دراسة في أصل معنى الصلاة – وتتمة الصلاة على النبي
(صبحي جنجل – 2024-01-16)

قائمة المحتويات

1. صلّى ضد تولّى

ain_msli.png

شكل 1: مَن المصلّي هنا؟ – الإجابة بعد حين

1.1. فقرة1 مقدمة

نعود هنا للكلام عن الصلاة. بعد انقطاع طال عدة أشهر.
وكان كلامنا عن آية الأحزاب:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا <33_56>الأحزاب)
ahl_hadith.html#slae_oly_nbi0

والآن نريد النظر بشكل عام في الصلاة؛ في جذر: ص-ل-و / ص-ل-ي.

لكني أحتاج إلى مقدّمة.
فالحقيقة أني كنت أؤجل وأؤخر الكلام في هذا، ليس لحساسيته، ولكنْ لأني كنت أبحث عن إجابات متعلقة في هذا المبحث.
وأعترف لك من البداية: لم أجد الإجابات عن كل الأسئلة التي كانت تهمني (فضلاً عن الأسئلة التي تهمك وتهم غيرك).
ومع ذلك سأقوم بنشر هذا البحث.
والسبب:
أني لا أدري إن كنت سأجد الإجابات، ولا بأس من نشر الموجود إن كانت فيه فائدة، حتى لو كان ناقصاً، وحتى لو كان فيه بعض الأغلاط. هذا ما لديّ – ليس لدي ما هو أفضل. ولعل غير يُتْمِمُه أو يستفيد منه للإتيان بالأفضل. واعلم أنك لو أردت التدقيق الكامل في كل ما تريد قوله، لما بقي منه شيء – إلا القليل القليل.
ثم هناك ظروف خاصة تدفعني للنشر الآن، وترك التأجيل. ولن أُثقِل عليك بذكرها.

وبعد.
ذكرنا حساسية موضوع الصلاة. فالكل يتشاجر حولها. ولأسباب مختلفة. لن أشارك في هذا! ليس هذا ما يشغلني.
إنما البحث هنا عن أصل معنى الصلاة. هذا مقصدي. وهو ما ذكرناه من قبل:
صلّى ضدّ تولّى.

وليس في هذا التأويل تهجّم على الفِرَق التقليدية التراثية، وأصلاً سترى أن جلّ اعتمادي في هذا البحث كان على كتب التراث التي استفدت منها كثيراً.

1.2. فقرة2 الخلاصة في البداية:

لنتذكر ما وجدناه من قبل في:
./ahl_hadith.html#slae_oly_nbi3

فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى <75_31>
وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى <75_32>القيامة

فلدينا "صدّق" و"كذّب" متضادان، وكذلك "صلّى" و"تولّى" متضادان.

وهذا ما نريد تثبيته هنا، وترسيخه.
سنبحث في أصل معنى الصلاة، وماذا قال العلماء في ذلك.
والحقيقة أن أقوالهم ستجدها كلها أو جلّها متماشية مع هذا التضاد بين "صلّى" و"تولّى".

1.3. فقرة3 جذر ص-ل-و أم ص-ل-ي أم كلاهما؟

علماء العربية وأصحاب المعاجم لديهم بعض الخلافات في تحديد جذور الكلمات. وهذا أمر يظهر أيضاً في مباني المعاجم المختلفة.
[راجع: عبد الرزاق بن فرّاج الصاعدي، تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم، الحامعة الإسلامية، المدينة المنورة، 1429 2008، الطبعة الثانية]
وما يهمنا هنا هو طبعاً جذر الصلاة. الشائع طبعاً أن يُقال هو من "ص-ل-و"، مع الواو. وهذا حَسَن.
لكن ماذا عن الجذر ص-ل-ي – هل هو جذر مستقل عن ص-ل-و؟
هناك مَن تخلّص من هذا الإشكال بجعل جذر الناقص (أي الذي ينتهي بحرف علّة) هو من الألف. فكلمة صلاة هي في باب "ص-ل-ا" مع الألف؛ راجع مثلاً لسان العرب لابن منظور أو صحاح اللغة للجوهري، إذ جعلوا الجذر (صلا) يشمل الصيغتين (صلو وَ صلي).

لن أناقش هنا هذا، ولست أصلاً أهلاً له، لكن يبدو لي هذا حسَناً أن تُجمَع الصيغتان (صلو وَ صلي) في باب واحد – ولا أتحدث هنا عن باقي الجذور الناقصة (المنتهية بحرف علّة).

لماذا يحسن هذا في نظري؟ لأن معنى صلي في القرآن فيه أيضاً خلاف التولّي (وسنتعرّض لذلك في ما يلي).

فمبحثنا هنا عن آيات صلو وعن آيات صلي معاً.

مثال:
(الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ <70_23>المعارج) وهذه توضع في جذر ص-ل-و
(جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ <14_29>إبراهيم) هذه توضع عادة في جذر ص-ل-ي

وحتى يكون كلامنا واضحاً، إليك أرقام الآيات كلها:

صلو، 99 مرة في 90 آية:
2_3، 2_43، 2_45، 2_83، 2_110، 2_125، 2_153، 2_157، 2_177، 2_238، 2_277، 3_39، 4_43، 4_77، 4_101، 4_102، 4_103، 4_142، 4_162، 5_6، 5_12، 5_55، 5_58، 5_91، 5_106، 6_72، 6_92، 6_162، 7_170، 8_3، 8_35، 9_5، 9_11، 9_18، 9_54، 9_71، 9_84، 9_99، 9_103، 10_87، 11_87، 11_114، 13_22، 14_31، 14_37، 14_40، 17_78، 17_110، 19_31، 19_55، 19_59، 20_14، 20_132، 21_73، 22_35، 22_40، 22_41، 22_78، 23_2، 23_9، 24_37، 24_41، 24_56، 24_58، 27_3، 29_45، 30_31، 31_4، 31_17، 33_33، 33_43، 33_56، 35_18، 35_29، 42_38، 58_13، 62_9، 62_10، 70_22، 70_23، 70_34، 73_20، 74_43، 75_31، 87_15، 96_10، 98_5، 107_4، 107_5، 108_2

صلي، 25 مرة في 25 آية (وليس لـ صلو وصلي آية مشتركة)
4_10، 4_30، 4_56، 4_115، 14_29، 17_18، 19_70، 27_7، 28_29، 36_64، 37_163، 38_56، 38_59، 52_16، 56_94، 58_8، 69_31، 74_26، 82_15، 83_16، 84_12، 87_12، 88_4، 92_15، 111_3

وأمر آخر يتعلّق بعلم العربية، هناك من تحدّث في القرابة المعنوية عند القرابة اللفظية.
فحتى لو جعلنا "صلو" و"صلي" جذرَين مختلفين، فالقرابة جائزة – في رأيهم (لتوافق الجذرين في الحرفين الأولَين).
على كل حال، هذه الأمور ليست معادلات حسابية دقيقة، تكون صحيحة أو خاطئة، بل فيها ما بين البينين. فلا بد هنا من التنبيه إلى ذلك. فمعاني الكلمات وتصاريفها ليست قوالب محدّدة صارمة. فلا يمكننا إطلاق التعميمات إلا نادراً.

