معنى "رب العالمين"
صبحي جنجل – 2025-01-08

قائمة المحتويات

1. مختصر ما معنى العالَمين في ربّ العالمين؟

تنبيه

  • هذا منشور نشرته أول مرة في <2024-04-14 Sun> على الفيسبوك، هو موجز ولكن أرجو الفائدة. ولعلنا نفصّل أكثر في وقت لاحق.
  • تعديلات وإضافة في <2025-01-20 Mon>

كيف أفهم معنى اسم الله "ربّ العالمين"

كلمة العالَمين من جذر ع-ل-م.
ولدينا في المجرد الثلاثي: العِلْم، وكذلك العَلَم (والعلامة).
ولدينا فعل عَلِمَ. ولكنْ هناك فعل آخر هو غير شائع اليوم: هو عَلَمَ [بفتح اللام].
معنى فعل "عَلِم" معروف. ولكن ما معنى "عَلَمَ"؟
عَلَمَ الشيءَ: يعني أنه جعل عليه عَلامَة.
نقرأ في معجم لسان العرب لابن منظور (ت711 هـ) "وعَلَمَه يَعْلُمُه ويَعْلِمُه عَلْماً [*ليس عِلْماً]: وَسَمَهُ".

ولننظر الآن في موارد كلمتَي "علامة" و "علَم" في القرآن.

كلمة علامة جاءت مرة واحدة، وبالجمع:
(وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ <16_15>
وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ <16_16>
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ <16_17>
[*لاحظ الالتفات للخالق]
وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ <16_18>
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ <16_19> النحل)

أما كلمة عَلَم فوردت مرّتين.
الأولى:
(وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ <42_31>
وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ <42_32>
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ <42_33>الشورى)
(إنها آيات على وجود الخالق.)
الثانية:
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ <55_23>
وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ <55_24>
فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ <55_25>
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ <55_26>
وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ <55_27>الرحمن)

فكما نرى، "العلَم" وكذلك "العلامة" جاءت في سياقات واضحة للدلالة على وجود الله وهداه.

ولننظر في كلمة العِلْم. هذه وردت كثيراً في القرآن، وفي أغلب الموارد هي مشابهة لما قُلناه مع كلمتي العلَم والعلامة، فهي تعبّر عن العلم بوجود الله، وهدى الله، ودين الله.

أمثلة:

  • (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ <2_145> البقرة)
  • (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ <3_7> آل عِمران)
  • (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ <13_37> الرعد)
  • (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ <29_49> العنكبوت)

فجذر ع-ل-م في القرآن هو في الحالتين (حالة العَلَم، والعَلْم، والعلامَة، وحالة العِلْم) مرتبط بالعلم الذي يؤدي للإيمان بالله وزيادة الإيمان.
ــ

ونأتي بهذا إلى كلمة عالَم في "ربّ العالمين". هذه وزنها الصَرْفي "فَاعَل"، وهذه الصيغة تُطلق غالباً على الآلة أو الأداة.
فالطابَع أداة للطبع، والخاتَم أداة للختم (والكلمتان طبعاً من نفس الصيغة الصرفية: فَاعَل.)

فماذا يكون معنى "عالَم"، بعد ما قدّمناه؟
العالَم هو أداة للعِلْم أو أداة للعَلْم (أي إقامة العَلَم أو العلامة).
وهذا معنى جميل وعميق.
فكل إنسان هو علامَة على وجود الله، وهو أداة للعِلم بوجود الله وبدينه وبنشر هذا العِلم – هكذا ينبغي أن يكون الإنسان، كل إنسان.
وحتى أكفرُ الكافرين لوجود الله، هو علامة على وجود الله، شاء أم أبى!

فاسم الله "ربّ العالمين" يتضمن أنه رب البشر.
فهل كلمة العالَمين محصورة في البشر؟ ألا تتضمن غيرهم؟
بلى!
فحتى الحجارة مثلاً هي أدوات للعِلْم والعَلْم. ووجودها آية على خالقها.
[ويمكننا أن نقول بأنها مثلاً أداة للعدّ – وكلمة الإحصاء مثلاً مرتبطة بالحَصَى.]

ونقرأ في تفسير القرطبي (ت 611هـ):
(قَالَ الزَّجَّاجُ[*ت 311هـ] قَالَ: الْعَالَمُ كُلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ [*الخليل بن أحمد الفراهيدي، ت 170هـ]: الْعِلْمُ وَالْعَلَامَةُ وَالْمَعْلَمُ: مَا دَلَّ عَلَى الشَّيْءِ، فَالْعَالَمُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا ، وَهَذَا وَاضِحٌ.)
وهناك مصادر أخرى تقوّي ما ذهبنا إليه.

فالحقيقة أن كل مخلوق هو أداة للعِلْم أو العَلْم (وضع العَلامة أو العلامات). ولكن الغلَبة في هذه الكلمة للبشر فهم آلات العِلم أو العَلْم الأولى.
فاسم الله "ربّ العالمين" فيه توجيه الخطاب للبشر ولكنه يعني أيضاً أنه رّب كل شيء.

ولعل قائلاً يقول:
"كلمة العالمين محصورة في البشر، والدليل على ذلك آيات كثيرة مثل:
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ <3_33> آل عمران"
نقول: كلمة العالَمين، كما ذكرنا، التغليبُ فيها للبشر، ولكن حتى لو افترضنا أن معناها هو بصورة عامّة كل خلق الله، من دون أي تخصيص أو تمييز للبشر – فأين التناقض؟
لو قلتُ مثلاً: "فلانٌ حاكم ظالم يظلم خَلْق الله"، فهل ستفهم من كلامي أنه يظلم الحجارة، أو الأشجار؟
فلا أرى إشكالاً في ما ذكرته.

ولننظر في كلمة الرب:
فهناك فِعل ربَّ، لا يبدو له استخدام اليوم:
نقرأ في لسان العرب لابن منظور (ت 711 هـ)
(ورَبَّ ولَدَه والصَّبِيَّ يَرُبُّهُ رَبّاً، ورَبَّبَه تَرْبِيباً وتَرِبَّةً، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: بِمَعْنَى رَبَّاه.)
ولدينا أيضاً:
(وَالْمَطَرُ يَرُبُّ النباتَ والثَّرى ويُنَمِّيهِ)
وفي مفردات الراغب الأصفهاني (ت 502 هـ)
(الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حدّ التمام، يقال رَبَّهُ، وربّاه ورَبَّبَهُ.)
[ولعلك تقول: ولكن جذر التربية من ر-ب-و، وجذر الربّ هو ر-ب-ب.
هذا صحيح، ولكن مثل هذا ليس نادراً. التشابه في اللفظ قد يقترن بالتشابه في المعنى.]
فالربّ ليس فقط المالك لك والمسيطر عليك بل هو الذي ينمّيك ويربّيك.
هذا ربّنا، ربّ العالمين.

فَلْنختمْ بهذا:
يجب على كلٍّ منا أن يسعى ليكون علامة أو عَلَماً في الصراط المستقيم
فنسأل ربّ العالمين أن يَرُبَّنا ، لننمو ونكبر بهداه، من أجل هذا.
ـ
{وَقُلْ ربِّ زدني علماً}
ـ ـ


الرئيسية | آخر تحديث | الملفات | التواصل | ادعمني