معنى الحمد الحقيقي
صبحي جنجل – 2024-03-14
قائمة المحتويات
- 1. الجزء1 المسلمون يجهلون معنى الحمد، مع أنه سهل، في غاية السُهولة
- 2. الجزء2 ماذا قالوا في تفسير معنى الحمد، هل "الحمد=الأمر=المدح"؟
- 3. الجزء3 المزيد من تخبطّهم في تفسير المعنى / ابن عبّاس / هل "أنا أشكرك" = "أنا أمنّ عليك" ؟
- 4. الجزء4 المزيد من التخبّط في تفاسيرهم للحمد: 4 أقوال في آية {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ}، الأمر = الطاعة ؟
- 5. الجزء5 الممدوح لا يكون ممدوحاً إلا إذا مُدِح!
- 6. الجزء6 كيف فسّروا الحميد، خطؤهم في ذلك
- 7. الجزء7 متابعة مع خطئهم في تفسير الحميد، وزن "فعيل"
- 8. الجزء8 الانحراف الشائع لديهم، غلوّهم في محمّد. / أيهّما أعلى محمّد أم حميد؟
- 9. الجزء9 الانحراف الشائع لديهم: جعل الدين في تحريك اللسان
- 10. الجزء10 آخر جزء في ذكر غرائبهم مع جذر الحمد~
- 11. الجزء11 نبدأ ببيان المعنى، المدح هو نتيجة للحمد / فوائد لدى صلاح الدين بن إبراهيم (أبو عرفة) ومحمد حسن جبل
- 12. الجزء12 المعنى السهل والعام، ومن دون أي تخصيصات وتفاصيل مبتدعة
- 13. الجزء13 المعنى عام – مثالان في الطب
- 14. الجزء14 ماذا لو كانت الفاتحة بدأت بـ "العزّة لله"، أو بدأت بـ "النعمة لله"
- 15. الجزء15 ما هو معنى الحميد؟ وما هو معنى محمّد؟ – إزالة إشكالات تفسيرهم للحمد~
- 16. الجزء16 للاستئناس، ارتباط "الجيّد" بـ "النعمة"
- 17. الجزء17 للاستئناس، كلمة الله و كلمة جيّد في اللغات الجرمانية
- 18. الجزء18 التعليق على بعض آيات جذر حمد
- 19. الجزء19 للاستئناس: ح-م-د في العبرية
- 20. الجزء20 تعقيب: هل قُلتُ "الحمد = كل شيء"؟
- 21. الجزء21 إضافة: يُقال "الحمد لله على كذا" أو "نحمدُ الله على كذا"
- 22. الجزء22 تعقيب آخر: بيت لطَرَفة بن العبد
[هذه الأجزاء كانت في الأصل منشورات نشرتها على الفيسبوك وغيره.
في الأجزاء العشرة الأولى التركيز على بيان الخطأ في تفسيرهم للحمد، ثم يأتي الشرح.]
https://youtube.com/live/7NR-1JGpLzI
- في تعديلات، خاصة في (ج12)، وإضافة تسجيل في ج20
- في إضافة ج21
1. الجزء1 المسلمون يجهلون معنى الحمد، مع أنه سهل، في غاية السُهولة
معنى الحمد(ج1)
المسلمون يجهلون معنى الحمد، مع أنه سهل، في غاية السُهولة!
الله بدأ كتابه بالفاتحة هذه السورة المختصرة الموجزة، وهذه بدأها بـ "الحمد لله".
ولكن المسلمين يجهلون معنى الحمد لله!
التراثيون يقولون غالباً أن المعنى هو: المدح والثناء والشكر (ولهم أقوال أخرى، لا تدري كيف جمعوا بينها – مثلاً أن الطاعة من مرادفات الحمد وكذلك "الأمر! هكذا! وسنفصّل لاحقاً.)
أما أصحاب "الحداثة" والقراءات المعاصرة والطاقة، فلا يُلتفَت إليهم. فهؤلاء قد يقولون لك: الحمد هو عالم الطاقة، أو اليِنغ واليَنغ، أو هو نِعمة اليوغا..
فما هو المعنى الحقيقي للحمد؟
هو معنى في منتهى السهولة، ليس فيه أي تعقيد أو غرابة. وسيتبيّن لك بعد قليل.