ولكن لا بأس أن نذكر كل الجذور القرآنية التي تبدأ بالصاد واللام:
صلب، صلح، صلد، صلصل، صلا (صلو، صلي)

وهناك من ينظر في ما يسمى الاشتقاق الأكبر، فيجعل قرابة بين الصلاة (ص-ل-و) وبين (و-ص-ل).
ــ
ــ
وحتى لا نتشتت. مرادنا من هذا البحث هو تثبيت التضاد بين صّلى وتولّى.
فـ صلي/صلو يدخل في باب لزوم الشيء، البقاء معه، اتباعه ونحو ذلك.

1.4. فقرة4 اشتقاقهم الصلاة من الإقبال

سنبدأ الآن بعرض أقوال العلماء المختلفة في اشتقاقهم المعنى الأصل لكلمة الصلاة.
منهم مَن قال إن الأصل من الإقبال أو من اللزوم أو من العطف أو من الصَلَا [سنفصّل لاحقاً] أو من الدعاء ؛ وغير هذا.

وأول وقفة لنا مع أقوالهم ستكون مع الإقبال. إذ جعلوا الصلاة منها.

فلنبدأ بمن قال إن أصل الصلاة هو الإقبال.

ولنتذكر قول الزركشي(ت 794هـ): (وَهَذَا الشَّكْلُ الرُّبَاعِيُّ [*الكلام عمّا يسميه البلاغيون "المقابلة"] يقع في تفسيره على وجوه فَقَدْ يَرِدُ وَبَعْضُهُ مُفَسَّرٌ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ يَرِدُ وَكُلُّهُ مُفَسَّرٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} فقابل {صدق} بـ[كذب] و {صلى} الَّذِي هُوَ أَقْبَلَ بِـ {تَوَلَّى} . – بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، دار المعرفة، 1410 1990، ج3، 505)

وهذا ينسجم مع ما قلناه، فأدبر من مرادفات تولى، وأَقْبلَ ضد أدبر.

وهناك من قال أيضاً بأن أصل الصلاة هو الإقبال، يقول الفَرَاهي:
(الصلاة هي في الأصل : الإقبال على شيء. ومنه: الركوع، ومنه: التعظيم، والتضرّع والدعاء.[*..]
ومن هذا الأصل صلِيَ النارَ: أقبل عليها، ثم بمعنى دخل النار، كما قال تعالى: {سَيَصْلَى نَارًا}. وأيضاً: {وَيَصْلَى سَعِيرًا}.
ومنه: التصلية، كما قال تعالى: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}. – الإمام عبد الحميد الفراهي ت1349 هـ، مفردات القرآن، دار الغرب الإسلامي، 2002، ص209)
[وكما ترى: الموارد الثلاثة الأخيرة هي مشتقة عادة من "صلي" وليس "صلو".]

وقد استشهد أحمد حسن فرحات (المولود 1937) بكلام الفراهي:

(وأما ما ذهب إليه الفراهي من أن " الصلاة " – في الأصل -: الإقبال على شيء [*..] فإن هذا الأصل الاشتقاقي يدخل تحته كل المعاني التي ذكرت للصلاة دون تكلف، وبهذا يكون هذا المعنى هو الجذر الحقيقي لبقية المعاني الأخر ومن ثم فهو الأصل الراجح. – أ.د. أحمد حسن فرحات (و1937)، معاجم مفرادت القرآن (موازنات ومقترحات)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف 1421 (وفقاً للمكتبة الوقفية)، ص67)
لكنه لم يتطرق في مقارنته إلى معنى "اللزوم" وقد جاء أيضاً لدى الكثيرين من علماء العربية.
على كل حال، الإقبال يدخل في باب "ضدّ التولّي".

ونستأنس أيضاً بقول القاضي عياض : (وَقيل من الإقبال عَلَيْهَا [*أي الصلاة] والتقرب مِنْهَا وَمِنْه صلي بالنَّار وَقيل من اللُّزُوم – القاضي عياض ت544هـ، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، دار القلم، 1440 2018، ج2، ص323)
وسنتحدث بعد قليل عن اللزوم.

ومن تفسير المنار:
(فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْكَ الْإِتْيَانُ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ عَنْكَ هَذِهِ الْعِبَادَةَ الْقَلْبِيَّةَ الَّتِي هِيَ رُوحُ الصَّلَاةِ، وَغَيْرَهَا، وَهِيَ الْإِقْبَالُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَاسْتِحْضَارُ سُلْطَانِهِ، – محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، مطبعة المنار مصر 1350 هـ، ج2، ص444)

وكذلك:
({إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} لأنها الإقبال على من وحدته فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم – برهان الدين البقاعي ت885 هـ، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتاب الإسلامي بالقاهرة، 1404 1984 (وفقا للمكتبة الوقفية)، ج15، ص173)

وأخيراً:
( و"الصلاة" الإقبال بالكلية على أمر، – أبو الحسن الحرَالي المراكشي ت638 هـ، تراث أبي الحسن الحرَالي المراكشي، تحقيق محمادي عبد السلام الخياطي، 1418 1997، ص156)

1.5. فقرة5 اشتقاقهم الصلاة من اللزوم

إذا أخذنا التولّي بمعنى الإدبار فضدّه الإقبال، كما رأينا.
ولكننا نجد في التولّي أيضاً شيئاً آخر غير الإدبار.
وإنّا نجده في الآيات التسع التي جاء فيها – الطاعة والتولي وقد تحدثنا عنها:
ahl_hadith.html#i-ha45lww08vj0
نتذكر إحداها:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ <8_20>الأنفال
(وقلنا: "توَلّوا" أصلها "تتولّوا")
فالمخاطبون هم مؤمنون (أو منتسبون للمؤمنين)، وليس المخاطبون من المشركين أو ممن عُرِفوا ببعدهم عن رسالة النبي، بتولّيهم عنه.
فالتولي هنا هو ابتعاد بعد قُرب، أن تبتعد عن النبي بعد أن كنت قريباً منه.
وهذا شائع في معنى التولي:
(التّولّي: الإعراض بعد الإقبال – شهاب الدين ابن الهائم ت815 هـ، التبيان في تفسير غريب القرآن، دار الغرب الإسلامي، 2003، ص79) ونفس الجملة لدى ابن حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط (الآية 2_64).

فإذا أخذنا بهذا المعنى للتولي فالأقرب أن يكون ضده هو اللزوم.
ولذلك فقد قيل إن من معاني الصلاة اللزوم، بل إن أصلها هو اللزوم.

وسنرى شواهد كثيرة في ذلك.

(ملاحظة: نعيد: معاني الكلمات ليست معادلات حسابية: كأنْ تقول 2 في 2 = 4. فمعاني الكلمات تقريبية وهي تخضع للسياقات، فلا ينبغي أن نحاول وضعها في قوالب ثابتة، كالأرقام.)

