغبتك) على الجهاد لإنجاز الأعمال الصالحة.
وانظر أيضاً في:
(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى <92_5> وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى <92_6> فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى <92_7>)
ثم:
(وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى <92_8> وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى <92_9> فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى <92_10>)
فعندما يراك الله تسعى إليه فإنه يستجيب إليك بفائق علمه وقدرته. إنه سييسر لك سعيك إليه. كيف يفعل الله هذا؟ هذا أمر يعود إليه وهو العليم البصير القدير. ومسائل المشيئة معقدة وغامضة وقد اختلف الناس حولها منذ القدم، ولم يَقُلَّ اختلافهم اليوم.
3.14.9.10. استشهاده 7 بـ {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}
(وَقَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: ٨٩])
نقرأ السياق:
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ <7_88>
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم [*فهذا ذنب منهم] بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ <7_89>
ننظر في الجزء الذي أغفله الثوري (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم)؛ فالافتراء على الله منسوب لشعيب والذين آمنوا معه – إن عادوا في ملة الكافرين، ولم يقُل: قد افترى الله كذبا على نفسه إن عدنا في ملتكم!!
ثم يقول (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا) ولكن انتبه لما جاء بعدها رأساً: (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).
فهنا أيضاً العِلم مع المشيئة، كما رأينا في مناقشتنا للآية في الفقرة السابقة.
فالله إذا علم، وهو يعلم كل شيء، يعلم الظاهر والباطن، – إذا علم منهم انحرافاً عن طريقه بعد أن نجّاهم، فإنه قد يتركهم يضلون، فيعودوا بذلك إلى ملة الكافرين!
ثم يقول: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا) فهذا دعاء وتأدّب مع الله، هو يستعين به لكي يستمر على صراطه المستقيم. ولا إشكال في ذلك.
ولنذكر بعض الآيات في ربط مشيئة الله بعلمه:
- وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا <76_30> الآية التي ذكرناها في الفقرة السابقة.
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ <28_56> [ولدينا في الهداية والضلال أيضاً: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ <6_117>)]
فقد يسعى محمدٌ وسائر الأنبياء مع شخص ما أنْ يهدوه فيفشلوا بذلك. فليس في قدرتهم أن يهدوه. وليس لهم علم الله،
فقد يكون الشخص الذي يسعون لهدايته غيرَ أهلٍ لها. والأنبياء لا يعرفون خبايا النفوس. هذا من علم الله وهو يعلم ظروفهم ومدى سعيهم من أجله.
وكثيراً ما تتحدث مع شخص في أبسط الأمور في الدين فتجد عنده من العناد ما يحيّرك، وقد تبدأ بالشك في عقله، ولكنك تجده عاقلاً إذا حدثته في أمور أخرى.
فهذه هي الحال: الله هو الحكيم العليم، لا يهدي الجميع، بل من يستحق الهداية. وهم يعلم عن أقرب الناس إليك ما تجهله أنت عنهم.
- رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا <17_54>
- مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ <2_261>
فالله يزيدك من نعمه إذا رآك تُنفك من أجله، لكن كيف: هذا يعود لعلمه بك وبكل شيء حولك. - إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ <12_100>
- وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ <9_28>
- قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ <3_73>
- ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ <5_54>
- وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ <9_15>
- وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ <24_21>
3.14.9.10.1. لماذا يسيئون الظن بالله ويحسنونه بالبشر؟
وأمر آخر: كثيراً ما يُخطئ الناس فهمه بصورة عجيبة. أقول "عجيبة" لأنهم يسيئون الظن بالله ويحسنونه بالبشر.
كيف؟
أقصد آيات مشيئة الله. فإذا قرؤوا الآيات في أن الله يفعل شيئاً كما يشاء، وجدتهم يؤولونها على أنها هكذا على المزاج. ولكن لو قال مثل ذلك إنسان رصين لأوّلوها هكذا:
"هو يبين لك قدرته في فعل الشيء"
أو هكذا "إنه لا يخضع لإرادة فلان في ذلك" أو "إن له حكمةً ما في فعله".
أما مع الله فتجدهم يأخذون منحى الجبرية!
مع أن الأمر ظاهر وبيّن. فلا شك في أن الله قادر على أن يفعل ما يشاء. ولكن هل يعني هذا أن الله يتصرف "على المزاج"؟ "على القُرعَة" مثلاً؟
فالله قادر أن يُدخل كل المؤمنين جهنّم! وهو قادر أن يُدخِل كل الكافرين الجنة! إن أراد ذلك فهو قادر على فعله.
ولكن يُعقَل أن يفعل؟
وانظر في هذه الآية التي تبين ذلك:
قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ <5_17>
[فهل يجوِّز المجبّرة أن يُقال: إن المسيح ومريم قد يضعهما الله في جهنّم؟]
فالقضية هي أن الله يبيّن هنا قدرته على فعل هذا. وهذا أيضاً يتكرر: ربط المشيئة بالقدرة. وقد رأينا آياتٍ أمثلةً عن ربط المشيئة بالعِلم.
فَلَنْ يَنتج ما يهواه المُجَبِّرة، حتى لو أهملنا مسألة العِلم والسياق في الآية التي استشهد بها الثوري. تعليق أي شيء بمشيئة الله لا يعني أن الله يشاءُه.
3.14.9.11. استشهاده 8 بـ {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ}
(وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ} [الأعراف: ١٥٥].)
قبل أن ننظر في السياق وفي المقصود بالكلمات، نتذكر ما شرحناه:
قدرة الله على فعل ما يشاء لا يعني أنه يفعل ذلك. فلن يُضلّ الصالحين ويهدي المجرمين، مع أنه قادر على ذلك لو شاء.
والآن: السياق، واعلم أن للمفسرين أقوالاً كثيرة في الآية:
(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِن قَبْلُ وَإِيَّايَ
أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ
أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ <7_155>
[*والآن تتمة دعاء موسى، ولم يورده سفيان:]
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ
إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ
[*وهنا ردّ الله:]
قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ <7_156>)
فكما ترى في الجملة الأخيرة (_فَسَأَكْتُبُهَا_ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ..) وليس للذين يتجبّرون ويظلمون – الأمر ليس عشوائياً، "على المزاج". نِعَم الله، هداه، رحمته في الدنيا أو الآخرة ليست عشوائية. بل هي متعلقة بصلاح العبد. والله هو العليم بأمر عباده وظروفهم. يعرف مَن مِنهم أهل للهدى ولأي نوع من الهدى في أي لحظة في حياته. وهو الذي يرى من يتقبل هداه ومن يرفضه.
فسياق الآية يدحض أيضاً هوى المجبّرة. ولكن لنتعمّق أكثر.
ما المقصود بالفتنة وما المقصود بالإضلال؟ هل يرضى سفيان الثوري بقول ابن عباس؟:
ففي تفسير الطبري نجد: ( عن ابن عباس: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلّ بِهَا مَن تَشَاءُ}، إن هو إلا عذابك تصيبُ به من تشاء، وتصرفه عمن تشاء.) فابن عباس، وفقا لما نقله الطبري، لا يقول بأن المعنى هو الإضلال أو الإبعاد عن الصراط المستقيم، بل عن العذاب.
وفي تفسير الطبرسي ما يشبه هذا:
({ تُضِلّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ} أي : تصيب بهذه الرجفة من تشاء [*والرجفة ذُكِرت في نفس الآية]، وتصرفها عمن تشاء ، عن ابن عباس . وتقديره : تهلك بها من تشاء، وتنجي من تشاء.)
وفخر الدين الرازي ينقل قول المعتزلة (وهو بالطبع ليس منهم):
(لا تَعَلُّقَ لِلْجَبْرِيَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ؛ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ مِن عِبادِكَ عَنِ الدِّينِ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: {تُضِلُّ بِها} أيْ بِالرَّجْفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّجْفَةَ لا يُضِلُّ اللَّهُ بِها، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّأْوِيلِ. فَأمّا قَوْلُهُ: {إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ} فالمَعْنى: امْتِحانُكَ وشِدَّةُ تَعَبُّدِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ الرَّجْفَةَ كَلَّفَهم بِالصَّبْرِ عَلَيْها.)
[بالطبع قد يعجب البعض من أني أنقل عن هذه الفرقة أو تلك. ولكن: فيمَ العجب؟ هل يجب الاقتصار على فرقة واحدة؟ البحث لدى الطوائف المختلفة مفيد. والبحث فيها لا يعني الالتزام بما تقوله.]
ونعيد: أياً ما كان المعنى في قول موسى، الذي حكاه القرآن [وقد ذكرنا اختلاف المفسرين فيه]، فهو يخالف مذهب المجبّرة.
3.14.9.12. استشهاده 9 بـ {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: ٢٣]. س25
هذه نهاية طريقنا مع استشهادات الثوري بالقرآن، وسنُطيل هنا قليلاً. يقول:
(قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {_أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ_ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: ٢٣].)
3.14.9.12.1. الرد الموجز
ليس هذا مكان التفصيل في مسائل الإضلال. ولكننا سنلتفت لبعض القضايا المتعلقة فيه.
ولنبدأ بالسؤال: ما الذي أراده الثوري بهذه الآية؟ هل أراد أن الله يهدي هذا ويُضل ذاك، عشوائياً؟
هل أراد أن يحتج لقوله: "إنّ الرجلَ ليعبدُ الأصنامَ وهو حبيبُ الله"!
إذ يحب الله أحد عبدَة الأصنام، فيصيّره مؤمناً مسلماً من أصلح الصالحين، هكذا، على المزاج؟
لا أدري إن كان هذا مراد الثوري أو الذي نقل عنه أو …
ولكن لنعد للآية: إنها تبدأ بـ {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}. فالعاصي هو الذي جعل هواه إلهاً، هو الذي عبد هواه. ولم يقل الله: إني جعلته يعبد أهواءه. فهذا يكفينا لدحض المجبّرة ومَن والاهم واقترن بهم.
ولننظر للتثبيت في الآية قبلَها مباشرة:
{وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ <45_22>} هل هناك ما هو أبين من ذلك؟
ولكن يبدو أن أهل البعثرات لا يقبلون إلا بأن يكون الله ظالماً يجزي الناس، بما لم يكسبوه بأنفسهم! (وقد رأيناهم يصفون الله بأنه مريد الشر القبيح وينشدون في ذلك الأشعار.)
هذا كان قبل الآية فلننظر في تاليتها أيضاً، لعلنا نجد شيئاً يسوِّغ أهواء الجبرية؟:
{_وَقَالُوا_ [* هم، وليس: اللهُ صيّرهم يقولون هذا!] مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ <45_24>
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [*فهم الذين يكذِّبون] <45_25>
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ <45_26>
[*ولنتابع أكثر، لعلنا نجد ما يحبون؟:]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ <45_27>
وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <45_28>}
يُجزَون على أعمالهم التي ارتكبوها!
ولكن ماذا تصنع مع هواة الجبرية؟ لن تنفع معهم كل الآيات.
لكننا نذكر مع من تنفع معه الذكرى، أيضاً هذا، في من يتبع هواه:
- (_وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى_ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ <38_26>)
الهوى هو الذي يُضلّه، الهوى يُضلّ من يتخذه إلهاً، كما هو حال الآية التي
نحن بصددها - (فَإِن لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ <28_50>)
الإنسان هو الذي يتبع هواه، فيصير من أضلّ الناس. والله يمنع عنه هداه.
فاتباعك للهوى يجعلك تضلّ. وهذا تكرر في آيات كثيرة. وفي الآية التي نحن بصددها لدينا التعبير الشديد: {اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}
فالإضلال، أياً كان فهمنا له، لا يأتي هكذا عشوائيا بل لذنب ارتكبه الإنسان.
كان هذا رداً موجزاً كافياً لنقض مذهب الجبرية. ولكن لنفصل في بعض القضايا:
3.14.9.12.2. بعض التفاصيل في الضلال والإضلال
لا يوجد اتفاق حول معنى الإضلال، وقد جاء الضلال في القرآن بمعان متعددة.
لكن لننظر في الإضلال أياً كان معناه، لأننا لا نريد هنا الاحتجاج بمعنى الإضلال –فَلْيُؤَوِّلْه المجبّرة كما يهوَون– بل بالسياق، ففيه يأتي الإضلال دائماً جزاءً لذنب ارتكبه الناس. وهذا يكفينا.
ننظر في هذه الآيات بعجالة:
- مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ <2_26>
هذه أولى الآيات التي نسبت الإضلال لله. وحالها كما ترى واضح: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ.
ونلتفت أيضاً إلى شيء مهم آخر: هنا أداة الإضلال –إن جاز التعبير– هي المثَل. فهل هذا ما يتبادر للذهن عندما نقول أضلّ فلانٌ عِلّاناً؟ هل المثَلَ هو كوسوسة الشيطان؟ فقد يكون من المهم أن تعرف أمرين في الإضلال: عمّاذا كان الإضلال، وبماذا. - فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا [*بما كسبوا هم!] أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا <4_88>
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ <14_27>
ولا أدري إن كان المجبّرة وجدوا في قرآنهم:
(ويضلّ اللهُ الصالحين المؤمنين المسلمين
ويثبّت الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة الظالمين المجرمين الكافرين).
نعود للآية، بعدها نجد:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا [*هم الذين بدّلوا] وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ <14_28>
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ <14_29>
وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ <14_30>)
وقبلها بعدة آيات:
(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ
وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِن سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [*هم استجابوا للشيطان]
فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ
إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ <14_22>)
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ <16_36>
فالضلالة –أياً كان تأويلنا لها هنا– حقّت عليهم بتكذيبهم، والكلام عن المشركين، فقبل الآية:
(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [*هم أشركوا]
لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا دُونِهِ مِن شَيْءٍ
[*أليس هذا قول المجبِّرة؟!]
كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ <16_35>)
وقبلها نقرأ:
(فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا [*أعمالهم هم!] وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ <16_34>) كلها أعمالهم!
قل لي: ماذا يبقى للمُجَبّرة؟
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <16_93>
وفيمَ السؤال عمّا عملوه، إن كان الله هو الذي يصيّرهم عاملين له؟
ولمزيد من الإيضاح، بعدها:
(وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا
وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [* هم أصحاب عمل الصد عن سبيل الله]
وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ <16_94>)
وقبلها:
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ
[*إذا كان هو الفاعل الحقيقي للأفعال، فكيف يكون البلاء؟]
وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ <16_92>)
- بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِن نَاصِرِينَ <30_29>
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [*يصنعون هم؛ والله يعلمه] <35_8>
وبعدها: الَّذِينَ كَفَرُوا [*هم] لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا [*هم!] الصَّالِحَاتِ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ <35_7>
وهنا أمر يتكرر وهو مواساة الله لأنبيائه لِما يعانونه من المكذّبين.
فالنبي يبلّغ أقاربه وقومه رسالة الله، ويعظهم ويدعوهم لدين الله، فإذا كان لا يجد التجاوب فإنه يحزن ويتألم. ولكن هذه هي الحال: الله لا يهدي أقارب النبي وقومه، بل الذين يستحقون ذلك.
والله يرى ما لا يراه الأنبياء ويعلم ما لا يعلمونه، وهو العليم الخبير.
- وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ <40_34>
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ <40_73> مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَمْ نَكُن نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ <40_74>
[ونعيد سؤال المجبّرة: هل يقرؤون عندهم (كذلك يُضلّ الله المسلمين)؟]
وقبلها:
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ <40_70>
إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ <40_71>
وبعدها:
ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ <40_75>
وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ <42_44>
فالظالمون معترفون بذنبهم، ويريدون العودة ليغيروا أعمالهم. فلماذا يغيّرونها إن كانوا هم أصلاً ليسوا فاعليها الحقيقيين بل الله؟!
وقبل الآية:
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ <42_42>
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ <42_43>
وبعدها:
وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ <42_45>
لكن ثمّةَ قومُ يريدون جعل الله هو الظالم.
ذكرت هنا عشرة مواضع نُسِب فيها الإضلال لله وهي كلها تدحض مذهب المجبّرة. ولو عدت إليها كلّها فإنك ستجد دائماً، في السياق القريب للآية، ما يخالف مذهب المجبرة. (بلغت نحو ثلاثين آية.)
وهذا أمر وجدته لافتا.
فلو فرضنا مثلاً أن نصف تلك الآيات غامض، يحتمل المعنى الجبري، فإنّا كنّا سنأتي بالآيات الواضحات في ذلك لبيان فساد مذهب المجبّرة، والقرآن يفسّر بعضه بعضاً.
ولكن الله شاء أن تكون كلُ الآيات واضحةً في هذا. وله الحمد.
ما ذكرناه في الإضلال يشبه ما جاء في منع الهداية. وهذا طبيعي: فالله، كما أسلفنا، لا يمنح نعمَه بالتساوي لكل الناس. وهذا عدل!
فلنفترض أن هناك شخصاً باراً وآخر شريراً، وقعا في نفس الاختبار، ولنقلْ أنهما تعرضا لرشوة، ولنفترض أن كليهما فقير ومحتاج. فالله لن يترك البار كالشرير، سيمنحه ما يقوّيه في الاختبار لكي يتجاوزه. كيف؟ ماذا سيمنحه؟ هناك أمور كثيرة يمكن أن يصنعها الله، ما نتخيله وما لا نتخيله. فهذا من شأن الله.
قد يكفي المؤمن أن تخطر بباله آية قرآنية، تلمع في ذهنه فتذكّره بالصراط المستقيم. أو قَد يأتيه صاحبٌ في لحظة الضعف فيقول له ما يرشده. أو قَدْ يزيد الله من إيمانه بحيث تصغر في عينه الدنيا، إلخ.
أياً ما كان سيمنحه الله للبار في الاختبار، هل سيمنحه أيضاً للشخص الشرير الذي اعتاد الشر وأعرض عن الله؟! بالطبع لا.
وأصلاً هل سيتأثر الشرير لو خطرت بباله آية قرآنية؟!
طبعاً هذه أمور غيبية ولكن ما يجب أن نفهمه، أن العدل ليس في تساوي الهداية في كل الظروف، بل بمراعاة الظروف وسعي الأشخاص، وهذا يؤدي إلى اختلاف الهداية منه سبحانه وتعالى. وهو العليم الخبير القدير.
فلننظر في هذه المجموعة من الآيات عن منع الهداية:
- وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
- لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
- وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
- اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ <39_3>
- اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ <40_28>
ولا بأس أن نكرر السؤال للمجبِّرة: هل وجدوا عندهم في قرآنهم:
- "الله لا يهدي القوم المسلمين"؟
- "الله لا يهدي القوم المؤمنين"؟
- "الله لا يهدي من هو صادق تقي"؟
- "الله لا يهدي من هو صابر شكور"؟
أو هل وجدوا أن الله –تعالى– يرمي النرد فيقرّر وفقاً للنتيجة، الهداية والضلال لفلان؟
تحدثنا عن الإضلال ومنع الهداية، وهنا سنتحدث عن تخصيص للهداية. وكلها، كما تعلم، أمور متقاربة.
فالهداية أو النعم الأخرى التي تحتاج إليها لبلوغ الجنة لن تحصل عليها إلا إذا كنت تستحقها. ولنتأمل هذه الآيات في كتاب الله:
- ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ <2_2>
[*وليس للمجرمين المستكبرين! وسنجد التقوى تتكرر مع الهدى]
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ <2_3>
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ <2_4>
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ <2_5> - قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ <2_97>
والبشرى مثل الهُدى من نعم الله التي تيسّر لنا الصراط المستقيم. فلا يحسُن الفصل بينها وبين الهدى. - وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ <3_101>
- قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ <3_137>
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ <3_138> - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا <4_175>
{_آمَنُوا_ بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ} وليس المكذبين الكافرين الجاحدين.
والرحمة أيضاً كالهدى من نعم الله لتيسير سبيله. - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ <5_16>
- وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ <5_46>
أيضاً النور والموعظة متصلة بنعمة الهداية. - وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ <7_52>
مرة أخرى الرحمة مع الهدى. كلاهما من هِبات الله. وليست عشوائية.
وكذلك هنا: - وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ <7_154>
- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ <10_9>
- يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ <10_57>
وهنا الهدى مرتبط بالموعظة والشفاء والرحمة. كلها من نِعم الله، وتساعدنا لمتابعة السير على طريقه أو للتقرب منه. - لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ <12_111>
- وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ <16_64>
- وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ <16_89>
للذين أسلموا لله، وليس للكاهن فُلان أو الملك فُلان أو الفيلسوف فلان…! - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ <16_102>
- نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى <18_13>
هم أصحاب الكهف المؤمنون فزادهم الله هدى. والهدى كسائر النعم يزداد وينقص، ويختلف باختلاف الظروف،
والله هو العليم بحال عباده. - وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا <19_76>
مرة أخرى: زيادة الهدى. - وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ <22_54>
- تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ <27_1> هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ <27_2>
- وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُسْلِمُونَ <27_81>
فليس لمحمد ولا لأي نبي أن يهدي من يشاء، فهذا من شأن الله وهو أعلم بالمهتدين. وهذا تكرر في آيات عديدة. - وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ_ لِلْمُؤْمِنِينَ_ <27_77>
- وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ <29_69>
الذين "جاهدوا"، وليس الذين يقولون 99 مرة "سبحان" الله ونحو ذلك. - تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ <31_2> هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ <31_3>
وليس كل الناس ينتفعون بالقرآن. - هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ <40_54>
- وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى
وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ <41_44>
مرة أخرى: ليس القرآن لهداية الجميع، فليس كل الناس يستحقون الهداية! - هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ <45_20>
- وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ <47_17>
هنا مرة أخرى: زيادة الهدى وارتباط الهدى بالمتقين. - مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ <64_11>
وهنا تجد أيضاً ربط الهداية بعلم الله.
فهو العليم بخبايا النفوس، يعلم من يستحق هدايته وبأي قَدر وفي أي ظَرف.
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ <50_16>)
ولعلك تعجب من كثرة ما ذكرت من الآيات، ولكن نحتاج لتبيين البيّن ولإظهار الظاهر،
لأن ناساً هجروا القرآن وهجّروا غيرهم.
(ولكن لدينا آيات الهداية العامة: مثل:
{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى – <41_17>}
أو {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِن لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ <32_23>}
أو {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ <2_185>})
طبعاً هذا الاعتراض لن يأتي من المجبّرة لأن الآيات الثلاث السابقة هي ضدهم. ففيها أن قوم ثمود هم استحبوا العمى على الهدى، فهم صنعوا ذلك، وليس الله أجبرهم على ذلك.
وفي الثانية نجد "هدى لبني إسرائيل"، فهل يقول أحد بأن كل بني إسرائيل مهتدون؟
وفي الثالثة "هدى للناس" فهل يعني هذا أن كل الناس يهتدون بالقرآن؟ أيضاً هذا ما لم يقل به أحد.
فالاعتراض لن يأتي من المجبّرة.
ولننظر فيه أيا كان مذهب المعترض.
فالهداية كما ذكرنا درجات وأنواع مثل كل هبة من الرحمن.
ولا أدري لماذا هنا إشكال كبير حولها.
وكأن الهدى هو شيء محدد، تاجٌ مثلاً، يمنحه الله لأناس محددين، فيدخلون به الجنة، وغيرهم يدخل جهنم. هكذا والسلام.
فالهدى هو عطاء من الله، ليس شيئاً واحداً.
والعطاء أيضاً يجب أن تتقبله وتحسن العمل به، وإلا فإنه يصبح دون فائدة.
ولا أرى في الأمر تعقيداً.
ومن الناحية اللغوية: الهدى يمكن أن يتعدّى بمفعولين أو بمفعول وجارّ ومجرور:
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ <1_6> تعدى بمفعولين
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ <6_161> تعدى بمفعول وبإلى والاسم المجرور
وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُسْلِمُونَ <27_81> هنا بصيغة اسم الفاعل، والهداية عن شيء وليس إلى شيء.
وطبعاً ليس بالضرورة أن يأتي متعدياً، لكن عندها يجب أن يُفهَم المقصود من السياق.
وأمر آخر: وجود الهدى في كتاب ما أو في أي شيء لا يعني، أنك ستهتدي به، فعليك أن تتبع ذاك الهدى:
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى <20_123>)
(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [*فهذا بلغه الهدى، ولكنه لم يتبعه] نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا <4_115>)
(قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ <28_49>) هدى الكتاب لا ينفع إن كنت لا تتبعه، وهذا بديهي.
والأمر ليس فيه إشكال إلا لمن يحب التنطع واختراع الإشكالات:
فلو قلت لك عن كتاب ما: هذا الكتاب هو دليلك. هل ستفهم أنه يدلك لكل الطرق؟ لكل شيء؟ يعني هو دليلك لتعرف مثلاً: أفضل طبّاخ في الصين؟ أو أفضل معلم جغرافية في أستراليا؟.. هل ستفهم هذا؟!
ولو قلت لك عن شخص ما: هو كله عطاء. هل ستفهم مثلاً أنه يعطيك كل أنواع التفاح؟ أو كل أنواع المعادن؟
كما ترى، الأمر لا إشكال فيه.
ولكن ماذا نفعل – أحياناً تضطر للتعليق على كلام المتنطعين. الذين يتناسون أن كل شيء في الدنيا له مقادير وأصناف. ولا سيما هبات الله التي يمنحها بشكل متجدد وبمختلف الظروف ولمختلف مخلوقاته.
ولننظر في دليل آخر لنقض مذهب المجبّرة – أيضاً دون الاعتماد على مناقشة معنى الهداية والضلال:
- أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ <2_16>
- أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ <2_175>
فهم الذين اشتروا الضلال. هم أذنبوا في ذلك. وكذلك: - أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ <4_44>
ونذكر أيضاً:
- إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ <3_177>
- أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ <2_108>
فليست الحال أن الله يختار فلاناً فيجعله من الكافرين الضالين ويختار آخر فيجعله مؤمناً مهتدياً، هكذا على المزاج!
وأخيراً نورد:
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ [*هو الذي يتبع!] كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ <22_3>
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ [*هذا مصير من يتبع الشيطان ويتولّاه] فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ <22_4>
ولاحظ استخدام فعل "هدى"، ويُفهم على وجهين: تهكّماً، كأن تقول عن شخص: هو مهتدٍ، فيعلّق أحدهم: هو مهتدٍ نعم، لكن بالشيطان! والوجه الثاني: أن تأخذها حرفياً، فالشيطان يهديك إلى جهنم، أي يدلك إلى ذلك الطريق، إن اتبعته.
قد بيّنا أننا لا نحتاج إلى مناقشة معاني الضلال والإضلال لبيان فساد مذهب المجبّرة.
ولكن لا بأس من عرض بعض الأقوال في ذلك.
((ضَلَّ) الضَّادُ وَاللَّامُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ ضَيَاعُ الشَّيْءِ وَذَهَابُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ.
[*وهذا أقرب ما يمكن أن يُقال في كل وُرودات ضلل في القرآن]
يُقَالُ: ضَلَّ يَضِلُّ وَيَضَلُّ، لُغَتَانِ. وَكُلُّ جَائِرٍ عَنِ الْقَصْدِ ضَالٌّ. وَالضَّلَالُ وَالضَّلَالَةُ بِمَعْنًى.
وَرَجُلٌ ضِلِّيلٌ وَمُضَلَّلٌ، إِذَا كَانَ صَاحِبَ ضَلَالٍ وَبَاطِلٍ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الضَّلَالِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُمْ أُضِلَّ الْمَيِّتُ، إِذَا دُفِنَ.
[*ولاحظ لدينا في القرآن: (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ <32_10>)
وفي تفسير الطبري: (وقال المشركون بالله، المُكذّبون بالبعث: {أئِذَا ضَلَلْنا في الأرْض} أي: صارت لحومنا وعظامنا تراباً في الأرض. [*…] أي: إذا هلكت أجسادنا في الأرض؛ لأن كلّ شيء غلب عليه غيره حتى خفي فيما غلب، فإنه قد ضلّ فيه، تقول العرب: قد ضلّ الماء في اللبن) نتابع مع ابن فارس، وهو يذكر شيئاً مشابهاً:]
وَذَاكَ كَأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ ضَاعَ. وَيَقُولُونَ: ضَلَّ اللَّبَنُ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يَقُولُونَ اسْتُهْلِكَ. وَقَالَ فِي أُضِلَّ الْمَيِّتُ:
وَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ … وَغُودِرَ بِالْجَوْلَانِ حَزْمٌ وَنَائِلُ
[والآن عبارة مهمّة:]
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ أَضْلَلْتُ بَعِيرِي، إِذَا ذَهَبَ مِنْكَ ;
[*وبالطبع الراعي الذي يقول:أضللتُ بعيري أو غنمتي، لا يعني بذلك أنه يوسوس لها، كي تأخذ طريق الهلاك حيث يفترسها الذئب مثلاً. وأيضاً لا يعني هذا: أن الراعي هو الذي دفع الغنمة للضلال والضياع.]
وَضَلَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالدَّارَ، إِذَا لَمْ تَهْتَدِ لَهُمَا. وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ مُقِيمٍ [*أي ثابت كالمسجد والدار، وليس كالبعير] لَا يُهْتَدَى لَهُ.
وَيُقَالُ: أَرْضٌ مَضِلَّةٌ وَمَضَلَّةٌ. وَوَقَعُوا فِي وَادِي تُضَُلِّلَ، إِذَا وَقَعُوا فِي مَضَِلَّةٍ.
– ابن فارس ت395هـ، معجم مقاييس اللغة، ت عبد السلام هارون، دار الفكر، 1399 1979، ج3، ص359
)
فكما ترى الضلال له معانٍ متعددة، وهذا في معجم ابن فارس المختصَر.
وأضيف ما جاء لدى الزجّاج:
(أضلّ ناقته: فقدها –
الزجاج ت310، كتاب فعلتُ وأفعلْتُ، الشركة المتحدة للتوزيع،1404 1984،ص60)
وهذا من قاموس حديث:
(ضل الشيءُ: خَفِي وغَابَ. ضَلَّ الماءُ في اللَبَن: غاب [ل ٤١٧/ ٢٥]
وأضللتُ الميْتَ: دَفَنْتُه، والشيءَ: غَيبَّته.
[*…]
{ضَلَّ سَعْيُهُمْ} [الكهف: ١٠٤]: ضاع وهلك / بطل ؛ أَخْذاً من الغيبوبة (كأنه لا وجود له).
– محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، 1431 2010، ص1296 )
وفي لسان العرب وغيره نجد:
(قَالَ أَبو عَمْرٍو: وأَصل الضَّلالِ الغَيْبوبة، يُقَالُ ضَلَّ الماءُ فِي اللَّبَنِ إِذا غَابَ – ابن منظور، لسان العرب، دار بيروت صادر،[الطبعة الأولى 1300هـ] ج11، ص393)
وبالطبع المعاني متقاربة: الضياع والغياب، والزوال والهلاك. ومن الصعب الجزم بأن أصل المعنى هو كذا، ثم تفرّع منه المعنى كذا.
ولكن جرت جدالات بين المفسرين من أجل تأويل المعاني، وما يهمنا هنا هو ما يتعلق بمسائل "القدر".
والسؤال هو: هل يأتي الضلال بمعنى العذاب والهلاك؟
أهمية هذا السؤال في أن المجبِّر كلما رأى الإضلال منسوباً لله في القرآن، قال: هذا دليل على صحة مذهبي أن الله يُوقِع الناس في الكفر والضلال.
فيأتي خصمه من المعتزلة أو غيرهم فيقول له: الضلال لا يأتي دائماً بمعنى اتخاذ طريق الكفر والظلم وما شابه، بل يأتي بمعنى العذاب أو الهلاك أيضاً.
ولننظر في هذه الآية التي اختلفوا في تفسيرها:
(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ <54_47>) ما معنى الضلال فيها؟
ولننظر في سياقها:
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ <54_46>
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ <54_47>
يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ <54_48>
الكلام عن عذاب الآخرة. فكيف يكون هنا الضلال هو الضِلال الدنيوي بارتكاب المعاصي؟
المجبّر يقول: لا مشكلة في ذلك، إن المجرمين في ضلال في الدنيا ، وفي سعر في الآخرة.
لكن ما يُضعِّف هذا القول هو آية أخرى تأتي بعدها بقليل:
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ <54_54> فالجنات والنهَر كلاهما في الآخرة.
وأنقل إليك ما جاء في لسان العرب مجدداً: ( وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ؛ أَي فِي هَلَاكٍ.)
وكذلك في صِحاح اللغة للجوهري :(وقوله تعالى: (إنَّ المجرِمينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ) ، أي في هلاك.)
وفي كتب التفسير كلام كثير في هذا. وليس الغرض هنا الإطالة ومناقشة الأقوال. لكن ما يهمنا هو أن المعتزلة احتجوا بهذه الآية وبالمعاجم في أن الضلال قد يأتي بمعنى الهلاك أو العذاب وبذلك يجوز أن يأتي الإضلال بمعنى التعذيب أو الإهلاك.
وسنذكر بعد قليل مثالاً آخر لدى ابن كثير في تفسير "الضلالَة".
ahl_hadith.html#i-33x6yem0ypj0
ونأتي الآن إلى جدلية أكبر: هل الإضلال هو بالضرورة إيجاد الضلال؟ ألا يجوز أن يكون هو وِجدان الضلال؟
ما الذي يحدث بمعنى الفعل عند تحويله من المجرّد: "فعل" إلى المزيد بالهمزة في بدايتة: "أفْعَلَ"؟
نبدأ بهذه الأمثلة:
سقَط وأسْقطَ
لَبِس وألْبسَ
مَدّ وأمدَّ
فالذي يحدث هنا هو التعدية. فنقول: سقطَت الكُرة [والفعل لازم، ليس له مفعول به]، وأسقطَ زيدٌ الكرةَ. والفعل أسقط متعدٍ. فاعل الفعل يصير مفعولاً به.
"لبس" متعدٍّ بمفعول واحد، لكن إضافة الهمزة تعدّيه لمفعول ثانٍ: لبس الطفلُ ثيابَه، ألبست الأم الطفلَ الثيابَ. فالفاعل صار مفعولاً به، والمفعول الأول (ثيابَه) صار مفعولاً ثانياً.
هذا من أشهر معاني "أَفعْل". ويُسمّى أيضاً الإيجاد. فالأم أَوْجَدتْ الفِعلَ (فعلَ اللِبْس) في الطفل، وزيد أَوجَد في الكرة فعلَ السقوط – أحدَثَه فيها.
لكن ليس هذا هو المعنى الوحيد. فعلماء الصرف جعلوا لـ "أفْعَل" سبعة معان بل أكثر.
ومن هذه المعاني، وهو ما يهمنا: الوِجدان (مصدر وجدَ) أو المصادفة.
مثال: ما أَبْخَلْتُ زيداً، بل هو من أسخى الأسخياء. فـ (أبخلتُ فلاناً ) يعني وجدتُه أو رأيته أو صادفته بخيلاً.
وهكذا أيضاً أجَبَنْتُه: أيْ وجدتُه جباناً. وكذلك إنك تجد في الكتب القديمة (أكْفَرَهُ) بمعنى (وجده كافراً أو ووصفه بالكفر، أي كما تُستَخدم كلمة "كَفّر" اليوم.
(وهناك معنى آخر لـ "أفْعَل" وهو التعريض: فتقول: أرهنتُ الشيء أو أَبَعتْه، وتعنى أنك: عرضته للرَهن أو عرضته للبيع.)
وقد جاء مثل هذا عن فعل ضلّ، صراحة، في لسان العرب لابن منظور:
(وَيُقَالُ: أَضْلَلْت الشَّيْءَ إِذا وَجَدتَه ضَالًّا كَمَا تَقُولُ أَحْمَدْته وأَبْخَلْته إِذا وجدتَه مَحْمُودًا وبَخيلًا.)
(فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ - <12_31>) فالمعنى هنا: أن النساء وَجَدْن يوسف كبيراً عظيماً، وليس أنهن أوجدن فيه الكِبَر، أي أنه كان صغيراً فلما رأينه حوَّلْنه إلى شخص كبير عظيم. (في تفسير ابن كثير: "أَيْ: أَعَظَمْنَ شَأْنَهُ، وَأَجْلَلْنَ قَدْرَهُ؛")
(وهذه الآية واضحة، ولكن هناك من جاء بتفسير عجيب: أن أكبرنَه هنا معناه: أنهنّ حِضْنَ! لكن لن نلتفت لهذا القول وهو بيّن السخف – وقد تجاهله جمهور المفسرين.)
وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا <18_28>
أقتبس من كتاب "دروس في التصريف" لـ "محمد محي الدين عبد الحميد"، هو من علماء الأزهر، توفي 1392 / 1972. يقول:
(رابعاً [*أي رابع معاني "أفعل"]: المصادفة ، والوجود على صفة ،ومعنى ذلك أن يجد الفاعلُ المفعولَ موصوفاً بصفة مشتقة من أصل ذلك الفعل ، نحو "أبخلتُه ، وأحمدتُه ، وأعظمتُه – أي : وجدتُه بخيلاً ، ومحموداً ، وعظيماً"، ومنه قول عمرو بن معديكرب لبني الحارث بن كعب: "والله لقد سألناكم فما أَبْخَلْنَاكم ، وقاتلناكم فما أَجْبَنْاكم ، وهاجَيناكم فما أفْحَمْنَاكم – أي : ما وجدناكم بخلاء ، ولا جبناء ، ولا مُفحَمين" وعليه قول الله تبارك وتعالى (18-28) : (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) وقوله جل ذكره (12-31) : (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ).
– محمد محيي الدين عبد الحميد، دروس التصريف، المكتبة العصرية، 1416 1995، ص71)
الآية الأخيرة، التي من سورة يوسف ذكرناها، فلننظر في الأخرى من الكهف:
وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا <18_28>
وما قاله المؤلف ليس نادراً. تجده أيضاً لدى السابقين مثل ابن جني في كتابه المشهور، الخصائص، ج3، 253-255 (دار الكتب المصرية، المكتبة العلمية، 1371 1952، تحقيق محمد علي النجار).
وفي لسان العرب لابن منظور: (وأَغْفَلْتُ الرَّجُلَ: أَصبْتُه غَافِلًا، [*أي وجدته غافلاً] وَعَلَى ذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا)
طبعاً أصحاب اهوى الجبري (وغيرهم) رأوا المسألة مختلفة. فخر الدين الرازي –وهو من كبراء علماء الأشاعرة– يقول في تفسيره هنا: (_احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ_ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ الجَهْلَ والغَفْلَةَ في قُلُوبِ الجُهّالِ؛)
وهو للأمانة ينقل حجج المعتزلة، وهم خصومه في هذا، يقول:
(قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: {أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا} أنّا وجَدْنا قَلْبَهُ غافِلًا، ولَيْسَ المُرادُ خَلْقَ الغَفْلَةِ فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الزَّبِيدِيِّ أنَّهُ قالَ لِبَنِي سُلَيْمٍ: قاتَلْناكم فَما أجَبْناكم، وسَألْناكم فَما أبْخَلْناكم، وهَجَوْناكم فَما أفْحَمْناكم، أيْ ما وجَدْناكم جُبَناءَ ولا بُخَلاءَ ولا مُفْحَمِينَ، ثُمَّ نَقُولُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: {فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْْْ}
[*هي الآية التالية مباشرة، ولكن هذه أيضاً لعب المجبّرة في تفسيرها، وقد نذكر ذلك لاحقاً ]
ولَوْ كانَ تَعالى خَلَقَ الغَفْلَةَ في قَلْبِهِ لَما صَحَّ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ هو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ قَلْبَهُ غافِلًا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا فاتَّبَعَ هَواهُ؛
[*هذه الحجة تجدها أيضاً لدى ابن جني في المرجع السابق]
لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ مِن أفْعالِ المُطاوَعَةِ، وهي إنَّما تُعْطَفُ بِالفاءِ لا بِالواوِ، ويُقالُ: كَسَرْتُهُ فانْكَسَرَ، ودَفَعْتُهُ فانْدَفَعَ، ولا يُقالُ: وانْكَسَرَ وانْدَفَعَ.
[*يقصدون: أنه لو كان الله هو مسبب الغفلة في القلب لكان العطف بالفاء وليس بالواو:
فالآية تقول:
{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ [*بالواو] هَوَاهُ}
ولكن لو كان الإغفال من الله، لكان قال "فاتبع":
"مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا فــــاتَّبَعَ هَوَاهُ"
كما تقول: أطعمته فَشَبِع، ولا تقول: أطعمته وشبع. أو تقول: أعطيته فشكر، ولا تقول: أعطيته وشكر. – نتابع مع نقل الرازي لأقوال المعتزلة ]
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: {واتَّبَعَ هَواهُ} ولَوْ كانَ تَعالى أغْفَلَ في الحَقِيقَةِ قَلْبَهُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُضافَ ذَلِكَ إلى اتِّباعِهِ هَواهُ.
[* فالله وفقاً لتأويل المجبّرة هو الذي خلق فيهم الغفلة عن ذكره])
انتهى النقل. وأطال الكلام بعدها الرازي ولكنه لم يأت بشيء، ويمكنك أن تعود لتفسيره. مجمل قوله: أن المعنى الشائع لأفعل: هو الإيجاد وليس الوجدان، ثم الكلام في أن الغفلة لها خالق، ولا يجوز أن يخلقها الإنسان، فالله خلقها فيه. وهكذا.
وللفخر الرازي في تفسيره قول آخر يهمنا هنا، لتفهم الهوى الجبري لديهم أكثر. في تفسيره للآية: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ <16_36>) يقول:
(يَعْنِي: فَمِنهم مَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإيمانِ والصِّدْقِ والحَقِّ، ومِنهم مَن أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ وأعْماهُ عَنِ الصِّدْقِ
وأوْقَعَهُ في الكُفْرِ والضَّلالِ، [*!!] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُوافِقُ إرادَتَهُ ،
بَلْ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ،
ويَنْهى عَنِ الشَّيْءِ ويُرِيدُهُ كَما هو مَذْهَبُنا.)
أيش رأيك؟ ماذا تقول في "فخر الدين" هذا؟
والعجيب أن سياق الآية، بل هي منفردةً تنقض سخفه: فالكلام عن الذين لم يمتثلوا لرسالة الله: "أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ". فكانوا من "المكذّبين" وبهذا حقّت عليهم الضلالة. والذين عبدوا الله واجتنبوا الطاغوت كانوا أهلاً لهداية الله.
وقبل الآية مباشرة:
(فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا [*!] وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ <16_34>
[* فأعمالهم هي التي أصابتهم بالسيئات، وعاقبهم الله عليها.]
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ
[* والآية هذه تنسف كلام الرازي نسفاً!]
وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ
كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
[*وكذلك فعل الرازي، الذي جعل الله هو يوقع الناس في الشرك والكفر والظلم!]
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ <16_35>)
وبالطبع سياق الآية يدعم تأويل "الضلالة" على أنها تأتي بمعنى العقاب الدنيوي: بالتدمير والتعذيب والإهلاك. [وقد أشرنا لذلك.]
أقتبس من تفسير ابن كثير: (ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَيَّرَ(١٠) عَلَيْهِمْ، وَأَنْكَرَ(١١) عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ إِنْذَارِ الرُّسُلِ؛
فَلِهَذَا قَالَ: {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} أَيِ: اسْأَلُوا(١٢) عَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ مَنْ خَالَفَ الرُّسُلَ وَكَذَّبَ الْحَقَّ كَيْفَ { دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [مُحَمَّدٍ: ١٠] ، {وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الْمُلْكِ: ١٨] .)
وأذكر هنا أيضاً قبل أن نتابع ما كنا فيه أن "عاقبة المكذبين" جاءت في القرآن 4 مرات. بالإضافة للمرة التي ذكرناها، في هذه الآيات:
- قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ <3_137>
في الأرض: العذاب دنيوي. - قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ <6_11>
كذلك. - فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ <43_25>
وقبلها:
وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ <43_23>
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ <43_24>
فالمقصود بالضلالة هو عذاب دنيوي يأتي عقاباً للمكذبين الكافرين.
[تجدر هنا الإشارة بأن الأشاعرة –وفخر الدين الرازي من كبرائهم– يَصِمُهم اليومَ سلفيون بالجبرية! ولا أرى السلفيين أخطؤوا في ذلك الوصم، إلا أنّ أحاديثهم هي أحاديثهم. لكن دعونا من هذا ولنتابع.]
سننظر الآن إلى مثالين جاء فيهما تأويل الإضلال المنسوب لله بأنه: وِجدان الضلال أو الحكم بالضلال – وليس بأنه إيجاد الضلال. أي أن إضلال الله لشخص ما، هو حكمه عليه بالضلال بسبب أعماله، أي أنه يجده ضالاً [وقد تقدم الكلام في أن: أضللته تأتي أيضاً بمعنى: وجدته ضالاً.]
- المثال الأول: لدى الطبري
ننظر في الآية:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ <9_115>)
يقول الطبري في تفسيره:
(يقول تعالى ذكره: وما كان الله ليقضي عليكم، في استغفاركم لموتاكم المشركين، بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية،
ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدَّم إليكم بالنهي عنه، فتتركوا الانتهاء عنه.
فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه،
فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، [*!] لأن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهيّ،
فأما من لم يؤمر ولم ينه، فغير كائنٍ مطيعًا أو عاصيًا، فيما لم يؤمَرْ به ولم ينه عنه.)
فكما ترى، الطبري يفسّر "أضلّه الله" بـ: حكَم عليه بالضلال أو قضى عليه بالضلال، أي حكم عليه بأنه ضال، وهذا وفقاً لأعماله إذا عصى أمر الله.
والطبري كما تعرف ليس من المعتزلة ولا من الشيعة الزيدية أو الاثنى عشرية.
وفخر الدين الرازي ينسب تفسير الطبري هذا للمعتزلة:
(قالتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ مِن هَذا الإضْلالِ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الكُمَيْتِ:
وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكُمْ)
وقد ذكرنا أن: أَكْفَر فلاناً تأتي بمعنى: وصفه بالكفر أو حكم عليه بالكفر (أي أنه كافر).
[ولا أدري إن كان الرازي هنا أراد الطعن في قول الطبري من دون أن يسميه.]
لننتقل إلى مثال آخر:
- المثال الثاني لدى الشعراوي – وشيء عن "يهدي من يشاء"
ننظر في تفسير الشعراوي في الآية:
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <16_93>)
يقول فيها:
(وهذه الآية يقف عندها المتمحِّكون، والذين قَصُرَتْ أنظارهم في فهْم كتاب الله،
فيقولون: طالما أن الله هو الذي يضِلّ الناس، فلماذا يُعذِّبهم؟
ونتعجَّب من هذا الفهم لكتاب الله ونقول لهؤلاء: لماذا أخذتُمْ جانب الضلال وتركتُم جانب الهدى؟
لماذا لم تقولوا: طالما أن الله بيده الهداية، وهو الذي يهدي، فلماذا يُدخِلنا الجنة؟
إذن: هذه كلمة يقولها المسرفون؛ لأن معنى:
{يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ..} [النحل: ٩٣].
[*انتبه الآن:]
أي: يحكم على هذا من خلال عمله بالضلال، ويحكم على هذا من خلال عمله بالهداية،
[*وهذا تفسير يُنسب للمعتزلة، ويرفضه خصومهم عادة]
مثل ما يحدث عندنا في لجان الامتحان، فلا نقول: اللجنة أنجحت فلاناً وأرسبت فلاناً، فليست هذه مهمتها،
بل مهمتها أن تنظر أوراق الإجابة، ومن خلالها تحكم اللجنة بنجاح هذا وإخفاق ذاك.
وكذلك الحق تبارك وتعالى لا يجعل العبد ضالاً، بل يحكم على عمله أنه ضلال وأنه ضَالّ؛
فالمعنى إذن: يحكم بضلال مَنْ يشاء، ويحكم بهُدَى مَنْ يشاء،
وليس لأحد أن ينقلَ الأمر إلى عكس هذا الفهم، بدليل قوله تعالى بعدها:
{وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: ٩٣].)
والشعراوي هو منسوب للأشاعرة أي جماعة فخر الدين الرازي وقد رأينا ما قال. وتفسيره هذا سيرفضه الأشاعرة وحتى السلفيون، وهم كما ذكرنا يصِمون الأشاعرة بالجبرية.
ـ وأمر آخر تجدر الإشارة إليه عن الآية، ونعيد نصها:
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ
وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <16_93>)
هناك مَن قال بأن فاعل "يشاء" في المرتين هنا هو الإنسان وليس الله! ومن الناحية اللغوية الأمر يصعب استبعاده.
فلو قيل لك: هشام يعلّم مَن يشاء. فالجملة تحتمل معنيين:
- أن يعلّم هشامٌ الذين يشاؤون منه التعليم،
- أو أن يعلِّم هشام من يشاء هو تعليمَهم.
وإذا أخذنا المعنى الأول فإن التعليم يكون لمن أراد التعلّم من هشام، وهذا يتطلب مجهوداً من الناس.
وهذا شائع على ألسنتنا: كثيراً ما نقول للكسول الذي رسب: لو شئت النجاح لنجحتَ!
ونحن لا نشكك بقولنا هذا في أن هذا الكسول كان يحب أن يكون من الناجحين،
فلا نقصد بهذه العبارة أن الكسول يكره النجاح، كما يكره مثلاً المرض والألم، لا بالطبع لا، ولكننا نقصد: أنه كان ضعيف العزيمة، لم يعمل بشكل كافٍ.
ولذلك قد يُقال للكسول في نفس الحالة: أنت لم تشإ النجاحَ وإلا لكنتَ درستَ، وانظرْ إلى صاحبك فلانٍ كيف كان يسهر الليالي!
فاحتماليةُ نَسْبِ المشيئة هنا للإنسان يصعب نفيها وخصوصاً أن الآية تنتهي بـ: وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. فالعلم منسوب للناس وليس لله.
قد تقول: ولكن بداية الآية "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً" فالمشيئة هنا لله!
أجيب: كل ما قلته أنه يصعب نفي التأويل الثاني، فلم أقل بصحته ولم أرجّحه. إنما أطرح الأفكار المختلفة المتباعدة، حتى نجد من بينها السبيل إلى الحق.
لكن: بداية الآية كما بدأت، يمكن تأويلها هكذا:
الله لم يشأ أن يكون الناس كلهم أمة واحدة، هكذا خلقهم، كان يقدِر أن يخلقهم كلهم مهتدين، لا يعصُون الله بحرف، لا بالعمل ولا حتى بالتفكير. ولكنه لم يشأ هذا. الذي شاءه هو: أن يهتدي من يشاءُ الهدايةَ، وأن يضِل من يشاءَ الضلالَ؛ على تأويل المشيئة كما رأينا مع الطالب الكسول. أي بالسعي من أجل المشيئة.
لكن، بالطبع ما يُحتَمل هنا من تأويل لا يُحتمَل في مواضع أخرى:
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ <6_39>
هنا فاعل "يشإ" هو الله، كما هو بيّن. [لاحظ كيف بدأت الآية، بذنب الناس، الذين كذّبوا!]
ولا ننسَ أن الهداية جاءت في آيات كثيرة منسوبة مباشرة لله ومن دون إيراد المشيئة أصلاً. فنحن لا نُنكر هذا إنما نحاول طرح آراء مختلفة قد تساعدنا في وِجدان الحق، وإن كانت هي ليست الحق.
- أن يعلّم هشامٌ الذين يشاؤون منه التعليم،
نأتي الآن إلى مفاجأة. فكلمة أضلّه، جاءت لدى أهل الحديث، في أشهر كتبهم، بمعنى: وجده ضالاً.
ولنبدأ بلسان العرب (وَمِنْهُ الْحَدِيثِ: أَن النَّبِيَّ، ﷺ، أَتى قومَه فأَضَلَّهم أَي وَجَدَهُمْ ضُلَّالًا غَيْرَ مُهْتدِين إِلى الحَقِّ)
وتجد هذا في القاموس المعروف لمجد الدين ابن الأثير الجزري [لا تخلط بينه وبين المؤرخ ابن الأثير واللغوي ابن الأثير]، قاموس "النهاية في غريب الحديث والأثر".
(وَيُقَالُ أَضْلَلْتُ الشيءَ إِذَا وجَدتَه ضَالّا، كَمَا تقولُ: أحْمَدْتُه وأبْخَلُته إِذَا وَجَدْتَه مَحْمودا وبَخِيلا.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثِ « أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى قومَه فأَضَلَّهُم » أَيْ وجَدَهم ضُلَّالا غيرَ مُهْتَدِينَ إِلَى الحقِّ. –
ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، أوقاف الشؤون الإسلامية قطر، تحقيق أحمد بن محمد الخراط، ص2474)

