النقاشات العقيمة في حجية السنة

إخوتي وأخواتي الكرام
أحسبكم سمعتم بالنقاشات الشديدة حول ما يسمى حجيةَ السنة، سأشرح في بضع دقائق أن هذه النقاشاتِ عقيمة.
والسبب بيّن ظاهر ولا أدري لماذا هو غائب عن أذهان المتناقشين.

بدايةً أقول: إني لم أومن بالقرآن إلا بعد أن قرأته. وهذا هو مفتاح الحل، بل كل الحل:
أيْ: ألّا تؤمنَ بشيء وتتبعَه إلا بعد أن تكون قرأتَه وعرفتَه. ولا أظن أن أحداً يرفض هذا المبدأ، أو يجرؤ على التصريح برفضه إياه.

فرق المسلمين المختلفة نسمع منها –معظمِها– أن القرآنَ غير كافٍ وأنه يجب الإيمان بأشياءَ إضافية.
فالسؤال الطبيعي هنا هو: ما هي تلك الأشياء الإضافية؟ ما هو نصّها بالتحديد؟ في أي الكتب نجده؟

أهل السنة والجماعة (وهم أكبر فرق المسلمين) يقولون: يجب الإيمان بالكتاب والسنّة. وقد يضيف بعضهم: "بفهم السلف الصالح" أو غيرَ ذلك.
دعونا الآن من مصطلح "فهم السلف الصالح" فهو مشكلة أخرى ونريد هنا الإيجاز.
أخبرونا: أين نجد ما تسمونه السنّةَ مكتوباً لنقرأه فنتمكنَ من اتباعه؟ هل حدّدتم نصّه؟

هل نص السنة هو الكتبُ الستة (أعني صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن النَّسَائي وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن ابن ماجه)؟
أم هو الكتب التسعة (وهي الكتب الستة ومعها مسند أحمد وموطأ مالك وسنن الدارمي)؟ أم لعله هو صحيح الألباني (أعني السلسلة الصحيحة له).
(لا أزعم أن أحداً قال بهذا، إنّما أريد إيضاح المسألة بضرب الأمثال. فما من أحدٍ يقول بأن السنة الصحيحة محتواة بكاملها في هذه الكتب أو يقولُ بأن كلَّ ما جاء في هذه الكتب صحيح.)
ليس هناك نص محدد للسنة. فهناك مصنفات كثيرة لا تُحصى، ولكن لا يوجد مرجع نصي محدد للسنة بكاملها.

أذكر للاستئناس من موقع "الإسلام سؤال وجواب":
("مما يؤسف له أنه لا يوجد حتى الآنَ كتاب جامع يجمع جميع الأحاديثِ النبويةِ الصحيحةِ فقط ، وذلك لصعوبة مثل هذا العمل ، واحتياجِه إلى جهود جبارة ، قد لا يقوى عليها أفراد من الأمة .")

https://islamqa.info/ar/answers/177333/%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D8%AD%D8%A9
(2021-12)

فلا أدري إن كانوا سيصلون قريباً إلى هذا الكتاب الجامع للأحاديث الصحيحة.
ولنأخذ نصاً آخر من موسوعة الدرر السنية للأحاديث:
(" (11) التصحيح والتضعيف من المسائل الاجتهادية، فلا عجب أن نجد المحدِّثين قد يختلفون في حكمهم على الحديث الواحد ما بين مصحِّح ومضعِّف، فقد يُضعِّفه أحدهم ويُصحِّحه آخر، فإن كان الباحث من المتخصصين فعليه الترجيح بين أقوال أهل العلم فإن لم يكن متأهِّلاً لذلك فعليه أن يأخذ بقول من يثق به من أهل العلم المبرَّزين في علم الحديث من الحفاظ الجهابذه العارفين بعلل الحديث كالإمام أحمد وأبي حاتم وأبي زُرعة وابن المديني والبخاري وغيرهم، أو يأخذَ بقول الأكثر. ")
ولا أدري لماذا اختار أسماء هؤلاء الخمسة، ولماذا بدأ بالإمام أحمد وانتهى بالبخاري.
على كل حال الأمر كما ترى بعيد كل البعد عن الوضوح في التحديد النصي للسنة

https://dorar.net/article/56/%D8%AA%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AE%D8%A7%D8%B5%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB%D9%8A%D8%A9
(2021-12)

المشكلة التي نراها هنا عند أهل السنة والجماعة هي ذاتها لدى الفرق الأخرى: فما يقولون بوجوب الإيمان به إلى جانب القرآن، هو غير محدّد ومختلَف فيه.

ولذا فالذي أراه: أن الذين يخوضون حالياً في ما يُسمّى حجية السنة –دفاعاً أو هجوماً– سيفشلون في الوصول لأية نتيجة، سيهدِرون أوقاتهم وسيتشاتمون وكلٌّ يرى أن خصمه لا يفهم أو لا يريد أن يفهم.
والسبب بمنتهى البساطة أن السنّة غير محددة النص، ويبدو أن الأمر سيبقى على هذه الحال الغامضة. هذه مشكلة والمشكلة الأكبر أن الناس لا يرون هذه المشكلة.

اعلموا إخوتي الكرام أن مشكلة اتباع المجهول أو غيرِ المحدّد الغامضِ – هذه المشكلة التي تطرقنا إليها هنا هي ليست خاصة بفرق المسلمين.

فالإنسان المنتمي لأي دين، هو في الأغلب لا يتبع كتباً محددة بل يتبع جماعته الدينية التي يعيش بين أهلها وهمّه إرضاؤهم.
وحتى لو كانت لجماعته تلك كتبٌ مقدّسة محددة، فلن يبحث فيها ليرى إن كانت موافقة لما تدين به جماعته.
وأذكر هنا جماعة المسيحيين، وكنت منهم. فمعظمهم يجهل معظم نصوص البَيبِل (كتابِهم المقدس المحدّد) – لا يعرِفها ولا يهمه أن يعرفها.
وفي اليهودية الأمر أقبح وأشنع: فقد صارت اليهوديةُ أقربَ إلى القومية منها إلى الدين، ولعل أشهر اليهودِ المعاصرين مصرِّحون بعدم اتباعهم التوراةَ (والتلمود) ومنهم من يسعى علناً في إشاعة الكفر بالله، ويبقى، مع ذلك، هو في نظره ونظر جماعته يهودياً.
فالحالة فوضوية لدى معظم الناس، أيا كانت انتماءاتهم الدينية.

أعيدُ: الفكرة في منتهى البساطة: لا تتبعْ شيئاً إلا بعد أن تكون عرفته، بل لا يمكنك أصلاً أن تتبعه إلا إذا كنت عرَفتَه.
وزعمُك اتباعَ الشيء، وأنت لا تعرفه، ما هو إلا عبث منك بك.
وإذا قال لك أحدهم: يجب اتباع كذا! فقل له: ما هو هذا الكذا الذي تتبعه؟ هلّا حدّدته لي؟

أختم بكلامه تعالى:
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}
{ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}

{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا}

{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}
{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}

أكتفي هنا بهذا القدر، راجيا منه تعالى القَبول والبركة

والسلام

https://www.facebook.com/groups/791146135444008/pending_posts/?search=&has_selection=false&post_id=824083782150243 محاولة ثانية هنا [2022-11-06 Sun] الردود العلمية على منكري السنة النبوية


الرئيسية | آخر تحديث | الملفات | التواصل | ادعمني