1.5.1. معجم لسان العرب

ولنبدأ بما جاء في معجم لسان العرب:
(وقال الزجاج: الأَصلُ في الصلاةِ اللُّزوم. [*!] يقال: قد صَلِيَ واصْطَلَى إذا لَزِمَ، ومن هذا مَنْ يُصْلَى في النار أَي يُلْزَمُ النارَ. [*…] قال الأَزهري: والقولُ عندي هو الأَوّل، إنما الصلاةُ لُزومُ ما فرَضَ اللهُ تعالى، والصلاةُ من أَعظم الفَرْض الذي أُمِرَ بلُزومِه. – ابن منظور، لسان العرب، دار صادر - بيروت، ج14، ص465)
http://arabiclexicon.hawramani.com/%d8%b5%d9%84%d8%a7/?book=3
التصفح في 2023-06

slae_lsan_orb.png

شكل 2: لسان العرب، باب: صلا

والزجاج(311هـ) والأزهري(372هـ، صاحب معجم تهذيب اللغة) من كبار علماء اللغة. وبالطبع أيضاً ابن منظور(711هـ) الذي نقل عنهما في معجمه، لسانِ العرب.

ملاحظة: قوله "قد صَلِيَ واصْطَلَى إذا لَزِمَ،" هو إدراج لجذر ص-ل-ي أيضاً في اللزوم، وليس فقط "ص-ل-و" (وقد ذكرنا هذا عند الكلام عن الإقبال).
واذكر هنا في ذلك أيضاً تفسير ابن فورك في الآية: ( اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ <36_64>يس)، يقول:

({اصْلَوْهَا} [٦٤] الزموا العذاب لها، وأصل (الصلي) : اللزوم، ، تفسير ابن فورك، ج2، ص183 ج2)
https://shamela.ws/book/10523/538
https://archive.ph/CsbDl
التصفح 2023-10

1.5.2. الواحدي

نتابع. الشواهد كثيرة جداً في اللزوم. نذكر من تفسير البسيط للواحدي (وهو له أيضاً تفسير الوجيز والوسيط). وهو من علماء اللغة أيضاً، وله شرح لديوان المتنبي.
ص74

يقول:
(وقال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صلى واصطلى: إذا لزم، ومن هذا من يصلى في النار أي: يلزم، قال: والقول عندي هذا؛ لأن الصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه، وألزم ما أمر به من العبادات.
ومن اختار هذه الطريقة قال: معنى قولهم للداعي إذا دعا: (صلى) معناه: أنه لزم الدعاء لشدة حاجته إلى الإجابة.
– الواحدي ت468 هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1430 هـ، ج2، ص74)

ملاحظة:
الواحدي يذكر إمكانية اشتقاق معنى الدعاء في الصلاة من اللزوم. لملازمة المصلي الدعاءَ.
انظر مثلاً إلى زكريا:
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ <3_38>
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ <3_39>آل عمران
ولا شك أن زكريا كان من الملازمين لدعاء الله.

1.5.3. القرطبي

وننتقل إلى القرطبي، وهو المفسر التقليدي الشهير: في تفسيره لـ (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ <2_3>)
(وَقِيلَ: هِيَ [*أي الصلاة] مَأْخُوذَةٌ مِنَ اللُّزُومِ، وَمِنْهُ صَلِيَ بِالنَّارِ إِذَا لزمها، [* مرة أخرى: جذر ص-ل-ي] ومنه"تَصْلى ناراً حامِيَةً" [الغاشية: ٤]. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادَ:

لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا علم اللَّ … هـ وَإِنِّي بِحَرِّهَا الْيَوْمَ صَالِ

أَيْ مُلَازِمٌ لِحَرِّهَا ،
وَكَأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا مُلَازَمَةُ الْعِبَادَةِ [*وهذا وجدنا شبيهه لدى التوحيدي قبل قليل] عَلَى الْحَدِّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَلَيْتُ الْعُودَ بِالنَّارِ إِذَا قَوَّمْتُهُ وَلَيَّنْتُهُ بِالصِّلَاءِ. وَالصِّلَاءُ: صِلَاءُ النَّارِ بِكَسْرِ الصَّادِ مَمْدُودٌ، فَإِنْ فَتَحْتَ الصَّادَ قَصَرْتَ، فَقُلْتَ صَلَا النَّارَ، فَكَأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَوِّمُ نَفْسَهُ بِالْمُعَانَاةِ فِيهَا وَيَلِينُ وَيَخْشَعُ، قَالَ الْخَارْزَنْجِيُّ: «٢»
فَلَا تَعْجَلْ بِأَمْرِكَ وَاسْتَدِمْهُ … فَمَا صَلَّى عَصَاكَ كَمُسْتَدِيمِ «٣» – القرطبي ت671 هـ، الجامع لأحكام القرآن، مؤسسة الرسالة، 1427 2006، ج2، ص260)
وحتى في هذا التأويل الذي جاء به، وهو من الصِلاء، تجد فيه من جديد معنى الملازمة: "فَمَا صَلَّى عَصَاكَ كمستديم". فالعصا لا تُقَوَّم ولا تُليّن إلا بالمداومة.
[وتوجد تسجيلات كثيرة على يوتيوب تبين لك هذا، مثلاً لصناعة العكّاز.]

1.5.4. ابن كثير

وفي تفسير ابن كثير، أيضاً الشهير، نقرأ (عند الآية 2_3):
(وَقِيلَ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصَّلَى وَهُوَ الْمُلَازَمَةُ لِلشَّيْءِ من قوله تعالى: {لا يَصْلاها} أي لا يَلْزَمُهَا وَيَدُومُ فِيهَا {إِلَّا الْأَشْقَى} [اللَّيْلِ: ١٥] وَقِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَصْلِيَةِ الْخَشَبَةِ فِي النَّارِ لِتُقَوَّمَ كَمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَوِّمُ عِوَجَهُ بِالصَّلَاةِ {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٥] وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الدُّعَاءِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. – ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، 1420 1999، تحقيق: سامي بن محمد السلامة، ج1، 169 – تفسير الآية 2_3)

فابن كثير يذكر أيضاً الملازمة، ولكنه يميل أكثر إلى جعل الأصل في الدعاء.
ولكن كما ذكرنا حتى الدعاء يمكن اشتقاقه من الملازمة والمداومة على الشيء. وكذلك ما ذكره هو وغيره عن تقويم الخشبة (أو العصا) بالنار.

1.5.5. أقوال أخرى في أن الصلاة في الأصل هي اللزوم

سنذكر هنا اقتباسات أخرى، تذكر أن الصلاة يمكن اشتقاقُها من اللزوم. طبعاً الاشتقاقات متعددة، ومن الصعب أن تجزم بأن الأصل كذا.