وكذلك في معجم غريب الحديث لابن الجوزي:
(فِي الحَدِيث إِن رَسُول الله أَتَى قومه فأضلهم أَي وجدهم ضلال كَمَا يُقَال أحمدته وأبخلته –
ابن الجوزي، غريب الحديث، دار الكتب العلمية، 2004 1425، ج2، ص17)
وكذلك في معجم غريب الحديث للخَطّابي وغيره.
فتأويل "أضله" بـ "وجده ضالاً" أو "حكم عليه بأنه ضال"، ليس نادراً.
3.14.9.12.3. وماذا عن الختم؟
بعد أن أطلنا الكلام في الهداية والضلال والإضلال، ننتقل إلى الخَتْم الذي جاء أيضاً في الآية.
ويوجد حول تأويل الختم أيضاً اختلاف. وأنصح بمراجعة كتاب متشابه القرآن للطُرَيثِيُثي. لكن لن نفصل في هذا هنا، أو في ما جاء في المعاجم، بل نقول ما قلناه مع الإضلال: لِيَختَرْ المُجْبِرة التأويلَ الذي يريدونه للخَتم؛ هل جاء هذا الخَتم ابتداءً؟ أم كان نتيجة ذنبٍ سبق؟
طبعاً الآية كما بينا تدحض مذهب الجبرية. سياقُها وهي بمفردها. فهي تبدأ بـ (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)! إليهم نُسب الذنب، إليهم نُسب أنهم يعبدون أهواءهم.
ولمزيد من الفائدة ننظر في باقي الآيات التي تدخل في هذا الباب، وهي ليست كثيرة، فَلْنُورِدها كلها:
- (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ <2_7>
وقبلها: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ <2_6>)
فهم الذين كفروا، هذا فعلهم وإليهم نُسِب. ويقابلهم ما جاء في بداية السورة:
(ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ <2_2>
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ <2_3>
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ <2_4>
[*لاحظ كل هذه الأفعال منسوبة للناس، هم اتقوا هم آمنوا هم أنفقوا هم أيقنوا!]
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ <2_5>)
وهكذا أفلحوا وصاروا على هدى الله. ثم ذُكر الذين كفروا، الذين نالوا بكفرهم، الختَم –وأعيد: أياً كان معنى الختم. - ونذكر هذه أيضاً مع أنها جملة شرطية:
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ
انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ <6_46>
ويأتي بعدها: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ <6_47>
وقبل الآية:
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ <6_45>
فالختم يُربط أو يقارن بعذاب دنيوي. وأعيد: الجملة أصلاً شرطية: "إِنْ أخذَ اللهُ.." - وهذه الآية نذكرها أيضاً، مع أنها عن الآخرة:
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ <36_65> يس
وقبلها:اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ <36_64> - ونورد أيضاً هذه وقد اختلف فيها المفسرون:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ
وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ <42_24>شورى
فأين تجد في الآيات كلها الهوى الجبري؟
3.14.9.12.4. وماذا عن الغشاوة؟
ولنتحدث أخيراً عن الغشاوة، هل لدى المجبرة شاهد يدعم مذهبهم؟ بل هل لدى المجبرة شاهد لا يخالف مذهبهم؟
الغشاوة جاءت فقط في الآيتين المذكورتين <2_7>البقرة و <45_23>الجاثية وقد رأينا حالهما، تبقى آية ثالثة تدخل في هذاالباب فيها "أغشيناهم"، وهي من سورة يس:
(وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ <36_9>)
بعدها:
(وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ <36_10>
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ <36_11>)
فكما ترى: الفعلان منسوبان للإنسان، "اتبع" و "خشي" فهم من يتعظون بالإنذار. والآية التي قبلها لا تثبت مذهب المجبّرة، فقول الله عن شخص أنه لا يؤمن، لا يعني أنه منعه من الإيمان!
أضِف إلى ذلك أن هناك من فسر الآية بأنها عن حقيقة حال الكفّار في الآخرة. وحججهم ليست ضعيفة:
- فلدينا بعدها:
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ <36_12>
فالله سيحيي الموتى ويجازيهم بما قدّموه من أعمال، وكل شيء فعلوه قد أحصاه.
[ونتذكر: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ <58_6>] - ثم لدينا هنا أمر أراه لافتاً؛ ليس دليلاً قوياً ولكن يجدر ذكره:
فالآية 11 الآنفة الذكر فيها (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ).
وبعدها إحياء الموتى ثم يأتي الإخبار عن {أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون} ولم يُذكر عقاب المجرمين، الذي يُقابل بشرى المغفرة والأجر الكريم – إلا أن تكون الآيتان 8 و9 عن عذابهم في جهنم. وسنذكر فيما يلي ما يقوّي هذا القول. - جذر "غشو" جاء في 26 آية: وإليك ما جاء منها في عذاب الآخرة [أو الدنيا]:
- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ <88_1>
- لَهُم مِن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ <7_41>
- وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا [*!] وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ
كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ <10_27> - أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ <12_107>
- سَرَابِيلُهُم مِن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ <14_50> وقبلها:
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ <14_49> - أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ
إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ <24_40> - يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <29_55>
- يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ <44_11>
- فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ <20_78>
- وَإِذَا غَشِيَهُم مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ
وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ <31_32> - فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى <53_54> وقبلها:
وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى <53_52> وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى <53_53>
- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ <88_1>
- آية "فأغشيناهم" [من سورة يس] لا يجوز فصلها عن سابقتها الملاصقة:
(إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُقْمَحُونَ <36_8>)
وهذه تذكرنا أيضاً بالآخرة:
- (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ
وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا
هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ <34_33>) - (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ <40_71>)
- (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا <76_4>)
- (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ <13_5>)
- وأضيف لما ذكرناه هذه الآية [وقد مرت قبل قليل عند الكلام عن "فأغشيناهم"]:
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ <14_49> والأصفاد من مرادفات الأغلال.
- (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
- ثم لو تابعنا مع سورة يس ذاتها، فإنّا نجد ما ينقض مذهب المجبّرة:
- فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <36_54>
- اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ <36_64>
- الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ <36_65>
- فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ <36_54>
3.14.9.12.5. نختم بهذا:
وهكذا نصل لنهاية ما جاء في قِسم القدر لدى أمير المؤمنين في الحديث.
ولعلي إن شاء الله أفصِّل أكثر في مثل هذه القضايا، لكن نكتفي هنا بما تيسر لنا.
نختم بهذا. سفيان الثوري، أمير المؤمنين في الحديث، جاء بتسع آيات كلها تخالف مذهب المجبرة.
والمُحزن أن أصحابه يتناقلونها ويرونها حجة قوية.
3.14.10. بعد الترويج للتجبير، يأتي الترويج للخضوع للحكّام
نتابع التعرف على دين شيخ الإسلام، أمير المؤمنين في الحديث:
يَا شُعَيْبُ لَا يَنْفَعُكَ مَا كَتَبْتَ حَتَّى تَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ.
- الذين يقولون لك إن أعمالك وأعمال كل البشر، حتى المعاصي والشرور هي من خلق الله، يقولون لك: اتبع الفجار! ألا ترى العلاقة بين الأمرين؟ يريدون إقناعك بأن أي ظلم يقوم به الحكام والكهنة هو من الله، ثمّ أعمالك كلها من الله، فلماذا تقاوم؟ بل اخضع لهم، هذا خضوع لله. وهذا يذكرنا بكلام بولس في ما يسمى الإنجيل:
(1لِيَخضَعْ كُلُّ امرِئٍ لِلسُّلُطاتِ الَّتي بِأَيدِيها الأَمْر، فلا سُلْطَةَ إِلاَّ مِن عِندِ الله، والسُّلُطاتُ القائِمة هو الَّذي أَقامَها.
2 فمَن عارَضَ السُّلْطَةَ قاوَمَ النِّظامَ الَّذي أَرادَهُ الله، والمُقاوِمونَ يَجلُبونَ الحُكْمَ على أَنفُسِهم. – الرسالة إلى روما 13)
وبولس معروف أيضاً بأنه قلل من أهمية العمل الصالح في الدين.
وَالْجِهَادُ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالصَّبْرَ تَحْتَ لِوَاءِ السُّلْطَانِ جَارَ أَمْ عَدَلَ ".
- مرة أخرى هواه الجبرية يريدون أن تخنع للسلاطين الظلمة! وهذا لا يضعونه في مجلد كبير، بل في خلاصة لأصول الدين، لا تتجاوز ثلاث صفحات! فانظر لأهمية ذلك عندهم. (وراجع أيضا عقيدة أحمد بن حنبل).
قَالَ شُعَيْبٌ: فَقُلْتُ " لِسُفْيَانَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: «الصَّلَاةُ كُلُّهَا؟» قَالَ: " لَا ، وَلَكِنْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ ، صَلِّ خَلْفَ مَنْ أَدْرَكْتَ ، وَأَمَّا سَائِرُ ذَلِكَ فَأَنْتَ مُخَيَّرٌ [* وهل للإنسان خيار في عقيدتكم مع "القدَر" ؟!؟!] ، لَا تُصَلِّ إِلَّا خَلْفَ مَنْ تَثِقُ بِهِ ، وَتَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
- لاحظ كم هم زاهدون في اسم "المسلمين" الذي نجده في القرآن {هو سمّاكم المسلمين}! والله يعلم أني زاهد في الأسماء التي اختلقوها هم والفرق الأخرى!
ص-248
3.14.11. خاتمة رقيقة لعقيدة سفيان الثوري
يَا شُعَيْبُ بْنَ حَرْبٍ إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَسَأَلَكَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقُلْ: يَا رَبِّ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ «، ثُمَّ خَلِّ بَيْنِي وَبَيْنَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ»
- وهكذا يختم الثوري عقيدته هذه المخترعة والتي يعظمّها أتباعه مهما ضعفت صِلَتُها بالقرآن، كتاب الله!
وأذكر لك هنا بعد أن انتهينا من وجبة لهو الحديث الدسمة:
(وقال ورْقاء وجماعة: لم يرَ سفيان الثوري مثل نفسه.
وعن شُعَيب بن حَرْب: "إني لأحسب أنّه يُجاء غداً بسفيان حجّة من الله على خلقه يقول لهم: لم تدركوا نبيكم، قد رأيتم سفيان" – شمس الدين الذهبي ت748هـ، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، 1417 1996، ج7، ص239)

وأنا لم أدرك خاتم النبيين ولم أدرك سفيان. ولكني متبعٌ خاتم النبيين وتاركٌ شيخَ المبتدعين، أميرَ المؤمنين في البعثرة. ولا تهمني كثرة من كان دينهم اتباع سفيان لأنهم رأوا فيه "حجةً من الله على خلقه". ولو كان الأمر بالكثرة لبقيت في جماعة "المسيحيين".
3.15. خلاصة عقائد علماء أهل الحديث:
تعرفنا هنا على عقائد:
- سفيان الثوري
- الأوزاعي
- سفيان بن عيينة
- أحمد بن حنبل
- علي بن المديني
- أبي ثور الكلبي
- البخاري
- الرازيين، أبي حاتم وأبي زُرعة
- سهل التُستَري
- الطبري
فما الذي وجدناه فيها؟
- التعصب لكهنة الفرقة، وترسيخ الفُرقة وتكفير المخالفين، المخالفين المؤمنين بالقرآن.
- تكفير من قال: القرآن من خلق الله. فيجب أن تقول هو غير مخلوق، حتى يرضَوا عنك ولا يقطعوا رأسك.
- الإيمان بأن كل معاصيك، اللهُ هو الذي يريدها ويخلقها فيك. (هذا يسمونه القدر). فإن لم تقبل بذلك: كفّروك وجاؤوك بالسيف والنطع.
- الإيمان بالشفاعة، فافعل ما شئت.
[فقد حوّلوا نبينا محمداً إلى شفيع المجرمين، أصحاب الكبائر، إن كانوا من فرقتهم] - طاعة الأئمة الفجرة إن كانوا من فرقتهم
- تقييم صلاح الصحابة وترتيبهم بما يوافق السياسة، وهذا يصبح من أصول الدين.
- الإيمان برجم الزاني
- الإيمان بالحوض
- الإيمان بعذاب القبر
- الإيمان بجسر في جهنم يسمونه "الصراط"
- الفوضى في المسح على الخفين وإخفاء البسملة (راجع عقيدة سفيان الثوري)
بالله عليك أخبرني أين وجدت القرآن في دينهم؟
بل أخبرني هل يُعقل أن يكون ما طرحوه هو من أصول الدين، بل أن يكون من أصول أي دين؟
هم في الفوضى والفوضى فيهم، ويحبون تغطية القرآن بها، واضطهاد من لا يشاركهم في هذه التغطية.
وهذا في أهم كتب العقيدة لديهم، وقد قرأنا النصوص بكاملها، كما نقلها إلينا اللالكائي.
فلم ننتقِ من هذا المجلد صفحة ومن ذاك سطراً.
فإنهم يكتبون صفحات قليلة عن اعتقاداتهم فتجدها محشوة بكثرة الضلالات عن القرآن.
وأعجب ما في الأمر: أنهم يرون أنفسهم متبعين للقرآن، ويكفّرون من خالفهم.
بل هناك ما هو أعجب منه: أن الناس صدّقوا ذلك.
ولكنها حال الفرق المختلفة التي اتخذت القرآن مهجوراً.
وهي حال البشر: لا يهتمون بمعرفة أديانهم، فيتبعون أكابر قومهم، من دون تدبر – وهو أيسر الطرق لمن يؤثر الدنيا على الآخرة..
4. إحياء السنة بعد أن أماتها مُنكِرو السنة: مِن أهلِ السنة والجماعة، وَمن الشيعة – سنة الله
4.1. مقدمة
كما ذكرنا قبلُ، حالُ السنة فوضى. فنصها فوضوي غير محدد، لا من قريب ولا من بعيد. (فلا يُمكن أصلاً أن تتّبع.)
ووجه آخر للفوضى هو: في التعريف الشائع لها. فالسنّة يعرّفونها اليومَ بأنها: (كل ما أُثر عن النبي [* يعنون نبينا محمداً، خاتم النبيين] من قول أو فعل أو تقرير.)
هكذا يعرفونها ولكنك لو نظرت في كتبهم فستجدهم يقولون: كذا من السنة ومن أصول السنة. ولكن من دون أن يكون لهم في ذلك أي أثر عن النبي!
وقد رأينا عدة أمثلة في ما قرأناه عن أصول الاعتقاد في كتاب اللالكائي.
لكن لننظر الآن في ما اصطلحوا أنه السنة بالتعريف الشائع.
نعيده: "كل ما أُثر عن النبي من فعل أو قول أو تقرير."
سيتبين لك فسادُ اصطلاحهم هذا من وجوه أخرى.
4.2. القسم الأول: مصطلحهم في السنة فاسد
4.2.1. هل مصطلحهم في السنة هو من القرآن؟
طبعاً كلمة السنة وردت في القرآن. ولكنها لم ترد مرة واحدة بالمعنى الذي أرادوه. فالسؤال الذي يجب أن يُطرح هنا:
إن كان القرآن وما تسمونه السنة مصدرهما واحد، فلماذا يكون معنى كلمة "السنة" مخالفاً له في القرآن؟
لماذا تأخذون كلمة قرآنية وتصطنعون لها معنىً جديداً؟ هل ضاق عليكم لسان العرب؟
تقولون دائماً: "الكتاب والسنة"، لكن معنى السنة في الكتاب (أي القرآن) يخالف معنى السنة عندكم!
فما تفسير هذا؟
4.2.2. ألم يجدوا في القرآن كلمة أنسب من "السنة"؟ – الأُسوة
لعلك تظن أنهم أرادوا كلمة قرآنية لأساس دينهم الذي سمّوه: السُنّة.
لكن لو كان هذا فقطْ هدفَهم، لكانوا أخذوا مثلاً: كلمة الأُسوة، وهي قرآنية، وهي أقرب لما يريدونه، فلدينا في القرآن:
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا <33_21>الأحزاب
فكان يمكنهم أن يأخذوا هذه الكلمة. فهل غابتْ عنهم؟! لماذا أهملوها وأخذوا كلمة السنّة التي لا تعني ما يعنونه هم بها!
لماذا لم يسمّوا أنفسهم مثلاً: "أهل الأسوة" أو "أهل الأسوة والجماعة"؟
ولماذا لم يقولوا: "الكتاب والأسوة" بدلاً "الكتاب والسنة"؟
4.2.3. لماذا انتزعوا مصطلح السنة، وتركوا الحكمة مع أن معناها عندهم هو السنة؟
وأمر آخر محيّر: فقد قالوا إن الحكمة في القرآن معناها هو السنة (أعني تعريفهم هم لها).
فلماذا لم يأخذوا بهذا المصطلح؟ بهذه الكلمة "الحكمة"؟
لماذا لم يقولوا: نحن نؤمن بالكتاب والحكمة.
نحن أهل الحكمة. نحن أصحاب الحكمة. نحن الحكماء.
نحن إخوان الحكمة.
لماذا يتركون الحكمة ومعناها ما يريدون –وفقَ تقييمهم–، وينتزعون السنة من القرآن ومعناها فيه يخالف مرادَهم؟!
أليس هذا محيّراً؟
4.2.4. تسمية "أهل السنة" من أين؟ – وماذا عن "أهل القرآن"؟
ننظر من جديد في تسميتهم "أهل السنة" أو "أهل السنة والجماعة".
وأنت ترى مثلاً تناطحَ السلفية والأشاعرة على التسمي بهذا الاسم.
فالسؤال هنا لهم ولكل الفرق المنتسبة للإسلام، القديمة والحديثة:
ألم تعجبكم تسمية القرآن لكم؟ (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ <3_19>آل عمران) وَ (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ <22_78>الحج). هل استثقلتموها؟ هل استَطَلتُموها؟ فذهبْتُم مثلاً إلى التسمية المختصرة: أهل السنة والجماعة؟!
قد تقول هنا، أو قد يخطُر في بالك:
(هذه التسمية، تسميةُ "أهل السنة والجماعة"، لم تأتِ في القرآن، هذا صحيح. ولكنها جاءت في أشهر كتب الحديث، ولذلك تبنَّوها.)
والمفاجأة هنا أنك لا تجدها لا في صحيح البخاري ولا مسلم ولا في أي كتاب من الكتب الستة!
بل لا تجدها في كل الموسوعة الحديثية للدرر السنية – إلا بحكم التضعيف والوضع والإنكار، منهم أنفسِهم!!
وللتعريف بضخامة هذه الموسوعة أنقل إليك قولَ أصحابها عنها:
(وتمتاز هذه الموسوعة بمَيْزات عديدة؛ منها:
(1) قاعدة بيانات ضَخمة تَحتوي على مِئات الآلافِ من الأحاديث.
(2) عدَد العلماء الذين أُخذت أَحكامُهم عبْر ثلاثةَ عَشرَ قرنًا قُرابة 200 عالمِ.
(3) عدد الكتُب التي تمَّ استخراجُ أحكام محدِّثيها أكثرُ من 600 كتابٍ (أكثر من 2500 مجلدٍ).