لكن حاول أن تفكّر بنفسك:
الله يُنزل كتابه لمخاطبة البشر، كل البشر. فيبدأ كلامه بأنّ كذا هو له – بأن: الحمد هو له. فماذا يكون هذا الحمد؟
ما هو الشيء أو الأشياء التي لا نتوقف عن تذكّرها والتفكير بها.
إذا علمنا معنى الحمد، وآمنّا بـ "الحمد لله"، فإننا سنكون ممن #يذكرون_الله_كثيراً.
أُعيد: معنى الحمد ليس فيه أية غرابة أو تعقيد، هو معنى عام. وأضيف: هو ينتج عنه: أن المدح والشكر لله.
وأستعين بالله لإحسان التعبير والبيان.
2. الجزء2 ماذا قالوا في تفسير معنى الحمد، هل "الحمد=الأمر=المدح"؟
معنى الحمد(ج2)
ماذا قالوا في تفسير معنى الحمد، هل "الحمد=الأمر=المدح"؟
نقرأ مثلاً في كتاب الوجوه والنظائر لابن الجوزي (ت 597 هـ)
(وَذكر بعض الْمُفَسّرين أَن الْحَمد فِي الْقُرْآن على خَمْسَة أوجه: -
أَحدهَا: الثَّنَاء والمدح، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي آل عمرَان: {وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا} ، وَفِي بني إِسْرَائِيل [*سورة الإسراء] : {عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا} .
وَالثَّانِي: الْأَمر. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي بني إِسْرَائِيل [*أي سورة الإسراء]: {يَوْم يدعوكم فتستجيبون بِحَمْدِهِ} ، وَفِي الطّور: {وَسبح بِحَمْد رَبك حِين تقوم} .
وَالثَّالِث: الْمِنَّة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي الزمر: {وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده} .
[* فهَل معنى "أنا أمنّ عليك" هو "أنا أمدحك"؟! بل هل بينهما أية قرابة؟!]
وَالرَّابِع: الشُّكْر. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي الْأَنْعَام: {الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض} .
وَالْخَامِس: الصَّلَاة. [*هكذا!] وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي الرّوم: {وَله الْحَمد فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وعشيا وَحين تُظْهرُونَ} أَرَادَ الصَّلَوَات الْخمس
– انتهى الاقتباس)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإليك ما جاء في كتاب الوجوه والنظائر للحيري النيسابوري (ت 431 هـ) هذا ذكر 7 معان!
(
- الشكر كقوله في الفاتحة {الحمد لله رب العالمين} [*..]
- الثناء كقوله {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} [*..]
- المدح كقوله {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا} [*..]
- الأمر كقوله {ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك} [*..]
- الذكر كقوله {فسبح بحمد ربك واستغفره} [*..]
- القول كقوله {ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا} أي مما يحبون، أن يُقال: ما لم يكن.
- الحمد بمعنى الإجابة، كقوله {وله الحمد في السماوات والأرض}
– انتهى الاقتباس)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألا تجد العجَب في هذا؟
هل "أنا آمرك" مثل "أنا أمدحك"؟
(نتابع في الجزء القادم التعرف على المزيد من تخبطاتهم في معنى الحمد)
3. الجزء3 المزيد من تخبطّهم في تفسير المعنى / ابن عبّاس / هل "أنا أشكرك" = "أنا أمنّ عليك" ؟
معنى الحمد(ج3)
المزيد من تخبطّهم في تفسير المعنى / ابن عبّاس / هل "أنا أشكرك" = "أنا أمنّ عليك" ؟
نقرأ المزيد مما جاؤوا به لتفسير معنى الحمد.
من موقع "إسلام ويب":
(فالحمد مشتمل على التعظيم. قال ابن القيم في الفوائد متحدثا عن تعريف الحمد: فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه.
(التفت إلى كلمة "الإخبار". وذكرنا أن الشائع لديهم أن الحمد هو: المدح أو الشكر. وكل هذه الأشياء (أي: الإخبار والمدح والشكر) تصدر منّا – فهل يبدأ الله بهذا كتابه؟)
نتابع مع أقوالهم.
في تفسير الحمد لله في الفاتحة نجد ما يلي عن ابن عبّاس، الملقّب بحبر الأمّة، وترجمان القرآن!