  1. (وقيل أصلها اللزوم – أبو القاسم الأصبهاني / الملقب بـ "قِوَام السُنة"، مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، 1415 1995، ردمك: 2-723-27-9960، ص41)
  2. (وقيل: أصلها اللزوم ، ومن قِيل: (تَصْلَى نَارًا) أي يلزمها. – أبو هلال العسكري ت400 هـ، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، 1428 2007، تحقيق محمد عثمان، الوجوه والنظائر، ص288)
  3. (وثالثها: أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُلَازَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَصْلى نَارًا حامِيَةً} [* الْغَاشِيَةِ: ٤] {سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ} [* الْمَسَدِ: ٣] – فخر الدين الرازي 604 هـ، تفسيرالفخر الرازي (مفاتيح الغيب)، دار الفكر، 1401 1981، ج2، ص32)
  4. (وقيل: الأَصلُ في الصَّلاة الُّلزومُ، فكأنّ المُصَلِّى لَزِم هذه العِبادةَ لاسْتِنْجاح طَلِبَتهِ من الله عزّ وجلّ – أبو موسى المديني الأصبهاني ت581 هـ، المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، جامعة أم القرى، 1408 1988، ت عبد الكريم العزباوي، ج2، ص288)
  5. (وقيل: أصلها اللزوم من قول الشاعر:
    لمْ أكنُ من جُناتها –عَلِمَ الله– وإني بِحَرِّها اليومَ صالِ
    أي: ملازمٌ لحرها، فكأنَّ معنى الصلاة ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به. – أبو الحسن المجاشِعي ت479 هـ، النُكَت في القرآن، مكتبة الرشيد، 1422 2002؟، ت إبراهيم الحاج علي، ص140 )
  6. (قال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم، ومن هذا من يُصلى في النار، واختاره الأزهري "ل: ص ل و". و-: المفروضة من الله على الناس، وهي في الإسلام ذات الركوع والسجود. – أحمد رضا، معجم متن اللغة، دار مكتبة الحياة، 1378 1959، ج3، ص488)
  7. ( وقيلَ: إنَّ الأصْلَ فِي الصَّلاةِ: اللُّزُوم، ، صَلِيَ ، واصْطَلَى إِذا لَزِمَ، وَهِي مِن أَعْظَم الفَرْض الَّذِي أُمِرَ بلُزومِه – مرتضى الحسيني الزبيدي، تاج العروس – التراث العربي – الكويت، تحقيق: عبد الصبور شاهين – راجعه: محمد حماسة عبد اللطيف، 1422 2001، ج38، ص442)
  8. (والقولُ عِنْدِي هُوَ الأول، إِنَّمَا الصَّلَاة لُزوم مَا فَرَض الله، والصلاةُ من أعظَم الفَرْض الَّذِي أُمِرَ بلزومه. – أبو منصور الأزهري ت370 هـ ، تهذيب اللغة، دار إحياء التراث العربي، 1421 2001، ج12، 166)
    وقد مررنا بالأزهري في مطلع هذه الفِقرة عندما نقلنا عن لسان العرب لابن منظور.

1.5.6. ملاحظة: هل أرى أن اللزوم هو الصلاة؟

توسعت هنا في اللزوم. لماذا؟
بداية لكثرة الشواهد في ذلك. ولأني أرى المعنى مناسباً أو قريباً.
لكن لو طلبت مني أن أجد كلمة واحدة تفسر الصلاة، لتجنّبت الإجابة.
ما يهمّني أولاً هنا بيان التضاد بين "تولّى" و"صلّى". واللزوم يتماشى مع هذا، وكذلك الإقبال وغير هذا من المعاني.

وكما أسلفت في المقدمة، أنا أنشر هنا ما لدي، مع أني كنت أريد تأجيله للبحث أكثر. ولكن العلم بحر، لا ينتهي. وينبغي أحيانا الاكتفاء بما لدينا. وعلى الله فليتوكّل المتوكلون.

1.6. فقرة6 آيات تدل على اللزوم، الاستمرارية، المثابرة في الصلاة

والآن سننظر في آيات من القرآن. نريد تلك التي تبين الارتباط بين الصلاة واللزوم، أعني أهمية الاستمرارية والمثابرة في الصلاة. وطبعاً هذا كله من باب "ضدّ التولّي".

من المعارج:
كَلَّا إِنَّهَا لَظَى <70_15> نَزَّاعَةً لِلشَّوَى <70_16>
تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى <70_17>
وَجَمَعَ فَأَوْعَى <70_18> إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا <70_19>
إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا <70_20> وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا <70_21>
إِلَّا الْمُصَلِّينَ <70_22>
الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ <70_23>المعارج
وهذه تعطيك أيضاً معنى اللزوم، الإدامة – الاستمرارية في الصلاة. ولاحظ هنا ورود كلمة تولّى في الآية 17.

ولعل هذا يفيدنا هنا أيضاً:
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى <87_15> بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا <87_16>الأعلى
فَأَعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا <53_29>النجم

فالذي يصلّي لا يؤثر الحياة الدنيا
بل الذي يتولّى، هو الذي يؤثرها ولا يريد غيرها.

1.6.1. الصلاة مع الصبر

صفة الاستمرارية وجدناها قبل قليل مع (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ <70_23>المعارج)
وهي تتكرر:
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى <20_132>طه
العاقبة ليست للمتعجّلين!

وهناك –كما تعلم– آيات عديدة ربطت بين الصلاة والصبر:

  1. وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ <2_45>
  2. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ <2_153>
  3. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ <22_35>الحج
  4. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ <11_114> وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ <11_115>هود
  5. وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ <13_22>الرعد
    "عُقْبَى الدَّارِ": وقد رأينا للتو (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى <20_132>طه)
  6. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ <31_17>لقمان
    ورأينا: وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ <22_35>الحج
    والعزم يتطلب منك دائماً الاستمرارية واللزوم والمثابرة. أما أصحاب العجلة فيتولون عما بدؤوه، لا يلتزمون بالسعي من أجله.

ويخطر ببالي هنا: ذمّ القرآن لصفة العجلة والاستعجال في الإنسان.
فهو لا يواظب، لا يثابر، لا يستمر ويلزَم الشيء الصالح الذي بدأه، بل يضجر منه أو يتعب منه بعد حين، فيتولّى عنه.

كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ <75_20> وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ <75_21>القيامة
وبعدها بقليل يأتي، ما ذكرناه: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى <75_31> وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى <75_32>القيامة)

وفي سورة ص:
وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ <38_16>
اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ <38_17>ص
(ورأينا ارتباط الصبر بالصلاة)
وفي الأحقاف:
إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا <76_27>
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَهُمْ
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِن نَهَارٍ
بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ <46_35>الأحقاف
خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ <21_37>الأنبياء

فالصلاة مرتبطة بقوة الثبات والصبر والعزم في المداومة.
ونعيد: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ <2_45>
وهي بالمناسبة: أولى آيات جذر ص-ب-ر.