ولننظر في النتائج التي هم بأنفسِهم يضعفّونها:
– نتائج "أهل السنة" –
في قسم "غير المختص" نجد نتيجة واحدة، ولكننا سننظر في قسم "المختص" وفيه نتيجتان إضافيتان:

https://dorar.net/hadith/search?q=%D8%A3%D9%87%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on#specialist
تاريخ التصفح
2023-05
1 - في قولِهِ : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [*الآية: 3_106 آل عمران] فَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ :
أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ : أهلُ الأهواءِ و البِدَعِ
الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : الدارقطني | المصدر : لسان الميزان
الصفحة أو الرقم : 1/508 | خلاصة حكم المحدث : موضوع | أحاديث مشابهة
[* هذا في قسم "غير المتخصص"]
وطبعاً رائحة التلفيق تفوح. وهم يعترفون: "موضوع". لكنك تجد هذا التشويه لكلام الله في عدد من تفاسيرهم، وإن كانوا لا ينسبونه دائماً إلى خاتم الأنبياء.
2 - عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ في قولِه {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} [*الآية: 3_106 آل عمران] قال تبيضُّ وجوهُ أهلِ السنةِ وتسوَدُّ وجوهُ أهلِ البدعِ
الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : الخليلي | المصدر : الإرشاد
الصفحة أو الرقم : 3/872 | خلاصة حكم المحدث : ينكر هذا من حديث مالك
التخريج : أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (43/ 10)، والدارقطني في ((الغرائب)) كما في ((الزيادات على الموضوعات )) للسيوطي (238)، والخطيب في ((الرواة عن مالك)) كما في ((لسان الميزان- مؤسسة الأعلمي)) لابن حجر (1/ 202) باختلاف يسير.
[* هذا في قسم "المتخصص"]
3 - ومِنَ الفرقةِ الناجيةِ قال أهلُ السنةِ والجماعةِ كتابُ ذمِّ المالِ والبخلِ قيلَ أيُّ أُمتك أشرُ قال الأغنياءُ
الراوي : - | المحدث : السبكي (الابن) | المصدر : طبقات الشافعية الكبرى
الصفحة أو الرقم : 6/346 | خلاصة حكم المحدث : [ لم أجد له إسنادا ]
[* هذا في قسم "المتخصص"]
في النص السابق تصحيف، وهذا ما جاء في الكتاب المصدر للسُبكي:

(حديث: ومَنِ الفرقةِ الناجيةِ؟
قال: "أهل السُنة والجماعة".
[* ثم تأتي فِقْرة جديدة عنوانها:]
{كتاب ذم المال والبُخل} – تاج الدين السُبكي، طبقات الشافعية الكبرى، دار إحياء الكتب العربية، تحقيق عبد الفتاح الحلو، محمود محمد الطناجي، ج6، ص346)
السُبكي، طبقات الشافعية الكبرى، دار إحياء الكتب العربية،
تحقيق:الحلو/الطناجي، ج6، ص346
والنص هناك مضطرب، يبدو مُقحماً إذ لم يكن الكلام عن الفرقة الناجية. على كل حال هم وفّروا علينا الجدال. إذ يقولون "لم أجد له إسناداً". ونتابع مع موسوعة الحديث في الدرر السنية:
ملاحظة:
بَحَثْنا هنا بصورة أعم عن "أهل السنة" ولم نخصص البحث في "أهل السنة والجماعة". ومع ذلك لم نجد نتيجة واحدة هم يقبلون بها!
ولكنْ لعلّ قائلاً يقول: يجب البحث عن "لأهل السنة" مع اللام.
جيد، نجد عندها أيضاً 3 نتائج، إحداها في قسم "غير المتخصص":

https://dorar.net/hadith/search?q=%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on#specialist
تاريخ التصفح
2023-05
1 - طُوبى لأهلِ السنةِ والجماعةِ من أهلِ القرآنِ والذكرِ
الراوي : سعيد الشامي والد عبدالعزيز | المحدث : ابن عدي | المصدر : الكامل في الضعفاء
الصفحة أو الرقم : 7/21 | خلاصة حكم المحدث : مُنكَر بهذا الإسناد
[* هذا في قسم "المتخصص"]
2 - طوبَى لأهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ من أهلِ القرآنِ والذِّكرِ
الراوي : سعيد الشامي والد عبدالعزيز | المحدث : ابن القيسراني | المصدر : ذخيرة الحفاظ
الصفحة أو الرقم : 3/1566 | خلاصة حكم المحدث : منكر | أحاديث مشابهة
[* هذا في قسم "غير المتخصص"]
3 - طُوبَى لأهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ من أهلِ القرآنِ والذِّكْرِ
الراوي : سعيد الشامي والد عبدالعزيز | المحدث : الذهبي | المصدر : ميزان الاعتدال
الصفحة أو الرقم : 2/641 | خلاصة حكم المحدث : [فيه عبد الغفور أبو الصباح الواسطي ذكر من جرحه ]
[* هذا في قسم "المتخصص"]
فهم أيضاً لا يقبلون بها!
ولو كنت ما زلت في شك، وتريد مزيداً من التدقيق والتمحيص، فابحث أيضاً عن "أأهل السنة" وَ "بأهل السنة" وَ "فأهل السنة" وَ "كأهل السنة" وَ "وأهل السنة": النتيجة في هذه الحالات: صِفر! 0!
https://dorar.net/hadith/search?q=%D8%A3%D8%A3%D9%87%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on
https://dorar.net/hadith/search?q=%D8%A8%D8%A3%D9%87%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on
https://dorar.net/hadith/search?q=%D9%88%D8%A3%D9%87%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on
https://dorar.net/hadith/search?q=%D9%81%D8%A3%D9%87%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on
https://dorar.net/hadith/search?q=%D9%83%D8%A3%D9%87%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on
تاريخ البحث 2023-05
فحتى هذه التسمية هي من ابتداعاتهم، اختلاقاتهم، خروقاتهم في الدين.
4.2.4.1. والطريف هنا أنك تجد مصطلح "أهل القرآن" في مصنفاتهم التي يجعلونها من "السنة":
والطريف هنا أنك تجد مصطلح "أهل القرآن" في مصنفاتهم التي يجعلونها من "السنة":
مثال "لحديث" هم يصفونه بالصحّة:
إنَّ للَّهِ أَهْلينَ منَ النَّاسِ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ ، من هُم ؟ قالَ: هم أَهْلُ القرآنِ ، أَهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح ابن ماجه
الصفحة أو الرقم : 179 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | أحاديث مشابهة | شرح الحديث
https://dorar.net/hadith/search?q=%D8%A3%D9%87%D9%84+%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86&st=p&xclude=&rawi%5B%5D
تاريخ التصفح
2023-05
ولكن هواهم في البعثرات طاغٍ، كما علمنا! فلم يحبوا التسمي بأهل القرآن بل فضلوا أهل السنة والجماعة، وأهل الحديث، والسلفية والأشعرية..حتى لو كانت خارج القرآن وخارج ما يسمونه السنة!
ورأيناهم هم وخصومَهم من الفرق الأخرى زاهدين في التسمي "بالمسلمين"، التسمية التي جاءت في القرآن!
فانظر إلى حالهم – وضلالهم عن القرآن، حتى في التسميات!
4.2.5. السيرة النبوية وما يسمونه السنة النبوية
نعود إلى تعريفهم الشائع للسنة أي أنها: "كل ما أُثر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير"
نسألهم: ما الفرق بين السيرة وتعريفكم هذا للسنة؟
نحن أما احتمالين:
- إن كنتم ترَونهما شيئاً واحداً، فإنّا نسألكم: لماذا لا تقولون: نحن أهل السيرة، أو أصحاب السيرة. ولماذا لا تقولون: نحن نؤمن بالكتاب والسيرة؟ (لماذا تنتزعون مصطلح السنة من القرآن؟)
- أما إن كنتم ترَوْنَهما مختلفَين (ونحن نوافقكم على هذا) فإنا نسألكم: أين سيرة نبينا محمد؟ أين كان حرص أسلافِكمُ القدماء؟
لماذا لم يقوموا بتدوين كتاب معتمد لسيرة خاتم النبيين؟
أم تراهم اكتفَوا بذم ما كتبه غيرهم. ألم يقل مالكٌ عن ابن إسحاق "دجال من الدجاجلة"؟ وهو الذي أخذ عنه ابن هشام سيرَته، أعني سيرَته لنبينا محمد.
وعلماؤكم كثيراً ما يطعنون في منهج المؤرخين وكتّاب السيرة عامةً.
فلماذا لم يقوموا هم بتدوين سيرة محمد؟ ألم يجدوه يستحق ذلك؟
أم تراهُمِ انشغلوا بعدّ التمرات التي كان يأكلها، أو عدّ شعرات لحيته؟
وإن شئتم حدثتكم بما ملأتم به كتبَ ما تسمونه السنة! – ولكن لندع ذلك.
قُلنا إنّا لا نرى السيرة هي مكافئة لما تسمونه السنة.
فهي أعلى بكثير، ولكنكم فرطتم بها، أعني أسلافكم الذين لا تكفون عن تعظيمهم وتبجيلهم.
هي أعلى بكثير لأن السيرةَ، سيرةَ أي شخص، فيها سياقات، فيها تسلسلات. أما مصنفاتُ سنتكم فهي فوضوية، ولا أطعن هنا في صحتها، فحتى لو كانت كلُها صحيحةً، وحتى لو كانت كتباً محددةً بعينها، فإنها تبقى فوضوية، وقيمتها دون السيرة بكثير!
إذ يمكننا أن نتخيل حالها هكذا:
لو فرضنا أنه لدينا كتابٌ صحيح في السيرة، سيرة نبينا أو أي إنسان آخر. عندها يمكننا أن نحصل من كتاب السيرة هذا، على ما تسمونه السنة هكذا:
- ننتزع منه كل صفحاته ثم ننسخها عشراتِ المرات، أو مئاتِ المرات.
- ثم نقوم بتقطيع تلك النسخ إلى قُصاصات، فتتحول كل ورقة إلى عشرة مبعثرات – أحسبكم تسمونها أحاديث.
- وبعدها نأخذ تلك القصاصات فنخلطها عشوائيا ونوزعها على مئة مجلد مثلاً.
- ثم نسمي تلك المجلدات المئة: صحيحَ فُلان، ومُسنَدَ عِلّان، وسُننَ زيدٍ، وموطّأ عبيدٍ!
فنحصل على 100 مجلد من "سنة" ذلك الإنسان، بعد أن كان لدينا كتاب منسَّق في سيرته!
فالسنة –على تعريفكم– هي سيرة ممزّقة مشتتة مشوّهة.
وأعيد: يبقى حالها هكذا، حتى لو كانت كلُ مروياتها صحيحةً، وحتى لو فرضنا أنكم حددتم لها مثلاً 100 مجلدٍ، لتكون هذه المجلداتُ هي نصَّ السنة بعينه وكماله.
طريقة تدوينكم للسنة (ما تسمونه هكذا) لم يكن منظماً. فلم يجتمع مثلاً البخاري مع مسلم وغيرهما، ليشكلوا لجنةً لتدوين السنة كاملة.
بل ترى كلاً منهم يُصدر كتاباً لِما يراه هو من السنة، أو لِما قيل له هو من السنة.
والألباني المتأخِّر، الذي لقبوه بمحدِّث العصر، أصدر أيضاً كتابَه، "صحيحَه" لكنه سماه "السلسلة الصحيحة". وكأنهم يُصدرون "ألبومات" في السنة.
(قد يختلط عليك الأمر: لا أعني بـ "ألبومات" جمع طائر "البُومة"، بل ما ينشره المُطرِبون والمغنّون في الأسواق لتلهية هواتهم).
4.2.6. إذا كانت كلمة السنة تعني الطريقة، فهل تعبّر كتبكم عن طريقة النبي؟!
مطعن جديد في مصطلحكم في السنة.
تقولون إن السنة هي في اللغة: الطريقة. وَلْنقبل بهذا.
فالسؤال هو: هل مصنفات السنة عندكم هي المعبّرة عن طريقة النبي؟
ودعوني أقرّبْ لكمُ المسألة.
لنفترض أني أقول لكم، إني أتبع طريقة فلانٍ، ولنقل إنه داعية، أو مفكر، أو فيلسوفٌ، أو صاحبُ مذهب اجتماعي أو سياسي – أو نحو ذلك.
ثم أجيئكم بمجموعةِ كتبٍ أقول لكم هذه طريقته، هذه سنتّه، كما دوِّنت.
ماذا ستتوقعون أن تجدوا فيها، في مجموعة الكتب تلك؟
لو قرأتم فيها: مثلاً:
رأيت فلاناً يأكل يوم كذا وكذا الكُبّة وشرب بعدها الببسي-كولا وشيئاً من الفَنْتا.
ثم فتحتم كتاباً آخر من مجموعة الكتب ذاتِها فقرأتم: ذهب فلان إلى المطعم وأكل فيه الهمبرغر مع الكتشاب ولكن من دون المايونيز.
ماذا تراكم ستقولون لي؟ ألن تتعجبوا مما تقرؤونه في تلك الكتب، التي جئتكم بها، زاعماً أنها تعبّر عن سنة فلان؟
ألن تقولوا: هل فلان الذي تتبع سنتَه هو صاحب نظام غذائي؟ أم ماذا؟
ثم ماذا تراكم تقولون إن وجدتم في كتب سنة فلان ذاته:
كان يحب أن يغسِل شعره بالشامبو كذا، وكان يحب رائحة الصابون كذا،
ورأيته مرة يذهب إلى الحلَّاق حيث صبغ شعره.
ستقولون: فماذا؟ ما هذا الكلام؟ ماذا تريد به؟
ثم ماذا تراكم تقولون إن قرأتم في كتبي عن سنة فلان:
أني رأيته يقطع الشارع يوم الخميس وفي يده كيسٌ من الشوكولاته وهو يرتدي بنطالاً أزرق وقميصاً بنياً.
…
وقد رآه علّان مرةً وهو يتمشى في الحديقة وهو يرتدي معطفاً أخضر…
ألن تقولوا لي بأني أعبث بكم؟ أو أني مجنون؟ أو أني أستهزئ بفلان، بسنّته؟
اصدقوني القول! اصدقوا أنفسَكم!
واعلموا أن كلامي هذا ليس لأني أكذِّب أخبارَكم في هذه الأمور، لا يهمني هنا التصديقُ أو التكذيب.
رواية التفاهات عن سنّة/طريقة فلان تُسيء لفلان – حتى لو كانت صحيحة!
وهذا إن قلنا بأن فلاناً هو شخص عادي، فكيف برسول الله محمدٍ، خاتمِ النبيين؟
وأعطيكم مثالاً آخر: لو حدثتكم عن عالمٍ عبقريٍ في الرياضيات. وقلت لكم: هو يجيد جدول الضرب، ويعرف حل المعادلات من الدرجة الأولى: فهو يعرف أن حلّ:
(3س = 6) هو س=2.
أفَلَنْ تقولوا لي: أنت، بلا شك، تستهزئ بعالِم الرياضيات ذاك.
ولن تقولوا هذا، لأني كذبْتُ عليه، ولكن: لأني جئت بأسخف الأشياء، التي يعرفها العامة، وأخبرت بها عنه!
فكتبكم مليئة بالأمور التافهة عن نبينا محمد وأنتم تسمونها "سنة النبي" (أي طريقتَه).
وكانت النتيجةُ ما يراه الجميع. صار الدين في القشور.
والناس يسألون المشايخ فيها.
وهم –علماؤكم– ينشرون إجاباتِهم بكل فخر: كتابةً وصوتاً وصورةً!
ولعل هذه هي "سنّة" أمير المؤمنين في حديثكم ، سفيانِ الثوري:
"يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَحُكَّ رَأْسَهُ إِلَّا بِأَثَرٍ"
ahl_hadith.html#i-vmp1yem0ypj0
وراجع ما ذكرناه هنا في فِقرة: أحمد بن حنبل والغزالي واللغو:
مثلاً: قولَ أحمدَ بنِ حنبل: (مكثْتُ في الحيضِ تسع سنين حتى فهمتُه.) وهو من كبراء فنون البعثرة.
ahl_hadith.html#i-h8x0lm311ej0
كتبكم التي جعلتموها هي "السنة" أي طريقةَ النبي محمد: فيها إساءات له، إساءاتٌ لخاتم النبييين، وهو النذير المبين [وهذا الوصف جاء بالتعريف فقط له في القرآن].
4.3. القسم الثاني: سنة الله في القرآن، وتفاهة وصف المشايخ لها
4.3.1. أيهما أعلى عندكم: سنة الله أم "سنة" النبي؟
لنلخص ما وجدناه في مصطلحهم في السنة:
- المصطلح فاسد، التسمية لا توافق المسمَّى.
- هذا المصطلح بالرغم من فساده يسيطر على القرآن. فقد جعلوه قاضياً وحاكماً على كتاب الله.
- تسمَّوا بهذا المصطلح الفاسد "أهل السنة"، مع أن هذه التسمية ليست في القرآن ولا حتى في المصادر المزعومة للسنة – سنّتِهم.
- هذا المصطلح الفاسد يبدِّل معنى كلمة من القرآن.
- لم يكتفوا بانتزاع كلمة من القرآن وإيجاد معنى جديد لها بل طغَوا على معناها الأصلي!
لكن كل هذا الفساد والإفساد سيصغر في عيوننا بعد أن ندرس الكلمة التي اعتدَوا عليها، فهي ليست كأية كلمة جاءت في القرآن.
ولكن حتى لو كانت هذه الكلمة هي مثلاً: الزمهرير أو القمح أو البصل أو الإبريق أو العسل (وكلٌ منها ورد مرة واحدة فقط في القرآن، وفي سياقات لا تقارن بكلمة السُنّة).
ولكن حتى على هذه المفردات القرآنية لا نَقبل منهُمُ الاعتداء عليها بتبديل المعنى!
ودعونا نتساءلْ الآن:
عندما تُسمَع اليوم كلمة "السُنة"، ماذا يخطُر في البال؟
"سنة النبي – صحيح البخاري – سنن الترمذي – مسند أحمد… شرح السنة للبربهاري.."
أو عند فريق البعثرة الآخر: "الكافي للكليني – من لا يحضُرُه الفقيه للشيخ الصدوق … أو بحار الأنوار للعلامة المجلسي.."
كل هذه الأمور ستخطُر في البال، إلا السنة التي ذُكِرت في القرآن في كتاب الله!
"سنّة الله" عندهم في المرتبة العاشرة أو دون ذلك – لا تستحق عندهمُ الذِكر!
ابحث في النِّتّ(الشبكة) كما تشاء عن "السنة"، ستجد الأغلبية الساحقة للنتائج عمّا سُمّي بسنة النبي. وابحث بالتحديد عن "سنة الله" فإن النتائج الأولى والغالبة هي عن "سنة النبي" (كما يسمّونها هم)!
وحتى تظهر لك شناعة مُفسِدي مصطلح السنة أكثر، أفترض معك أن "سنة النبي" جاءت هكذا حرفياً في القرآن (وهي لم تَجِئْ فيه قط). أيهما أحق عندها أن يُذكر ويعلَّم: سُنّةُ الله أم سنة النبي (وليأخذوا التعريف الذي يهوَونه للسنة)؟
السؤال سهل وبسيط. لكنه مُشكل عندهم!
فمن الذي أذِن لأسلافكم بأن يسطُوا على سنة الله حتى أنسَوها الناسَ؟
ومن الذي أوحى لهم بأن يطغَوا بكتب سنتهم على سنة الله؟
4.3.2. ما هي سنة الله عند المشايخ؟
رأينا أنهم رفعوا سنتهم فوق سنة الله، فصارت فوضى المبعثرات هي الممثلَ الأوّلَ لكلمة السنة، هي أول ما يخطُر في البال عند سماع هذه الكلمة.
لكن هذه ليست نهاية الكارثة، كما سنرى.
فحتى لو سألتهم بشكل مباشر عن سنة الله فإنك ستحصل منهم على العجَب.
ولنستمع هنا لهذه العيِّنات من كلام مشايخ البعثرة:
ماذا يقولون هم بأنفسهم عن "سنة الله". سنستمع إليهم وبعدها نتدبر القرآن لنفهم السنة.
4.3.2.1. نبدأ بالشيخ صالح الفوزان
https://www.youtube.com/watch?v=yERZn0vbwX4
(المشاهدة في 2023-05)

هذا تجد على صفحتة تسجيلاً طوله ثلاثَ عَشْرةَ ثانيةً فقط، سُئِل فيه "العلامة الدكتور صالح الفوزان" عن سنة الله. فجاء بعبارة واحدة، قال: (سنة الله في خلقه - الطريقة - التي مضت - [*تنحنح] - [*يعيد] الطريقة التي مضت في خلقه، سبحانه وتعالى).
جوابه تحليل الماء بالماء، ولكنه وجده قيّماً فنشره لمريديه.
4.3.2.2. لنذهب إلى زميله: علي العاملي الكوراني
https://www.youtube.com/watch?v=H3LON20eP9c
(المشاهدة في 2023-05)

ستقول لي، هذا شيعي وذاك سني!
هم كلهم زملاء ورفقاء وشركاء في هجر القرآن، وفي فنون البعثرة.
يختلفون في كل شيء ولكنهم يتفقون مثلاً: في قتل المرتد ورجم الزاني. ويتفقون أيضاً في إهمال العمل الصالح، إذ يقولون لأتباعهم: يكفيكم أن تقولوا كذا وكذا خمسةً وستين مرةً، لكي تدخلوا الجنة ويبني الله لكم تسعةَ قصور فيها – وأشياءَ كثيرة من هذا القبيل.
وقد اتفقوا على جعل نبينا محمدٍ شفيعاً للمجرمين – إذ قالوا إنه يشفع "لأهل الكبائر" منهم!!
"شَفاعَتي لأَهْلِ الكَبائرِ مِنْ أُمَّتي"
لكن دعونا من هذا ولنعد إلى سنة الله، أو ما قاله الكوراني فيها.
يُسأل عن "حقيقة سنة الله".
فيجيب:
(سنة الله القانون الإلهي، القانون الإلهي لحياتنا، أن أحدنا يُخلَق طفلاً ثم يصبح صبياً، ثم يصبح غلاماً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً [*…].
سنة الله في الدول: الدولة كيف تبدأ وكيف تتطور – وإلى أن تنتهي.
سنة الله في الأمم بعد أنبيائها [*وأحسبك تعرف ما يريد] – "لتتبعن سنن من كان قبلكم" [*القول المنسوب لنبينا محمد عندهم] الأمم بعد رسلها تنحرف. بنو إسرائيل انحرفوا. [*…]
[* وفي 1:27] سنة الله أنه بعد الرسل يكون ناس يطمعون بخلافة الرسل ويقع صراع بين المنحرفين والثابتين على الحق من تلك الأمم.
[* ثم ينتقل إلى]
سنة الله في الشجرة تنمو إلى أن تهرم وتيبس.
[* وما زال يُعدِّد]
سنن الله عز وجل منها سنن تكوينية، في الطبيعة، سنن في المجتمع، سنن في أفكار الناس وتطورها أيضاً، تطور علوم الناس، هذه أيضاً من السنن الطبيعية.)
[الكلام من قناته الرسمية في يوتيوب. تجد إحالة إليها من موقعه: http://www.alameli.net/]
أول ما تلاحظه: أن هذا العالم يُسأل عن سنة الله (سُئِل: "ما هي حقيقة سنة الله")، ولكنه يبدو جاهلاً بأنها، أي سنةَ الله، قد وردت في كتاب الله! فلم يذكر ما جاء عنها في القرآن. بل ذكر لنا "الحديث" المشهور المنسوب لنبينا محمد: (لَتَتَّبِعُنّ سننَ ما كان قبلَكم). وليس فيه أصلاً ذكر "سنة الله"، بل سُنن الشعوب السابقة! وسنة الله في القرآن تأتي دائماً بصيغة المفرد، لا توجد فيه "سنن الله"!
ثم ذكر أهم شيء لديه ولدى فرقته، وهو قضية الصراع بين الصحابة، ولكنه لم يصرّح بل ذهب إلى موسى و "خليفته" يوشع أو يشوع،
ثم قال "خلّا لهم –موسى سلام الله عليه– وصية يوشع، عزلوه وجابوا واحد من شيوخ الأسباط ثم جابوا الثاني ثم جابوا الثالث"
ثم ذكر أن صفراء(وهي امرأة موسى) "قامت عليه"! فكما ترى: يوشعُ يذكره بدلاً من عليّ، وصفراءُ بدلاً من عائشة! هذا ما ارتآه في شرحه لحقيقة "سنة الله"..(ولاحظ أنه يذكر العدد ثلاثة من شيوخ الأسباط – وعلي قبله كان أيضاً الثلاثة: أبو بكر وعمر وعثمان.)
ثم وبعد أن أنتهى مما يُهِمُّه، تابع الكلام في كل ما يخطُر في باله فيجعله هو السنة – ولكن ما جاء في كتاب الله عن سنة الله، فهذا لا يخطُر في باله.
وأمر آخر: –نستطرد قليلاً– في توراة اليهود و"المسيحيين" (سِفر الخروج 4) قصة غريبة لصفّورة(الكوراني يسمّيها: صفراء)، فيها محاولة(!) من الله لقتل نبيه موسى!
راجعها في الفِقْرة 10- 1- 6 : "لمس عورة موسى بغُلفة ابنه – عريس الدم" من المكدّس في الكتاب المقدس، ص134.
وعن يوشع (أو يشوع) تجد في الفقرة 11- 3، ص174: قتل الأطفال إكراماً للرب! (21 وقتَلوا بحَدِّ السَّيفِ إكرامًا للرّبِّ جميعَ ما في المدينةِ مِنْ رِجالٍ ونِساءٍ وأطفالٍ وشُيوخ، حتى البقَرَ والغنَمَ والحَميرَ. – يشوع6)
[أما ما قاله عن أن صفراء "قامت على" يوشع/يشوع فلم أجد ذلك في ما يسمى التوراة. فلا أعرف مصدرها لديه.]
4.3.2.3. نتابع مع الشيخ علي الطنطاوي
هذا يحكي لنا حبَّه لبناتِه وحزنَه عندما تزوجن فتركنه. ويرى "سنة الله" في هذا وما يشبهه.
أيضاً لا يخطُر في باله أن يذكر لنا ماذا جاء في كتاب الله عن "سنة الله".
https://www.youtube.com/watch?v=O63IFekueaM
(المشاهدة في 2023-05)

4.3.2.4. ننتقل إلى الشيخ محمد راتب النابلسي
https://youtube.com/watch?v=Of0T05dXHn0
(المشاهدة في 2023-05)

هذا يأتيك أيضاً بقصة: القانون (وقد رأيناها عند زميله الكوراني). والمقطع في بدايته:
"ماذا توحي لكم كلمة قانون ؟ تعني علاقة ثابتة بين متغيرين، تطابِقُ الواقعَ، عليها دليل"
ونتذكر قول زميله الكوراني: (سنة الله: القانون الإلهي،)
وبعدها يحدّثك عن تمدد المعادن بالحرارة وتقلصها.
ويقول: " أي عنصر في الأرض بالحرارة [بـ]يزداد حجمه، بالبرودة [بـ]ينكمش" 0:45
ثم في 0:57:
"لو أن الإنسان قرأ القرآن - قال: ولن تجد لسنة الله تبديلا - كلمة "سنة الله" تعني القانون"
هذا يبدو أنه يعلم أن سنة الله وردت في القرآن –فهو متقدِّم على شركائه في البعثرة الماضين– ويذكر جزء الآية "ولن تجد لسنة الله تبديلا". ولكن يبدو أنه أيضاً ضحية من ضحايا البعثرة. فهو يتذكر الآية (أو الآيتين اللتين جاءت فيهما العبارة: ولن تجد لسنة الله تبديلاً)، ولكنه ينسى السياق. فليته هو قرأ القرآن ونصح شركاءه المبعثرين بقراءته.
ولا أدري ما الذي حبّب إليه فذلكته في البداية: "ماذا توحي لكم كلمة قانون؟ تعني علاقة ثابتة بين متغيرين، تطابِقُ الواقعَ، عليها دليل"
وليته بقي يتكلم في الفذلكة والبعثرة، وفي الفيزياء والكيمياء والسُّنة الانكماشية والسّنة التمددية – حتى لو كان في ذلك مخطئاً، فليست كل العناصر تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة كما زعم، توجد استثناءات (راجع ما يُسمّى بالتمدد الحراري السلبي).
4.3.2.5. وأخير ننظر إلى درّة من درر عائض القرني
https://twitter.com/Dr_alqarnee/status/110363258589941762
https://web.archive.org/save/https://twitter.com/Dr_alqarnee/status/110363258589941762
(المشاهدة في 2023-05)