تفسير ابن أبي حاتم الرازي 327هـ:
(عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ هو الشُّكْرُ لِلَّهِ، الِاسْتِجْداءُ لِلَّهِ، والإقْرارُ لَهُ بِنِعَمِهِ وابْتِدائِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ”)
(الاستجداء: الاستعطاء)
https://archive.org/details/FP34623/page/n25/mode/1up?view=theater
أعِد قراءة عبارة ابن عبّاس هذه، أو المنسوبة له، ألا تجد الارتباك؟ ألا تجد أن شخصاً "يصفّ كلاماً"؟
ملاحظة الطبري ذكر نفسر العبارة لابن عباس ولكن يبدو أن فيها تصحيفاً:
(قال ابن عباس: "الحمد لله": هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك. (٢))
(الاستخذاء: الخضوع) جذرها "خذا" (خذو)
فهنا لدينا الاستخذاء بدلاً من الاستجداء. ولكن هذه أصغر المشاكل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولننظر ماذا قاله ابن عبّاس أو بالأحرى ما نُسبِ إليه في ظل الدولة العباسية في هذه الآية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ <34_1>سبأ
جاء عنه:
(وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {الْحَمد لِلَّهِ} يَقُول #الشُّكْر لله وَهُوَ أَن صنع إِلَى خلقه فحمدوه {الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات} من الْخلق {وَمَا فِي الأَرْض} من الْخلق {وَلَهُ الْحَمد} #الْمِنَّة {فِي الْآخِرَة} على أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة
– كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، الفيروزآبادي)
وهذا في نفس الآية وعن نفس الشخص!
فهل "أنا أشكرك" = "أنا أمنّ عليك" ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4. الجزء4 المزيد من التخبّط في تفاسيرهم للحمد: 4 أقوال في آية {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ}، الأمر = الطاعة ؟
معنى الحمد(ج4)
المزيد من التخبّط في تفاسيرهم للحمد: 4 أقوال في آية {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ}، الأمر = الطاعة ؟
هذه الآية تخبّطوا فيها كثيرا، وقد رأى الكثيرون منهم أن معناهم الشائع "المدح والثناء" لا يستقيم معها.
(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا <17_52>الإسراء)
–
في تفسير الطبري:
(بحمده: "بأمره" ، لدى ابن عباس وابن جريج.
قتادة: "بمعرفته وطاعته")
وهذا معنى جديد! ابتكار جديد لم نجده في الجزء الثاني من هذه السلسلة. صار "المدح" هو "الطاعة" وكنا رأينا أن "المدح" هو أيضاً "الأمر"!
فالأمر من مرادفات الطاعة!
وفي تفسير زاد المسير لابن الجوزي (٥٩٧ هـ)
(وَفِي مَعْنى " بِحَمْدِهِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: بِأمْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ وهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " بِحَمْدِهِ ": بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: تَسْتَجِيبُونَ مُقِرِّينَ أنَّهُ خالِقُكم.
والرّابِعُ: تُجِيبُونَ بِحَمْدِ اللَّهِ لا بِحَمْدِ أنْفُسِكُمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.)
ـــ
ولنقرأ هنا ما قاله محمد حسن جبل (ت 2015م) في معجم القيّم "المعجم الاشتقاقي لألفاظ القرآن":
(_ولا أدري كيف غاب عن أئمتنا_ -غفر الله لنا ولهم- أن هؤلاء الذين تحكي حالَهم في قيامهم من قبورهم آيةُ الإسراء هذه [*أي التي ذكرناها هنا]، هم أنفسهم الذين تحكي نفسَ حالهم هذا [يس ٥١ - ٥٢]:
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} فهذا ما يقولون عند قيامهم من قبورهم لا أنهم يثنون. )
ومحمد حسن جبل هو من القليلين الذين بينوا خطأ المفسرين في قولهم أن الحمد هو الثناء والمدح. وهو اقترب من المعنى الحقيقي. ولنا عودة إلى كلامه إن شاء الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نتابع في الجزء القادم.
[راجع التعليق الأول]
5. الجزء5 الممدوح لا يكون ممدوحاً إلا إذا مُدِح!
معنى الحمد(ج5)
الممدوح لا يكون ممدوحاً إلا إذا مُدِح!