1.6.2. الصلاة مع الإقامة

وهناك شاهد آخر على الاستمرارية والمثابرة في معنى "صلّى". لا بد من الكلام عنه.
فأكثر آيات الصلاة تأتي مع مشتقات للفعل "أقام". وأول ورود للصلاة في كتاب الله هو:
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ <2_3>

وأنقل لك من جديد قولا للقرطبي، من تفسيره:
(الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} مَعْطُوفٌ جُمْلَةٌ عَلَى جُمْلَةٍ. وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ أَدَاؤُهَا بِأَرْكَانِهَا وَسُنَنِهَا وَهَيْئَاتِهَا فِي أَوْقَاتِهَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. يُقَالُ: قَامَ الشَّيْءُ أَيْ دَامَ وَثَبَتَ، [*!] وَلَيْسَ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الرِّجْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِكَ: قَامَ الْحَقُّ أَيْ ظَهَرَ وَثَبَتَ، )

ولدى الواحدي:
(وقوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}:
أي: يديمونها ، ويحافظون عليها، ويقال: قام الشيء إذا دام وثبت، وأقامه إذا أدامه، والذي يدل على أن قيام الشيء إنما يُعنى به دوامُه وثباته [*..] قال أبو علي الفارسي: وهذا التفسير أشبه من أن يفسر بـ (يتمّونها). )

نقلنا كلامهم للاستئناس.

فلننظر في بعض الآيات التي جاء فيها مشتق من مشتقات فعل أقام، التي تبين معنى الدوام:

  1. الإقامة:
    وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ <16_80>النحل
    المعنى واضح ولكن لا بأس من اقتباس من تفسير البيضاوي: ({يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} وقْتَ تِرْحالِكم. {وَيَوْمَ إقامَتِكُمْ} ووَضْعُها أوْ ضَرْبُها وقْتَ الحَضَرِ أوِ النُّزُولِ.)
  2. المُقام:
    1. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا <25_65> إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا <25_66>الفرقان
    2. وكذلك في الفرقان:
      أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا <25_75> خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا <25_76>الفرقان
    3. وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا <33_13>الأحزاب
  3. الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ <35_35>فاطر
  4. مُقيم:
    1. يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ <5_37>المائدة
    2. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ <9_21>التوبة
    3. وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ <9_68>التوبة
    4. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ <11_39>هود
    5. وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ <15_76>الحجر
      (في تفسير النَسَفي: {لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} ثابِتٍ )
    6. مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ <39_40>الزمر
    7. وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ <42_45>الشورى

فحال "أقام" ومشتقاته هنا كما ترى في الإدامة والبقاء على الحال.

وانظر أيضاً: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ <14_40>إبراهيم)
فإبراهيم يطلب من ربّه أن ييسر له المداومة على الصلاة.
جاء في تفسير المحرر الوجيز لابن عطية (ت546 هـ): (وقَوْلُهُ: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي}. دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ كانَ مُثابِرًا عَلَيْهِ، مُتَمَسِّكًا بِهِ، ومَتى دَعا الإنْسانُ في مِثْلِ هَذا فَإنَّما القَصْدُ إدامَةُ ذَلِكَ الأمْرِ واسْتِمْرارُهِ )
وفي تفسير الطاهر ابن عاشور: (أي اجعلني في المستقبل مقيم الصلاة . والإقامة : الإدامة.)

1.6.3. الصلاة والمحافظة

ونذكر المحافظة على الصلاة، فهي مرتبطة بالمداومة على اللزوم والالتزام.

وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ <6_92>الأنعام
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ <2_238>

وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ <23_9>
أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ <23_10>
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ <23_11>المؤمنون

وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ <70_34> أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ <70_35>المعارج
وقبلها وجدنا في نفس السورة:
(الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ <70_23>)

1.6.4. الرد على اعتراض ممكن بخصوص اللزوم

ملاحظة: قد يخطر هنا ببالك خاطر أو إشكال، هو:
إذا كان اللزوم هو من الصلاة، واللزوم فيه الدوام، فلماذا يُقال: أقيموا الصلاة، والإقامة هي الإدامة.

أقول: محاولاً الرد:

  1. كما أسلفنا، الكلمات ليست أرقام، وتراكيبها ليست معادلات حسابية. الكلمات لا تخضع لمسلّمات الرياضيات. فيمكنك أن تضيف لأية كلمة كلمة أخرى تشبهها، للتوكيد على المعنى.
    انظر مثلاً: (ولّى مدبراً <28_31>)
    يقول ابن عاشور في تفسيره: (والإدْبارُ: التَّوَجُّهُ إلى جِهَةِ الخَلْفِ وهو مُلازِمٌ لِلتَّوَلِّي فَقَوْلُهُ (مُدْبِرًا) حالٌ لازِمَةٌ لِفِعْلِ (ولّى) .)
    الإدبار قريب من التولي، ففيه التوكيد. ولا إشكال.
  2. اللزوم ليس بالضرورة الدوام، فقد جاء:
    (لزوم الشىء: طول مكثهِ. لَزِمَهُ - كسمعه - لَزْماً ولُزُوما ولَزَاماً ولَزَامة ولَزَمة - بفتحهن - ولُزْمانا بالضمّ. ولازمه ملازَمة – بصائر ذوي التمييز — الفيروزآبادى (٨١٧ هـ))
    وكذلك في مفردات الراغب الأصفهاني (لُزُومُ الشيء: طول مكثه،)
    فهذا يعطينا معنى إطالة القرب من الشيء.
  3. ثمّ أقول أخيراً: أنا أنقل لك قول علماء لسان العرب. لم أقل بوجوب الأخذ بهذا التأويل أو ذاك.

سواء أكان اللزوم هو الدوام أو طول المُكث فهو يناقض التولّي. وهذا ما يهمنا هنا.

1.6.5. ونذكر أيضاً هاتين الآيتين لمزيد الفائدة

ويحسن هنا أن نذكر رِفعةَ الصلاة في المداومة، بهاتين الآيتين:
(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ <6_162>الأنعام)
(وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا <19_31>مريم)

1.6.6. تخصيص الكلام في آيات "ص-ل-ي"

ذكرنا أن موارد ص-ل-ي (هي مثل ص-ل-و) تدخل في باب "ضدّ تولّى".
هذا نريد إيضاحه هنا.