هذا لم يسجّل لنا إجابته القيّمة بالصوت والصورة ولكنه غرّد بها. من موقع تويتر.
"اقبل الناس على ما هم عليه وسامح ما يبدر منهم، واعلم أن هذه هي سنة الله في الناس والحياة."
هذه "سنة الله"؟!
فهو يرى أنه يجب أن تقبل الناس على ما هم عليه. هكذا، بصورة عامة. ولولا الحياءُ لقال لك:
(اقبل بالمُنكَر! لا تقاومه!
هذه سنة الله في الناس والحياةِ.)
(وأسلاف "المسيحيين" فعلوا ما هو أقبح من ذلك نسبوا لنبينا المسيح أنه قال: "لا تقاوموا الشرّ/الشرير!". (راجع: ملف "من ضربك على خدك الأيمن.." qawem.html))
ثم يقول "سامح ما يبدر منهم"، هكذا بتعميم. يعني: من ضربنا على الأيمن نعرض له الأيسر؟ ومن اغتصب مالنا، لا نطالبه به؟ ومن أراد قميصنا، نعطيه أيضاً رداءنا؟
وانعدام المروءة هذا يسميه هو سنةَ الله!! هذا ما يريد الشقيّ أن يعلّمنا إياه!
فالكارثة هنا لدى عائض القرني أكبر منها لدى زملائه في البعثرة، الذين مروا علينا.
4.3.2.6. هل يجهل المشايخ أيضاً سنة الله؟
فكما ترى المشايخ يُقولون كل ما يخطر في بالهم ويُلصقونه بسنة الله، ولا يخطُر في بالهم أن ينظروا في آيات سنةِ الله التي جاءت في القرآن.
هل عجزوا عن ذلك؟ عجزوا عن قراءة ست آيات؟ وجدوا الأمر متعباً؟
لا أدري. ولكن النتيجة كما ترى. سنة الله غائبة عن الأذهان. وقد حلت محلّها فوضى المبعثرات، بفضل شيوخ البعثرة، واستخفافِ عامة الناس بأديانها، وقد أخذوا الجهل عن علمائهم، علماء البعثرة.
4.3.3. فلننظر في كتاب الله لنفهم سنة الله
فلننظر في كتاب الله: ماذا جاء عن سنة الله -
سنّةُ الله: جاءت في القرآن في 6 آيات. في آيتين في الأحزاب[33]، وفي آية في كلٍّ من الإسراء[17] وفاطر[35] وغافر[40] والفتح[48].
ولنقرأْها بتسلسلها.
4.3.3.1. سنة الله ("لُسنّتنا") في سورة الإسراء 17_77
هنا أول ورود لسنة الله:
سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا <17_77>الإسراء
يا ترى: هل سنجد في سياقها شيئاً عن:
- السنةِ الانكماشية الحديدية؟
- السنةِ التمددية المَعْدِنية؟
- السنة القانونية الهوائية؟
- سنةِ العلاقة الثابتة بين متغيرين، المطابقة للواقع وعليها دليل؟
- سنةِ الشجرة التي تنمو ثم تيبس؟
- سنةِ الطفل الذي يزداد حجماً ثم يشيخ؟
- سنةِ أفكار الناس؟
- سنة ذهاب البنت من بيت أبيها إلى زوجها؟
- أوَ – سنة القبول بالمُنكَر؟
هل يُعقل أن يكون كلامُ مشايخ البعثرات –على اختلاف أحزابهم– كلُّه من خارج القرآن؟!
سنرى! – وليتهم هم يرَون!
هذه هي الآية الأولى، كما أسلفنا، وفيها كلمة "سنتنا" وهي فريدة في القرآن. في الآيات الخمس الباقية: تأتي "سنة الله" هكذا بكلمتين، أما هنا، في الإسراء، فالله يتحدث عن سنته بضمير المتكلم. وأمر آخر فريد وهو "لا" التي جاءت في " لا تجد لسنتنا تحويلاً". ففي الآيات الأخرى القادمة (في ثلاثٍ منها) سنجد "لن" في العبارة المشابهة: " لن تجد لسنة الله تحويلاً/تبديلاً".
لنقرأ الآية التي قبلها مباشرة:
وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا <17_76>
فالكلام فيه إنذار لأعداء الرسالة.
ولننظرْ في كلمة "تحويلاً" في الآية التي ندرسها:
سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا <17_77>الإسراء
هذه الكلمة ترد في السورة ذاتها:
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا <17_56>
أيضاً هنا الإنذار والوعيد والتبكيت.
وهنا ملاحظة أخرى، عن الآية 76، فيها كلمة "ليستفزّونك" هي من جذر ف-ز-ز، وهذا لا يأتي إلا في هذه السورة، سورة الإسراء، في ثلاث آيات؛ رأينا واحدة، نقرأ الآيتين المتبقيتين:
- فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُم مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَعَهُ جَمِيعًا <17_103>
- وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا <17_64> إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا <17_65>
وهذا يتماشى مع استخدام استفز في 76. أعداء الرسالة يستفزّون الرسل ومَن آمن معهم، أي يسعون لطردهم من أرضهم.
فالذي نجده هنا في "سنة الله" هو الإنذار لمن أرسلت إليهم الرسالة.
لكن –انتبه– قبل هذا الإنذار نقرأ هذه الآيات الخطيرة:
وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا <17_73>
وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا <17_74>
إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا <17_75>
[*ونعيد]
وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا <17_76>
فتأتي الآية:
سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا <17_77>
4.3.3.1.1. معاناة الرسل لتبليغ الرسالة وتحذير الله لهم
الآيات عظيمة وفيها خطاب خطير إلى رسول الله محمد. فيها التحذير الشديد، الذي ينتهي بـ:
إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا <17_75>
وهذا كله من أجل الرسالة وتبليغها، والإنذار الذي جاء فيها.
وبعدها:
وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا <17_76>
فالإنذار لأعداء الرسالة يأتي ضمنياً، بعد التحذير الشديد لمحمد. وفي إنذارهم تثبيت لرسوله، لكي لا يخشاهم.
(نعيد: سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا <17_77>)
وقد يبدو لك هذا الخطاب العظيم غريباً، إذا كنت ممن أُضِلّ عن القرآن بالمبعثرات، وهذا هو الشائع.
ولا بأس هنا أن نستطرد قليلاً في قضية " ساعي البريد ".
هي قضية اختلقها صبيان من يسمون أنفسهم بأهل الحديث. قالوا في جدالاتهم مع مخالفيهم: أنتم تقولون إن محمداً جاء فقط لتبليغ الرسالة أي أنه مجردُ ساعٍ للبريدٍ!
فانظر إلى شناعة هذه العبارة! وكأنهم يرون أن تبليغ رسالة القرآن أمر تافه – هو مثلُ رمي ظرف الرسالة في صندوق البريد!
وسنذكر بعض الآيات التي تبين المعاناة في تبليغ الرسالة ونعود بعدها لآية سورة الإسراء.
نحتاج هنا في أول ورود إلى شيءٍ من التفصيل.
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ <8_30>الأنفال
هذه موجهة لنبينا محمد، وبخصوص نبينا إبراهيم نقرأ:
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ <29_24>العنكبوت
وفي سورة غافر (وقد ذكرنا أن فيها أيضاً آية عن سنة الله):
- كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ <40_5>
- وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ <40_26>
- وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ <40_28>غافر
واضطهاد الفاسدين لمن يريدون الإصلاح معروف في القرآن وتشاهده أمامك كل يوم.
ولكن، بالرغم من ذلك يجب على الرسل أن يتحملوا أعباء الرسالة بكاملها ومن دون تنازلات،
الأمر في غاية الصعوبة، ولذلك نقرأ – عائدين بذلك إلى سورة الإسراء:
وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا <17_74>
فالرسل يحتاجون لتثبيت الله.
إضافة :
ولدينا هنا فضل الله ورحمته حتى لا يُضل الرسول:
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ [*!] وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا <4_113>النساء
والأمر يتكرر انظر مثلاً:
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ <27_10>النمل
وهنا ثانية مع نبينا موسى:
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ <26_10> قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ <26_11> قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ <26_12>
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ <26_13> وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ <26_14>
قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُسْتَمِعُونَ <26_15>الشعراء – أيضاً يثبّته ويزيد من عزيمته.
فهذه سنة الله مع المرسلين – نتذكر آية الإسراء:
سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا <17_77>
ونذكر أيضاً في ذلك من سورة الأنعام:
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا
حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ <6_34>
المرسلون عليهم أن يتحملوا في جهادهم لتبليغ الرسالة كل المصاعب. والله يثبتهم ويقويهم.
("وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ"، "إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ"، " إِنَّا مَعَكُم مُسْتَمِعُونَ" "أَتَاهُمْ نَصْرُنَا")
وانظر ايضاً ما جاء مع يونس في سورة القلم:
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ <68_48>
لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ <68_49>
فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ <68_50>القلم
أو مع يوسف:
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ <12_24>يوسف
وانظر الآن في الآية الـ 78 التي تأتي رأساً بعد آية "سنتنا" من الإسراء:
أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا <17_78>
[
إضافة:
- هذه الآية الوحيدة في القرآن التي تتكرر فيها كلمة القرآن!
- سورة الإسراء وردت فيها كلمة "قرآن" 11 مرة! فهي أغنى السور بهذه الكلمة، تأتي بعدها كلّ من النمل والقمر بأربع مرات فقط.
]
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا <17_79>
وهكذا يزيد الله المرسلين إيماناً وعزماً.
ولكن هذا لا يعني أن جهادهم في سبيل تبليغ الرسالة سيصير سهلاً.
وإلا لما كنتَ ستجد عبارات التحذير الشديدة:
مثلاً مع رسول الله موسى:
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى <20_13>
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [* مرةً أخرى الصلاة] <20_14>
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى <20_15>
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى <20_16>طه
"فتردى" أي فتهلِك. فعليه أن يتبع ما يوحى إليه وأن لا يميل إلى الكافرين بالآخرة.
وأنت قد تجد هذه العبارة ثقيلة اليوم أن تقولها لشخص عادي: لا يصدّنّك الكافرون عن الآخرة!
ولكن الرسلَ بشرٌ والله هو العليم الخبير بهم وبكل خَلْقه.
وانظر إلى ما يقوله هنا لرسوله محمد، في سورة الحاقّة:
تَنزِيلٌ مِن رَبِّ الْعَالَمِينَ <69_43>
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ <69_44>
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ <69_45>
ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ <69_46>
فَمَا مِنكُم مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ <69_47> الحاقة
أو في الشعراء:
فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ <26_213>
وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ <26_214>
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ <26_215>
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ <26_216>
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ <26_217>الشعراء
وفي الأنعام نقرأ عن الأنبياء:
وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ <6_86>
وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ <6_87>
ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ <6_88>الأنعام
وفي الإسراء ذاتها نقرأ:
ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ
وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [*!] <17_39>
ثمّ يأتيك مبعثِر –أو مبعثَر– مضلِّل ومضلَّل، يقارن تبليغ رسالة القرآن برمي المكتوب في صندوق البريد من قِبَل ساعي البريد!!
ونذكر أيضاً هذه العبارات الشديدة في سورة القصص:
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ <28_85>
وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ[*!] <28_86>
وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [*!] <28_87>القصص
("لا يصدّنّك": هذه العبارة وجدناها قبل قليل أيضاً مع رسول الله موسى في طه:
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى <20_16>طه
)
ونتذكر ثانية ما وجدناه في الإسراء:
إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ[*!] ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا <17_75>
طبعاً مثلُ هذه الآيات قد تجدها صادمة. وقد تصدِم أيضاً مَن لم يقرأ القرآن من قبل.
ولكنها تبيّن لك أن الأنبياء بشر، وهذا خطاب الله معهم – والقرآن ليس من تأليف البشر.
ولولا أنهم يعانون مثلَ البشر، لزال عنهم التكليف، وَلَفقدَ جهادُهم قيمته!
ولكنك تجد كثيرين رفعوا محمداً عن صفة البشرية، بصورة أو بأخرى، وهم يرون أنهم يُحسنون صُنعاً.
ولا أعني بذلك فقط غُلاة الصوفية.
خلاصة ما رأيناه هنا عن سنة الله يتعلّق بالإنذار في الرسالة.
إنذار للمرسلين عامة ولمحمد خاصة فهو الذي نزل عليه القرآن، ولذلك تجد التحذيرَ الإلهي إليه أكثرَ من غيره. الله يحذّره، لكي يحرص على تبليغ الرسالة كاملة، دون أي تنازل.
(فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ <68_8> وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ <68_9>القلم)
ولدينا أيضاً الإنذارُ لأعدائه، أعداءِ الرسالة، ولدينا تثبيتُ محمد.
ونذكِّر: وصف "النذير المبين" (مع التعريف) انفرد به محمد في القرآن.
"نذير مبين" بصيغة التنكير جاءت في إحدى عشرةَ آيةً، ثمانٍ منها لوصف محمد، وثلاثٍ منها لوصف نوح.
"النذير المبين" جاءت مرة واحدة بصيغة التوكيد هذه:
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ <15_89>الحِجر
[
إضافة
ويحسن أن نُورِد هنا هذه الآية أيضاً:
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى [*!] إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ
إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ [*!]
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ <11_12>
فهنا عندنا التوبيخ لمحمد، وتذكيره بأنه نذير، فعليه إتمام تبليغ الوحي مع الإنذار، مها ثقُل وصعب عليه هذا، والله على كل شيء وكيل.
]
4.3.3.1.2. إضافة لاحقة عن "النذير المبين"
قُلنا إن محمداً انفرد بوصفه النذير المبين.
أما "نذير مبين" دون التعريف فجاءت مع محمد ومع نوح.
ويحسن أن نذكّر بهذا:
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ [*!] <4_163>النساء
وخاتم النبيين هو محمد:
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ <33_40>الأحزاب [وهذه السورة سنتحدث عنها في الفقرة التالية]
فـ "نذير مبين" لم تأتِ إلا مع أول النبيين المذكورين في القرآن، وخاتَمِهم.
نتلو الآيات بتسلسلها. هي 3 مع نوح و8 مع محمد ومع آية "النذير المبين" يكون العدد 12:
- أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ <7_184>الأعراف [محمد1]
- وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ <11_25>هود [نوح1]
- وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ <15_89>الحِجر [مع التعريف: انفرد بها محمد]
- قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ <22_49>الحج [محمد2]
- إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ <26_115>الشعراء [نوح2]
- وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ <29_50>العنكبوت [محمد3]
- إِن يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ <38_70>ص [محمد4]
- قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ <46_9>الأحقاقف [محمد5]
- فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ <51_50>الذاريات [محمد6!] [وبعدها مباشرةً]
- وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ <51_51>الذاريات [محمد7]
- قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ <67_26>الملك [محمد8]
- قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ <71_2>نوح [نوح3]
والأخيرة كما ترى هي من سورة نوح، وفيها ما فيها، تنتهي بهذه الآيات:
مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا <71_25>
وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا <71_26>
إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا <71_27>
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا <71_28>نوح
أما آيات العذاب التي أنذر بها النذير المبين، خاتم النبيين، فلا حاجة، ولا مجالَ لذكرها هنا!
4.3.3.2. وبهذا ننتقل إلى الورود الثاني والثالث لـ "سنة الله" في سورة الأحزاب، 33_38 وَ 33_62
نأتي إلى سورة الأحزاب ويهمنا منها بعض الخصائص:
- هي الوحيدة التي تَرِد فيها "سنة الله" في آيتين.
- هي السورة الوحيدة التي جاء في مَطلَعها عبارة "لا تُطِع".
وتمام العبارة هو "ولا تُطعِ الكافرين والمنافقين"، وهذه العبارة بتمامها لم ترد إلا في هذه السورة، وقد وردت مرتين:
- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا <33_1>
- وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا <33_48>
تنبيه: عبارة "لا تُطِع" جاءت في سُوَر أخرى، لكن "لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ" فقط هنا.
- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا <33_1>
وقد رأينا في ما سبق، وجوب بقاء المرسلين صامدين، دون أي ميل لأعداء الرسالة والإنذار لهم.
الورود الأول في الأحزاب
ولننظر الآن في الورود الأول لـ "سنة الله" في هذه السورة، سورة الأحزاب:
مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا <33_38>
فعلى الرسول أن يبلّغ ما فرضه الله مهما صعُب الأمر. (وهذا وجدناه أيضاً في سورة الإسراء في الورود الأول لسنة الله.)
وبعد الآية:
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا <33_39>
فالله يقول لرسوله: لا تَخْشَهم واخشَني فقط، وأنا حسيبك. فهذا تحذير له ولكن أيضاً تثبيت له، لتبليغ الرسالة، وهذه سنة الله في المرسَلين عامةً: "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ".
وبعدها نقرأ مباشرة:
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا <33_40>
وقد ذكرنا أن محمداً انفرد بوصفه "النذير المبين".
الورود الثاني في الأحزاب
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا <33_62>
رأينا أن الآية الأولى من الأحزاب كانت موجهة للرسول لتقويته وأيضاً لتحذيره، أما الآن فلدينا – السياق:
لَئِن لَمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا <33_60>
("ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا <33_60>" تذكِّرنا بما جاء في الإسراء: "وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا <17_76> سُنةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا")
مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا <33_61>
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا <33_62>
وهنا تتكرر "سنّة الله"، وتجد عبارة التأكيد: وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.
وبعدها:
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا <33_63>
فبالإضافة للكلام الموجه للرسول: في أن يبلّغ الرسالة مهما كانت المصاعب والله حسيبه في ذلك؛ نجد أيضاً الإنذار الشديد لأعداء الرسالة.
4.3.3.3. سنة الله في سورة فاطر، 35_43
اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ
فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا <35_43>فاطر
— ولكنهم حوّلوها لكل ما هبّ ودبّ في أمخاخهم – مشايخ البعثرة!!
لننظر في السياق:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا <35_42>
[* من جديد الكلام عن الإنذار، الأمر واضح!]
اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا <35_43>
[* كلمة سُنّة ترد هنا 3 مرات، وهذا فريد]
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
[*كما ترى هنا التهديد للناس، المعادين للرسالة]
وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ
إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا <35_44>
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا <35_45>
[* وبهذا الوعيد تنتهي السورة]
فهنا الكلام أيضاً إنذارٌ للناس من العقاب، وتذكيرهم بالمُنذَرين قبلَهم وما جرى لهم بعد كفرهم من إهلاك وتعذيب.
وتفسير الآيات ليس مما يختَلِف فيه أهل التفسير بما فيهم مشايخُ البعثرة – ولكنك تجدهم في معزل عن القرآن عندما يسمعون كلمة "السنة" أو حتى "سنة الله". أمرهم عجيب.
ونذهب لخامس آيات "سنة الله" وهي أيضاً موجهة لعامة الناس، وليست خاصة بالرسول:
4.3.3.4. سنة الله في سورة غافر، 40_85
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ <40_85>غافر
ونقرأ قبلها:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ <40_82>
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ <40_83>
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ <40_84>
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ <40_85>غافر
ملاحظات:
- في فاطر كانت آية سنة الله هي في المقطع الأخير، أما هنا، في غافر، فآية سنة الله هي بذاتها الآية الأخيرة.
في فاطر ذُكِرت، بعد آية السنة، المهلة:
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا <35_45>
أما هنا في غافر، فالتنبيه أن إيمانهم لن ينفعهم عندما ينزل العذاب بهم:
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ <40_85>غافر
فهنا نجد في سنة الله الإنذار الرهيب: بأن الندم لن ينفع إذا نزل العذاب!
ونتذكر في سورة يونُس:
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ
قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ <10_90>
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ <10_91>
فإيمان فرعون هذا لم ينفعْه، بعد أن جاء أجَلُه.
في فاطر رأينا:
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً <35_44>
وهنا في غافر رأينا:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً <40_82>
فكما ترى حتى الألفاظ تتكرر. ولكن ماذا ينفع التكرار في القرآن، مع مَن جعل اتباع القرآن في هجره والحكم به في الحكم عليه ، بما ذكرناه من فوضى مبعثراتهم!
- وملاحظة أخيرة: في سورة غافر ذُكِر الرجل المؤمن من آل فرعون. الذي أنذر قومه، مع أنه على ما يبدو شخص عادي، ولم يذكر الله له اسماً.
والكلام عنه يمتد على أكثر من صفحتين من 40_28 إلى 40_45:
وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ <40_28>
يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ [*ينذرهم] إِن جَاءَنَا
قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ <40_29>
[*…] وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ <40_41>
تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ <40_42>غافر
4.3.3.5. سنة الله في سورة الفتح، 48_23
ونتلو الآن سادس الآيات وننتهي بذلك من مجموعة آيات "سنة الله". من سورة الفتح:
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا <48_23>الفتح
[* ونتذكّر: ( سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ <40_85>غافر)، قلنا: الألفاظ أيضاً تتكرر.]
وقبلها:
وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا <48_22>الفتح
أيضاً الإنذار، ولدينا في سورة القمر: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ <54_45> بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ <54_46>القمر
فهنا من جديد الإنذار لأعداء الرسالة المقاتلين لأتباعها. الأمور واضحة.
4.3.3.6. خلاصة سنة الله – ونسألهم من جديد
والآن بعد أن قرأنا كل آيات سنة الله مع سياقاتها – هل وجدت شيئاً من سُنَنِ أهل البعثرة؟
هل وجدت فيها سنن انكماش الحديد ونمو الشجرة وقانون الجاذبية؟…
ثم هل وجدتَ مرة عبارة "سُننِ الله" في القرآن؟ لا، فسُنّة الله لم تأت إلا بصيغة المفرد!
ولكنْ المبعثرون يُكثرون من قولهم "سُنَنَ الله".
طبعاً قد يقول أحد هواة البعثرة: (هل تُنكر أن الله هو الذي خلق كل هذه القوانين، التي تسخر منها! ألم يخلُق الله سنن نمو الشجر ونمو الطفل؟)
أقول: لا ينكر أحدٌ أن هذا من خلق الله، ولا أنكر أن الله خلق الطيور تزقزق، والخيول تصهَل، والضفادعُ تنِقّ، والحمير تنهَق.
لكن هل أراد الله مثلاً بقوله "لن تجد لسنة الله تحويلا/تبديلاً" و "لا تجد لسنتنا تحويلا" أن يقول:
أن الطيور ستبقى تزقزق ولن تبدأ بالنهيق مثلاً؟
هل أراد بقوله أن يُخبرنا: أن الطفل يزداد حجماً بعد الولادة، ولن يتحول أمره إلى نقصان الحجم؟
هل أراد أن يُعلمنا: أن الماء يتبخر بالتسخين ولا يتجمّد – فهذه "سنة الله"؟!
هل هذا ما جاء من أجله الرسل؟ هل هذا ما جاهدوا من أجله؟ هل هذه هي رسالةُ محمدٍ، النذير المبين، خاتمِ النبيين؟
ونعيد: سنة الله في كل الشواهد هي متعلقة بالإنذار الذي جاء مع الرسالة.
ولم يستثنَ من ذلك الرسل أنفسهم. فإنك تجد الإنذار أيضاً يوجهه الله إليهم!
فأنتم –أو أسلافكم– اعتدَوا على كلمة سُنّة الله، مع أنها جاءت في تلك الآيات العظيمات الجليات!
لماذا لا تكتفون بالقول بأن هذا من خلق الله؟ أو من تقديره؟ أو من تنظيمه؟ وإن شئتم فقولوا: من دساتيره وقوانينه ونواميسه!
لماذا تتابعون أسلافكم على عملية السطو، السطو على سنة الله، بتبديل معناها وتحويلها إلى أي شيء يعِنُّ في بالكم؟
الأمر واضح وجلي، وهو من أساس القرآن، ويتكرر في نصوص كثيرة مع مختلف النُذُر. فليس الأمر مقتصراً على تلك الآيات الست.
وقد تجد أموراً تفيدك في هذا، في كتاب The God Protocol
وهو لـ Sam Gerrans، إنجليزي أسلم وله أيضاً ترجمة للقرآن يمكن تحميلها من نفس الصفحة.
https://quranite.com/the-god-protocol/
الكتابان متوفران مجاناً بصيغة pdf.
4.3.4. باقي آيات جذر س-ن-ن – هل فيها ما يقولون؟
قد تبين لك اعتداء فرق البعثرة المختلفة على سنة الله، وتضييعُا لمعناها.
تبيّنَ ذلك من خلال قراءة آيات سنة الله الست في سياقاتها وتدبر معانيها.
فماذا بعد؟
نريد هنا قراءة باقي الآيات التي وردت فيها السنة. نقرؤها (1. أولاً) للاستئناس و(2. ثانياً) لكي يتأكّد لك أن تعريفهم للسنة "كل ما أُثِر عن النبي محمد من قول أو فعل أو تقرير" هو من خارج القرآن، حاله كحال معظم دينهم. ولا يهمهم أن يخالفوا القرآن في ذلك.
وللإنصاف: هم لم يدّعوا أصلاً أن تعريفهم لمصطلح السنة عندهم قرآني، ولكن لا بأس أن نذكر الآيات لإكمال البحث،
وجذر "س-ن-ن" لم يرد إلا في خمسَ عَشْرَة (15) آية. قد قرأنا منها ستاً 6، بقي منها تسعٌ 9.
- آل عمران:
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ <3_137>آل عمران
هذه تشبه ما رأيناه. - النساء:
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ <4_26>
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا <4_27>النساء - المائدة:
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ
وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ <5_45>المائدة
قلنا: إننا نذكر كل آيات الجذر س-ن-ن، حتى لو لم تكن من باب السُنّة. - الأنفال:
قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ <8_38>الأنفال
أيضاً تشبه ما رأيناه. الحِجر(4 آيات):
- لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنةُ الْأَوَّلِينَ <15_13>الحجر
- وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ <15_26>الحجر
- وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ <15_28>الحجر
- قَالَ لَمْ أَكُن لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ <15_33>الحجر
وأذكِّر هنا بأن آية "النذير المبين" أيضاً في الحجر:
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ <15_89>الحِجر
وكذلك فيها:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ <15_9>الحِجر
- لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنةُ الْأَوَّلِينَ <15_13>الحجر
- الكهف:
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا <18_55>الكهف
فكما ترى الآيات ليس فيها شيء من تعريفهم الذي خرقوه للسنة. ومنها ما يُمكن إدراجه في باب "سنة الله"،
ولكن لا حاجة لنا هنا في هذا. فآيات "سنة الله" قرأناها ورأينا معانيها بوضوح.
4.3.5. هل الحِنّاء هي سنة الله؟ هل سنة الخلفاء هي سنة الله؟
4.3.5.1. سنة الله دائماً يلصقون بها شيئاً آخر!
أعلم أني أثقلت عليك، ولكنْ هناك أمر مهم في هذا الباب.
قد رأيتَ أن مشايخ البعثرة غافلون عن سنة الله، وينشرون غفلتهم بين أتباعهم، الذين لا يهُمّهم التفكير في ما يتّبعون.
لكن ماذا عن أئمتهم القدماء؟ ماذا تراهم تركوا لنا في مُدَوّنات ما يسمونه السنة؟
ماذا نجد فيها عن سنّة الله ؟
ولأني أثقلتُ عليك فإني أبدأ بطُرفة لديهم – أقرأ لك هذه البعثرة:
7 - الحِنَّاءُ سُنَّةُ اللهِ وسُنَّةُ رسولِه ، يُسبِّحُ الحِنَّاءُ على الرَّجلِ والمرأةِ والصَّبيِّ ، وركعتان في الحنَّاءِ تعدِلُ أربعًا وعشرين ركعةً ، وإذا ما دُلِّي الرَّجلُ في القبرِ يدخلُ عليه مُنكَرٌ ونكيرٌ، يقولُ أحدُهما لصاحبِه : سَلْه فيقولُ : كيف أسألُه ومعه حُجَّةُ الإسلامِ يعني الخضابَ ؟
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : ابن الجوزي | المصدر : الموضوعات لابن الجوزي
الصفحة أو الرقم : 3/232 | خلاصة حكم المحدث : لا يثبت | أحاديث مشابهة
التخريج : أخرجه ابن الجوزي في(( الموضوعات )) (3/ 56)،
https://dorar.net/hadith/search?q=%D8%B3%D9%86%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on
تاريخ التصفح 2023-05
كما ترى الحديث ملفّق في منتهى السخف وهم يعترفون بذلك: "خلاصة حكم المحدث : لا يثبت" وابن الجوزي جعله في كتابه "الموضوعات".
لَكِن لماذا أذكر لك هذا؟، والقوم لم يصححوا الخبر.
الجواب:
كم هجر المسلمون القرآن، كم أغفلوا سُنّة الله، حتى تجرأ حقير على نشر مثل هذا الخبر ونسْبِه لرسولِ الله؟
فابن الجوزيّ ما كان سيذكر هذا الحديث ويوردُه في كتابه الموضوعات، إلا لأنه وجد له انتشاراً ما.
أعطيك مثالاً آخر: هل ستجد في كل الأحاديث التي يصفونها هم بأنها موضوعة – هل ستجد فيها مثلاً: قال الرسول: الله ثالث ثلاثة؟! بالطبع لا. لكن حديث الحناء هذا موجود.
ولكني ذاكرٌ لك الآن السببَ الرئيسي لهذه الفِقرة، وهو يتعلق بأحاديثهم الصحيحة، لا الموضوعة.
فماذا جاء في مبعثراتهم –التي يصحّحونها– عن "سنّة الله"؟
قد تأخذك الظنون فتقول: هل أغفلوها كلياً في أحاديثهم؟ هل حذفوها منها من كل "كتب السنة"؟
لا! لم يفعلوا! ولكنهم فعلوا ما هو مثلُ ذلك أو أسوأ.
إذ لم يذكروها مرةً واحدةً مستقلّةً، بل فعلوا ما فعل صاحبُ بعثرةِ الحِنّاء:
ذكروها مقترنة بسنة رسوله (أو بسنة الخلفاء). دائماً هكذا!
في القرآن: السنة هي سنة الله في أغلب الآيات، وفي سياقات عظيمة شرحناها، وهي تأتي دائماً مستقلة.
وما يسمونه السنة لا وجود له أصلاً في القرآن.
ولكنهم يضيفون سنتهم إلى سنة الله – في كل الحالات!
في موسوعة الدرر السنية: تجد ثلاثاً وعشرين (23) نتيجةً في قسم "المتخصص"، من بينها عشرٌ في قسم "غير المتخصص". كلّها أضافت سنة الرسول إلى الله. ولم يتسثنوا "حديثاً" واحداً!
واستخداماتهم لكلمة سنة الله تبدو من عالم مغاير كلياً لعالم القرآن..
https://dorar.net/hadith/search?q=%D8%B3%D9%86%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on
هنا صورة عن النتائج ال23 كاملة
تاريخ التصفح: 05-2023
أذكر لك منها مثلاً:
[* من قسم "غير المتخصص"]
1 - لَمَّا بايَعَ النَّاسُ عَبْدَ المَلِكِ كَتَبَ إلَيْهِ عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: إلى عبدِ اللَّهِ عبدِ المَلِكِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، إنِّي أُقِرُّ بالسَّمْعِ والطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عبدِ المَلِكِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، علَى سُنَّةِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسولِهِ، فِيما اسْتَطَعْتُ، وإنَّ بَنِيَّ قدْ أقَرُّوا بذلكَ.
الراوي : عبدالله بن دينار | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم : 7205 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | أحاديث مشابهة | شرح الحديث
[* ومن قسم "المتخصص"]
11 - كانَ ابنُ عمرَ يوترُ برَكْعةٍ ، فجاءَهُ رجلٌ فسألَهُ عنِ الوِترِ ، فأمرَهُ أن يَفصِلَ ، فقالَ الرَّجلُ : إنِّي أخشَى أن يقولَ النَّاسُ : إنَّها البُتَيْراءُ ، فقالَ ابنُ عُمرَ : أسُنَّةَ اللَّهِ ورسولِهِ تريدُ ؟ هذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ ورسولِهِ .
الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح ابن خزيمة
الصفحة أو الرقم : 1074 | خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح | شرح حديث مشابه
[*هنا مع فعل سنّ، من قسم غير المتخصص]
5 - قال عُمرُ بنُ الخطَّابِ السُّنَّةُ ما سنَّه اللهُ ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، لا تجعَلوا خطأَ الرأيِ سُنَّةً للأُمَّةِ
الراوي : عبدالله بن أبي جعفر | المحدث : ابن القيم | المصدر : أعلام الموقعين
الصفحة أو الرقم : 1/64 | خلاصة حكم المحدث : إسناده في غاية الصحة | أحاديث مشابهة
(محرك البحث يتساهل، على ما يبدو، مع الهاء المتطرفة، فيقبلها تاءً مربوطة.)
هكذا: الله يسنّ، وكذلك رسوله!
البحث عن التراكيب الأخرى لـ "سنة الله"
ولك أن تنظر أيضا في التراكيب الأخرى: "بسنة" "أسنة الله" "لسنة الله" "وسنة الله" "فسنة الله" "كسنة الله"، لن تجد، إن وجدت فيها شيئاً، سنةَ الله مستقلةً – ولو لمرة واحدة!
4.3.5.2. سنة الخلفاء
ولن تعجب بعد ذلك أن قَرَنوا سنةَ غير الأنبياء بسنة الله!
ففي نتائج البحث السابقة (https://dorar.net/hadith/search?q=%D8%B3%D9%86%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on) تجد:
ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ، يا عَلِيُّ، إنِّي قدْ نَظَرْتُ في أمْرِ النَّاسِ، فَلَمْ أرَهُمْ يَعْدِلُونَ
بعُثْمَانَ، فلا تَجْعَلَنَّ علَى نَفْسِكَ سَبِيلًا، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ علَى سُنَّةِ اللَّهِ ورَسولِهِ،
والخَلِيفَتَيْنِ مِن بَعْدِهِ، [*!] فَبَايَعَهُ عبدُ الرَّحْمَنِ، وبَايَعَهُ النَّاسُ المُهَاجِرُونَ
والأنْصَارُ، وأُمَرَاءُ الأجْنَادِ والمُسْلِمُونَ.
الراوي : المسور بن مخرمة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم : 7207 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | أحاديث مشابهة |
شرح الحديث
ثم لدينا ذلك القول الذي أشهروه ونسبوه للنذير المبين محمد:
https://dorar.net/hadith/search?q=%D8%B3%D9%86%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%A1&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on#home
تاريخ التصفح 2023-05
1 - وعظَنا رَسولُ اللهِ مَوعظةً وجِلَت مِنها القُلوبُ ، و ذرِفَت مِنها العُيونُ ، فقُلنا : يا رسولَ اللهِ ! كأنَّها موعِظةُ مودِّعٍ [* حتى يعطوا لكلامهم الأهمية!]
فأوصِنَا قال : أُوصِيكُم بتَقوى اللهِ ، و السَّمعِ و الطَّاعةِ ، و إن تَأَمَّرَ عليكُم عبدٌ
[*ولديهم أحاديث كثيرة لصالح السلطان]،
و أنَّهُ من يَعِش منكُم فسيَرى اختلافًا كثيرًا ، فعليكُم بسُنَّتِي ، و سُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدين المهديِّين
[* هنا أُغفِلت سنة الله كُليّاً]
، عَضُّوا علَيها بالنَّواجذِ ، و إيَّاكُم و مُحدَثاتِ الأمورِ ،
فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ
[* ألا يرَون كل ضلالاتِهم وابتداعاتِهم واختلاقاتِهم في الدين؟!]
الراوي : العرباض بن سارية | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الترغيب
الصفحة أو الرقم : 37 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | أحاديث مشابهة | شرح حديث مشابه
طبعاً لم يقولوا عن القرآن "عَضوا عليه بالنواجذ"!
ولا غرابة في ذلك فهم يريدون القضاء والحكم عليه بفوضى المبعثرات، التي تعزز سلطتهم الكهنوتية، وتماشي هوى حكّامهم.
4.4. خاتمة
4.4.1. هل المشكلة فقط في التسمية؟
قد يقول أحدهم: أنت تهوِّل الأمر! القضية هي فقط في التسمية؟ ألا تزول مشكلتك إن غيّروا تسمية السنة؟
أجيب:
أنا لا أهوِّل الأمر. لكن ما ارتكبه أعداء الرسالة والإنذار فيها، قبل مئات السنين كان فظيعاً، وما زال سائراً. وكما بيّنا هو اعتداء مباشر على سنة الله.
والقضية ليست فقط في أنهُمِ اخترعوا للسنة معنى جديداً، بل صار معنى السنة الأصليُ، سنةِ الله، مغفَلاً، فهم يُطلقونه على أي شيء يخطر في بالهم.
وسُنّة الله كما شرحنا هي أساسية في الإسلام، رسالة كل الرسل. وهي في القرآن المعبِّر عن الإنذار الأخير، فمحمد هو النذير المبين وهو خاتم النبيين.
أما التساؤل "ألا تزول مشكلتك إن غيّروا تسمية السنة؟" – هذا السؤال أجبت عنه من قبل:
راجع مثلاً: (النقاشات العقيمة في حجية السنة):
nqacat_oqime.html
بيّنتُ أن ما يسمونه السُنّة هو من حيث النصُ: فوضى المبعثرات. فسنتهم هي نصوص مبعثرة هنا وهناك، لم تُحدَّد من قريب ولا من بعيد.
حتى الكتبُ التي يَصْطَفُون أو ينتقون منها تلك المرويات المبعثرة لم يحددوها. والمصيبة أنهم لا يَرَون المصيبة التي هم فيها منذ مئات السنين! وكأنهم فرِحون بالفوضى التي يعبثون بها، وتعبث بهم.
ثمّ: هل تظنّ أنهم سيقبلون بتصويب مصطلحهم؟ أرجو ذلك ولكني لا أتوقعه منهم – من كهنتهم.
4.4.2. إنذار وطلب ودعوة إلى مُنكري السنة القدماء!
تمكن أعداء الرسالة من إماتة السنة، سنةِ الله، في نفوس المسلمين.
وحلّت محلها فوضى المبعثرات التي صارت هي الحاكمةَ والقاضية على كتاب الله.
إذاً – يجب علينا أن نعيد إحياء السُنّة في نفوس المسلمين، بعد أن أُميتَت فيهم.
علينا أن نُعلِم إخوتنا الذين ينسِبون أنفسَهم للسنة ويسمون أنفسهم بأهل السنّة أو نحو ذلك – يجب أن نُعلِمهم بحقيقة السنة، سنة الله في كتابه.
ويجب أن يعرفوا بأنهم لا يستحقون اسم أهل السنة، بل هم مُنكرون للسُنة ؛ أجَل: صاروا بتقليدهم لجهل أسلافهم منكرين للسنة، لسنة الله!
لكن إن كانوا مصرّين على الاسم "أهل السنة" –وقد بيّنا أنه غير موجود حتى في كتب ما يسمونه السنة– إن كانوا مصرين على الاسم – فلا يبقى لهم إلا تأويل واحد، فظيع لهذا الاسم، فظيع جداً:
وهو أنّ أهلَ السنة هم: أهل إنذار سنة الله! أي أنهم أهل لنزول العذاب المُنذَرِ به في سنة الله! – وإني لأرجو لي ولهم هدى الله وفضلَه.
أرجو لي ولهم أن نكون مسلمينَ لله ومتبّعين لكتابه.
وأن نتساعد ونتعاضد، خصوصاً في هذه الظروف العصيبة والجنونية التي نعيشها وقد تكالب أعداء الإسلام في الغرب والشرق، وصار الطبيعي أن تُحارَب الفطرة في كل المجالات..
وأكتفي بهذا والسلام.
5. مَن قرأ القرآن عَلِم الحديث! – معنى الحديث الحقيقي – مُنَكِّرو الحديث القدماء – (تتمة الجريمة ضد سنة الله)
5.1. مقدمة
هذا الفصل هو توءم للفصل السابق من وجوه كثيرة، حيث تحدثنا عن السنة.
وهنا الكلام عن كلمة أخرى مشابهة لها – وجوه الشبه عجيبة جداً وصادمة جداً، كما سيتبين لك في هذا الفصل.
ولنتذكر ما وجدناه في الفصل السابق.
ahl_hadith.html#sne_qren_allh
إذا سمعت اليوم كلمة السنة فإن ما يخطر في بالك هو صحيح البخاري أو صحيح مسلم أو…الكافي للكليني – أما سنة الله التي جاء في كتاب الله فهي لا تخطر في البال.
وحتى عندما يسمع المشايخ كلمة "سنة الله" فإنهم يتيهون عنها إلى الجهل الذي أخذوه عن مشايخهم، المنكرين للسنة!
فيقولون: سنة الله الكيماوية، والفيزيائية، والاجتماعية؛ وسنة الله في نمو الشجرة والطفل والصوص. وسنن تمدد الحديد وانكماشه وتبخر الماء وتجمّده. كل ما يجول في بالهم أو ما يرَون له قاعدة، جعلوه سنةً من "سنن الله". أما الإنذار في الرسالة فهم غافلون عنه!
غافلون عن 6 آيات في سنة الله.
أَلَمْ يجدوا الوقت الكافي لقراءتها؟ انشغلوا عنها بخير منها؟ بمبعثرات مشايخهم؟ – لا ندري.
قلنا سنتحدث عن كلمة أخرى، وقلنا إنها تُشبه كلمة السنة، وهي المرتبطة بالكتب التي ذكرناها من قليل، التي تخطر في بالك عندما تسمع السنة.
الكلمة الأخرى هي مثلها، إذا سمعتها خطرتْ في بالك نفس الكتب.
هي كلمة الــحديث !
وهذه الكلمة هي المرادف لما يسمونه السُنّة.
ويُقولون: الكتاب والسنة.
وكذلك يقولون: القرآن والحديث.
فهل يقبلون منا أن نقول:
(جاء في الحديث
- {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا <99_1> وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا <99_2> وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا <99_3>}
- وجاء فيه –أي في الحديث– كذلك {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ <68_42> خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ <68_43>})
هل سيتهموننا في ديننا؟ في عقلنا؟ أو بأننا نعتدي على ما يسمونه هم "الحديث"؟ هل سيتهموننا بالاعتداء على حديثهم؟
معنى السنة الشائع ليس هو معناها في القرآن، وكذلك حال الحديث – وهذا ما سنراه. وقد انتزعوا الكلمتين من القرآن لتعبّرا عما جعلوه حاكماً وقاضياً عن القرآن.
ولنبدأ بالتفاصيل.
وسنناقش هنا مصطلح الحديث لدى أهل البعثرة ليتبين لك أنه أيضاً فاسد.
5.2. بدايةً نسأل "أهل الحديث" هل جاءت كلمة الحديث بالمعنى الذي جعلتموه لها؟
هل جاءت كلمة الحديث بالمعنى الذي جعلتموه لها؟
هل جاءت كلمة الحديث في القرآن مرة بمعنى "كل ما أُثِر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير"؟
بالطبع لا.
فمعنى السُنة عندهم هو من خارج القرآن، وكذلك معنى الحديث هو من خارج القرآن!
فهل مصدر ما تسمونه السُنة أو الحديث هو نفسه مصدر القرآن، كتاب الله؟!
5.3. تسمية "أهل الحديث" أيضاً من اختلاقاتهم
ونأتي إلى وجه الشبه الثاني. فتسمية "أهل الحديث" التي يحبون التسمي به، هي أيضاً من اختلاقاتهم. ليست من القرآن ولا حتى مما يسمونه السُنة(الحديث).
راجع موسوعة الدرر السنية:
"أهل الحديث" و "لأهل الحديث"
https://dorar.net/hadith/search?q=%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB&st=p&xclude=&rawi%5B%5D=&fillopts=on#specialist
تاريخ البحث: 2023-05
وجرّب أيضاً: "أأهل الحديث" و"بأهل الحديث" و"كأهل الحديث" و"وأهل الحديث" – فلن تحصل على أية نتيجة مطابقة – حتى إذا قبلنا بالأحاديث الموضوعة وبكل ما جاء في قسم "المتخصص"!
لدينا في كل عمليات البحث فقط هاتان النتيجتان:
- الأولى ليست فيها "أهل الحديث" بل "أهلَّ..الحديث"
- والثانية فيها "أهل الحديث" ولكنه تعليق للمؤلف وليست للنذير المبين محمد.
العبارة: "وقال غَيرُهُ مِن أهلِ الحَديثِ: إنَّهُ مِن وَلَدِ سَلمانَ بنِ عامِرٍ." بالطبع لا ينسبونها لنبينا محمد. (ويمكنك أن تراجع الكتاب المصدر: "مشكل الآثار للطحاوي".)
فحال "أهل الحديث" هو حال "أهل السنة"، التسميتان من خارج القرآن، ومن خارج ما يسمونها السنة أو الحديث!
فما السبب يا ترى؟!
5.4. ونسأل: لماذا عندكم التسميتان الحديث والسنة؟
ونسأل: لماذا عندكم التسميتان الحديث والسنة؟ ألم يكفكم انتزاع كلمة واحدة من القرآن؟ فأردتم الثانية؟ – أعني أسلافكم، أو من تحسبونهم أسلافكم.
5.5. لننظر في القرآن لنرى ما هو الحديث ولنكتشف أختَ جريمتهم مع السنة، سنة الله
وسأبدأ بذكر النتيجة التي سنتوصل إليها:
كلمة "حديث" جاءت معرّفة في 11 آيةً، في كلها (سياقاتها) يأتي الإنذار! أي ما وجدناه أيضاً مع سنة الله!
وبالإضافة لذلك: الحديث يأتي مختصاً بالله، ويوجد استثناء ليس استثناء حقيقياً وسنراه بعد قليل (الآية 31_6).
ويأتي في معظمها الذكر الصريح للقرآن أو الكتاب أو الآيات أو التنزيل.
ولنبدأ بقراءة الآيات (الـ 11) في مجموعتين:
- 6 آيات كلمة "حديث" فيها معرفة بأل.
- و5 آيات فيها كلمة "حديث" معرّفة بالإضافة (إلى معرّف).
5.5.1. كلمة "حديث" معرّفة بأل أو بالإضافة إلى معرّف
5.5.1.1. كل آيات كلمة "حديث" معرّفة بأل (عددها 6)
(بالمناسبة: سنة الله جاءت أيضاً في 6 آيات.)
نقرأ الموارد بتسلسلها:
5.5.1.1.1. فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا <18_6>الكهف
هذا أول ورود لـ "الحديث" (معرفاً بأل).
وقبله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا <18_1>
[* كما ترى هنا لدينا أيضاً كلمة "الكتاب"!]
قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا <18_2>
[* وفي القرآن الإنذار والبشرى، وهذا هو الــــحـديـــث !، نتابع: ]
مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا <18_3>
وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا <18_4>
[* مرة أخرى الإنذار، كما رأيناه في سنة الله!]
[* وهذا مع الورود الأول لـ "الحديث" في القرآن، ونذكر بما وجدناه في الفصل السابق: أن محمداً انفرد بوصفه "النذير المبين".]
مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا <18_5>
[*ثم تأتي الآية:]
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا <18_6>
وبعدها:
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا <18_7>
[* الابتلاء]
وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا <18_8>الكهف
[* الوعيد]
ويحسن أن نذكر أن كلمة "بَاخِعٌ" في الآية جاءت مرتين فقط في القرآن [بل الجذر ب-خ-ع جاء مرتين فقط]. في الشعراء هي المرة الثانية، والسياق مشابه، كما سترى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ طسم <26_1>
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ <26_2>
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [*نفس العبارة في 18_6] أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ <26_3>
إِن نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ[*إنذار] <26_4>
وَمَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ <26_5>
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ [*وعيد] مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ <26_6>الشعراء
5.5.1.1.2. وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ <31_6>لقمان، الاستثناء الذي ليس باستثناء
لهو الحديث لهم – والحـــــــديــــــــث لله، أحسن الحديث.
ونعود إلى الآية في لقمان:
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [*إنذار] <31_6>
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ <31_7>
فدخول كلمة لهو على الحديث في هذا السياق يُظهر لك معنى الحديث هو حديث الجِدّ:
هو الحديث، الحديث عن الآخرة، عن الإنذار والبشرى.
(والإنذار أكثر وروداً. ولعلنا نفصّل في أسباب ذلك لاحقاً، فالناس غافلون عن آخرتهم، وإن ذكروها ذكروا غالباً الجنة، أما الآخرة فقد اعتادوا نسيانها!)
فالحديث هو ما ذكرناه، أما لهو الحديث فهو ما يتبعه الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعباً. وهناك أنواع كثيرة للهو الحديث، كما تعرف.
وبالمناسبة: قبل الآيتين (6 و7) وبعدها نجد البشرى:
- قبلهما: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ <31_4> أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ <31_5>
- بعدهما: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ <31_8> خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ <31_9>لقمان
هذا هو الــحــديث ، الذي سمّاه الله بالحديث في كتابه المجيد.
نتابع:
5.5.1.1.3. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا <39_23>الزمر، مع نادرة لأهل البعثرة، وإشكالية في مصطلحات علماء الحديث
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [*إنذار] ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ <39_23>الزمر
والسياق:
أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم [*إنذار] مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ <39_22>
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ <39_23>
أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ <39_24>
[*ونتابع]
كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ <39_25>
فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ <39_26>
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ <39_27>
قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ <39_28>
[* مرة أخرى نجد القرآن يُذكر مع الحديث!]
وهنا أمر أراه لافتاً، وهو يتعلق باصطلاحاتهم في ما يسمونه: الحديث.
عندهم الحديث الصحيح أعلى من الحديث الحسن.
فالحديث الأصح أعلى من الحديث الأحسن! أصح الحديث أعلى من أحسن الحديث!
فهل ما عندهم هو أعلى من أحسن الحديث؟! (نُعيد الآية: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا [*…] <39_23>الزمر)
هل تعمّدوا ذلك؟ لا أدري! لكن اختيارهم لمصطلحاتهم يبين بُعدَهم عن القرآن. فكان بإمكانهم أن يقولوا الحديث الحَسَن أعلى من الحديث الصحيح. (ومصطلحاتهم أصلاً فوضوية). أو كان بإمكانهم أن يُخرجوا كلمة "حسن" من سباق أحاديثهم. لكنهم لم يفعلوا.
وبالمناسبة: جذر ص-ح-ح، الشائع في لساننا، غير موجود في القرآن، لم يرد فيه مرة واحدة، بأيٍّ من اشتقاقاته.
جاء لدى الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، في مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة (وطبعاً هو لا يعني بالسنة سنةَ الله، التي جاءت في كتاب الله!)
(وَأخرج عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قيل لَهُ:
"هَل لله أبدال فِي الأَرْض؟، قَالَ: نعم، قيل: من هم؟
قَالَ: إِن لم يكن أَصْحَاب الحَدِيث هم الأبدال فَلَا أعرف لله أبدالا" – مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، السيوطي ،مجلة الأزهر، 1420، ص91).