بيّنا تخبّطهم في معنى الحمد، وأن المعنى الشائع لديهم هو: المدح والثناء والشكر. وقد بيّنا ضعف هذا المعنى في ج4، عند الكلام عن الآية: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ #بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا <17_52>الإسراء)
وهناك أمور أُخرى تضعِّف تفسيرهم هذا الشائع، أو تشكّكنا في أقوالهم.
ونحن نجمع هنا القرائن المختلفة، قد ترى كل منها ضعيفة، وقد تكون كذلك، ولكني أراها –باجتماعها– قويّة، قويّة جداً.
ولننظر في الفاتحة. هل ترى الأمر مناسباً أن يبدأ الله كتابه بأن المدح له؟ أي بأنه ممدوح؟ أي بأنه مفعول به؟
ففعل المدح واقع عليه.
والممدوح لا يكون ممدوحاً إلا إذا مُدِح! فبهذا يكون تعريف الله عن نفسه، وفي بداية كتابه، متعلقاً بمدحنا إيّاه!
والله غني عن العالمين. فكيف يبدأ بالإخبار عن ذاته بما هو متعلق بفعلنا نحوه؟!
ثم لاحظ أن الله قال {الحمد لله} ولم يقل مثلاً {العبودية لله} وهي طبعاً أقوى.
لكن جاء {إياك نعبد}.
ولم يجئ {إياك نحمَد}!
(وبالمناسبة: جذر ح-م-د لم يأتِ في القرآن بصيغة فعلية إلا في آية واحدة (3_188)!)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نتابع في الجزء القادم.
[راجع التعليق الأول]
6. الجزء6 كيف فسّروا الحميد، خطؤهم في ذلك
معنى الحمد(ج6)
كيف فسّروا الحميد، خطؤهم في ذلك
تفسيرهم الخاطئ للحمد نجَم عنه هذا:
قالوا بأن الحميد هو بمعنى اسم المفعول، أي أن الحميد هو المحمود ووفقاً لتفسيرهم أنه الممدوح!
ولنبدأ بالنظر في هذه الآية:
(وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ <14_8>إبراهيم)
ثم انظر إلى الكلمة التي قبلها: "غنيّ".
هل المقصود: الله غني ممدوح؟
كيف يكون الله ممدوحاً إذا كفرَ به كل مَن في الأرض، جميعهم؟!
الحميد ليس هو بمعنى اسم المفعول من جذر الحمد. وسنفصل لاحقاً إن شاء الله.
7. الجزء7 متابعة مع خطئهم في تفسير الحميد، وزن "فعيل"
معنى الحمد(ج7)
متابعة مع خطئهم في تفسير الحميد، وزن "فعيل"
جعلوا، كما رأينا، الحميد بمعنى اسم المفعول، أي أنه المحمود أو الممدوح.
وقد ذكرنا أن هذا المعنى لا يتسق مع ما جاء في (<14_8>إبراهيم).
ولمزيد من البيان ننظر في موارد حميد كلها!
جاءت هذه الكلمة 17 مرة في القرآن. كلها مع كلمة أخرى هي من نفس الوزن الصرفي لـ 'حميد' أي أيضاً من وزن "فعيل" – مع استثناء واحد هو: (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ <22_24>الحج)
الموارد ال16 الباقية:
- لدينا 10 مرات مع كلمة "غنيّ" مثل (هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ <31_26>)
غنيّ وزنها الصرفي أيضاً فعيل، ولكن حدث الإدغام في الشَدة لأن الجذر في أصلي الياء. فـ "غنِيي" صارت "غنيّ". - لدينا 3 مرات مع كلمة "عزيز" (أيضاً وزنها فعيل).
(صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ <14_1>) - مرة مع "حكيم" (طبعاً وزنها فعيل)
(تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ <41_42>) - ومع "مجيد" أيضاً مرّة واحدة
(حَمِيدٌ مَجِيدٌ <11_73>) - وأخيراً، مرة واحدة مع وليّ (وفيها أيضاً إدغام مثل "غنيّ")
(وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ <42_28>)
وهذه الكلمات الخمس، كلها من نفس الوزن الصرفي "فعيل"، ولم تأتِ واحدة منها بمعنى اسم المفعول، كما قالوا في "حميد"!