نقلنا قبل قليل بعض الأقوال في هذا:

  1. ({اصْلَوْهَا} [٦٤] الزموا العذاب لها، وأصل (الصلي) : اللزوم، ، تفسير ابن فورك، ج2، ص183 ج2)
  2. (ومن هذا الأصل صلِيَ النارَ: أقبل عليها، ثم بمعنى دخل النار، كما قال تعالى: {سَيَصْلَى نَارًا}. وأيضاً: {وَيَصْلَى سَعِيرًا}.
    ومنه: التصلية، كما قال تعالى: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}. – الإمام عبد الحميد الفراهي ت1349 هـ، مفردات القرآن، دار الغرب الإسلامي، 2002، ص209)
  3. (وَقيل من الإقبال عَلَيْهَا [*أي الصلاة] والتقرب مِنْهَا وَمِنْه صلي بالنَّار وَقيل من اللُّزُوم – القاضي عياض ت544هـ، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، دار القلم، 1440 2018، ج2، ص323)
  4. (قد صَلِيَ واصْطَلَى إذا لَزِمَ، ومن هذا مَنْ يُصْلَى في النار أَي يُلْزَمُ النارَ. – ابن منظور، لسان العرب، دار صادر - بيروت، ج14، ص465)
  5. (يقال: قد صلى واصطلى: إذا لزم، ومن هذا من يصلى في النار – الواحدي ت468 هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1430 هـ، ج2، ص74)
  6. (وَمِنْهُ صَلِيَ بِالنَّارِ إِذَا لزمها، [* مرة أخرى: جذر ص-ل-ي] ومنه"تَصْلى ناراً حامِيَةً" [الغاشية: ٤]. – تفسير القرطبي لـ <2_3>)
  7. (وَقِيلَ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصَّلَى وَهُوَ الْمُلَازَمَةُ لِلشَّيْءِ من قوله تعالى: {لا يَصْلاها} أي لا يَلْزَمُهَا وَيَدُومُ فِيهَا {إِلَّا الْأَشْقَى} [اللَّيْلِ: ١٥] – تفسير ابن كثير، أيضاً 2_3)
  8. (وقيل: أصلها اللزوم ، ومن قِيل: (تَصْلَى نَارًا) أي يلزمها. – أبو هلال العسكري ت400 هـ، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، 1428 2007، تحقيق محمد عثمان، الوجوه والنظائر، ص288)
  9. (وثالثها: أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُلَازَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَصْلى نَارًا حامِيَةً} [* الْغَاشِيَةِ: ٤] {سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ} [* الْمَسَدِ: ٣] – فخر الدين الرازي 604 هـ، تفسيرالفخر الرازي (مفاتيح الغيب)، دار الفكر، 1401 1981، ج2، ص32)

وهذه حال كل آيات صلي. نعيد ذكر آياتها:
4_10، 4_30، 4_56، 4_115، 14_29، 17_18، 19_70، 27_7، 28_29، 36_64، 37_163، 38_56، 38_59، 52_16، 56_94، 58_8، 69_31، 74_26، 82_15، 83_16، 84_12، 87_12، 88_4، 92_15، 111_3
وإنك تجد في النُقُول التسعة السابقة أمثلة عن بعض الآيات.
ونذكر أيضاً:
(جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ <14_29>إبراهيم)
المقصود بأنهم يلزمونها.
والقرار هنا هو المستقر (راجع مثلاً تفسير القرطبي).

وقد تستشكل فعل "اصطلى" الذي جاء مرتين فقط:

  • إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ <27_7>
  • فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ <28_29>

وقد رأينا قبل قليل أنهم يفسّرون اصطلى أيضاً بـ لزِم. ويمكننا أن نقول أيضاً: التزم (إذا أردنا الوزن الصرفي: افتعل).
فالمقصود أنهم يلتزمون النار.
وليس ببعيد أنهم اختاروا هذه الكلمة مع النار، لأنك تلازم النار حتى تستدفئ بها. فالأمر فيه أيضاً استمرارية.

1.7. فقرة7 اشتقاقهم الصلاة من العطف أو الدعاء

نعود للبحث في أصل "الصلاة"، مع أننا نعرف أنه لا يمكننا الوصول فيها إلى اليقين. ولا يندُر أن تجد لنفس الجذر معنيين أو أكثر لا تجد بينهما قرابة (كما ذكرنا). ويمكنك أن تراجع في ذلك معجم مقاييس اللغة لابن فارس، فكثيراً ما يذكر في بداية شرحه للجذر، عدّة أصول له.
ثم لدينا إشكالية أخرى، إذا وجدت القرابة بين معنيين مختلفين لنفس الجذر، وهي تحديد: أيهما الأسبق.
وهذه الإشكالية موجودة في كلمة الصلاة – في فعل صلّى.

ولننظر: ماذا جاء من أقوال أخرى في اشتقاق الصلاة، غير اللزوم والإقبال؟

توجد اشتقاقات أخرى. والأمر أعقد مما توقعه –إن كنت لم تطلع من قبل على المعاجم القديمة– فإنك تجد فيها لجذور تعرفها معانيَ لا تعرفها، بل لا تتوقعها وتكاد تكذِّبها حتى عند قراءتك لها.

لكن نذكر أصلاً ثالثاً للصلاة، جعلوه في "العَطْف". أو جعلوا العطف من معاني الصلاة.
وهذه فرصة لنستذكر من جديد الآية التي أمر فيها الله رسوله بأن يصلي على مؤمنين:
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ <9_103>التوبة)
فجاء في عدة تفاسير بأن معنى "صلِّ عليهم" هو أن يعطف عليهم:

  1. أبو السعود: ({وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أيْ: واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهم)
  2. بدر الدين البقاعي: {وصَلِّ} أيِ اعْطِفْ {عَلَيْهِمْ} وأظْهِرْ شَرَفَهم بِدُعائِكَ لَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {إنَّ صَلاتَكَ}
  3. الزمخشري: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم، والسنة أن يدعو المصدّق لصاحب الصدقة إذا أخذها.
  4. البيضاوي: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهم.
  5. النسفي: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُعاءِ لَهُمْ، وتَرَحَّمْ.
  6. الآلوسي: {وصَلِّ عَلَيْهِمْ} أيِ ادْعُ لَهم واسْتَغْفِرْ وعُدِّيَ الفِعْلُ بِعَلى لِما فِيهِ مِن مَعْنى العَطْفِ.

ودعونا نقرأْ ما قاله السهيلي، ت581 هـ:

(والجواب عن هذه التساؤلات كلها وبالله التوفيق، وهو المستعان على سلوك سبيل التحقيق، أن نقول: الصلاة كلها [*!] - وإن توهم اختلاف معانيها - راجعة في المعنى والاشتقاق إلى أصل واحد، فلا تظنها لفظة اشتراك ولا استعارة إنما معناها كلها الحنو والعطف، – أبو القاسم السهَيلي ت581 هـ، نتائج الفِكَر في النحو، دار الكتب العلمية، 1412 1982، ص47 )

وهو يستبعد أن يكون الأصل هو الدعاء، نقتبس من قوله:
(فكيف يكون معناهما [*الكلام عن: صلّيت، ودعوت] واحداً ومواطنهما مختلفة هذه تستعمل في الخير والشر [*يعني الدُعاء وفعل "دَعا"]. وهذه[*يعني الصلاة وفعل "صلّى"] لا تستعمل إلا في الخير، وإحداهما تقتضي مفعولاً وهو المدعو، والثانية لا تقتضي مفعولًا ولا تطلبه وهي (صليت) ، وإحداهما موصولة باللام [*يعني: دعوتُ له] إذا كانت في الخير وموصولة بعلى إذا كانت في الشر [*يعني: دعوتُ عليه]، والأخرى موصولة بعلى ولا تكون إلا في الخير كما تقدم[*أي صلّيت عليه]، فأي تباين في المعنى أعظم من هذا لمن أنصف. – ص46، نفس المصدر)

فهو ينفي هنا أن يكون معنى الصلاة في الأصل هو الدعاء، مع أن هذا قول شائع لدى المفسّرين. وقد ذكرنا قبل قليل قول ابن كثير: ( وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الدُّعَاءِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. – ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، 1420 1999، تحقيق: سامي بن محمد السلامة، ج1، 169 – تفسير الآية 2_3)

وإني قد أوافق السهيلي في ميله عن كون الصلاة في الأصل هي الدعاء، ولكني لا أنفي ذلك بل لا أستبعده، وكذلك لا أنفي ولا أستبعد أن يكون العطف هو الأصل. ولكن أرى الأصل أقرب إلى اللزوم والإقبال. لأسباب تظهر في كل ما سبق ذكره، ولكن أيضاً لسبب هام يتعلّق بما شاع في المعاجم من تسمية "المصلّي" على مسمّى لا أحسبك تتوقعه، نذكره في الفقرة التالية.