لكن ما يهمنا هنا هو ما جاء به السيوطي عن كهمس! في ص93:
( وَأخرج عَن كهمس الْهَمدَانِي قَالَ: "من لم يتَحَقَّق أَن أهل السّنة حفظَة الدّين فَإِنَّهُ يعد فِي ضعفاء الْمَسَاكِين
الَّذين لَا يدينون لله بدين،
يَقُول الله لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ}
وَيَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حَدّثنِي جِبْرِيل عَن الله" – ص93، نفس المصدر)
أي أن أحاديثهم صارت هي من أحسن الحديث!
اعتدوا على الآية!

[ملاحظة:
عبارة "حدثني جبريل" لا تجدها في أي حديث "صحيح" أو "حسن" في الدرر السنية. ولكنها الفوضى، ولكل مُبَعْثِرٍ مجموعته المفضلة من فوضى المبعثرات.. ويريدون هذه الفوضى حاكمة وقاضية على كتاب الله، ما أشقاهم وما أعماهم.
https://dorar.net/hadith/search?q=%22%D8%AD%D8%AF%D8%AB%D9%86%D9%8A+%D8%AC%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%84%22&st=w&xclude=&rawi%5B%5D
التصفح في 2023-06
]
5.5.1.1.4. أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ <53_59>النجم
أيضاً هنا، الحديث هو كلام الله وفيه إنذار.
أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ <53_59>
وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ <53_60>
وقبلها:
هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى <53_56>
[* مرة أخرى الإنذار، وبلفظه، ومرتين]
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ <53_57>
لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ <53_58>النجم
الكلام واضح!
5.5.1.1.5. أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُدْهِنُونَ <56_81>الواقعة
وهنا الأمر مشابه جداً. ويُذكَر القرآن، كلامُ الله، حديثُه، صراحة:
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ <56_77> فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ <56_78>
لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ <56_79> تَنزِيلٌ مِن رَبِّ الْعَالَمِينَ <56_80>
[* قرآن!،كتاب!، تنزيل!، رب العالمين!]
أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُدْهِنُونَ <56_81>
[* لكن عند أهل البعثرة، الحديث ما عرفتَ!]
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ <56_82>
فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ <56_83>[*إنذار] وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ <56_84>
[*…] فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ <56_88> فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ <56_89> [*بشرى]
[*…] وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ <56_92> فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ <56_93> [*وعيد]
نُعيد: إذا جاءت كلمة "حديث" معرّفة بأل (أو بالإضافة كما سنرى) فإن معها الإنذار – من دون استثناء!
5.5.1.1.6. فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ <68_44>القلم
الحديث حديث الله وفيه أيضاً الإنذار والوعيد:
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ <68_42>
خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ <68_43>
فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ [*الحديث عن الإنذار] سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ <68_44>
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ <68_45>
5.5.1.2. كل آيات كلمة "حديث" معرّفة بالإضافة (عددها 5)
انتهينا من الآيات التي فيها كلمة "حديث" المعرفة بأل، ونتابع الآن مع قراءة الآيات التي فيها "حديث" معرفاً بالإضافة. أيضاً نقرؤها كلها، كما قرأنا كلَّها مع "الحديث" (المعرف بأل).
وسنجد نفسَ ما ذكرناه.
وقبل القراءة نلفت الانتباه أن كل هذه الآيات جاءت على نسق واحد هو: "هَلْ أتاكَ حديث …".
5.5.1.2.1. وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى <20_9>طه
وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى <20_9>
[* طبعاً ليس المقصود بهذا "كل ما أُثِر عن النبي موسى من قول أو فعل أو تقرير"!]
[* بل هو حديث الله عما حدث لموسى، ليتعظ به الناس]
ولنقرأ السياق، وهو يبدأ بذكر القرآن! :
مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى <20_2>
إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشَى <20_3> [*إنذار]
تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى <20_4>
[* "القرآن"!، وهنا "التنزيل" وليس كتب فوضى المبعثرات!]
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى<20_5>
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى <20_6>
وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى <20_7>
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى <20_8>
وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى <20_9>
إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُم مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى <20_10>
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى <20_11>
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى <20_12>
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى <20_13> [*…]
لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى <20_23>
اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى <20_24> [*…]
فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [*الخشية مرة أخرى] <20_44> [*…]
فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى <20_47>
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى [*!] <20_48>طه
هذا هو الحديث! حديث الله عما جرى لموسى.
5.5.1.2.2. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ <51_24>الذاريات
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ <51_24>
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ <51_25>
فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ <51_26>
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ <51_27>
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ <51_28>
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ <51_29>
قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ <51_30>
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ <51_31>
قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ <51_32>
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِن طِينٍ <51_33>
مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ <51_34>الذاريات
كما ترى الوعيد من جديد في الحديث ، حديث الله.
5.5.1.2.3. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى <79_15>النازعات
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى <79_15>النازعات
إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى <79_16>
اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى <79_17>
فَقُلْ هَل لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى <79_18>
وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى <79_19>
[*إنذار، وقد رأينا الخشية مرتين في حديث موسى الأول في طه]
فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى <79_20>
فَكَذَّبَ وَعَصَى <79_21>
ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى <79_22>
فَحَشَرَ فَنَادَى <79_23>
فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى <79_24>
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى <79_25>
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى <79_26>النازعات
لعبرةً لمن يخشى، ولمن لا يتجاهل الحديث وَ السُنّة، سُنّة الله!
5.5.1.2.4. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ <85_17>البروج
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ <85_17>
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ <85_12>
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ <85_13>
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ <85_14>
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ <85_15>
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ <85_16>
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ <85_17>
فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ <85_18>
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ <85_19>
[* وقبل قليل: فَكَذَّبَ وَعَصَى <79_21> مع حديث موسى في الذاريات]
وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُحِيطٌ <85_20>
[*للتذكير: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ <2_19>، وتوجد شواهد أخرى في هذا لـ "محيط".]
[* والآن يُذكر القرآن من جديد!]
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ <85_21>
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ <85_22>البروج
هل التشابه في الاعتداء على السنة الذي رأيناه والاعتداء على الحديث صُدفة؟
5.5.1.2.5. <88_1>الغاشية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ <88_1>الغاشية
[* بالمناسبة هذه الآية الوحيدة التي يأتي فيها جذر ح-د-ث في مطلع السورة]
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ <88_2>
عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ <88_3>
تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً <88_4>الغاشية
هكذا جاءت الآية: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ <88_1>
وليست الآية كما قد يتوهم بعض المبعثِرين المبعثَرين:
هل أتاك حديث تمددِ الحديد وانكماشه؟
أو: هل أتاك حديث نمو الشجرة وتساقط أوراقها؟
أو: هل أتاك حديث السُنن الفيزيائية..؟
5.5.2. 11 آيةً أخرى من جذر ح-د-ث، نذكرها لمزيد من البرهان
القضية انتهت: فقد بان حال الحديث، بعد أن قرأنا كل آيات التي فيها "حديث" معرفة (بأل أو بالإضافة لمعرّف).
ولكن لمزيد من البيان نقرأ من آيات الجذر (حدث) هذه الآيات الأخرى:
- 6 آيات مع "حديث" نكرةً
- 3 آيات مع "يُحْدِث/مُحدَث"
- آيتان أخريان فيهما "حديث" نكرةً، فيهما: "حديث غيره"
5.5.2.1. 6 آيات مع "حديث" نكرةً
5.5.2.1.1. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا <4_87>النساء
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [* إنذار وبشرى] لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا <4_87>النساء
هذا هو الحديث! حديث الله! عبارة "وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا" جاءت بعد ذكر الآخرة، وليس بعد تقلص الحديد وتجمّد الماء..(اعذر التكرار في الملاحظة. هي حرقة القلب مما صنعوا وما زال مسيطراً حتى يومنا هذا.)
وانتبه ما يأتي بعدها من إنذار للمؤمنين:
فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا <4_88>
[* مسائل "القدَر" تجد منها شيئاً في ما كتبته عن عقيدة سفيان الثوري، أمير المؤمنين في الحديث.
ahl_hadith.html#sfian_c]
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا <4_89>النساء
أعداء الإسلام عادة يتوقفون عند الآية السابقة التي فيها القتل، ويُغفلون هذه:
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ [*الكلام في المقاتلين!]
أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ [*إنذار] فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا <4_90>النساء
ونفس الطريقة الخبيثة يتبعها أعداء الإسلام مع هذه الآيات، فتراهم يأخذون المقطع ويُهمِلون ما تجد تحته الخط، كلَّه أو بعضه، لينحرف المعنى لما يهوون:
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ <2_190>
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ <2_191>
فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ <2_192>
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ <2_193>
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ <2_194>
نتابع
5.5.2.1.2. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ <7_185>الأعراف
أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ <7_185>الأعراف
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ <7_182>
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ <7_183>
- نتذكر في القلم، نفس العبارتين:
فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ <68_44>
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ <68_45>
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ <7_184>
[*وأذكِّر: محمد هو الوحيد الذي وصف بأنه النذير المبين (مع التعريف).]
[*وبعد "نذير مبين" تأتي مباشرة آية _الحديث_]
أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ <7_185>الأعراف
5.5.2.1.3. مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى<12_111>يوسف
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ <12_111>يوسف
هي نهاية السورة وقبلها:
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [*إنذار] <12_110>
5.5.2.1.4. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ <45_6>الجاثية
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ <45_6>الجاثية
هنا من جديد ارتباط الآيات بالحديث، بحديث الله.
وبعدها:
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ <45_7>
يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ <45_8>
وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ <45_9>الجاثية
ونتذكر الآية التي فيها "لهو الحديث"، لترى تشابه الألفاظ من جديد:
- وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا[*مثلها] أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ <31_6>
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ <31_7>لقمان
5.5.2.1.5. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ <52_34>الطور
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ <52_34>الطور
وقبلها:
فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ <52_29>
أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ <52_30>
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ <52_31>[*إنذار]
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ <52_32>
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَا يُؤْمِنُونَ <52_33>
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ <52_34> [*…]
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ <52_42>الطور
وأذكر هنا، وكيف لي أن أنسى، ما نسبوه لنبينا محمد:
(لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم متكئًا على أريكتِه يأتيه الأمرُ من أمري مما أمرتُ به أو نهيتُ عنه فيقولُ : بيننا وبينكم هذا القرآنُ فما وجدنا فيه من حلالٍ حللْناه ، وما وجدنا فيه من حرامٍ حرمْناه . ألا وإني أوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه ، ألا وإنه مثلُ القرآنِ أو أعظمُ [*!])
الراوي : أبو رافع وأبو ثعلبة وأبو هريرة | المحدث : ابن تيمية | المصدر : مجموع الفتاوى
الصفحة أو الرقم : 19/85 | خلاصة حكم المحدث : مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة جهات
لاحظ هذه الإضافة: "أو أعظم" لم يكتفوا بجعل فوضى المبعثرات بمقام القرآن، أرادوها أعظم!
والنتيجة تجدها في موسوعة الدرر السنية للحديث – لحديث أهالي البعثرة.
https://dorar.net/h/5FKmZdvU
التصفح 2023-06

فصحيح البخاري هو مثل القرآن أو أعظم؟!
5.5.2.1.6. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ<77_50>المرسلات
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ <77_50>المرسلات
هذه نهاية السورة! وقبلها:
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ <77_49>
والسورة التي بعدها هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ <78_1>
عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ <78_2> الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ <78_3>
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ <78_4> ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ <78_5>النبأ
5.5.2.2. 3 آيات مع "يُحْدِث/مُحدَث"
5.5.2.2.1. وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا <20_113>طه
وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا <20_113>طه
وهناك تسجيل مفيد لصلاح الدين بن إبراهيم عن "الذِكر" وبين فيه أن من معاني الذِكر أيضاً الإنذار. ولكن لا نحتاج لهذا ها فالآية فيه كلمة "الوعيد".
https://www.youtube.com/watch?v=7PdHcbigPxw
تاريخ التصفح 2023-05
5.5.2.2.2. مَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِم مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ <21_2>الأنبياء
مَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِم مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ <21_2>
وقبلها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ <21_1>الأنبياء
وهذه حال البشر – كانت وستبقى!
5.5.2.2.3. وَمَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ <26_5>الشعراء
وَمَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ <26_5>الشعراء
- ورأينا للتوّ في الأنبياء:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ <21_1>الأنبياء
ونعود للشعراء:
- فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ <26_6>الشعراء
وتذكّر النبأ العظيم.
5.5.2.3. آيتان أخريان فيهما "حديث" نكرةً، فيهما: "حديث غيره"
5.5.2.3.1. حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ <4_140>النساء
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [*تحذير للمؤمنين] إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [*إنذار] <4_140>النساء
وقبلها إنذار آخر:
بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا <4_138>
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا <4_139>
وأذكر بما رأيناه في النساء أيضا:
- اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا <4_87>
فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا <4_88>النساء
5.5.2.3.2. حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ <6_68>الأنفال
وهذه تشبه التي قبلها:
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ <6_68>الأنفال
هذا تحذير للنبي.
وهذا سياقها:
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ <6_66>
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ <6_67>
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ <6_68>
وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ <6_69>الأنفال
5.6. الاعتداء على مصطلحي السنة والحديث ما كان صدفة – كره الناس للإنذار
تبين لنا أن الذين سطَوا على السنة، سنة الله، سطَوا أيضاً على الــحديث.
ورأينا وجوه الشبه العجيبة.
- فقد جعلوا الكلمتين مترادفتين تعبّران عما يعرفونه بأنه:
(كل ما أُثِر عن النبي من قول أوفعل أو تقرير)، وهو في الحقيقة فوضى المبعثرات. - ورأينا أن معنى السنة والحديث في القرآن مخالف لما اختلقوه لهما.
- ورأينا أن الكلمتين في القرآن تأتيان دائماً مع الإنذار.
- ورأينا التشابه حتى في التسميتين: أهل السُنة وأهل الحديث.
- ورأينا أن هاتين التسميتين ليستا في القرآن ولا حتى في مصنفاتهم في الحديث.
- ورأينا أنك لو ذكرت لأحد اليوم كلمة "السنة" أو كلمة "الحديث" فلن يخطُر في باله ما جاء القرآن؛ بل ما ابتدعه – أهل البعثرات – أو أسلافهم!
وفوق كل هذا علمنا من قبل كيف جعلوا ما ابتدعوه (أيْ سنتَهم وحديثَهم) حاكماً و قاضياً على كتاب الله!
ahl_hadith.html#sneqadie
فهل بعدُ من عاقلٍ يظنّ أن هذا كلَّه كان صُدفةً؟! أن أعداء الإسلام لم يتعمّدوا ذلك آنذاك؟!
بل تعمدوه، أرادوا الاعتداء على هاتين الكلمتين الهامتين وقد جاءتا مع الله في السياقات الخطيرة التي رأيناها.
خصوصاً أن الكلمتين مرتبطتان بالإنذار. وهذا ما يكرهه الناس. تذكُّر الآخرة وخاصة العذاب:
(بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ <75_5>
يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ <75_6>
فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ <75_7> وَخَسَفَ الْقَمَرُ <75_8>
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ <75_9>
يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ <75_10>
كَلَّا لَا وَزَرَ <75_11>
إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ <75_12> القيامة)
وكثيرون يكفرون بالآخرة، بالجنة والنار، ولكن كفرهم بالنار أشدّ، وكرههم لها أكبر. ولذلك يستهزئون بها أكثر.
الآيات كثيرة جداً، وسأحاول الاختصار هنا، لعلّنا نفصل في مقال آخر.
- نقرأ: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ [* ولم يقل "من بشير"] إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ <34_34> وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ <34_35>سبأ) هم يستنكرون العذاب، والإنذار به!
- وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ <43_23>الزخرف
- وانظر إلى هذه الآية:
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [*ذُكِر هنا التبشير والإنذار] وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا <18_56>الكهف – ولم تقل الآية: واتخذوا آياتي وما بُشِّروا هُزُوا!
الاستهزاء لم يأتِ بالبُشرى، بُشرى الجنة، بل بالعذاب، ومن قبله الإنذار.
مع أن الاستهزاء بالجنة أيضاً ممكن، وتجده اليوم، يستهزئون حتى بوجود الله. ولكنْ أكثرُ ما يغيظهم هو جهنّم. ولدينا عشر آيات فيها حرفياً { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } كلها عن استهزائهم بالإنذار.
ثمانيةٌ منها مع فعل "حاق" مثل (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ <6_10>الأنعام) واثنتان مع فعل "أتى" مثل (وَمَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ <26_5> [* هذه رأيناها] فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ <26_6>الأنعام) – وأذكّرِ بالنبّأ العظيم، الذي رأيناه.
مرة أخرى: الاستهزاء بالنار، بالإنذار بها، وليس بالجنة!
- ولاحظ هنا استهزاءهم بمحمد خاتم النبيين في سورة الفرقان:
وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا <25_7>
فإنذاره عندهم من دون قيمة، ولذلك يقولون: (فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)، وليس مثلاً: فيكونَ معه بشيراً.
ولدينا في بداية السورة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا <25_1>
– أعيد: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا! تنزيل الفرقان كان من أجل ذلك.
ونذكر آياتٍ أخرى تبيّن أولوية الإنذار في الرسالة: - هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ [*الإنذار] وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ <14_52>إبراهيم
- وفي سورة ق:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ <50_1>
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُم مُنذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ <50_2>ق - وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ <27_92>النمل
- وهنا الله ينسب لنفسه مباشرة الإنذارَ:
وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ[*لعله معجم الطبراني؟!] <44_2> إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ <44_3>الدخان
فالأمر عظيم. وأعداء الإسلام كرهوه وأرادوا إهماله وإغفال الناس عنه.
وهذا في كل العصور: العبث بالآخرة هو موجود في اليهودية وكذلك في المسيحية، وقد سبق أن تطرقنا إليه.
وذكرنا ما لا يُصدَّق: تخيّل مثلاً: أن توراة اليهود والمسيحيين لم تذكر الآخرة مرة واحدة! وهي أكبر حجماً من القرآن!
ومن لطائف الله أنك تجد صحف موسى مرتين في القرآن وفي كلتيهما تُذكر الآخرة! راجع: ahl_hadith.html#i-jaq0lm311ej0
فأعداء الإسلام بدؤوا في فترة مبكرة بالاعتداء على كلمات القرآن ومنها – ومن أهمها: "الحديث" و"سنة الله". وليس لنا إلا أن نعترف بأنهم نجحوا في تغييب المعنيين الحقيقيين لهما.
قد تقول هنا ولكنّ الإنذار ما زال موجوداً والمسلمون لم ينسُوا الجنة ولم ينسُوا النار.
فأجيبك:
وماذا تصنع بمئات أحاديثهم أو آلافها، تلك التي تشوّه مبدأ يوم الحساب أو تعطّله كلياً؟ والكلام في هذا يطول.
نكتفي ببعض الإشارات.
ألم تجد لديهم: قُل كذا وكذا عشر مرات، يبنِ الله لك قصراً في الجنة، وقلها 20 مرة، يبنِ الله لك قصرين..إلخ.
وقُل س مرة كذا، تُغفَر خطاياك كلها، وتدخلِ الجنة. وهكذا.
ولديهم الأحاديث التي تروّج الجَبرية. كل هذا زهّد الناس في العمل الصالح وجرّأهم على المعاصي!
فما صنعوه بهذا هو لهو الحديث! هذا هو لهو الحديث الذي يُلهون به الناس عن الــحــــديــــث! الحديثِ الذي بيّناه هنا كما جاء في كتاب الله.
ثم هل نسيت أنهمِ افترَوا على رسولنا محمد، خاتم النبيين أنه قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي)
[هذه الفِرية لدى السُنة والشيعة!]
وطبعاً، الكهنةُ، كهنةُ كل فِرقة يعرّفون هم "الأمة"، فإذا رضوا بك في أمّتهم، ضمِنوا لك الجنة – حتى لوِ ارتكبت الكبائر!
هذا من لهو الحديث ، من أقبح الحــــديـــث !!
وانظر ما جاء في القرآن مع الشفاعة والإنذار:
وَأَنذِرْ بِهِ [*بسُننِ ابن ماجه؟!] الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [*!] لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ <6_51>الأنعام
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ [*!] يُطَاعُ <40_18>غافر [أليس أصحابُ الكبائر منهم؟]
وأذكّر مرة أخرى بأن محمداً انفرد بوصفه بالنذير المبين (مع التعريف):
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ <15_89>الحِجر
وهذا جعلوه: شفيعاً للمجرمين منهم، من أهل كبائرهم!!
وأخيراً، ما ذكرته هنا ليس اتهاماً للمعاصرين (من السُنّة أو الشيعة) بأنهم يريدون الاعتداء على "الحديث" و"سنة الله"، بل الكلامُ عن الذين بدؤوا هذا، وهؤلاء كانوا أعداء الإسلام. أما المعاصرون فحالهم كحال البشر، يقلّدون ما يجدونه في محيطهم. فالمسيحي مثلاً يرى دينه في تأليه المسيح وصلبه للتكفير عن خطاياه، وبالطبع هو لا يتعمّد بذلك الإساءةَ إلى الله.
الدين عند الناس، أكثرِهم، عادةٌ يعتادونها. ولذلك يبقى أكثرهم على دين آبائهم، فهم يعيشون معهم، في محيطهم. وهذا أيسر الطرق في الدنيا، أن تتطبّع بطبع محيطك. والناس –كما علمْتَِ– هواهم في الدنيا. أما الآخرةُ فهم عنها غافلون.
وبعد،
الأمر حقّه أن يُفصّل، ولكن ما نكتفي به هنا، ما يجب أن نكتفي به هنا، كان هذا.
ولعلنا نلتقي قريباً، في تفاصيل أخرى.
أما الآن فأختم بآيتين من جذر ح-د-ث وفيها ذُكرت كلمة "أحاديث":
5.7. آيتان من جذر (حدث) والخاتمة
نختم بقراءة هاتين الآيتين:
- ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا
وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ <23_44>المؤمنون
- فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ
فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ <34_19>سبأ
فأرجو أن يترك الجميع لهو الحديث وأن يتبعوا الحديث ويتّعظوا به،
حتى لا يجعلهم الله أحاديث!
6. {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
6.1. "صلى الله عليه وسلّم" شِرك – وبِدعة متأخّرة؛ باعترافهم!
6.1.1. مقدمة
العبارة الشائعة على ألسنة المسلمين أكثر من أي عبارة أخرى، ويسمّونها "الصلاة على النبي"(!) هي شِرك:
قولهم "صلى الله عليه وسلّم" أو "اللهم صلِّ على محمد وسلِّم تسليما" وما شابه ذلك شرك! شِرك عند من قرأ القرآن وآمن به، أما الذين هجروا القرآن ولا يتدبرون آياته فلن يروا الشِرك.
لكشف هذا الشِرك كان سعيي في هذا المقال، وما كنت أرجو إلا أن ييسِّر لي الله مسعاي في هذا. ولكن الله أكرمني بشيء ثانٍ: وجدتُ أن عبارة الشِرك هي بدعةٌ متأخرة – وهذا باعترافهم هم أنفسهم! طبعاً هم لا يعترفون بأن العبارة شِركية، ولكنهم يعترفون بأنها جاءت متأخرة.
6.1.2. تخبطهم في تفسير {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ…}
6.1.2.1. آية الأحزاب التي حرّفوا معناها – {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
ولنبدأ مستعينين بالله مباشرة بالآية التي حرفّوا معناها:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب
فعندنا إخبار: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)
وعندنا أمر الله للمؤمنين: (صَلُّوا عَلَيْهِ [* أي على محمد] وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
الآية هي واضحة، لكنْ هناك من أُوحي إليهم أن يعبثوا بالآية كل العبث، حتى صارت مقولةُ الشِرك في اتّباعها!، هذا بالإضافة إلى تخبّطهم في تفسير الآية، وتفسير مقولتهم الشِركية.
الجرائم في حق الآية كثيرة، ولنبدأ بهذا:
الله يأمر بأن يصلّوا على النبي، فكيف يأتمرون بأمره؟ يقولون: "الله صلى على النبي" (إخباراً) أو "صلّى الله على النبي"(دعاءً) أو "اللهم صلِّ على النبي!"(أمراً – أو طلباً)؛
ويرون في هذا –وأنت لا تكاد تصدق ذلك– يرون فيه طاعة منهم لله!
تخيل أن الله يأمرك مثلاً: بأن تُعطي أخاك تفاحةً. فماذا تفعل أنت؟
تحرك لسانك فتقول: "الله أعطى أخي تفاحةً"(إخباراً) أو"أعطى الله أخي تفاحةً"(دعاءً) أو "اللهم أعطِ أخي تفاحةً!"(أمراً)
وكأن طاعتَك اللهَ في شيء تكون بأن تأمرَه أنت بذلك الشيء!
أو تكونُ بأن تُخبِر أن الله قام بذلك الشيء! أو بالدعاء أن يقوم الله بالشيء الذي أمرك أنت به!
أنت المأمور بأن تعطي أخاك تفاحةً! فأنت تتجاهل ذلك الأمر وتكتفي بتحريك اللسان – والطامة الكبرى أنك ترى في هذا، طاعةَ الله!
ثم الأمر أعجب مما مثّلتُ لك. فلم يُكتفَ بجعل: "الله أعطى أخي تفاحةً" أو"أعطى الله أخي تفاحةً" أو "اللهم أعطِ أخي تفاحةً!" (في التمثيل الأول)، طاعة للأمر "أعطِ أخاك تفاحةً"، بل قالوا إن من الواجب: أن تنطِق بـ "عبارة التفاحة" في كلِّ مرة تذكر فيها اسم أخيك – طبعاً، نحن نحاول تقريب المسألة بالتمثيل!
ولننظر ثانية في طريقة تأويلهم: وَلْنحاول تقليدَهم فيها.
نطبق طريقتهم الفذة على هذه الآية:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ <2_153>
في الأحزاب قالوا تأويل: {صلّوا عليه} هو (قولوا: صلى الله عليه)!
فماذا يكون تأويل {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} وفق طريقتهم الفذّة؟
يكون: (قُولوا: استعانَ اللهُ بالصبر والصلاة)!!
هل ترى الآن فظاعة ما فعلوا؟
لعلك تقول هنا: أَلِهذا تصف عبارة "صلى الله عليه وسلّم" أو "اللهم صلِّ على محمد وسلم تسليماً" بالشرك؟
- أقول: لا، لا أحب وصف هذا بالشرك، فهو عِصيان، أو الأقرب أن نصفه بالجنون! أن ترى طاعتك لله في شيء هي: بأن تأمره أنت بذلك الشيء. هذا، الأفضل أن نسميه جنوناً، لا شِركاً!
وهذا الجنون صار شائعاً، بل شاملاً.
6.1.2.2. تفسيرهم لـ "سلِّموا تسليماً"
والآن لننظر في بعض ما جاء في تفاسيرهم. ويهمنا هنا تفسير {سلِّموا تسليماً}. طبعاً الأقوال كثيرة ومختلفة – وهذا ديدن أهل البعثرة. لكن لا بأس أن نقرأ هذه:
- جاء في تفسير الطبري ({وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} يقول: وحيوه تحية الإسلام. )
- وكذلك في تفسير البغوي: ({وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أَيْ: حَيُّوهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ.)
أي لا تقل له مثلاً: "صباح الخير" أو "عمت صباحاً" – بل السلام عليك!
هل هذا هو المقصود بالآية؟
وهنا الأمر بعدُ أسوأ، يدمجون التصلية (مصدر "صَلّى") والتسليم في تحريك اللسان:
- في تفسير الجلالين: ({يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أيْ قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدنا مُحَمَّد وسَلِّمْ - ىالجلالين)
- وفي أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري : ({صلوا عليه وسلموا تسليما}: أي قولوا: اللهم صل على محمد وسلم تسليما.)
والعبارتان شِرك كما ذكرنا، وكما سيتبين.
وأعيد: الله يأمرهم بشيء، فماذا يفعلون؟ – يُهمِلون أمره، ويجعلون الطاعة في تحريك لسانهم! وهذا كثير لديهم، جعل الدين في تحريك اللسان!
وفي أي شيء جعلوا هنا تحريك اللسان؟ في أن يأمروا اللهَ بما أمرهم هو به! وفي هذا العصيان يرون الطاعةَ، كلَّ الطاعة!
6.1.2.3. تفسيرهم لـ "صلّوا عليه"
كيف فسّروا "صلّوا عليه"
الذي رأيتُه لديهم، أن الكلام في تأويل {صلّوا عليه} أكثر منه في تأويل{سلِّموا تسليماً}، أكثر بكثير.
كلامهم كثير عن العبارات التي جعلوا قولها طاعةًَ لله في أمره {صلّوا عليه}.
ولننظر في هذه المروية الشهيرة، في صحيح البخاري:
إنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللَّهِ، قدْ عَلِمْنَا كيفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ ، فَكيفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قالَ: فَقُولوا: [* عُدنا إلى القول وتحريك اللسان]
اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ، وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ علَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ علَى مُحَمَّدٍ، وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكْتَ علَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
الراوي : كعب بن عجرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم : 6357 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | أحاديث مشابهة | شرح حديث مشابه

https://www.dorar.net/h/6qdnQQxE
تاريخ التصفح 2023-06
ملاحظات:
- في هذه المروية نقرأ "قدْ عَلِمْنَا كيفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ" لكن الآية ليس فيها "سلِّموا عليه تسليماً"، بل {سلِّموا تسليماً}، وهذا هامّ، كما سنرى!
- هذه الصيغة تُعرَف بالصلاة الإبراهيمية.
فـ {صَلّوا عليه} [أي على محمد] معناها هو الصلاة الإبراهيمية، على إبراهيم؟ - وكما ترى مِن جديد: الله يأمرهم بـ {صلّوا عليه}، وهم يردّون عليه أمره، بأن يأمروه بما أمرهم به: "اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ". داء متأصّل فيهم.
وأمر آخر: هذه العبارة أطول بكثير من العبارة الشائعة "صلّى الله عليه وسلّم". فلماذا لا ينطِقون بها كاملة؟ أيُكذِّبون البخاري؟
قد تقول: هذه الصيغة تُقال في التشهّد في الصلاة ولا تُقال في كل مرة يُذكَر فيها اسم النبي محمد.
أقول: جيّد، ولكنهم يستندون إلى هذه المروية في تفسيرهم لـ {صلّوا عليه}. وبناءً على هذا يكررون قولهم "صلى الله عليه وسلم". ولم أسمع منهم أحداً ينطِق بالعبارة الطويلة (الصلاة الإبراهيمية) إذا ذكر اسم نبينا محمد. بل تجدهم يقولون:
- صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم،
- أو: صلّى الله عليه وسلّم،
- أو: صلعسم
- أو: صلعس
- أو: صلعم
- أو: عليه الصَوَسّام
- أو: صَوَسْسْ! (أصوات غريبة نسمعها منهم – لو صدرت من غيرهم لقلنا: إنهم يسخرون من نبينا محمد!)
فهل عندهم "حديث" آخر يقول: يجوز أن تختصر السطرين بـ "صلعم" أو "صلّعَس" أو "صَوَسْسْ" – أو حتّى بـ "صلى الله عليه وسلّم"؟
- صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم،
- ولاحظ: جعلوا معنى {صلّوا عليه} أيضاً في تحريك اللسان. ففعلوا ما فعلوه بـ {سلّموا تسليماً}. وهذا أمر مشهور لديهم؛ تحويل الأعمال الصالحة إلى حركات لسانية.
ألم يجعلوا دخول الجنة في قول كذا وكذا، س مرّة؟!
تمييع الدين شائع في دينهم.
وإغفال الناس عن الإنذار الذي جاء مع النذير المبين، محمدٍ، خاتمِ النبيين. ورأينا ما فعلوه مع سنة الله، والحديث في القرآن. رأينا ما فعله مُنَكِّرو السنة، سنة الله، ومنكِّرو الحديث، الحديث في القرآن.
ahl_hadith.html#sne_qren_allh
ahl_hadith.html#hdic_qren_allh - وأمر آخر هام: الصلاة الإبراهيمية ليس فيها عبارة "السلام" أو "سلّم" أو أي شيء من جذر س-ل-م.
ليس فيها جمع الصلاة مع السلام أو التسليم. ولنا عودة إلى هذه القضية.
وتجدر الإشارة إلى أنّه لديهم صيغ لا تُحصى في "الصلاة على النبي". يمكن للباحث أن يجدها بسهولة، ولعلنا نعلِّق عليها لاحقاً، ففيها الكثير من الإشكالات.
6.1.2.4. ما معنى تحريكات اللسان التي يرددونها؟
الآن تعلمنا أن الدين هو تحريك اللسان.
{يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه} معناها: حرِّكوا لسانكم،
وكذلك معنى {وسلِّموا تسليماً} هو: حرِّكوا لسانكم.
لكن ما معنى العبارة الشهيرة لديهم "صلّى الله عليه وسلّم"؟ هذه العبارة التي يحضّوننا أو يلزموننا بتحريك ألسنتنا بها – يومياً مئةَ مرةٍ أو ألفاً أو أكثر. (ولهم في ذلك نوادرُ كثيرة – ليتها كانت نادرة.)
(ولا تهمنا هنا مناطحات السنّة والشيعة في "و(على) آله وصحبه أجمعين" وغير ذلك.)
الحقيقة أن البحث في ذلك يكشف لك اضطرابهم القبيح. فهم لا يكادون يفهمون السؤال: "ما معنى (صلى الله عليه وسلّم)؟"، فكيف تتوقع منهم جواباً.
لدينا بعض النماذج هنا.
6.1.2.4.1. معنى كامل العبارة "صلى الله عليه وسلم" islamweb
نبدأ بهذا النموذج من موقع "إسلام ويب" [هكذا يُسمّون أنفسهم!]، موقع عربي عن الإسلام ويسمّي نفسه: "إسلام ويب"!