فالغنيّ هو غني بذاته، ليس لأن أحداً حوّله لغني، وكذلك العزيز، وهكذا الحكيم، ليس هو المحكوم! بل هو يحكم!، فليس بمعنى اسم المفعول (مثل "محمود" أو "ممدوح")! وكذلك المجيد هو مصدر المجد، وكذلك الولي هو مصدر الولاية:
(وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ <2_107>)
(فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْوَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ <2_282>)
نقرأ في معجم تاج العروس للزبيدي:
(الوَلِيُّ: الَّذِي يَلِيَ عَلَيك أَمْرَكَ،
ووليُّ اليَتِيم: الَّذِي يَلِي أَمْرَه ويَقومُ بكفالته.)
وانظر أيضاً: هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا <18_44>
الولاية لله، وكذلك الحمد لله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والحال هكذا لو نظرت في الأسماء الأخرى التي جاءت مع الله بصيغة فعيل.
أمثلة: سميع، بصير، رقيب، رحيم، عليم، قويّ، حفيظ، حليم..
المعنى ليس في أيٍّ منها هو اسم المفعول!
فلماذا تكون كلمة "حميد" استثناء في هذا، كما يزعمون؟!
هم اضطروا لقول ذلك، لأنه قالوا إن الحمد من مرادفات المدح والشكر!
8. الجزء8 الانحراف الشائع لديهم، غلوّهم في محمّد. / أيهّما أعلى محمّد أم حميد؟
معنى الحمد(ج8)
الانحراف الشائع لديهم، غلوّهم في محمّد. / أيهّما أعلى محمّد أم حميد؟
الفرق الإسلامية المختلفة، ليس فقط الصوفية، لديهم غلو في نبينا محمد.
وما يهمّنا هنا ما يتعلّق بجذر حمد. فما زلنا نجمع القرائن لبيان انحرافهم في ما يتعلّق بالحمد.
والإشكالية التي نبدأ بها متعلّقة باسم نبينا محمّد.
فهو اسم المفعوّل من حَمَّد، أي بمعنى مُمدَّح (على تأويلهم الخاطئ لكلمة الحمد).
وقد رأينا أنهم جعلوا الحميد بمعنى اسم المفعول، أي أنه مثل الممدوح.
والسؤال الآن أيهما أعلى: الممدَّح أم الممدوح؟!
طبعاً، هذه ليست مُعضِلة، ولكنها إشكالية، خصوصاً إذا نظرنا في القرائن الأخرى وإذا تذكّرنا غلوّهم العام في خاتم النبيين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونضيف أمراً ثانياً، ما جاء في كثير من كتب المرويات:
( ٣٩١٠٧- عن ابن عباس قال: لما ولد النبى - صلى الله عليه وسلم - عق عنه عبد المطلب بكبش وسماه محمداً فقيل له يا أبا الحارث ما حملك على ان سميته محمداً ولم تسمه باسم آبائه قال أردت أن يحمده الله فى السماء ويحمده الناس فى الأرض (ابن عساكر) [كنز العمال ٣٥٥٢٠] –
كتاب جامع الأحاديث، جلال الدين السيوطي)
ونتذكر أيضاً تفسيرهم الخاطئ لآية الأحزاب ({إن الله وملائكته يصلّون على النبي}) [راجع الملف النصي والفديوهات التي نشرتها في ذلك] إذا قالوا بأنها تعنى أن الله يثنى على محمد في الملأ الأعلى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأمر ثالث وهو المتعلق بما سمّوه "لواء الحمد"!
نقرأ في المستدرك على الصحيحين لدى الحاكم النيسابوري:
(34 - لواء الحمد يوم القيامة معه - صلى الله عليه وآله وسلم -
90 - [*..]
قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : " أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر ، ما من أحد إلا وهو تحت لوائي يوم القيامة ينتظر الفرج ، وإن معي #لواء_الحمد ، أنا أمشي ويمشي الناس معي حتى آتي باب الجنة فأستفتح فيقال : من هذا ؟ فأقول : محمد ،
فيقال : مرحبا بمحمد ، فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا أنظر إليه " .
هذا حديث كبير في الصفات والرؤية ، صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .)