لكن قبل ذلك دعنا نثبّت أن اشتقاق الصلاة من العطف، كما قال السهيلي، ينسجم مع التضاد بين صلّى وتولّى. بل يمكن اشتقاقه من الإقبال أو اللزوم، فإذا كنت مُقبلاً على أحد فإنك تعطف عليه، وكذلك إذا كنتَ تلزَمه.
(نتذكر: فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى <75_31> وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى <75_32>القيامة)

1.8. فقرة8 هل يمكن اشتقاق الصلاة من كلمة الصَلَا؟

هل سمعت من قبل بكلمة "الصَلَا" (من دون التاء المربوطة)؟
هي كلمة نادرة اليوم.
جاءت بمعنى الظَهر، في لسان العرب نقرأ: (والصَّلا: وسَطُ الظَّهرِ مِنَ الإِنسانِ وَمِنْ كلِّ ذِي أَرْبَعٍ،)
ويتكرر ذلك في كتب اللغة.
وسؤالنا هنا: هل يمكننا أن نشتق فعل "صلّى" من "الصلا" (الظَهر)؟
وهل يكون هذا المعنى المشتق مناسباً لِما قلناه، أنّ "صلّى" ضدّ "تولّى"؟

ننظر من أجل ذلك في كلمة أخرى، ليست نادرة اليوم.
هي كلمة "القفا" وهي كما ترى بنفس وزن "صَلا" وتنتهي أيضاً بالألف.
هذه الكلمة معناها "مُؤَخَّرُ العُنق" (راجع مثلاً لسان العرب)، أي الجزء الخلفي الذي يقابل العنق. (في بعض اللهجات العامية معنى القفا مخالف لهذا.)
فبين القفا والصلا أيضاً هذا الأمر المشترك: أنهما مِن خَلْفِك.

ولدينا الأفعال: قَفا يقفو ("وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" <17_36>)، واقتفى، وقفّى. وهي تبيّن لك أن اشتقاق فعل "صلّى" على هذا النسق ممكن.

ننظر في تفسير ابن عاشور: (وقَفّى مُضاعَفُ قَفا تَقُولُ قَفَوْتُ فُلانًا إذا جِئْتُ في إثْرِهِ لِأنَّكَ حِينَئِذٍ كَأنَّكَ تَقْصِدُ جِهَةَ قَفاهُ فَهو مِنَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الجَوامِدِ مِثْلَ جَبَهَهُ. – تفسير ابن عاشور للآية 2_87)

ولدينا شاهد عن فعل "قفّى" (نفس وزن صلّى):
(كَمْ دُونَها مِنْ فَلاةٍ ذاتِ مُطَّرَدٍ، … قَفَّى عَلَيْهَا سَرابٌ راسِبٌ جَارِي
أَي أَتى عَلَيْهَا وغَشِيَها. – لسان العرب) [وفي هذا تجد معنى الاتباع والتوجه نحو الشيء]

فإذا فرضنا أن فعل "صلّى" مشتق من "الصَلَا" (الظَهر)، فهذا يوافق أيضاً ما قلناه:
إن "صلّى" نقيض "تولّى"، وكذلك "صلّى على" نقيض "تولّى عن".
ويكون "صلّى على فلان" بمعنى: قَصَدَ ظهرَه (صلاه)، وبهذا يكون تابعاً لفلان.

1.8.1. نادرة لغوية – في الألمانية! aufrücken وعودة إلى 33_56

دراسة مصادر الكلمات وتبدّل معانيها قد ينفّر الكثيرين، لقلة ما يرون فيها من فائدة.
والملاحظة التي أذكرها الآن قد لا ترون لها أية فائدة، ولا ألومكم في هذا.
لكن عُدّوها نادرة لغوية، أو تجاهلوها كلياً.
ولعلها تستحق التجاهل؛ ولا أقول هذا تواضعاً، فهي عن الألمانية (وهي لغتي الأولى: التي تعلمتها أولا في المدرسة).

الأمر يتعلّق بشيء لافت وهو كلمة Rücken.
فهذه الكلمة مثل "الصَلَا" معناها الظَهْر، وهي الكلمة الشائعة للظهر في الألمانية، على خلاف كلمة "الصلا" فهي شبه منسية في العربية. (كلمة Rücken يعرفها أي طالب مبتدئ في الألمانية.)

لكن هذه الكلمة تأتي أيضاً بصيغة فِعل، وتكتب مثل الكلمة تماماً (لكن حرف r صغير في الفعل).
ومعنى الفعل هو: تقدّم!

والأغرب من ذلك هو تركيب الفعل مع حرف الجر auf (يقابله في العربية "على") ، أي الفعل aufrücken.

فهذا يعني أن تتقدم حتى تزيل الفراغ أمامك! (وبهذا تكون ملازما لمن أمامك.)

ويستخدم مثلاً في طوابير الانتظار، فإذا سَهَوتَ، فإن الذي وراءك يذكّرك:
Sie können aufrücken!

أي يمكنك أن تتقدم بحيث يزول الفراغ بينك وبين الذي أمامك.

فلدينا فعل يشبه "صلّى" ومعه نفسه حرف الجر "على" ومعناه تقدّمَ إلى الذي أمامه.
وهذا يذكرني، وأحسبه يذكِّرك أيضاً، بالآية التي تحدثنا عنها بتفصيل:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ <33_56>الأحزاب)
وإنها لصورة جميلة أن ترى في صلاة المؤمنين على محمد التقدّم لإزالة المسافة التي تفصلهم وتُبعدهم عنه وعن طريقه.

هذا كان مرورَنا بالألمانية. أحياناً تأتيك تشابهات ما كانت تخطر بالبال.