تاريخ التصفح: 2023-06
ـ–بداية الاقتباس–ـ
معنى ((صلى الله عليه وسلم))
تاريخ النشر:الإثنين 20 جمادى الآخر 1424 هـ - 18-8-2003 م
التقييم:
رقم الفتوى: 36339
95244 0 390
السؤال
أريد معرفة معنى ((صلى الله عليه وسلم))
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
[* فالسؤال واضح كما ترى، وهو ما نبحث عنه]
(الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن الصلاة من الله تعالى فسرها أهل العلم بكونها تعني: مزيدًا من الرحمة والثناء عليه.
[*لكنهم يتابعون الكلام على عادتهم، يقدمون لك باقة من الإجابات]
قال القرطبي في تفسيره: والصلاة من الله رحمته ورضوانه، [*فهو يذكر بدلاً من "الثناء عليه" "الرِضوان" ، ولا يقول بكلمة "المزيد"]
ومن الملائكة الدعاء والاستغفار،
ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره.
[*ولاحظ السائل لم يسأل عن معنى صلاة (أو تصلية) الملائكة أو الأمة – السؤال كان عن فقط عن "صلّى الله" – أي تصلية الله!]
وقال ابن كثير [* مبعثر آخر، بعد القرطبي] في تفسيره: صلاة الله ثناؤه عند الملائكة. اهـ [*فابن كثير لا يقول بما قاله سلفه القرطبي، فلم يعد المعنى هو "رحمته ورضوانه"، فهو يأتينا بالثناء عند الملائكة]
وقال الطبري [مبعثَِر، رَقَم3، هو من أسلاف الاثنين المذكورين] في التفسير: عن ابن عباس قوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ)[الأحزاب:56]. يقول: (يباركون على النبي [*لا يذكر قصة الثناء عند الملائكة]. وقد يحتمل أن يقال: إن معنى ذلك: أن الله يرحم النبي، وتدعو له ملائكته ويستغفرون.)
كما قال القرطبي[*أي يقصدون: الرحمة التي ذكرها القرطبي مع الرضوان]
[*ويتابعون هنا النقل عن الطبري – حتى الاقتباس لا يجيدونه!] بعد قوله تعالى: وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً[الأحزاب:56]: يقول: وحيُّوه تحية الإسلام، [*وهنا انتهى كلام الطبري، فالكلام الآتي لهم:]
فجملة صلى الله عليه وسلم، تعني أن قائلها يسأل الله تعالى مزيدًا من الرحمة والثناء والأمان لرسوله صلى الله عليه وسلم.
فهي جملة خبرية لكنها تتضمن معنى الدعاء والطلب. والله أعلم.)
ـ–نهاية الاقتباس–ـ
الفوضى تملأ إجاباتهم! وكما قلنا، حتى الاقتباس يعجزون عنه! ولعلّه متعمّد للتمويه وتغطية الجهل؟ الله أعلم.
وانظر معي في عبارتهم التي أرادوا تلخيص الإجابة بها:
(فجملة صلى الله عليه وسلم، تعني أن قائلها يسأل الله تعالى مزيدًا من الرحمة والثناء والأمان لرسوله صلى الله عليه وسلم. )
فيها مصيبة ولعل أكثر الناس لا يلتفتون إليها، لأنهمُ اعتادوا التمويه في دينهم. فالسؤال كان عن معنى العبارة ذاتها "صلّى الله عليه وسلّم". ولم يُسأل عن تقييمهم لقائلها!
فلو سألتك مثلاً: (ما معنى "لا إله إلا الله"؟) فلن تُجيبني: (معنى الجملة أن قائلها مُوَحِّد!) بل ينبغي أن تشرح العبارة ذاتها. أو لو –مثال خارج الدين– لو سألتك (ما معنى "الطقس جميل") فلن تجيب: (معناها أن قائلها يريد الذهاب إلى المسبح) أو نحو ذلك!
ولكنهم لا يُدركون ما يقولون. صارت الفوضى متأصّلة فيهم.
ثمّ لاحظ أنهم لم يجيبوا على معنى "وسلَّم"! بل فسّروا معنى "وسلِّموا تسليماً"! ولكن "سلِّموا تسليماً" هذه أُمِر بها الناس – المؤمنون، والسؤال هنا عن فعل "سلّم" المنسوب لله في عبارتهم "صلّى الله عليه وسلّم"! لكن القوم لا يميّزون.
أما "صلى الله عليه" فقد أجابوا عنها – أو قدموا عدّة إجابات:
- زاد الله في رحمته إياه وثنائه عليه(أهل العلم)
- رحمه الله ورضي عنه (القرطبي)
- أثنى الله عليه عند الملائكة (ابن كثير)
- باركَ الله عليه (الطبري1)
- رحِمه الله (الطبري2)
فاختر يا أيها السائل مشايخَ البعثرة، ما يحلو لك من باقة إجاباتهم!
وملاحظة أخرى: لم يأتوا بخبر ينسبونه لنبينا في "شرحهم" هذا الغامض!
6.1.2.4.2. معنى "سلِّم" في "اللهم صل و سلم على النبي محمد"
وأذكر لك اضطرابهم من جديد في تفسير فعل "سلّم" في فتوى أُخرى:
تاريخ التصفح 2023-06

https://articles.islamweb.org/ar/fatwa/121929/%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85 https://archive.is/wip/WNScq
نقرأ السؤال هنا والجواب في موقع islamweb:
السؤال
أريد أن أفهم المعنى الصحيح [*المسكين يتوقع عندهم المعنى الصحيح!] في كلمة: سلم في اللهم صل و سلم على النبي محمد. هل كلمة سلم تعني أن الله عز و جل سيبلغ السلام للمصطفى من عند من أقرأه السلام و قال اللهم صل و سلم على النبي محمد.
الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فقال ابن حجر: قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: السَّلَام بِمَعْنَى السَّلَامَة كَالْمَقَامِ وَالْمَقَامَة, وَالسَّلَام مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى [* لاحظ هم لا يميّزون بين "سلِّم" وبين "السلام"!] وُضِعَ الْمَصْدَر مَوْضِع الِاسْم مُبَالَغَة, وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَالِم مِنْ كُلّ عَيْب وَآفَة وَنَقْص وَفَسَاد,
[* تقصدون: أن "سلِّم على محمد" - معناها "اجعله سالماً"؟!]
[* طبعا ابن حجر والتوربشتي لا ذنب لهم في أن كلامهم ليس جواباً على سؤال السائل الذي استفسر موقع "إسلام وِيب"]
وَمَعْنَى قَوْلنَا: السَّلَام عَلَيْك الدُّعَاء أَيْ سَلِمْت مِنْ الْمَكَارِه
[* ليس هذا هو السؤال! السؤال كان دقيقاً وواضحاً: ما معنى "سلِّم" في العبارة "اللهم صلِّ وسلّم على النبي محمد"],
وَقِيلَ [* قيل! – صيغة التمريض] مَعْنَاهُ اِسْم السَّلَام عَلَيْك كَأَنَّهُ تَبَرَّكَ عَلَيْهِ بِاسْمِ اللَّه تَعَالَى اهـ. [* أين الفائدة من نقل هذا الكلام؟ ألم يفهموا سؤال السائل؟]
[*والآن يأتونك بخيار آخر، بشيخ آخر، مبعثِر آخر من كبار مبعثريهم، النووي، صاحب الشرح الشهير لصحيح مسلم]
وقال النووي: قِيلَ: [*عُدنا إلى القيل والقال] مَعْنَاهُ التَّعْوِيذ بِاَللَّهِ وَالتَّحْصِين بِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى, فَإِنَّ السَّلَام اِسْم لَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى، [*ما رأيناه قبل قليل – ولكن أين الجواب!؟]
تَقْدِيره: اللَّه عَلَيْكُمْ [* السؤال كان محدداً: تسليم الله على محمد!] حَفِيظ وَكَفِيل, كَمَا يُقَال: اللَّه مَعَك أَيْ بِالْحِفْظِ وَالْمَعُونَة وَاللُّطْف. وَقِيلَ: [مرة أخرى ..مبنية للمجهول!] مَعْنَاهُ السَّلَامَة وَالنَّجَاة لَكُمْ, وَيَكُون مَصْدَرًا كَاللَّذَاذَةِ وَاللَّذَاذ [*لن أعلِّق!]
كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: { فَسَلَام لَك مِنْ أَصْحَاب الْيَمِين } اهـ. [* لك! وليس عليك!]
والله أعلم. [* ليتهمُ اكتفَوا بهذه العبارة!!]
هذا كان الاقتباسَ الكاملَ للإجابة! على سؤال واضحٍ كلَّ الوضوح.
ولكنهم لم يجيبوا إلا بـ: بُعثِر لي، فإني أبعثِرُ لك! عُنعِن لي، فأنا أعنعن لك..وهكذا. وليت تلك العنعنات التي جاؤوا بها كانت جواباً على السؤال الواضح.
والسؤال كان عن عبارة شائعة، هم ألزموا المسلمين بها؛ لكن يحسن هنا أن ننبه: أن العبارة التي ذكرها السائل كانت "اللهم صلِّ وسلّم على محمد"
- والآية في الأحزاب ليس فيها أن الله يُسلّم، بل أنه هو والملائكة يصلون.
- ثم الآية ليس فيها أمر الناس بأن يُسلِّموا على النبي، بل أن يصلّوا عليه و يسلّموا تسليماً (لا وجود لـ "على" مع التسليم!)
6.1.2.4.3. معنى "السلام" في "الصلاة السلام على رسول الله" من موقع "إسلام – سؤال وجواب"
ننتقل إلى زملاء "إسلام ويب" في موقع "إسلام سؤال وجواب"، لعلنا نفهم منهم ما معنى هذه العبارة التي يتحمسون لتحريك اللسان بها.
هنا لا يأتون بالصيغة الفِعلية "وسلِّم" بل بالصيغة الاسمية، يبحثون في معنى "السلام عليه" أي على محمد.
ـ–بداية الاقتباس–ـ
السؤال
ما معنى الصلاة والسلام على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟.
[*…]
وأما معنى " السلام عليه صلى الله عليه وسلم " : فهو الدعاء بسلامة بدنه – في حال حياته - ، وسلامةِ دينه صلى الله عليه وسلم ، وسلامة بدنه في قبره ، وسلامته يوم القيامة .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
قوله : " السلام عليك " : " السَّلام " قيل [*عُدنا إلى المبني للمجهول!] : إنَّ المراد بالسَّلامِ : اسمُ الله ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ " كما قال الله تعالى في كتابه : ( الملك القدوس السلام ) الحشر/23 ،
وبناءً على هذا القول يكون المعنى : أنَّ الله على الرسول صلى الله عليه وسلم بالحِفظ والكَلاءة والعناية وغيرِ ذلك ، فكأننا نقول : اللَّهُ عليك ، أي : رقيب حافظ مُعْتَنٍ بك ، وما أشبه ذلك .
وقيل [*إجابة أخرى، لعلك تحب هذه أكثر..] : السلام : اسم مصدر سَلَّمَ بمعنى التَّسليم ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) الأحزاب/56 فمعنى التسليم على الرسول صلى الله عليه وسلم : أننا ندعو له بالسَّلامة مِن كُلِّ آفة.
[*ولكن سلفه الطبري قال قبل قليل إن المعنى هو أن يحيّوه تحية الإسلام!]
إذا قال قائل : قد يكون هذا الدُّعاء في حياته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ واضحاً ، لكن بعد مماته كيف ندعو له بالسَّلامةِ وقد مات صلى الله عليه وسلم ؟
فالجواب : ليس الدُّعاءُ بالسَّلامة مقصوراً في حال الحياة ، فهناك أهوال يوم القيامة ، ولهذا كان دعاء الرُّسل إذا عَبَرَ النَّاسُ على الصِّراط[* طبعاً الصراط في القرآن ليس بالمعنى الذي ينشرونه] : " اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ "، فلا ينتهي المرءُ مِن المخاوف والآفات بمجرد موته .
إذاً ؛ ندعو للرَّسول صلى الله عليه وسلم بالسَّلامةِ من هول الموقف .
ونقول - أيضاً - : قد [*الاحتمال الثالث!] يكون بمعنى أعم ، أي : أنَّ السَّلامَ عليه يشمَلُ السَّلامَ على شرعِه وسُنَّتِه [*عُدنا إلى ما يسمونه السنة، وقد رأينا أنهم غيّبوا سنّة الله ونكَّروها]، وسلامَتها من أن تنالها أيدي العابثين ؛ كما قال العلماءُ في قوله تعالى : ( فردوه إلى الله والرسول ) النساء/59 ، قالوا : إليه في حياته ، وإلى سُنَّتِهِ بعد وفاته .
وقوله : " السلام عليك " هل هو خَبَرٌ أو دعاءٌ ؟ يعني : هل أنت تخبر بأن الرسولَ مُسَلَّمٌ ، أو تدعو بأن الله يُسلِّمُه ؟
الجواب : هو دُعاءٌ تدعو بأنَّ الله يُسلِّمُه ، فهو خَبَرٌ بمعنى الدُّعاء .
[* لاحظ: الجواب هنا "بأنَّ الله يُسلِّمُه" ليس فيه "على". فالسؤال كان عن "عليه الصلاة والسلام". ولكنهم يخلطون بين هذا وذاك، ولا أحسبهم يتعمدون ذلك – أساسهم الهُلاميّ يؤدي إلى ذلك.]
[*…]
والله أعلم . [أيضاً: ليتهم اكتفَوا بهذه العبارة!]
ـ== نهاية الاقتباس ==ـ
6.1.2.4.4. معنى "الصلاة على النبي" في islamqa
نذهب أخيراً إلى نفس المقال من islamqa ونعود إلى كلمة الصلاة. كيف شرحوها في العبارة "الصلاة والسلام على رسول الله"
ـ–بداية الاقتباس–ـ
أما " الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم " فمعناها - عند جمهور العلماء [*وسترى بعد قليل قولاً يخالف جمهور العلماء] - :
من الله تعالى : الرحمة ،
ومن الملائكة : الاستغفار ،
ومن الآدميين : الدعاء ،
[* كلمة صلّى في نفس الآية لها ثلاثةُ معانٍ! للتذكير: الآية: نُسِب فيها فعل صلّى، إلى الله والملائكة والناس]
وذهب آخرون [الإجابة الثانية!] – ومنهم أبو العالية [*الرياحي وهو تابعي] من المتقدمين ، وابن القيم من المتأخرين ، وابن عثيمين من المعاصرين – إلى أن معنى " الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم " هو الثناء عليه في الملأ الأعلى ،
[* ما مصدر هذا القول؟ هل عندكم فيه "أثَر"؟ وعمّن؟ ولماذا يعلمه بعض علمائكم ويجهله جمهور العلماء؟]
ويكون دعاء الملائكة ودعاء المسلمين بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم بأن يثني الله تعالى عليه في الملأ الأعلى ،
[*فلم تعد هنا صلاة الملائكة هي الاستغفار!]
وقد ألَّف ابن القيم – رحمه الله – كتاباً في هذه المسألة ، سمّاه " جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام " وقد توسع في بيان معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحكامها ، وفوائدها ، فلينظرْه من أراد التوسع .
[*ولسان حالهم: نحن لا نعرف المعنى بالتحديد، ولكنه حسنٌ، فاذهب إن شئت إلى ذلك الكتاب، ودعنا وشأنَنا!]
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
[* وقد قالوا قبل قليل أن ابن العثيمين خالف الجمهور! ولكنهم ينقلون هنا قول المخالف بتمامه – فاختَرْ المبعثَرةَ التي تحب من المبعثر الذي تحب! – دين مَرِن بمنتهى المرونة!]
" قوله : " صلِّ على محمد " قيل [*لاحظ هو يذكر هنا قول "جمهور العلماء" الذي مضى بصيغة التمريض : "قيل"]:
إنَّ الصَّلاةَ مِن الله : الرحمة ، ومن الملائكة : الاستغفار ، ومن الآدميين : الدُّعاء .
فإذا قيل : صَلَّتْ عليه الملائكة ، يعني : استغفرت له .
وإذا قيل : صَلَّى عليه الخطيبُ ، يعني : دعا له بالصلاة .
وإذا قيل : صَلَّى عليه الله ، يعني : رحمه .
وهذا مشهورٌ بين أهل العلم ، لكن الصحيح خِلاف ذلك
[*ابن عثيمين كبير السلفيين يعترف بل يفخر بأنه يخالف المشهور لدى علماء سلفه! فهو لبرالي عِلماني معادٍ للتراث؟]
، [*… يذكر الآن التأويل المتقدم:]
وأحسن ما قيل فيها : ما ذكره أبو العالية رحمه الله أنَّ صلاةَ الله على نبيِّه : ثناؤه عليه في الملأ الأعلى .
[*لم يخبرنا من أين علم أبو العالية هذا وهو من التابعين]
فمعنى " اللَّهمَّ صَلِّ عليه " أي : أثنِ عليه في الملأ الأعلى ، أي : عند الملائكة المقرَّبين .
فإذا قال قائل : هذا بعيد مِن اشتقاق اللفظ ؛ لأن الصَّلاة في اللُّغة الدُّعاء وليست الثناء : فالجواب على هذا : أن الصلاة أيضاً من الصِّلَة
[*جذر الصلة: و-ص-ل وليس ص-ل-و]،
ولا شَكَّ أن الثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى من أعظم الصِّلات ؛ لأن الثناء قد يكون أحياناً عند الإنسان أهمُّ [*الأصح هنا: أهمَّ – خبر كان] من كُلِّ حال ، فالذِّكرى الحسنة صِلَة عظيمة .
وعلى هذا فالقول الرَّاجح [*أهو في حيرة؟]: أنَّ الصَّلاةَ عليه تعني : الثناء عليه في الملأ الأعلى " انتهى .
[* فأنت إذا صليت على النبي، كنت تدعو الله لأنْ يُثني عليه عند الملائكة؟!]
ـ–نهاية الاقتباس–ـ
وهذا من موقع واحد، بل من صفحة واحدة في رد واحد! لو ذهبنا إلى الأشاعرة والصوفية – ماذا ترانا سنجد؟
دين الفوضى. والمصيبة أنهم لا يرون الفوضى! هم فرحون بالفوضى. وهي منهجهم.
فمنهجهم هو انعدام المنهج، وهذا منهج مَرِن مطاطيّ يحبه أكثر الناس!
فوفقاً لتأويل جمهور العلماء يكون معنى
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ}
هو:
(إن الله يرحم النبي، والملائكة يستغفرون له، فيا أيها الذين آمنوا ادعوا له)!
أما وفقاً للفريق المخالف لجمهور العلماء، فالمعنى يكون:
(إن الله يثني على النبي أمام الملائكة، والملائكة يدعون بأن يُثني الله عليه أمامهم، فيا أيها الذين آمنوا ادعوا بأن يثني الله على محمد أمام الملائكة)!
ولك أن تختار أي التأويلين أسوأ وأبعد عن الآية.. وإن شاء الله أفصل في هذا قريباً.
6.1.2.4.5. خلاصة القول:
وبعد،
لا أدري كيف نلخص قولهم في تأويل العبارة التي يكررونها "صلّى الله عليه وسلم".
يبدو أنه من المستحيل أن نعرف ما يعنونه بها، فعلماؤهم في حيرتهم يتخبّطون. فكيف العامّة؟
وترى علماءهم يخلِطون الحابل بالنابل، ويرون في هذا تفوقَّهمُ العلمي:
- فـ "سلَّم على فلانٍ" ، بمعنى "سلَّم فلاناً" بمعنى "عليه السلام" وبمعنى "له السلام" وبمعنى "الله عليه" …
- و كذلك "صلِّ على فلان" بمعنى "عليه الصلاة" بمعنى "صلّى الله عليه" بمعنى "اللهم صلِّ عليه" بمعنى …
- ..
ينطقون بعبارة يرَون تكرارها ديناً – في كل مرة يُذكر فيها نبينا محمد؛ ولكنهم لا يدرون معناها – أو يقدمون لك لائحة من المعاني – واختر منها ما يحلو لك! لا يهمّ معناها: المهم أن تكررها وتحرّك بها لسانك! هذا هو الدين!
فيبدو أن أفضل شرح لتفسيرهم لـ {صلّوا عليه وسلِّموا تسليماً} هو:
قولوا: "صلى الله" وقولوا: "وسلّم تسليماً".
أي أن "صلّوا عليه": معناها قولوا: صلّى الله.
ومعنى "سلّمو تسليماً" هو قولوا: سلّم الله تسليماً!
6.1.3. معنى التسليم في القرآن – وبيان الشرك في بِدعتهم
والآن نأتي لبيان الشِرك، الشرك الذي يحثوننا على ترديده، لكي يقبلونا في ناديهم!
6.1.3.1. ابن كثير وسلفه النووي – وولدهما عثمان الخميس
ولنقرأ قبل ذلك، ما يحبون ترديده: لنقرأ ما جاء في تفسير ابن كثير(ت 774هـ) الذي يستشهد بسلفه النووي(ت 676هـ). وهما عَلَمان من كبار علماء أهل البعثرة.
النص المقتبس هو من تفسيره لآية الأحزاب 33_56 ذاتها {إن الله وملائكته يصلّون..}. هو كتب أكثر من 20 صفحة لتفسيرها ختمها بما يلي:
(قَالَ النَّوَوِيُّ: إِذَا صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَجْمَعْ[*تذكر هذه الكلمة!] بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَا يَقُولُ: "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ" فَقَطْ، وَلَا "عَلَيْهِ السَّلَامُ" فَقَطْ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُنْتَزَعٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ قَوْلَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: صلّى الله عليه وسلّم تَسْلِيمًا. – ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، 1420 1999، تحقيق: سامي بن محمد السلامة، ج6 479)
والعبارة الأخيرة شِرك، أقبح من الشرك.
قد تقول: كيف؟ هذا ما جاء في الآية:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب)
وقد قالها قبلك عثمان الخميس –لعله من مشايخك؟–: هو أيضاً يرى أن "صلى الله عليه وسلم" جاءت في القرآن:

معنى الصلاة على النبي ﷺ / الشيخ د. عثمان الخميس
Dr. Othman Alkamees - الشيخ الدكتور عثمان الخميس
3.25M subscribers
37,845 views Jan 5, 2020
https://www.youtube.com/watch?v=Dyy43h_spQY
تاريخ المشاهدة: 2023-06
من 1:53:
(وأما صيغة السلام، فإما الصلاة الإبراهيمية التي ذكرناها وهي التي جاءت في الحديث
وإما أن نقول "صلّى الله عليه وسلّم" كما جاء في القرآن ، {صلوا عليه وسلّموا تسليماً}. والله أعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)
" كما جاء في القرآن ، {صلوا عليه وسلّموا تسليماً}."
لا! لم يجئ هذا في القرآن، يا عالماً بالبعثرة!
6.1.3.2. هذا معنى الآية – لدى من قرأ القرآن
الآية هكذا:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [*"يصلّون" – فقط! لا وجود لأية كلمة من جذر س-ل-م نُسِبَت هنا لله أو حتى للملائكة!]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب)
ولولا أن صانَ اللهُ القرآن، لكان أسلاف المبعثرين أضافوا إضافتهم الشِركية إلى القرآن!
"سلّموا تسليماً" أمر الله بها المؤمنين! وهو يتعالى عن ذلك!
فمن أين جاؤوا بأن الله سلّم تسليما؛ حتى لو فرضنا أن معناها حَسَن؟
من الذي طلب منكمُ الابتكار؟ من الذي أوحى إليكم أن تعبثوا بالآية؟
وأمر آخر: ليس في الآية "سلِّموا عليه تسليماً"، هذه أيضاً من كيس العابثين بالدين!
فالشرك الذي أخبرتكم عنه في ما يسمونه "الصلاة على النبي" هو ليس بسبب كلمة "الصلاة" أو فعل صلّى، فهذا جاء في القرآن، بل بسبب "سلِّم(تسليماً)" التي نسبها أعداء الإسلام لله، وقلّدهم بعد ذلك مَن قلّدهم.
فما هو معنى {سلِّموا تسليماً} الذي حوّل "صلاتهم على النبي" إلى شرك؟
أجيبك بآية أخرى من كتاب الله:
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <4_65>النساء
كما ترى هنا لدينا الفعل ذاتُه "سلّم" مع المفعول المطلق "تسليما".
والمعنى في الآية واضح، حتى المبعثِرون المبعثَرون لا يقولون: بأن المعنى هو في قول: السلام عليك أو نحو ذلك. بل المعنى: أنْ يحكّموه ويرضَوا بحكمه ويطمئنوا إليه – هذا ما يجب أن يتصف به المؤمنون البشر، أما الله فهو بالطبع يتعالى عن ذلك! بل هو {القاهر فوق عباده}!
واللطيف أن هناك ما يعاكس المفعولَ المطلق التوكيدي فيها، قبلها ببضع آيات – أعني سورة النساء:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا <4_61> – صدَّ صدوداً.
فهذا ما يفعله المنافقون! أما المؤمنون فيسلّمون تسليمواً : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ…}
فليس الكلام عن تَكرار عبارة ما، قد يقولها المنافق من دون أي عناء، 100 مرة في الدقيقة.
وانظر في سورة الأحزاب ذاتها ، تجد ما يشبه آية النساء 4_65:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ [*نتذكر: "حَتَّى يُحَكِّمُوكَ"] أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا <33_36>الأحزاب
الأمر واضح، ولكننا نجد مزيداً من الإيضاح في كتاب الله:
كلمة "تسليم" جاءت في القرآن 3 مرات. رأينا اثنتين، في سورة النساء واحدة وفي سورة الأحزاب واحدة. والثالثة؟ أين؟ هي أيضاً في الأحزاب!
ولكنّ العُميَ عُميٌ!
الآية:
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا <33_22>الأحزاب
وهنا كلمة إيمان مشفوعة مع التسليم تبين لك المعنى من جديد.
وآية الأحزاب تذكرنا بهذه الآية من آل عمران:
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا [*أيضاً زيادة الإيمان] وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ <3_173>آل عمران، وهي أيضاً في الحرب، وفيها التسليم لله – "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل".
ـ تنبيه: كان هذا البيان من القرآن وسنذكر –إن شاء الله– دلائل أخرى من القرآن عند دراستنا لمعنى {صلّوا عليه}. فأرجو مراجعتها.
6.1.3.3. اعتراض: "لكن 'سلّم' لها معانٍ كثيرة"
وبعد،
قد يعترض أحدهم هنا ويقول: ولكن فعل التسليم جاء بمعانٍ كثيرة، فلماذا تجعلها أنت في الانقياد والطاعة؟ لماذا تجعل "وسلِّم(تسليماً)" أو "وسلَّم(تسليماً)" مع الله بهذا المعنى؟ لماذا تتعمد هذا التأويل الشِركي للعبارة؟
أقول: بالطبع هم لا يقولون بأن معناها: "الله يُطيع أو الله ينقاد"، وهم أصلاً مختلفون في معناها.
وطبعاً يُمكن إخراج عبارتهم الشِركية من الشِرك بتأويل "سلّم تسليماً" بصورة مخالفة. وقد جاء في القرآن بأن الله سلّم(!):
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ <8_43>الأنفال
لكن ما هي الآية المرتبطة بما يسمونه بـ "الصلاة على النبي" هي تلك التي في الأحزاب {إن الله وملائكته..}، ولا خلاف في ذلك. ومعنى التسليم فيها هو الطاعة والانقياد والقبول بالأمر.
فهل يُقال هذا لله؟!
هذا أقبح من الشِرك: أن تجعل الله يسلِّم تسليماً. فالشريك يناقش شريكه وهو نِدّ له، ولكن العبارة تجعل الله طائعاً منقاداً لمحمد، وكأنه دونه!
- ثم آية الأنفال ليست فيها صياغة المفعول المطلق: سلَّم تسليماً (وقد رأيناها لدى ابن كثير وسلفه النووي.)
- ونعيد: الآية ليس فيها أن الله يُسلِّم فلماذا تُقال؟ حتى لو فرضنا أن معناها حَسَن، لِمَ التلاعب بآيات الله؟ لا الله يسلِّم تسليماً ولا الملائكة! فمن أوحى لكم بإضافة الشِرك في عبارتكم التي لا تدرون معناها؟ "صلى الله عليه وسلم(تسليماً)" و "اللهم صلّ على محمد وسلِّم (تسليماً)"؟
6.1.3.4. اعتراض: "مَن شيخك الذي قال بهذا؟"
وبعد،
أكاد أسمع الآن ضوضاء المبعثرين وهم يقولون: هل تقول بأن أمتنا كانت كل هذه الفترة على ضلال؟ من أين جئت بهذا التأويل الفاسد للتسليم في الآية؟ مَن شيخك في هذا؟
وهذا للأسف من أشهر حججهم: وهي حجة يدحضها القرآن دحضاً في آيات كثيرة يُذمّ فيها الذين يتّبعون هكذا آباءهم، وتُذمّ فيها الأكثريات.
لكن على كل حال أنا أتفهم الصدمة من كلامي والنفورَ من حججي.
وأنا لا أقول بأن من يقلّد النووي وابن كثير في "صلاتهما على النبي" بأنه مشرك! (أذكّر: " فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: صلّى الله عليه وسلّم تَسْلِيمًا")، فالناس لا يدركون ما يقولون، وهم عادة يقلّدون محيطهم – فهذا أيسر الطرق في الدنيا..
أنا لا أصف العامة بالشرك ولا حتى مشايخهم الذين أضلّوهم وأضلوا أنفسهم.
أمرهم إلى الله، وهو الأعلم بحالهم، وهو العادل في حكمه، يعلم قدر الجهل أو الحماقة أو الإهمال أو تعمّد الإضلال لدى كل إنسان.
ولنعد إلى الاعتراض: "من أين جئت بهذا التأويل الفاسد للتسليم في الآية؟ مَن شيخك في هذا؟"
أقول:
أنا جئت بآيات الله الجليات. أفَلَم تكفِكم؟ لكن إن كنت تفضلون كلام البشر فإني آتيكم به.
فلست أنا أول من قال بهذا، تجد ذلك لدى الكثيرين. وإليك منهم:
تفسير الجصّاص(ت370 هـ):
(ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ تَأْكِيدَ الفَرْضِ في الصَّلاةِ عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِهِمْ لِأمْرِ اللَّهِ إيّاهم بِها كَقَوْلِهِ: {ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: ٦٥] – الجصّاص، أحكام القرآن، دار إحياء التراث العرب-مؤسسة التاريخ العربي، 1412 1992، ج5، ص244)
- تفسير السمرقندي(ت375 هـ):
({وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} يعني : اخضعوا له خضوعاً . ويقال : ائتمروا بما يأمركم الله تعالى. – السمرقندي، بحر العلوم، دار الكتب العلمية، 1413 1993 ، ج3، ص60) - تفسير الماوردي(ت450 هـ):
({وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} يحتمل وجهين: أحدهما: سلّموا لأمره بالطاعة له تسليماً. الثّانِي: وسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالدُّعاءِ لَهُ تَسْلِيمًا أيْ سَلامًا. – الماوردي، النُكت والعيون - تفسير الماوردي، دار الكتب العلمية - مؤسسة الكتب الثقافية، ج4، ص422) تفسير الطبرسي(ت 548 هـ):
(فعلى هذا يكون معنى قوله { وسلموا تسليما } انقادوا لأوامره وابذلوا الجهد في طاعته وفي جميع ما يأمركم به – الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار العلوم -دار المرتضى بيروت، 1427 2006، ج8، ص136)
الطبرسي طبعاً من كبار الشيعة.
نقل ذلك ابن الجوزي(ت 597 هـ) في تفسيره عن ابن السائب:
(وذَهَبَ ابْنُ السّائِبِ إلى أنَّ مَعْنى التَّسْلِيمِ: سَلِّمُوا لِما يَأْمُرُكم بِهِ. – ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي 1404 1984، ج6، ص419)
تفسير الدمنهوري:
({وسلموا تسليماً} لا تعارضوا في شيء من أحكامه وتعاليمه انظر النساء في 65 –
أبو زيد الدمنهوري، الھدایة والعرفان في تفسیر القرآن بالقرآن، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1349، ج2، ص334) آية النساء ذكرناها:
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <4_65>النساء
طبعاً الدمنهوري ليس من التقليديين.
نأتي إلى الشعراوي، محمد متولي الشعراوي(ت 1419 1998):


(وقوله تعالى بعدها: { وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [الأحزاب: 56] لك أنْ تلحظ في صدر الآية { إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي.. } [الأحزاب: 56] ولم يَقُلْ سبحانه: ويسلّمون، [*وهذا ما ذكرناه] فلما أمر المؤمنين قال { صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [الأحزاب: 56] فزاد: وسلِّموا تسليماً. [*وهذا أيضاً تحدثنا عنه]
قال العلماء: لأن الصلاة على رسول الله لا تكون إلا مع التسليم له بمعنى طاعته والإذعان لأمره، وأن تُسْلِم زمامك له في كل صغيرة وكبيرة، وإلاَّ فكيف تُصلِّي عليه وأنت تعصي أوامره،
[*ويحتج الآن أيضاً بآية النساء وقد ذكرناها عدة مرات]
وقد قال تعالى:{ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [النساء: 65]. – تفسير الشعراوي، أخبار اليوم - قسم الثقافة، 1991 1411، ج19، ص12148)
وأنت تلاحظ أن الشعراوي يحاول الإتيان بالحجج القوية ضد التفسير الشائع مع محاولته لإرضاء زملائه من مشايخ البعثرة.
- وهنا نقل آخر عن ابن السائب، لدى محمد علي الصابوني المعاصر (توفي 1442، 2021):
(وذهب ابن السائب إلى أن معنى التسليم: الانقياد وعدم المخالفة، أي سلّموا لما يأمركم به والله أعلم. – محمد علي الصابوني، روائع البيان من القرآن-تفسير آيات الأحكام، مكتبة الغزالي، 1401 1981، ج2، ص364) - تفسير الأمثل للشيرازي
(والذي يبدو أنسب[*…] {وسلِّموا} فتعني التسليم لأوامر نبي الإسلام الأكرم ، كما ورد في الآية (65) من سورة النساء {ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً} .
وكما نقرأ في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) [* أي جعفر الصادق] أنّ أبا بَصير سأله فقال : قد عرفتُ صلاتنا على النّبي ، فكيف التسليم؟ قال : « هو التسليم له في الاُمور » . – ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المُنْزَل، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1434 2013، المجلد 10، ص425)
الشيرازي من كبار الشيعة المعاصرين. (1345هـ/1924م – ) وراجع أيضاً هذا التسجيل لصلاح الدين بن إبراهيم: (4:55 إلى 7:20)
ذكر فيه أيضاً المعنى الحقيقي لـ "وسلّموا تسليماً" واستشهد أيضاً بآية النساء 4_65.
ولنا عودة إلى كلامه بعد قليل.

https://www.youtube.com/watch?v=TQmBZwO_ukk
May 4, 2021
6.1.4. تاريخ بِدعتهم الشِركية
6.1.4.1. مع الطاهر ابن عاشور – كم مرة يجب أن تنطق بصلاتهم على النبي؟ ومتى ظهرت البِدعة؟
ونذكر الآن ما يبين أن عادة تكرار عبارتهم "صلّى الله عليه وسلّم" (وفيها الشرك) هي بدعة متأخّرة وأن ما يُشاع عنها يخالف الحق.
أنقل هنا عن: الطاهر ابن عاشور[ت 1393 1973]، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، 1984، ج22 (عند تفسيره للآية).