1.9. فقرة9 مَن المُصلّي في الصورة؟

ain_msli.png

شكل 3: نعود للصورة. الآن مع إجابة. أين المصلّي هنا؟

ما الذي تراه في الصورة؟ تقول: سباق خيل – ما علاقته بالصلاة؟
أقول: في هذه الصورة تجد "المصلّي" بشكل واضح، وهذا وفقاً لمعاجم العربية معظمها أو كلّها – لا تكاد تجد بحثاً في أصل "الصلاة" إلا وفيه المصلّي؛ المصلّي الذي تراه في الصورة!
تتعجّب من الأمر؟ وأنا تعجبّت منه كثيراً بادئَ الأمر. فالفرس الأبيض هو المصلّي!؛ إذا كانت الصورة هي لحظة انتهاء السباق، فالمصليّ هو الثاني في السباق!

لماذا الثاني وما علاقة هذا بموضوعنا عن الصلاة؟

نقرأ في لسان العرب ( والمُصَلِّي مِنَ الخَيْل: الَّذِي يَجِيءُ بعدَ السابقِ لأَن رأْسَه يَلِي صَلا المتقدِّم وَهُوَ تَالِي السَّابِقِ [*..] يُقَالُ: صَلَّى الفَرَسُ [* أيضاً بصيغة الفعل] إِذَا جَاءَ مُصَلِّياً. )
وهذا يكثر ذكره في كتب اللغة، كما قلنا. الثاني في سباق الخيل يُسمّى المصلّي.
والسبب في أغلب التأويلات أن رأسه يلي صلا الأول (ظَهر الأول).

وهذا ما تراه في الصورة.
فغالباً الثاني، أي المصلّي، هو يكاد يلاصق الأول: يلازمه حتى يصل إلى ظهره. [وبالمناسبة الأول يُسمّى المجلّي.] فالمصلي هو الذي يصلّي على الأول.
(وهذا طبيعي، فالأنظار موجهة نحو الأول، وإن كان جائزاً قولُك: إن الثالث يصلّي على الثاني.)

وهنا قول منسوب لِعليٍّ، ذُكر أيضاً في لسان العرب ومصادر أخرى كثيرة، جاء فيه: (وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنه قَالَ: سَبَقَ رسولُ اللَّهِ، ﷺ، وصَلَّى أَبو بَكْرٍ وثَلَّث عُمَر وخَبَطَتْنا فِتْنةٌ فَمَا شَاءَ اللَّهُ؛) فأبو بكر هو الثاني بعد محمد، ولذلك قيل "صلّى".
وقد جاء هذا القول أيضاً بصيغة "ثنّى" بدلاً من "صلّى"، مثلاً في العِقد الفريد لابن عبد ربه: (وقال علي بن أبي طالب: سبق رسول الله صلّى الله عليه وسلم [*ذكرنا أن هذه العبارة فيها تسفيه لله، ولكني أنقلها كما هي]، وثنّى أبو بكر وثلّث عمر؛ ثم خبطتنا فتنة عمياء [يعفو الله فيها] عمن يشاء. – ابن عبد ربه ت238 هـ، العِقد الفريد، دار الكتب العلمية، 1404 1983،ج5، ص15)

فصار صلّى بمعنى جاء ثانياً، كما هي حال السباق. ولكن هذا الاشتقاق الأخير يُبعدنا عن الأصل الذي نريده، في صورة السباق. ذكرته لك فقط ليتأكد لك رسوخ معنى المصلّي في السباق.

وتسمية المصلّي هذه يمكننا اشتقاقها بطريقة أخرى، هي قريبة مما قالوه. هي الطريقة التي رأيناها في الفقرة السابقة: 1.8.

أي أن يُشتق فعل "صلّى" من "صَلَا" كما يُشتق فعل "قفّى" من الاسم "قَفَا".

وكذلك يمكننا –وقد أشرنا لذلك– أن نشتق تسمية المصلّي من كونه ملازماً للأول، إذا اعتبرنا أصل الصلاة من اللزوم.
وأيّاً كانت طريقة اشتقاقنا هنا، فإننا نجدها توافق: أن "صلّى" هو نقيض "تولّى".

1.10. فقرة10 ولننظر من جديد في الأصول التي ذُكِرت للصلاة

ولننظر من جديد في الأصول الأخرى التي ذُكِرت للصلاة (بالإضافة للزوم): الإقبال، والدعاء والعطف.

  • الإقبال: هل يُقال إن الفرس الثاني يُقبل على الأول؟ أرى الأقرب أن يقال هنا: الاتّباع أو الالتحاق، أما الإقبال، فلا أجده مناسباً في هذا السياق.
  • الدعاء: إن كان أصل الصلاة هو الدعاء فإني أرى من الصعب اشتقاق معنى "الثاني في السباق" منه.
  • العطف: إن كان هو الأصل فالأمر مشابه لحالة الدعاء. هل الفرس الثاني يعطف على الأول؟!

لكن مَع ذلك لا أريد ولا أقدر أن أستبعد أي احتمال.

1.11. فقرة11 هل يجوز ان يكون معنى الملازمة (أو شيء من نقائض "التولي") هو مشتق من السباق ذاته؟

سؤال آخر قد يخطر بالبال:
هل يجوز ان يكون معنى الملازمة (أو شيء من نقائض "التولي") هو مشتق من السباق ذاته؟
بصياغة أخرى أيّهما أسبق:

  • كون المصلّي هو الثاني في السباق
  • أو كون المصلّي هو الملازم (أو ما يشبه هذا المعنى، من أضداد التولّي)

والأمران جائزان:
ففي الحالة الأولى: يكون الأمر أنّ الناس شبّهوا مَنْ يلازم شخصاً، بالمصلّي الذي يلازم أو يلاصق الفرس الأول.
وفي الحالة الثانية: يكون الأمر أن الناس رأوا الفرس الثاني يلازم الأول بقوة، فقالوا بأنه يصلّي – أي يلازم (الأول).

في الحقيقة لم أجد هنا ترجيحاً شافياً لأحد الاحتمالين. لكنْ هل يهمّنا ذلك؟
أرى أنه يكفينا أن نعرف أن تسمية المصلّي في سباق الخيل هي قديمة وأصيلة. وهي تساير بل تدعم ما قلناه أن "المصلي" هو ضد "المتولّي (عن)". وفيها طبعاً معنى اللزوم القوي. فالجواب على السؤال المطروح لن يغير شيئاً في بحثنا هذا.

1.12. فقرة12 خاتمة – خلاصة

نلخِّص ما وجدناه.
ونتذكر: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى <75_31> وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى <75_32>القيامة)
هناك تنافٍ بين صلو/صلي وتولّى. وهذا ما نجده في معنى الصلاة، هي تنافي التولّي.
والأقوال التي وجدناها تناسب ذلك.
هناك تنافٍ بين اللزوم والإقبال والاتباع وبين التولّي، وكذلك بين الدعاء والعطف وبين التولّي.
ورأينا إمكانية الاشتقاق من الصَلَا (الظَهر).

نكتفي بهذا القدر. هذا ما تيسّر لي.
فاعذروا ما بدر منا. وأرجو إعلامي إن كان هنا أغلاط أو أخطاء أو ما يحتاج لتعديل.

يسّرنا الله لليسرى.


الرئيسية | آخر تحديث | الملفات | التواصل | ادعمني