- (ولِذَلِكَ اتَّفَقَ فُقَهاءُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ واجِبًا عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يُصَلِّيَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مَرَّةً في العُمُرِ فَجَعَلُوا وقْتَها العُمُرَ كالحَجِّ. – ص98)
مرّة واحدة في العمر كالحج! وليس كما هو شائع اليوم: كلّما نطقت باسم محمد أو سمعته!
إضافة
(ولكن جمهور العلماء رجّحوا القول الأول [*أي عدم وجوب التكرار]
وقالوا: إنّ وجوب الإكثار ووجوب التكرار للصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم لم ينقل عن أحد من الصحابة، [*!] فيكون هذا القول إذن مخترعا. [*فهم المبتدعة!]
وأمّا من حيث النصّ الذي يعتمد عليه في هذا الباب فهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً فهو وإنّ كان بصيغة الأمر إلا أنها لا تقتضي ولا توجب التكرار،
ولا تحتمل أيضا التكرار كما هو مصرّح به في كتب الأصول.
وأيضا: لا توجد عبادة في الشرع واجبة بدون تعيين وقتها وعددها ومقدارها، أضف إلى ذلك أن تكون مستمرة ودائمة مع هذه الجهالة.
ولو كانت الصلاة على النبي واجبة في كلّ وقت يذكر فيها الرسول صلّى الله عليه وسلّم للزم من ذلك وجوبها على كل مؤذّن وسامع للأذان ومقيم للصلاة وسامع للإقامة.
وكذلك على كلّ قارئ للقرآن متى ورد ذكر الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيها. ويدخل في ضمن ذلك من قال كلمات الشهادتين أو ممن سمعها وكذلك على وجه الخصوص من يدخل في الاسلام الذي لا بدّ له من النطق بالشهادتين وأمثال ذلك، بينما الواقع المنقول عن السلف والخلف خلاف ذلك [*!].
ويؤيّده أنّ الحمد والثناء على الله سبحانه ليس واجبا كلما ذكر اسم الله. [*!!]
فإذن كيف يصير واجبا الصلاة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم في كلّ وقت يذكر فيه؟[*!]
وأجابوا عن تلك الأحاديث المشار إليها بأنّها على سبيل المبالغة والتأكيد،
وهي إنّما ترد بحق من لم يصلّ أبدا على النبي صلّى الله عليه وسلّم. – كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي)
http://arabiclexicon.hawramani.com/?p=42275#571e1d
التصفح 2023-07
- (وأمّا حَدِيثُ «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» فَقَدْ ضَعَّفَهُ أهْلُ الحَدِيثِ كُلُّهم. – ص99)
(واعْلَمْ أنّا لَمْ نَقِفْ عَلى أنَّ أصْحابَ النَّبِيءِ [*هو يقول "نبيء"، وهذا أيضاً صحيح، نبيء مشتقة من نبأ، وزنها فعيل] ﷺ كانُوا يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ كُلَّما ذُكِرَ اسْمُهُ ولا أنْ يَكْتُبُوا الصَّلاةَ عَلَيْهِ إذا كَتَبُوا اسْمَهُ ولَمْ نَقِفْ عَلى تَعْيِينِ مَبْدَأ كِتابَةِ ذَلِكَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. – ص99)
فمتى ظهرت هذه البِدعة التي تحوِّل الصلاة على النبي إلى تحريكة لِسانية؟ ثمّ إلى عبارة شِركية بإضافة "وسلَّم (تسليماً)" أو "وسلِّمْ تسليماً"؟
- (ثُمَّ أُحْدِثَتِ الصَّلاةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في أوائِلِ الكُتُبِ في زَمَنِ هارُونَ الرَّشِيدِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الأثِيرِ في الكامِلِ في سَنَةِ إحْدى وثَمانِينَ ومِائَةٍ 181 – ص100)
181هـ! تخيل هذا! ويقولون بأنهم لا يتبعون إلا الرسول والصحابة!
هم الذين أحدَثوا في الدين وابتدعوا فيه – حتى بلغوا إشاعةَ الشِرك على ألسنة المسلمين! - (ولا شَكَّ أنَّ إتْباعَ اسْمِ النَّبِيءِ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ في كُتُبِ الحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ وغَيْرِها كانَ مَوْجُودًا في القَرْنِ الرّابِعِ [*فمتى بدأ؟ ومتى صار شائعاً؟]
وقَدْ وقَفْتُ عَلى قِطْعَةٍ عَتِيقَةٍ مِن تَفْسِيرِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ البَصْرِيِّ مُؤَرَّخٍ نَسْخُها سَنَةَ ثَلاثٍ وثَمانِينَ وثَلاثِمِائَةٍ [*383] فَإذا فِيها الصَّلاةُ عَلى النَّبِيءِ عَقِبَ ذِكْرِهِ اسْمَهُ.
[* لكنه لم يذكر إن كان معها الإضافة الشِركية: "وسلَّم (تسليماً)".]
وأحْسَبُ أنَّ الَّذِينَ سَنُّوا [*هم يضعون السُنَن! وسنة الله نسُوها وأنسَوها! إنهم مُنَكِّرو السُنّة]
ذَلِكَ هم أهْلُ الحَدِيثِ ، قالَ النَّوَوِيُّ في مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ عَلى صَحِيحِ مُسْلِمٍ: [*سنتابع هذا الاقتباس في الفقرة التالية] – ص100–101)
6.1.4.2. بِدعة الجمع بين "الصلاة" و "التسليم"
جريمة الشِرك في صلاتهم على النبي هي في أنهم نسبوا التسليم لله.
فالعبارتان:
"صلى الله عليه وسلّم (تسليما)"
"اللهم صلِّ على محمد وسلِّم (تسليماً)"
شِرك صريح.
أما العبارات التالية فلا شِرك فيها:
- "صلى الله عليه"
- "اللهم صلِّ على محمّد"
- "عليه الصلاة"
- "عليه السلام"
فالشِرك –وهذا ما يهمنا هنا– لا يظهر في عباراتهم إذا فصلوا بين ما يسمونه "الصلاة" وبين ما يسمونه "السلام".
"عليه الصلاة والسلام" أيضاً ليس فيها شِرك مع أن فيها الجمع بينهما، لكن إذا تُرِك الجمع فلا وجود للشرك في العبارة.
والمفاجأة الآن التي سنراها أن الجمع بين (الصلاة أو التصلية) و(السلام أو التسليم) هذه عادة متأخِّرة! وقد رأينا أن تكرار قول ما يسمونه "الصلاة على النبي" هو أيضاً متأخر.
6.1.4.3. ولا بأس أن نبدأ بهذه الصورة: من جامع آيا صوفيا الشهير.
لماذا ليس في الدائرة "صلّى الله عليه وسلّم"؟ أو لماذا ليس فيها "عليه الصلاة والسلام"؟
لماذا اكتفوا هنا بـ "عليه السلام"؟ ألم يجدوا مكاناً لإضافة العبارات المحبّذة اليوم؟!، وصارت هي من أهم العبادات.
والطريف أن المقال عنوانه: "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم" – ألم يجد أهل البعثرة إلا هذه الصورة – وليس فيها الصلاة أو ما يُشتق من جذر ص-ل-و؟ لا ينتهي عجبي منهم.
6.1.4.4. والآن لنتذكر ما جاء في تفسير ابن كثير:
(قَالَ النَّوَوِيُّ: إِذَا صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَجْمَعْ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَا يَقُولُ: "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ" فَقَطْ، وَلَا "عَلَيْهِ السَّلَامُ" فَقَطْ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُنْتَزَعٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ قَوْلَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: صلّى الله عليه وسلّم تَسْلِيمًا. ج6 ص479)
فابن كثير يوافق سلفه النووي في نشر الشِرك على ألسنة المسلمين.
لكن من الذي بدأ بذلك؟ متى كان ذلك؟ هل كان الصحابة يفعلون ذلك؟ أعني وفق روايات أهالي الحديث – هل كان الصحابة يقولون: صلى الله عليه وسلّم، أو مشتقاتها الشِركية الأخرى؟
6.1.4.5. لا وجوب للجمع بين الصلاة والتسليم – الطاهر ابن عاشور
نقرأ ما جاء لدى ابن عاشور، في نفس المصدر السابق من تفسيره، التحرير والتنوير، في آية الأحزاب ذاتها 33_56:
(والآيَةُ تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِشَيْئَيْنِ: الصَّلاةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ والتَّسْلِيمُ عَلَيْهِ، ولَمْ تَقْتَضِ جَمْعَهُما [*!]
في كَلامٍ واحِدٍ [*فهو يخالف النووي وابن كثير!] وهُما مُفَرَّقانِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ فالمُسْلِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ
[*1] يَقْرِنَ بَيْنَ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ بِأنْ يَقُولَ: صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ والسَّلامُ عَلَيْهِ، أوْ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ والسَّلامُ عَلى مُحَمَّدٍ،
[*ولم يقل: "سلّم (تسليما)"!]
فَيَأْتِي في جانِبِ التَّصْلِيَةِ [*مصدر صلّى، مثل: ولّى توليةً] بِصِيغَةِ طَلَبِ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، وفي جانِبِ التَّسْلِيمِ بِصِيغَةِ إنْشاءِ السَّلامِ بِمَنزِلَةِ التَّحِيَّةِ لَهُ،
[*2] وبَيْنَ أنْ يُفْرِدَ الصَّلاةَ ويُفْرِدَ التَّسْلِيمَ وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ عِياضٌ في الشِّفاءِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ:
«لَقِيتُ جِبْرِيلَ فَقالَ لِي: أُبَشِّرُكَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ ومَن صَلّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ» . [*لاحظ الفصل] – ص102)
6.1.4.6. النووي مِن جديد – سُنَن أهل الحديث – تعميم عبارة الشِرك – وتزييف النصوص
ولنقرأ هذا الاقتباس من تفسير ابن عاشور أيضاً، ونبدأ بما ذكرناه من قبلُ:
ـ–بداية الاقتباس–ـ
(ولا شَكَّ أنَّ إتْباعَ اسْمَ النَّبِيءِ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ في كُتُبِ الحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ وغَيْرِها كانَ مَوْجُودًا في القَرْنِ الرّابِعِ [*!]
وقَدْ وقَفْتُ عَلى قِطْعَةٍ عَتِيقَةٍ مِن تَفْسِيرِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ البَصْرِيِّ مُؤَرَّخٍ نَسْخُها سَنَةَ ثَلاثٍ وثَمانِينَ وثَلاثِمِائَةٍ [*383] فَإذا فِيها الصَّلاةُ عَلى النَّبِيءِ عَقِبَ ذِكْرِهِ اسْمَهُ.
[* لكنه لم يذكر إن كان معها الإضافة الشِركية: "وسلَّم (تسليماً)"]
وأحْسَبُ أنَّ الَّذِينَ سَنُّوا [*هم يضعون السُنَن! وسنة الله نسُوها وأنسَوها! إنهم مُنَكِّرو السُنّة]
ذَلِكَ هم أهْلُ الحَدِيثِ قالَ النَّوَوِيُّ [* ت676هـ ، وقد رأينا ما نقل عنه ابن كثير في تفسيره]
في مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ عَلى صَحِيحِ مُسْلِمٍ [*وهو أشهر شرح لصحيح مسلم] :
يُسْتَحَبُّ لِكاتِبِ الحَدِيثِ إذا مَرَّ ذِكْرُ اللَّهِ أنْ يَكْتُبَ عَزَّ وجَلَّ، أوْ تَعالى، أوْ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ تَبارَكَ وتَعالى، أوْ جَلَّ ذِكْرُهُ، أوْ تَبارَكَ اسْمُهُ، أوْ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ،
وكَذَلِكَ يَكْتُبُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلّم بِكامِلِها لا رامِزًا [*ويبدو أن ذكرها صار أهم من ذكر "تعالى"] إلَيْها ولا مُقْتَصِرًا عَلى بَعْضِها ،
[*لاحظ هنا يؤكد على أهمية ذلك – لكن مع الله، لم يؤكد!]
ويَكْتُبُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا في الأصْلِ الَّذِي يُنْقَلُ مِنهُ [*!!]
[*هذا تبديل متعمّد لنصوص المخطوطات! وثانيةً: لاحظ أنه لم يقل بمثل هذا إذا ذُكِر اسم الله!]
فَإنَّ هَذا لَيْسَ رِوايَةً وإنَّما هو دُعاءٌ.
[*سَفاهة! تبديل النصوص هو دعاء! فليبدِّل أيضاً نص القرآن!: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ}، فليس في الآية "صلّى الله عليه وسلّم"!]
ويَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يَقْرَأ كُلَّ ما ذَكَرْناهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا [*النووي يصرّ على تبديل النصوص!!]
في الأصْلِ الَّذِي يَقْرَأُ مِنهُ ولا يَسْأمُ مِن تَكَرُّرِ ذَلِكَ،
[*والآن يأتيك بتهديد من كيسه:]
ومَن أغْفَلَ ذَلِكَ حُرِمَ خَيْرًا عَظِيمًا
اهـ. [*أي انتهى كلام النووي] – ص101)
ـ–نهاية الاقتباس–ـ
فالنووي لا يكتفي بإلزام معاصريه بمقولة الشِرك، بل يريد أن ينسبها أيضاً إلى كل أسلافه، إلى كل ما كتبوه!
وهنا الكارثة! هو يريد تغيير النصوص القديمة ومن دون التنبيه إلى التغيير.
فالنتيجة تكون: أن كل من يقرأ المخطوطات، التي أعاد نسخها أتباعُه، سيجد العبارة الشركية "صلى الله عليه وسلم" منسوبةً مثلاً للبخاري أو مسلم أو من سبقهما – ظانّاً أنها أصلية، أي أنهم قالوها بالصيغة التي أراد النووي وأقرانُه نشرها!!
وإن لم تشارك في جريمة الشِرك وجريمة تبديل النصوص فأنت محروم من الخير العظيم "ومَن أغْفَلَ ذَلِكَ حُرِمَ خَيْرًا عَظِيمًا"!!
وملاحظة: حتى لو كانت العبارة غيرَ شِركيةٍ، لا يجوز تزييفُ النصوص ودسُها فيها! وأنا لا أحذف عباراتهم الشركية، مع أنهم يُلصقونها باسم نبينا محمد!
وبالمناسبة لدى النووي في شرحه لصحيح مسلم: أيضا الترضي على الصحابة.
ولا أدري لماذا تجاوزها ابن عاشور – هل كانت لديه طبعة مخالفة؟
يقول النووي: ( وكَذَلِكَ يَكْتُبُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّبِي ﷺ "صلى الله عليه وسلم" بكمالها لا رامِزًا إلَيْها ولا مُقْتَصِرًا عَلى بَعْضِها على أحدهما. [*الجملة التالية ليست لدى ابن عاشور:] وكذلك يقول في الصحابي "رضي الله عنه" فإن كان صحابياً ابن صحابي قال: "رضي الله عنهما". وكذلك يترضى ويترحم على سائر العلماء والأخيار [*ويكتب هذا وإن لم يكن مكتوباً في الأصل [*!] الذي ينقل عنه فإنه ليس رواية وإنما هو دعاء – النووي، شرح صحيح مسلم، مؤسسة قرطبة، 1414 1994، ج1، ص65)

(إضافة قال: " وكذلك يترضى ويترحم على سائر العلماء والأخيار"، فالترضي على غير الصحابة كان شائعاً؟ يبدو أن "موضة" عصر النووي، مخالفة لـ "موضة" عصرنا الحالي.)
فهو يريد أيضاً تبديل النصوص لكي يظن اللاحقون أن عبارة الترضي على الصحابة كانت أيضاً واجبة – وكذلك الترحم على مشايخهم!
ولاحظ أنه يقولها في كتاب من أشهر كتبه، فهو لا يُخفي جريمته! هو يعترف بأنه يُلزم النُسّاخ بتزييف الكتب السابقة!
ولا أحد يهتم! وكأن التزييف صار عادةً في عصرهم؛ صار التزييف من أركان الدين!
وملاحظة أخرى: النووي لم يأتِ بمبعثرة من أسلافه لتسويغ جريمته. أليس هو من أهل الأثَر؟ أين أثرك يا نووي في ذلك؟
أم كانت "حركة جدعنة"؟ ومن شركاؤك في هذه الجريمة؟
(وملاحظة أخرى: سنرى بعد قليل مثالاً حيّا لتزييف معاصر لكلام مسموع ومسجّل!)
6.1.4.7. هل نُشِر الشِرك من أجل الاختصار؟
ونقرأ لدى ابن عاشور مجدداً:
(وأمّا أنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلى مُحَمَّدٍ، فَلَيْسَ بِوارِدٍ فِيهِ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ولا حَسَنٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَرِدْ عَنْهُ إلّا بِصِيغَةِ إنْشاءِ السَّلامِ مِثْلَ ما في التَّحِيَّةِ، ولَكِنَّهم تَسامَحُوا في حالَةِ الِاقْتِرانِ بَيْنَ التَّصْلِيَةِ والتَّسْلِيمِ فَقالُوا: صلى الله عليه وسلّم لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ فِيما نَرى. –ص102 )
فللاختصار أشاعوا الشِرك؟ ألا يدركون ما يقولون؟ ثمّ هم أهل "لا ينبغي للرجل أن يحكّ رأسه إلا بأثر" – فلماذا كل هذه الاختلاقات والإحداثات في الدين؟
6.1.4.8. لا وجود للجمع بين الصلاة والسلام! والكثير من السلف كانوا يذكرون "محمداً" دون أية عبارة بعده – صلاح الدين بن إبراهيم
ونعود إلى تسجيل صلاح الدين بن إبراهيم:

https://www.youtube.com/watch?v=TQmBZwO_ukk
May 4, 2021
وقد ذكر فيه المعنى الذي بيّناه لـ "سّلم تسليماً" ( 4:53 إلى 7:20)، لكن يهمّنا في تسجيله أمر آخر (1:30):
(ولا يُحفَظُ أثرٌ عن الأكرمين الذين عُلِّموا وهُدوا ورَشَدوا [*الكلام كان عن الصحابة] أنهم كانوا يجمعون بين الصلاة والسلام. يعني: قول القائل: "النبي عليه الصلاة والسلام" - هذا الجمع ما كان عند الأمة التي رُحِمَت وهُدِيَت. من نبي الله والذين اتبعوه بإحسان. واضح؟ زادها الناس!)
وبعد 8:00 نسمع أنه ينفر أيضاً من صيغة "عليه الصلاة والسلام":
(لو أن عبداً قال "عليه الصلاة والسلام"، ما أخطأ ولكنه قال ما لا يُعلَم، ولا نحفظه.
وأصوب منه اتباع الأثر والهدى. أن إذا ذكرت نبي الله، قلت: اللهم صل على محمد وآل محمد. واضح إخواننا؟
وكثير من أشياخكم في كتبهم الأولى كانوا، إذا ذكروه، إما أن يقولوا "صلى الله عليه" [*دون وسلّم] بغير عليه الصلاة والسلام
أو أن يذكروه فلا يصلّون ولا يسلّمون. وهذا أشرنا إليه. اذهب إلى الطبري، وغيره إذا شئت – فمتِّع ناظريك!
أو عند الشافعي في بعض كتبه تجد محمداً ولا صلاةً عليه ولا سلاماً بعده[*..])
انتهى الاقتباس. واللافت هنا أنه لا يتحدث عن العبارة الشائعة الشِركية "صلّى الله عليه وسلّم"، وقد قال بأن "سلّم" هنا للطاعة والانقياد. فهو يعلم أن العبارة تصير شِركاً (أن يكون الله طائعاً) فهل تجنّب لذلك الكلام فيها؟
فهو يقبل باستياء بالجمع بين "الصلاة والسلام" في عبارة "عليه الصلاة والسلام"، أما العبارة الشِركية "صلى الله عليه وسلّم" – فيصمُت عنها.
6.1.4.9. الألباني أيضاً: لا يلزم الجمع بينهما – ويُقِرّ بأن ذلك لم يكن لدى السلف القدماء!
ونختم كلامنا هنا بالاستشهاد – بمَنْ؟ بمحدِّث العصر، الألباني هو أيضاً يعترف بأن العادة الشركية هي مستحدثة – طبعاً هو لا يسميها "العادة الشِركية"، بل ينطق بها أيضاً متّبعاً لسلفه المتأخرين ومخالفاً لسلفه المتقدمين!
ونذهب إلى صفحته مباشرة، صفحة تراثه:
https://www.al-albany.com/audios/content/6017/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D8%AC%D8%A8-%D8%A3%D9%86-%D9%8A%D8%B5%D8%A7%D8%AD%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85
https://archive.is/5PTFs
بديل: https://www.youtube.com/watch?v=F2TIG9Jbi3w

وهذه صورة الإجابة من نفس الرابط:

ـ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ بداية الاقتباس~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ـ
"سلسلة الهدى والنور - شريط : 55 توقيت الفهرسة : 00:41:58 نسخة مدققة إملائيًّا"
تاريخ التصفح 2023-06
يُسأل: (هل يجب أن يصاحب الصلاة على النبي ( عليه الصلاة والسلام ) التسليم . ؟
السائل : أستاذي يقول بعض الناس أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا بد وان يصطحبها التسليم ، وذلك لقول سبحانه : (( صلوا عليه وسلموا تسليما )) ما مدى صحة هذا ؟)
[*في ردّه أن هذا خارج الصلاة خطأ ويبين أن هذا مُستحدَث!]
يقول:
[*بعد 43:30]
([*..] أما خارج الصلاة فإذا قلت صلى الله عليه وسلم ، أو صلى الله عليه [*أيْ دون الإضافة الشِركية] أو قلت عليه السلام ، فقد قمت بما يجب عليك وأنجيتَ نفسك من أن تستحق وصفَ البخيل الذي وَصف الرسول –عليه السلام– [*في التفريغ كتبوا العبارة الشركية "صلى الله عليه وسلم"!] به من لم يصل عليه ، عند ذكره ( البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي )
ولذلك ما وجدنا في كل كتب علماء المسلمين القديمة منها والحديثة ، أن المؤلف، إن كان البخاري أو مسلم أو غيرهم، ممن هم أعرف الناس بسنة رسول الله،
[*هو يقول عليه السلام أو عليه الصلاة والسلام، في التفريغ: صلى الله عليه وسلم!]
[*فتلاميذ الألباني يزيّفون كلام الألباني!! عملاً بأمر النووي – وقد رأيناه جعل تزييف النصوص من الدين، وسمى ذلك دعاءً!]
أنه إذا ذكروا الرسول[* في التفريغ إضافة أيضاً: صلى الله عليه وسلم!] في مناسبة ما ، وما أكثر هذه المناسبات وقفوا عندها وجمعوا بين التشهد وبين الصلاة الإبراهيمية أو حتى قالوا صلى الله عليه وسلم ، حتى بهذه العبارة الموجزة ما التزموها [*!]،
ومن الأشياء التي نلاحظها عل الكتب القديمة دون الحديثة [*!] ،
أننا نجد في الكتب القديمة مخطوطة قال رسول الله صلى الله عليه حاف [*أي من دون "وسلّم"] ، بدون وسلم ، وهذا يعني تطبيق منهم عملي لأمر جائز في الشرع فإذن السلام هذا ليس بالأمر اللازم [*..])
ـ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ نهاية الاقتباس~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ـ
ملاحظتان:
- الألباني يعترف بأن الانتشار العام للعادة الشِركية "صلى الله عليه وسلّم" جاء متأخراً، ففي الكتب القديمة كان يجد "صلى الله عليه" [دون إضافة الشِرك] – "ومن الأشياء التي نلاحظها عل الكتب القديمة دون الحديثة"
وهذا بالرغم من كل التزييف الذي ارتكبه النوويون – فقد رأيناه يصرِّح بأن تزييف المخطوطات هو عنده من الدين! لكن بقيت مع ذلك مخطوطات دون إضافة الشِرك! - إنك تجد مثالاً حيّاً للتزييف المستمر الذي يرتكبه أهل البعثرة – دون أي وعي بأنهم يزيفون، صار التزييف في فِطرتهم.
فكلما ذكر الألباني محمداً – جعلوا بعدها "صلّى الله عليه وسلّم" – فمرة يقول الألباني "عليه السلام" فيحوّلونها إلى عبارتهم الشِركية، ومرة قال فقط الرسول – فأضافوها من عِندهم!
هذا مع أن التسجيل عن هذه الإضافة – التي أضافوها.
فالقوم يزيّفون دون أن يدركوا أنهم يزيّفون، الداء النووي فيهم مستفحل جداً!
6.1.4.10. النتيجة ليس لديهم "حديث" في بدعتهم الشِركية: "صلّى الله عليه وسلّم(تسليماً)"
فماذا نستنتج من كل هذا:
ليس لديهم "حديث نبوي" فيه الأمر بقول عبارتهم الشِركية "صلّى الله عليه وسلّم" وإلا لكان ذكره الألباني أو ابن كثير أو النووي. وليس لديهم في ذلك –على ما يبدو– حتى أي أثر عن صحابي في ذلك.
فالأمر باعترافهم بِدعة متأخرة، ولكنها شائعة اليوم بصورة جنونية.
فأين سلفيّتكم أيها السلفيّة؟
لماذا تضيفون –أنتم وزملاؤكم في البعثرة– العبارة "وسلّم (تسليماً)"؟
مَن سلفكم في هذا؟
من أوحى إليهم بهذا؟
وبالمناسبة: يبدو أن حالَ أهل البعثرة من الشيعةِ مثلُ حالِ زملائهم من السُنّة: الإضافة الشِركية "وسلّم (تسليماً)" عندهم أيضاً مبتدعة ومتأخرة؛ ولكني لن أخوض في ذلك هنا، حتى لا يطول المقال أكثر.
وبعد،
- أعلم أن كل الحجج التي جئت بها لن يتقبلها أهل البعثرة وأتباعهم؛ حجج القرآن تذهب سدىً معهم. لن يقتنعوا بأن "صلى الله عليه وسلّم (تسليماً)" هي شِرك لمن قرأ القرآن وآمن به!
- وأعلم أنهم يحبّون تحريك ألسنتهم، فهذه طريقتهم الفُضلى لدخول الجنة! وقد صاروا مُدمنين على تحريك ألسنتهم بما يسمونه الصلاة على النبي ما أن يسمعوا اسم نبينا محمد.
فإني، لهذين السببين –وليس هذا من عادتي– أدعوهم لاتباع أسلافهم؛ أدعوهم لاتباع ما يقوله كهنتهم عن أسلافهم المتقدّمين.
اتبعوهم! قلِّدوهم! قلّدوهم حتى تتخلصوا من إضافة الشِرك، الشائعة على ألسنتكم: "وسلّم (تسليماً)"!
حتى تتخلصوا من عادتكم الغريبة، المستحدثة: عادةِ تعبّد الله بترديد الشِرك!
6.1.5. الخاتمة والإنجاز الأخير لأهل البعثرة – بالتعاون مع الغرب:
تبين لنا:
- أنهم اعتدوا على آية الأحزاب
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب)
وبيّنا من قبل اعتداءهم على "سنّة الله" وقد وردت في آيتين من سورة الأحزاب – وهذا فريد. - كان اعتداؤهم الأول في تحويل {صلّوا عليه} إلى تحريك لساني، وكذلك {سلِّموا تسليماً}
- ثم ألزموا الناس –أو كادوا– بتكرار التحريكات اللسانية لدى كل ذِكر لمحمد – مع أنهم لا يدرون معنى تلك العبارة!
- وصارت تلك التقليبات اللسانية أشيَع وأهم من قول "تعالى" أو "عزّ وجل" بعد الله. (فقولك الله بدون إضافة، لا إشكال فيها عندهم، أما إن ذكرت اسم محمد دون إضافة، فهذا يُعرّضك للتخوين أو ما هو أسوأ!)
- ثم دسّوا إضافة الشرك "وسلّم (تسليماً)" في تلك العبارات التي جعلوه هي الصلاة على النبي.
- ولم يكتفوا بذلك بل جعلوا الدين في تزييف كل مؤلفات السابقين بجعل عبارة الشِرك فيها، بعد كل ذِكر لنبينا محمد!
- ورأينا هذا التزييف الجديد أيضاً مع الملفات الصوتية.
وأخيرا أُضِيفَ لما سبق، في عصرنا، عصرِالحواسيب، هذا:
Unicode Character “ﷺ” (U+FDFA)
https://www.compart.com/en/unicode/U+FDFA

فهكذا لم نعد بحاجة لكتابة عبارة الشِرك، فقد صار لدينا ترميز خاص ومزيّن لها!
فاشكروا لِمشايخ البعثرة تعاونَهم مع الغرب في هذا الإنجاز العظيم – تيسير نشرِ الشِرك وتزيينه – وإلصاقه الدائم لاسمِ نبينا محمد!
ـ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ـ
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا <33_57>الأحزاب
6.2. "صلّى الله علي وصلى الله عليكم"؟!
((صلى الله عليّ،! وصلّى الله عليكم!))
هل يجوز لي أن أقول هذا؟ أم هو كُفر؟
سنرى.
6.2.1. هل تجوز عبارة "صلّى الله عليه" في غير النبي؟
بيّنا في الجزء الأول:
ahl_hadith.html#slae_oly_nbi
أن عبارتهم الدائرة على ألسنة المسلمين اليوم هي شِرك ، أعني "صلّى الله عليه وسلّم(تسليماً)" أو "اللهم صلّ على محمد وسلِّم (تسليما)".
تبيّن لنا ذلك بعد أن فهمنا معنى {سلِّموا تسليماً} في الآية التي كان من أجلها هذا البحث. أي:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب
لكننا لم نتحدث بعد عن معنى "صلّى" فيها.
ومن أجل ذلك دعونا نتساءل: هل صلّى الله فقط على محمد؟
ولماذا يَخصّونه بما يسمونه "الصلاة على النبي"؟
لنستمع من جديد إلى قول من أقوال فنّانيهم، فنّاني البعثرة، من فتوى سبقَتِ الإشارة إليها.
ahl_hadith.html#i-bcv2pch0suj0
صورة الفتوى كاملة
https://islamqa.info/ar/answers/69944/%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B1%D8%B3%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%B5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%87-%D9%88%D8%B3%D9%84%D9%85
النص لابن عثيمين، يقول في موقع إسلام سؤال وجواب:
([*..] لكن الصحيح خِلافُ ذلك ، أنّ الصَّلاةَ أخصُّ من الرحمة ، ولذا أجمع المسلمون على جواز الدُّعاء بالرحمة لكلِّ مؤمن ، واختلفوا : هل يُصلَّى على غير الأنبياء ؟[*وهذه تهمّنا هنا!] ولو كانت الصَّلاةُ بمعنى الرحمة لم يكن بينهما فَرْقٌ ، فكما ندعو لفلان بالرحمة نُصلِّي عليه .
وأيضاً : فقد قال الله تعالى : ( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) البقرة157 ، فعطف " الرحمة " على " الصلوات " [*…].)
وأنت تعجب من هذا الكلام فهو يقول: ( هل يُصلَّى على غير الأنبياء ؟) وبعدها بسَطر واحد ينقل الآية التي فيها {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ}
والكلام فيها لم يكن عن الأنبياء! أفلا يسمع ما يقول؟ وماذا عن تلاميذه في البعثرة – ألم يقرؤوا ما ينسخونه وينشرونه بين المؤمنين؟
لا ينتهي عجبي منهم.
ثم لدينا آية أُخرى:
(هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا <33_43>الأحزاب) وهي من نفس سورة الأحزاب قبل أسطر قليلة من آية {صلّوا عليه وسلموا تسليما}(33_56) [وهي أقرب آيات جذر ص-ل-و إليها].
فهنا لدينا فعل صلّى، والذي يصلّي هو الله والملائكة، والمصلّى عليهم ليسوا من الأنبياء بل جملةَ المؤمنين!
فهل يجهل ابن عثيمين وتلاميذه الآية؟! ولماذا أشهَروا هم وزملاؤهم في فنون البعثرة، من الصوفية والشيعة، الآيةَ الثانية (56) وأغفلوا الآية الأولى (43) التي فيها أن اللهَ يصلي على المؤمنين وملائكتَه؟
فالحقّ ليس ما يقولونه وينشرونه:
مَن يؤمن بالقرآن لا ينبغي أن يرى أي حرج في دعائه لأخيه: صلّى الله عليك! لا إشكال في ذلك. ولا إشكال طبعاً في قولنا: رَحِمَك الله أو هداك الله!
فالذي بدأتُ به لا إشكال فيه!
وأعيد: صلى الله علّي وصلى الله عليكم، أسأله تعالى أن يصلّي علي وعليكم!
6.2.2. كيف حصروا عبارة "صلى الله عليه" في نبينا محمد؟
ولكنّ مشايخ البعثرة، كثيرين منهم أو أكثرَهم، حصروا عبارتهم ("صلى الله عليه") في الأنبياء، بل في النبي محمد!
لذا يقولون عادة: "موسى عليه السلام" أو "عيسى عليه السلام"، أيْ من دون ذكر "الصلاة".
والعجيب أنهم يقولون مثلاً:
"صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه": فهذه العبارة –لو أنهم يسمعون ما يقولون– تُلغي الحصر الذي فرضوه على أنفسهم! فهي تتضمن الصلاة على آل محمد وعلى صحبه ومن والاه! أي مثلاً: صلى الله على أبي بكر وعمر عثمان وعلي وفاطمة وعائشة والحسن والحسين…
فهم يحصرون "صلى الله عليه" في محمد، والقرآن يكذّبهم! وهم يكذّبون أنفسهم بعبارتهم الشائعة "وعلى آله وصحبه ومن والاه"!
بالله عليك، قل لي، أليست حالهم شقيةً؟ أليسوا في عمىً؟
ثم هناك أمر آخر: قولك "صلى الله على فلان" هو لا شيء إذا ما قارنته بـ "فلان رسول الله"! لكنْ مشايخُ البعثرة (منكِّرو السُنة والحديث – منكِّرو القرآن) بثّوا في عقول الناس أن "صلّى الله عليه" هي أعلى الامتيازات الممكنة. ويناقضون بذلك –كما بيّنا– أنفسهم وكلام الله في كتابه!
6.2.3. هل كان محمد يقول: "جاء أبو هريرة –صلى الله عليه-…"
وأخيراً نذكر هذه الآية، التي أغفلوها كغيرها:
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ <9_103>التوبة)
فمحمد أُمِر بأن يصلّي أيضاً عليهم، فهل كان يضيف مثلاً عبارة "صلى الله عليه" بعد كل ذكرٍ لأحدِ المؤمنين؟
هل كان يقول مثلاً: قال أبو هريرة –صلّى الله عليه– كذا..؟ أو: جاء العِرباض بن سارية –صلّى الله عليه– …؟
هل كان نبينا محمد يفعل مثل هذا؟!
(وقد بيّنا أن عادة تكرار "الصلاة على النبي" ذاتِه هي أصلاً بِدعةٌ متأخرة.)
6.3. ما معنى "صلّى على" في الآية؟ – إتمام شرح الآية
6.3.1. معنى الآية الواضح والسهل، والوارد بكثرة في القرآن
ما معنى الآية؟
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب)
معناها سهل، وهو يتكرر في القرآن. ولكنهم اختلفوا فيها كما رأينا.
الله يُخبرنا بأنه يصلي على النبي وكذلك الملائكة، ويأمر المؤمنين بأن يصلوا أيضاً على النبي.
فما معنى ذلك؟
معنى "صلّى"، من دون إطالة، هو: (ضد "تولّى").
ولننظر من أجل هذا إلى سورة القيامة:
إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ <75_30>
فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى <75_31>
وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى <75_32>القيامة
"كذّب" ضدّ "صدّق" و كذلك "تولّى" ضد "صلّى".
والزركشي(ت 794هـ) يقول في كتابه المعروف "البرهان في علوم القرآن": (وَهَذَا الشَّكْلُ الرُّبَاعِيُّ [*الكلام عمّا يسميه البلاغيون "المقابلة"] يقع في تفسيره على وجوه فَقَدْ يَرِدُ وَبَعْضُهُ مُفَسَّرٌ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ يَرِدُ وَكُلُّهُ مُفَسَّرٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} فقابل {صدق} بـ[كذب] و {صلى} الَّذِي هُوَ أَقْبَلَ بِـ {تَوَلَّى} . – بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، دار المعرفة، 1410 1990، ج3، 505)
فـ "أقبل" ضد "أدبر"، و "أدبر" لا شكّ من معاني "تولّى". فالزركشي يفسّر الصلاة (أو التصلية) هنا أيضاً بأنها تُناقض التولي.
ومن معاني "تولى" أيضاً: ترك وابتعد وفارَقَ ونحو ذلك، فمن معاني "صلّى" أيضاً: بقي (مع) واقترب ولازم ونحوه.
ولو أنك عدت إلى كل آيات جذر ص-ل-و التسعين (90):
2_3، 2_43، 2_45، 2_83، 2_110، 2_125، 2_153، 2_157، 2_177، 2_238، 2_277، 3_39، 4_43، 4_77، 4_101، 4_102، 4_103، 4_142، 4_162، 5_6، 5_12، 5_55، 5_58، 5_91، 5_106، 6_72، 6_92، 6_162، 7_170، 8_3، 8_35، 9_5، 9_11، 9_18، 9_54، 9_71، 9_84، 9_99، 9_103، 10_87، 11_87، 11_114، 13_22، 14_31، 14_37، 14_40، 17_78، 17_110، 19_31، 19_55، 19_59، 20_14، 20_132، 21_73، 22_35، 22_40، 22_41، 22_78، 23_2، 23_9، 24_37، 24_41، 24_56، 24_58، 27_3، 29_45، 30_31، 31_4، 31_17، 33_33، 33_43، 33_56، 35_18، 35_29، 42_38، 58_13، 62_9، 62_10، 70_22، 70_23، 70_34، 73_20، 74_43، 75_31، 87_15، 96_10، 98_5، 107_4، 107_5، 108_2،
فإنك سَتِجد أن معنى الجذر يدخل دائماً في نفس الباب، باب "ضِد التولّي".
ونعود إلى الآية:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ <33_56>الأحزاب)
فالله يقول للمؤمنين أو المنتسبين للإيمان بأنه هو والملائكة يُقبلون على النبي أو ويلازمونه ويبقون على الإقبال عليه، وأن المؤمنين عليهم أن يفعلوا ذلك أيضاً.
فالأمر واضح وسهل.
وانظر لتتمة الآية: ([*..] وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب)
فبعد الأمر بملازمة النبي ومتابعة الإقبال عليه الأمر بالطاعة والانقياد وهذا من "وسلِّموا تسليماً"، كما بينا:
لنتذكّر: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <4_65>النساء)
فالآية واضحة وستزداد وضوحاً بتلاوة آيات تحمل نفس المعنى، والقرآن كما تعرف يُعيد المعاني في مواضعَ كثيرة وبصورٍ متعددة؛ وسأكتفي بالآيات التي احتوت الطاعة والتولي – أي النهي (الضمني) عن التولي. والطاعة من التسليم والتولي ضد الصلاة (أي التصلية). فالآيات قريبة جداً من آية الأحزاب 56. لنرَ:
6.3.2. آيات إيضاحية في الطاعة وعدم التولي
- قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ <3_32>آل عمران
وقبلها: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ <3_31>
فهذا من صلاتهم على النبي: ألا يتولوا عنه، بل أن يتبعوه.
وطاعتهم لله ولرسوله هي من {سلِّموا تسليماً}. - مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا <4_80>النساء
وقبلها: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا <4_81>
فليست القضية أن تقول كذا وكذا. - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ <5_92>المائدة
(لدى محمد البلاغ المبين وهو النذير المبين كما رأينا.) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ <8_20>الأنفال
الطاعة من التسليم، والذين يتولَّون عن النبي، يفعلون بالطبع عكسَ ما يفعله الذين يصلّون عليه.
ولاحظ، هنا لدينا نفس العبارة التي رأيناها في آية الأحزاب 56: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صلّوا…"
[طبعاً "تولّوا" هي بالأصل "تتولوا"] وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ <24_47>النور
وبعدها: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ [*"والإعراض عن" يُشبه "التولّي عن"] <24_48>
ونتذكر في النساء: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <4_65>النساء
ولاحظ أيضاً: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا}: ولكنهم يتولَّون عن الرسول، فأولئك ليسوا من المصلّين عليه! وفي نهاية الآية: {وما أولئك بالمؤمنين}!
أيضا النور:
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ <24_54>النور
مرة أخرى "البلاغ المبين" للنذير المبين!
قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا <48_16>الفتح
لاحظ هنا الإنذار الشديد لمن انتسبوا للإيمان، ولكنهم على ما يبدو في حيرة من أمرهم، أو كاذبون.
وفي الآية بعدها مباشرة
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا <48_17>الفتح
فعليك أن تسلّم تسليماً وأن تبقى مع النبي، مصلّياً عليه.
- وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ <64_12>التغابن
مرة أخرى: البلاغ المبين.
فالآيات كثيرة في هذا، واقتصرت هنا على التي فيها الطاعة والتولي. فكل الآيات التسع تدخل في نفس باب آية الأحزاب:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب)
وكذلك ففي الآيات ما يعزّز التضاد بين "صلّى(على)" و"تولى(عن)".
6.3.3. ونعود إلى آية الأحزاب أو تاليتِها – الإيذاء
(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا <33_57>الأحزاب)
فليست القضية عن تحريك اللسان! قولهم {صلّى الله عليه} لن يخفف من الإيذاء الذي ناله النبي منهم!
وما من شيء أسهل من تحريك اللسان على المنافقين.
فالمؤمن يصلّي على النبي بأنْ يُقبِل عليه، بأن يلازمه، ويسانده، وليس بالتقليبات اللسانية.
وكذلك تكون صلاة الله وملائكته على محمد
أو على سائر المؤمنين، وقد بيّنا أن الله لا يصلّي فقط على محمد.
لنتذكر:
(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ <2_157>)
(هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا <33_43>الأحزاب – نفس السورة)
فصلاة الله عليك وملائكته هي برحمته ونوره وهداه لك، وهو العليم بحالك وبسعيك نحوه.
فهذا هو المعنى السهل للآية التي جاؤوا فيها بالعجائب والكوارث.
ولعلنا نفصل قريباً في أصل معنى الصلاة، إن شاء الله. لتتثبّت لك الأمور أكثر.
6.4. مظاهر أخرى للشِرك:
6.4.1. في دين أهل البعثرة: يجب أن تجعل صلاتك لغير الله – كلَّها لغير الله!
ما كنت أود الكلام من جديد في مروياتهم. فالأمر لا ينتهي.
ولكني وجدت هذه الكارثة فيها.
وأرى من الواجب الكلام عنها.
ماذا تفعل إن كانوا هم ينشرون ضلالاتهم في كل الوسائط – ويفخرون بها! هم يجبروك أن تتحدث عنها!
لنتخيل شخصاً يسألكَ ما يلي:
- لمن صَلاة المسلمين؟
- ستقول: أي سؤالٍ سخيفٍ هذا؟ لله طبعاً!
- ستقول: أي سؤالٍ سخيفٍ هذا؟ لله طبعاً!
- فلو سألك بعدها: كُلّها ؟
- ستقول: أتستهزئ بي! طبعاً كُلُّها؟
- ستقول: أتستهزئ بي! طبعاً كُلُّها؟
- وتخيل أنّه سألك بعدها: ألا يجوز جعل نصفها أو ربعها أو ثلثها لغير الله؟
- ستقول له: يا هذا!، كلها لله! كُلُّها!
- ستقول له: يا هذا!، كلها لله! كُلُّها!
- وتخيل بعدها أنه يسألك: هل كان يعرف ذلك نبيكم؟
ماذا تراك ستقول له؟ أحسبك ستتركه في حاله لأنك ستوقن أنه مجنون.
6.4.1.1. لكن لِنرَ ماذا جاء في أشهر كتب أحاديثهم:

(٢٤٥٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللهَ اذْكُرُوا اللهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ"، قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي، فَقَالَ: مَا شِئْتَ قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا، قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرَ لَكَ ذَنْبُكَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
– الترمذي، الجامع الكبير(سنن الترمذي)، دار الغرب الإسلامي، 1996، ج4، ص245)
والألباني جعل هذه المروية في كتابه "صحيح الترمذي":

https://dorar.net/h/HuCmlRYY التصفح في 2023-07
6.4.1.2. تعليق أول
عدو الإسلام الذي افترى هذه المروية أراد أن يوصلنا إلى:
"قلتُ أجعلُ لكَ صلاتي كلَّها " – إلى هذه العبارة الشِركية، وجعلِ نبينا محمداً يُقرّها – بل يدخل المقايضة من أجلها.
فبهذا تكون السُّنّة عندهم، سنتّهم تكون:
أن تجعل صلاتَك لغير الله! كلّها لغير الله!
الإسلام عندهم أن تجعل صلاتك كلها لغير الله!
ولنفصل الآن قليلاً، لتظهر لك الجريمة جليّة أكثر:
- بدأ الكلام بذكر الله مرتين "يا أيُّها الناسُ اذكُروا اللهَ اذكروا اللهَ" ليطمئن المستمع
- لكن بعدها، مباشرة، يأتي السؤال الغريب الذي جعلوه مفتاحاً لقصة الشرك:
(قلْتُ: يا رسولَ اللهِ إِنَّي أُكْثِرُ الصلاةَ عليْكَ ، فكم أجعَلُ لكَ من صلاتِي؟)
مع أن قبلها: ("_اذكُروا اللهَ_ اذكروا اللهَ") يقولها النبي. ولكن أُبيّاً (وهو من كتاب الوحي كما يقولون) يبدو أنه لم يرغب في ذكر الله بل فضّل ما يسمونه الصلاة على النبي. - ولاحظ صياغة سؤاله: (يا رسولَ اللهِ إِنَّي أُكْثِرُ الصلاةَ عليْكَ ، فكم أجعَلُ لكَ مِنْ صلاتِي ؟)
وكان حقّ السؤال أن يكون:
(إني أُكْثِرُ الصلاةَ عليْكَ ، فكم مرة أصلّي عليك ؟)
فالصلاة على النبي هي عندهم أن يُقال "صلّى الله عليه وسلّم" أو نحو ذلك.
لكنّ الخبيثَ، مخترع القصة، لو بدأ بالسؤال "فكم مرةً أصلّي عليك"، ما كان سيصل إلى هدفه الشِركي: "أجعلُ لكَ صلاتي كلَّها" – كان سيقول مثلاً: صلِّ علي 10 مرات أو مئة مرة أو ألفاً. ولكن هدف الخبيث أن ينتهي إلى: جعل الصلاة كلها لغير الله! - ولذلك يبدأ بعملية المقايضة. (وهم يحبون هذا الأسلوب.)
فالسائل لا يكتفي بالإجابة الواضحة: "ما شِئْتَ" بل يسأله عن الربع، ثم الثلث والثلثين، حتى يتوّج الخبيث، صاحب القصة، عمله بـ
"أجعل لك صلاتي كلّها" - ولتثبيت الأمر أكثر، لكي يُقدم المسلمون على الشِرك بشهية، ينتهي بـ:
"إذًا تُكْفَى همَّكَ ويغفرْ لكَ ذنبُكَ"
فاجعل صلاتك كلها لغير الله ، تَزُلْ همومُك كلها وتُغفر ذنوبك كلها!
إغراء بالشِرك!
6.4.1.3. ترقيعات لمشايخهم
للإنصاف هناك أقلية من مشايخهم ضعّفت الحديث، ولكن الأغلبية تقبّلته، تقليداً لآبائها وتعصباً لجماعتهم.
فصححوا الحديث وحسنوه واضطروا إلى الترقيعات المُخجلة.
طبعاً الترقيعة الأولى وجب أن تكون في كلمة "صلاتي" في السؤال "_إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ_ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟"، فقالوا المقصود بها: "دعائي الذي أدعو به لنفسي" – هكذا من دون حياء. لكن السؤال كان ابتداءً بهذه الصيغة العامة: "إِنَّي أُكْثِرُ الصلاةَ عليْكَ فكم أجعَلُ لكَ من صلاتِي"
راجع مثلاً:
https://islamweb.net/ar/fatwa/106281/%D8%B4%D8%B1%D8%AD-%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB-%D8%A5%D8%B0%D8%A7%D9%8B-%D8%AA%D9%83%D9%81%D9%89-%D9%87%D9%85%D9%83-%D9%88%D9%8A%D8%BA%D9%81%D8%B1-%D8%B0%D9%86%D8%A8%D9%83
التصفح في 2023-06
لكن، هذه الترقيعة الكبيرة، لم تُخرجهم من المعضلة: إذ بقيت مشكلة كلمة "كلها" في: "أجعلُ لكَ صلاتي كلها"؛
فالمشهور لديهم أن الصحابة كانوا يدعون لأنفسهم (بالمغفرة أو بالهداية أو بأي شيء)، فإنهم ما كانوا يكتفون بـ "الصلاة على النبي".
فهل كان كلُّهم من "منكري السُنة"، إذ لم يكتفوا بترديد "صلى الله عليه وسلم" بألسنتهم؟! – فجاء المرقعون بترقيعة أخرى، قالوا: "كلها" تعني هنا: "أغلبها"!
راجع: https://www.youtube.com/watch?v=eQ6orDpTkes المشاهدة 2023-06
(كيف تجعل دعائك كله للنبي كما في حديث: "…أجعل لك صلاتي كلها؟!قال النبي:إذا تكفى همك، ويكفر لك ذنبك")
والغريب أنهم بهذا التأويل يتجاهلون عملية المقايضة الحسابية: الربع، والنصف، والثلثين! – ثم أليس الثلثان أغلب الشيء؟!

وأذكر لك ترقيعة عثمان الخميس من صفحته الرسمية على يوتيوب: إذ يُسأل عن كيفية التوفيق بين جعل الصلاة كلها للنبي ووجود الأذكار الكثيرة لديهم. فيأتي بالعَجَب.
عثمان الخميس:
568 - التوفيق بين حديث "كم أجعل لك من صلاتي" وباقي الأذكار - عثمان الخميس
Dr. Othman Alkamees - الشيخ الدكتور عثمان الخميس
3.24M subscribers
https://www.youtube.com/watch?v=zLA3krS5U_Q
تاريخ المشاهدة: 2023-06

يقول: (أمر راجع لك! كلها خير! تسبّح، تكبّر، تهلّل، تَحْمد، تصلّي على النبي – صلى الله عليه وسلّم. كل هذا خير، كل هذا خير. ونوِّع، الأفضل أن تنوّع، حتّى تعيش مع الذكر. – وإذا ما نوّعت ولَزِمتَ ذِكراً من هذه الأذكار – خير عظيم جداً. لا يهمّ أبداً ، اقرأ ما شئت من هذه الأذكار.)
"الأفضل أن تنوع" ثمّ "لا يهمّ أبداً".
يناقض ذاته في نفس العبارة، ولكنه ينشرها! من دون إدراك! هو أو طلاب البعثرة لديه.
ثمّ أيش هذه: "أمر راجع لك"! تزعمون أن النبي قال بجعل الصلاة كلها له! – فكيف: "أمر راجع لك"!
– أتردّ حديث النبي؟ ألا تخشى من أن يُزَندقك ويكفّرك شركاؤك، كهنةُ البعثرة، إذا سمعوك تقول "أمر راجع لك"؟!
فوضى قتّالة. ظُلُمات فوق ظلمات.
اتخذوا دينهم لهوا ولعباً!
6.4.1.4. نذكّرهم بالكتاب – الذي اتخذوه مهجوراً
وأمر آخر. مروِّج الشرك أراد أن يوصلنا إلى أن نجعل صلاتنا كلها لغير الله. كما رأينا. وتبعه في ذلك الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعباً وتعصّبوا لجماعة كهنتهم.
فلنذكّر من تنفع معهم الذكرى:
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ <6_161>
قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ <6_162>الأنعام – صلاتنا لله! هذا ما قاله الله وأمر نبيَّه بتبليغه المؤمنين – وقد فعل!
ونقرأ أيضاً في كتاب الله:
( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ <108_3>الكوثر)
فنحن، المسلمين –ومحمّد خاتم النبيين عندنا– نعلم أن صلاتنا لله! كلّها! لا ربعها ولا نصفها ولا ثلثاها! كلّها!
فهل كان أُبَيَّ بن كعب (هو كاتب الوحي عندهم، كما ذكرنا) – أكان يجهل هذه الآية حتى يأتي بسؤاله: "فكم أجعلُ لك من صلاتي ؟" – هكذا بالحرف!
لماذا تعمّد مفتري القصة أن يستخدم كلمة "صلاتي" هنا؟ ألم يكن يريد الاستهزاء بالآية: {_صَلَاتِي_ وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ}؟
ثم لو قبلنا بأن "صلاتي" هنا المقصود بها "دعائي الذي أدعو به لنفسي" ألا يدعو الإنسان اللهَ لنفسه؟ هل حرّموا ذلك في إسلامهم؟؟
- هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ <3_38>آل عمران
هل أجرم زكريا هنا، يا مُنَكِّري السُنّة ومشوِّهي الإسلام؟ لأنه قال: "هَبْ لِي مِن لَدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً"، ولم يقُل مثلاً "صلّى الله على محمد"؟ - وهل أجرم نوحٌ هنا، يا أهل المبعثرات؟
فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ <54_10>القمر - وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ <2_186>البقرة
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ <40_60>غافر
فهل الدعاء في الآيتين هو ما يسمونه "الصلاة على النبي"؟
أم تراهم سيخطئون القرآن نُصرةً للبعثرات؟
ونختم بهذه الآيات:
- وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ <39_45>الزمر
- ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ <40_12>
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ <40_13>
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ <40_14>غافر - وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا <17_46>الإسراء
- وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا <72_18>
وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا <72_19>
قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا <72_20>الجن
6.4.2. مَنْ أَهَمّ: الله أم الصحابة؟ – الميول الشركية وارتباطها بالتعصب للفِرَق
6.4.2.1. هل ابتدعوا ما ابتدعوه في آية {صلّوا عليه} فقط حبّاً في تقليب اللسان؟
وأخيراً لنتعرف على مشكلة جديدة تتعلق بما أوجدوه من تأويلات باطلة للآية.
تُضاف إلى تشويههم للصلاة على النبي بجعلها تحريكات لسانية، وأي تحريكات! – تُلفَظ فيها عبارة الشرِك "وسلّم (تسليماً)".
فما هي هذه المشكلة الجديدة؟
لنفصِّل قليلاً:
- اعتمدوا في بِدعتهم على آية واحدة، هي آية الأحزاب:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب
هي آية وحيدة. - وقد رأينا أن الله يُصلّي أيضاً على عامة المؤمنين، وأنه أمر محمداً بالصلاة على المؤمنين:
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ <9_103>التوبة
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ <33_43>الأحزاب
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ <2_157>البقرة - والآية التي اعتمدوها ليس فيها كلمة "كثيراً"، ليس فيها "صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا كثيراً" ، ولكنهم كادوا أن يجعلوا تَكرار هذه العبارة واجباً، في كل مرة يُذكر فيها محمد! وهناك مشايخ ينصحون بتكرارها ألف مرة في اليوم!
فَلْنتساءلْ: ماذا كانوا سيفعلون، لو وردت كلمة "كثيراً" في الآية؟ "صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا كثيراً" هل كانوا سيذكرون العبارة بعدُ أكثر؟! لعلك علمتَ ما أقصِد:
لدينا 9 آيات عن ذكر الله " كثيراً " ، جاءت في سبع سور.
في ستٍّ منها منفردة، أي في آية واحدة من السورة – إلا في سورةٍ واحدة جاء ذكر الله " كثيرا " في ثلاث آيات منها، وليست هذه السورة من السور الطويلة. إنّها سورتنا، سورة الأحزاب!
وقد اعتدوا عليها اعتداءات كثيرة!
نبدأ بالآيات الثلاث منها ثم نقرأ الستَ الباقيات:
- لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا <33_21>
- إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ [وآخر المعطوفات:] وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا <33_35>
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا <33_41> ولاحظ الصيغة
ولاحظ هي هنا بصيغة الأمر وقبلها أيضاً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، تماماً مثل آية {صلّوا عليه}.
وبعدها رأساً: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا <33_42> هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا <33_43>
وأعيد هي سورة الأحزاب ذاتُها! فهل غابت عنها الأبصار؟
لماذا صار ما يسمونه "الصلاة على النبي" أهمَ من ذكر الله – إذا قبلنا بتحويل ذكر الله والصلاة على النبي إلى تحريكات لسانية. ( نسايرهم في ذلك الآن. طبعاً ذكر الله أكبر من ذلك.)
فالسؤال لماذا يذكرون اسم الله هكذا، من دون أي شيء، ولكنهم يضيفون "صلاتهم" بعد ذكر محمد؟
هل صعُب عليهم أن يقولوا "تعالى" أو "عز وجل"؟ هل استثقلوا هذه الكلمة، هل وجدوا فيها إطالةً مُعيقَة؟
فلماذا لا يملّون من قولهم "صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين" أو فقط "صلى الله عليه وسلّم"؟
بل لا يملّون أيضاً من قول "رضي الله عنه" بعد أسماء الصحابة.
فأين مقام الله عندهم؟
- لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا <33_21>
ونقرأ الآن الآيات الست الباقية (كلّ منها من سورة، كما أسلفنا):
- قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ <3_41>آل عمران
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ <8_45>الأنفال
- كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا <20_33> وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا <20_34> إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا <20_35> طه
- الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ <22_40>الحج
- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ <26_227>الشعراء
- فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ <62_10>الجمعة
فلو أن القضيةَ كانت هي فقط في هواهم في تحريك اللسان، لكانوا أوجبوا قولَ عبارةٍ ما، بعد ذكر اسم الله!
لكن الأمر أسوأ، إنها الميول الشِركية التي تجدها لدى عامّة الناس وفي كل الديانات الأرضية.
ويحسن أن أُذكِّر هنا بأن سورة الأحزاب انفردت بعدة أمور، سبق أن تحدثنا عنها ahl_hadith.html#i-6nt1vfv04uj0:
- هي الوحيدة التي جاءت سنة الله في آيتين منها!
- وهي السورة الوحيدة التي تبدأ بـ "لا تُطِعَ"
- وهي السورة الوحيدة التي ترد فيها {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}، وقد وردت فيها مرتين.
فيبدو أن الأحزاب تكالبوا على سورة الأحزاب. ولكن الحق بيّن، يبقى بيّناً، لكل من يقرأ القرآن ويتدبرُ آياتِه.
6.4.2.2. شبه بين الكنائس والمساجد!
ولنعد إلى قضية الميول الشِركية المنتشرة بكثرة بين الناس.
لما كنت "مسيحياً"، كنت أعبد المسيح وأصلّي أمامه راكعاً، فهو كان عندي الله. لكن كنت أتعجّب حينَها من غيري، إذا كانوا يصلّون إلى مريم أو أحد القديسين الآخرين الذين لا يُحصَون: مار شربل، مار فرنسيس، القديسة ريتا، القديسة بربارة، القديسة تيريزا..كُثُر.
كنت أسألهم لماذا لا تتوجهون في صلاتكم مباشرة إلى المسيح؟ لماذا تذهبون لمن دونه؟ فكانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا. فكنت أقول لهم: أهم أرحم بكم من المسيح؟ أم تراهم يحققون أمانيكم في غفلةٍ عنه؟!
طبعاً هذه النقاشات كانت غيرَ مجدية. وغالباً كانوا يكتفون بالقول –مثلاً– : نحن جرّبنا العذراء [أي مريم] ووجدناها سريعة في تلبية الطلبات!
فماذا تقول لهم؟ – عبث.
هذا البابا فرنسيس مع سلفه بنديكت:

وهنا الركوع أمام تمثال لـ "مار شربل". وعلى اليمين صورة له، وعلى اليسار طبعاً مريم مع يسوع – ولا يرون في ذلك أي إشكال!

ولعل تَركي لعبادة القديسين في المسيحية كان خطوة أولى نحوَ الإسلام.
وبعد،
الميول الشِركية موجودة لدى البشر وبمظاهر مختلفة.
ويبدو أن الشِرك متصل اتصالا وطيداً بالتعصّب للجماعة:
(قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ <7_70>الأعراف)
فالحجة أنهمِ اعتادوا هذا، وورثوه من آبائهم. هذه هي الحجة. فالتعبدات الشِركية صنعت لهم هُويتهم! وهذه يتعصّبون لها.
وانظر أيضاً هنا حميّة الجاهلية:
(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ <21_68>الأنبياء)
(وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ <38_6>ص)
فالحمية هي للآلهة: "آلهتكم" – فهذه الآلهة تختص بهم، وصنعت لهم هويتهم.
[وبالمناسبة: في العهد القديم تتكرر باستمرار عبارة "إله إسرائيل" – أي الإله الخاص ببني إسرائيل.]
وإليك شاهداً آخر على ارتباط الشِرك بالتعصب للجماعة من الكنائس:
تجد فيها تماثيلَ القديسين وصورَهم بكثرة، وتجد أمامها المسيحيين يركعون، ويشعلون الشُموع لها، راجين الاستجابة منها.
واللافت –وهذا ما أريده هنا– أنك لا تجدهم مثلاً يركعون أمام تماثيلَ للأنبياء أو صورِهم، لا تجد مسيحياً يتوجه في صلاته إلى إبراهيم أو موسى أو أشعيا أو صموئيل. لا أحد. مع أن الأنبياء يُفتَرَض أن يكونوا أعلى من القديسين.
فما سبب ذلك؟ – السبب: أن القديسين صاروا من هُوِيتهم، من جماعتهم، فصاروا يتعصبون لهم. أما الأنبياء فهم أيضاً لغيرهم، لليهود مثلاً. اليهود يشاركونهم إياهم، ولذلك فقدوا القيمة لدى المسيحيين.
ولعلك علمتَ ما أقصِد. فهناك أمر مشابه جداً تجده في المساجد!

ما الذي نجده في الصورة؟
أول ما نلحظه أنهم وضعوا اسم الله بجانب محمد وعلى نفس العلو وبنفس حجم الخط! وهذا قبيح، قبيح جداً! والأقبح منه هو إضافة أسماء البشر الآخرين(الصحابة)، غيرِ الأنبياء إلى جانب الله.
(1. عُمَر، 2. أبو بكر، 3. الله، 4. محمد، 5. عثمان، 6. علي)
وهذه لو رآها شخص غريب لأول مرّة لظنّ فينا أننا مسدِّسون: نعبد ستة آلهة!
لكن ليس هذا ما أردت – اللافت هنا غياب أسماء أخرى: فأين الأنبياء الآخرون؟ أين إبراهيم؟ أين موسى؟ أين عيسى؟
ونحن كلنا مجمعون أن الأنبياء أعلى من الصحابة. فماذا حصل؟ إنه التعصّب لهُويّة الجماعة.
فهُوية الجماعة، هي في الصحابة، وليست في الأنبياء – الذين يؤمن بهم أيضاً اليهود و"المسيحيون".
ولذلك تجد لديهم عبارات "الترضي" أهمّ وأشيع من "الصلاة" على غير محمد من الأنبياء، بل هي أهم وأشيع من قولك "تعالى" أو "عزّ وجل" بعد ذكر الله! (وأعيد: أنا لا أدعو إلى التقليبات اللسانية الشائعة لديهم، ولكني أحدثهم بمعاييرهم.)
فالميول الشِركية تَظهر مصحوبة مع التعصّبات للجماعات وهُويّاتها.
وأعطيك مثالاً يبين لك انحرافاً مشابهاً:
ماذا يَحدُث إذا شُتِم نبينا محمد في الغرب؟ – نغضب. وهذا طبيعي.
لكن ماذا يَحدُث إذا شُتِم نبينا عيسى؟ – لا شيء! لا شيء! وقد تكون الشتائم ضده أفظع!
لماذا؟ لأن عيسى هو مشترك بيننا وبين المسيحيين. فليهتمّوا هم به!..
وهذا ما قد تسمعه من بعضهم يقولون لك: المسيحيون أنفسهم لا يأبهون بذلك!
وكأن إهمال المنتسبين للمسيح هو مبرر لإهمالنا، لأنهم قدوتنا في تعاملهم مع المسيح!
وقد تقول هنا: إنهم في الغرب يسخرون من أشياء نحن لا نؤمن بها!، مثل صلب المسيح وقيامته.
أقول: صحيح، ولكنهم يسخرون أيضاً من أشياء مشتركة مثلِ أعجوبة ولادته، من دون رجل. وقد يسخرون من مريم، وقد أشار القرآن إلى طعن اليهود فيها، فهل نلتفت اليومَ لذلك عندما يتكرر؟ – لا، نحن نتعصّب لجماعتنا، وما يختص بها!
ثمّ ثمة أمر آخر: ماذا عن الأفظع: ماذا عن السخرية في الغرب، من الله، رب العالمين؟ هل نغضب لذلك؟ لا! لا يهمنا في شيء! لكن لو سُخر مثلاً من صحابي ما أو من أي شخص معروف بنسبته لجماعتنا، فإننا نغضب! لأن ولاءنا هو لجماعتنا وطائفتنا، وما يختص بها ؛ والله ليس خاصاً بنا، بل هو رب العالمين! فانتقاصه لا يخصّ هوية جماعتنا!
وكأن ما يختص بجماعتنا ويميّزها هو أعلى من الله!!
6.4.2.3. خاتمة – {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ}
ونختِم بهذه الآية:
(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [*1!] وَعَنِ الصَّلَاةِ[*2!] فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ <5_91>المائدة)
الله يعلّمنا ما يريد الشيطان: صدّنا عن ذكر الله وعن الصلاة.
ولكن، يبدو، أنّ ناساً يسكرون من دون خمر.
فذِكْر الله أهملوه والصلاة جعلوها كلها لغير الله (كما رأينا في مرويتهم) ورأينا أيضاً كيف جعلوا الشِرك في صلاتهم على النبي!
وانظر للآية التي بعدها مباشرةً:
( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ <5_92>المائدة)
فهذا كلام الله وتحذيره لنا، في هذا البلاغ المبين، ولكن الناس لا يلتفتون إلى كلام الله، استغنَوا عنه بكلام المشيخات.
ونتذكر أن الآية الأخيرة هي، كما بيّنا، من نفس باب الآية التي كان من أجلها هذا البحث:
ahl_hadith.html#i-ha45lww08vj0
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب)
7. منشورات مختلفة عن أهل الحديث
7.1. "الذين نقلوا القرآن نفسهم نقلوا السنة"
أهل البعثرة لديهم حجة يُكثرون من تكرارها وهي تبين بوضوح استصغارهم للقرآن.
يقول المبعثر:
"الذين نقلوا القرآن هم نفسهم الذين نقلوا السنة، فالطعن في السنة هو طعن في القرآن"
نسأله:
أولاً:
أخبرنا ما الذي تقصده بالسنة؟ أين تجدها؟ هل هي محتواة في صحيح البخاري؟ في صحيح مسلم؟ في صحيح الألباني؟ في الكتب الستة؟ في التسعة؟ وأين الباقي؟
أو لعلك أيها المبعثر من الفريق الشيعي: فهل السنة عندك هي محتواة في كافي الكليني؟ أو في الكتب الأربعة؟
أياً كان جوابك، ولا أحسبك تجيب، وكيف تجيب، وما تسميه السنة ليس إلا فوضى متناثرة هنا وهناك وهنالك، لم تُحدَّد من قريب أو بعيد –
لكن اعترف أمام الجميع أنك جعلت القرآن مثل فوضى مبعثرات فرقتك. أو يكفيني أن تعترف أمام نفسك وتتوب إلى ربك من فظاعة ما قلته عن القرآن!
ثانياً:
سنسهل عليك المسألة، أعطنا مبعثرةً واحدة من مبعثراتك المفضلة من كتاب المبعثرات المفضل لديك، وقل: واللهِ هي حق مثل كلام الله في القرآن!
ثالثاً:
إن كنت من فريق البعثرة السني: هل تؤمن بمبعثرات الشيعة؟ وبالعكس إن كنت من فريق البعثرة الشيعي: هل تؤمن بمبعثرات السنة؟
هل تؤمن بأن الأحاديث الموضوعة في مسند أحمد هي حقّ مثل القرآن؟ بحجة أن الناقلين هم نفسهم نقلوا القرآن؟
[كهنتك أنفسهم يعترفون بوجود أحاديث موضوعة في مسند أحمد.]
رابعاً:
سأبين لك أنك كافر بنعمة القرآن من وجه آخر.
لو سلّمنا جدلاً أنك وجدت القرآن مثلاً في كهفٍ، ولم تكن سمعت به من قبل – وجدت هذا الكتاب هكذا أمامك وقرأته – ماذا كنت ستقول عن الكتاب؟
هل كنت ستكفر به لأنك لا تعرف كيف وصل إلى الكهف ولا تعرف شيئاً عن الذين نقلوه إليك؟!
أهكذا القرآن صغير وضيع عندك؟
وملاحظة أخيرة: لو أنك قلت: كثيرون يطعنون في كتب الأحاديث اليوم ليطعنوا غداً في القرآن،
لقلت لك: أنت محق، ومنهم من لم ينتظر للغد فقد طعن اليوم في القرآن كما طعن في كتب الحديث. لكن هذا لا يسوّغ لك أن تتهم كل من ينتقد مصنفات المحدِّثين، بأنه يريد الطعن في الإسلام والقرآن.
ولا تنسَ، أخي، أن مصنفات المُحدِّثين [كِدتُ أزيل الشدة!..] هي ذاتها تقدّم المادة الدسمة للطعن في الرسول، بل للطعن في القرآن بصورة مباشرة، وفي نصه أيضاً!
لا تنسَ ذلك، ولا تنسَ أن جماعتك كلها لن تفيدك في الآخرة، وتعصبك لها على حساب القرآن ستُجزى عليه.
هداني الله، وهداك، الصراطَ المستقيم.
7.2. هل حوّل أهل الحديث رسولَنا محمداً إلى نصف رسول؟! / إلى "ساعي بريد" مهمِل؟!
كثيراً ما يشنِّع أهل الحديث على خصومهم، بأنهم يسيئون للرسول محمد ويجعلونه مجرد ساعي بريد.
وهم، أهل الحديث، يرون الدفاع عن الرسول بنظرية "الوحي الثاني".
فنسألهم: هذا الوحي2 (وفق وصفكم) أليس هو أيضاً رسالة من الله؟ سيقولون: نعم.
إذن: فمحمد عندكم هو ساعي بريد أيضاً، لكن لوحيَين!
لكن انتظروا، الأمر بعدُ أسوأ، أسوأ بكثير:
فـ ساعي بريدكم هو فاشل أو غير_أمين أو غير_مهتم برسالة الوحي2 وتبليغها!
فرسالة الوحي2 لم تبلّغ بشكل منضبط، بل كانت تُبلّغ على صورة مبعثرات مشتتّة. ففلان يبلغه هذا الحديثُ (جزء من الوحي2 ) وعلّانٌ يصله ذاك الحديث (جزء آخر من الوحي2) وهكذا.
فصار الأمر فوضى متأصّلة ولذلك، فلا عجب، أن تجد الأمر فوضوياً حتى يومنا هذا:
إذ لا يوجد كتاب محدد أو كتب محددة تضم هذا الوحي2 كاملاً (ما يسمونه السُنّة).
فالوحي2 بقي غير محدد، لا من قريب ولا من بعيد. بقي هو الفوضى.
فهم، أهل الحديث، بذلك، حوّلوا رسولنا محمداً إلى نصف رسول ! لأنه لم يحرص إلا على تبليغ الوحي الأول!
بل إلى ربع رسول، إذ قالوا إن الوحي2 هو ثلاثة أرباع الدين!
ولم يكتفوا بذلك فقد طعنوا في رسالة رسولنا محمدٍ مرةً أخرى، وهي طعنة أفظع:
إذ قالوا إن: رسالة الوحي2 هي القاضية و الحاكمة على رسالة الوحي الأول.
فمحمد كان حريصاً فقط على إبلاغ الجزء الصغير وأهمل الجزء الكبير والذي هو القاضي والحاكم!
فقد جعلوا رسولنا محمداً بذلك خائنا ، نعم جعلوه خائناً لأمانة تبليغ الرسالة!
ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً!؟
7.3. جعلني الله وإياكم من أهل الأرائك!
جعلني الله وإياكم من أهل الأرائك!
ـ ـ ـ ـ
"أنت أريكي!"
"أنتم الأريكيون في النار!"
ـ ـ ـ ـ
هذه تسمية جديدة ابتدعها أهل البعثرة، واشتقوها من المروية التي في الصورة (ففيها "أريكته").
والتسمية يُطلقونها على من لا يشاركهم رفع مبعثراتهم، لتكون حاكمة وقاضية على القرآن!
وهم بهذا، بهذه التسمية، يُثبتون من جديد بعدَهم عن القرآن، وأن هوى المبعثرات فيهم طاغٍ.
لماذا؟
ننظر في القرآن، في كل آيات جذر "أ-ر-ك" الخمس. هل فيها شيء عن أهل النار، يا ترى؟؟
نقرأ:
- أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى #الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا <18_31>الكهف
- هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى #الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ <36_56>يس
- مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى #الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا <76_13>الإنسان
- إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ <83_22> عَلَى #الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ <83_23>المطففين
- فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ <83_34> عَلَى #الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ <83_35> هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ <83_36>المطففين
وهي كلها، كما ترى، عن #أهل_الجنة! ولا يوجد غيرها!
ولكن المبعثِرين غالون في البعثرة، اختاروا جذراً جاء في كل وروداته عن #أهل_الجنة، وهم خرقوا منه تسمية #لأهل_النار – كل هذا من أجل إحدى مبعثراته!
ـ ـ ـ ـ
ـ ـ ـ ـ
جعلني الله وإياكم من أهل الأرائك
وجعلنا سبباً في تنبيه الغافلين