أرى المروية مريبة. إذْ، ما أهميّة اللواء في الآخرة؟ هل هناك حروب تُحمل فيها الرايات والألوية [هذا أشبه بكتاب رؤيا يوحنا من العهد الجديد!] ثمّ ألَم يجدوا إلا كلمة "الحمد" ليسموا بها هذا اللواء. والله يبدأ كتابه بـ "الحمد لله ".
ألا ترى معي أن الأمر مريب؟
9. الجزء9 الانحراف الشائع لديهم: جعل الدين في تحريك اللسان
معنى الحمد(ج9)
الانحراف الشائع لديهم: جعل الدين في تحريك اللسان
تعرفون أن لديهم مرويات كثيرة تأتي على هذا النسق:
مَن قال كذا 10 مرات بنى الله له قصراً في الجنة،
ومن قال ذلك 20 مرّة، بنى الله له قصرين..وهكذا
ومن قال 17 مرة كذا، غُفِرت له خطاياه كلها.
إلخ.
وما فُعِل بكلمة الحمد يخدم هذه التوجّه لديهم.
فقالوا إن الحمد باللسان ("الْحَمْدَ لَيْسَ إِلاَّ بِاللِّسَانِ" الموسوعة الفقهية الكويتية)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم قالوا في مروياتهم
"لا أحدَ أحبُّ إليه #الحمدُ من اللهِ."
الراوي : - | المحدث : ابن الوزير اليماني | المصدر : العواصم والقواصم
الصفحة أو الرقم : 7/206 | خلاصة حكم المحدث : صحيح "
"أَمَا إنَّ رَبَّك يُحِبُّ الحَمْدَ، أو: ما شيءٌ أَحَبُّ إليه #الحَمْدُ مِن اللهِ عَزَّ وجَلَّ"
الراوي : الأسود بن سريع | المحدث : الضياء المقدسي | المصدر : الأحاديث المختارة
الصفحة أو الرقم : 1451 | خلاصة حكم المحدث : أورده في المختارة
(المصدر موسوعة الدرر السنية)
وبهذا رسّخوا قضية تحريك اللسان!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجاؤوا بمرويات مشابهة، فيها كلمة "المدح" بدلاً من "الحمد".
"وما أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ."
الراوي : عبدالله بن مسعود | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 7403 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | التخريج : أخرجه البخاري (5220)، ومسلم (2760)
(أيضاً من موسوعة الدرر السنية)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولدينا أيضاً:
(مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ #وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَومَ القِيَامَةِ بأَفْضَلَ ممَّا جَاءَ به، إِلَّا أَحَدٌ قالَ مِثْلَ ما قالَ، أَوْ زَادَ عليه.
الراوي : أبو هريرة | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم
الصفحة أو الرقم : 2692 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | أحاديث مشابهة | شرح الحديث
)
وهناك مرويات كثيرة على هذا النسق.
وهي تتماشى مع هواهم في تعظيم تحريك اللسان.
10. الجزء10 آخر جزء في ذكر غرائبهم مع جذر الحمد~
معنى الحمد(ج10)
آخر جزء في ذكر غرائبهم مع جذر الحمد
[شكرا لكل من صبر حتى الآن. فبيان الخطأ جيّد على كل الأحوال. حتى لو كنت سأتوقف هنا. لكن بحمد الله سأتابع وأصيب المعنى.]
[والمعنى كما ذكرتُ ليس صعباً، ولا أقول هذا للتشويق. الصعوبة الوحيدة فيه، أن الناس اعتادوا التفاصيل المخترَعة.]
بقي أن أذكر أمرين طريفين لديهم:
- " وكان اسم الفيل #محمود" مثلاً في تفسير الثعلبي . ماذا نقول في هذا؟ اسم الفيل! هذا همكم؟ واسمه محمود؟!
- "#أحمَد إليكم غسل الإحليل" هذه العبارة ينسبها القرطبي(ت 671هـ) للنذير المبين محمد! ولكن "علماء المبعثرات" يجعلونها غالباً لابن عبّاس، وقد رأينا الكثير من النوادر التي ألصقوها بابن عباس، ولا عجب في ذلك وقد فعلوا هذا مع خاتم النبيين!
11. الجزء11 نبدأ ببيان المعنى، المدح هو نتيجة للحمد / فوائد لدى صلاح الدين بن إبراهيم (أبو عرفة) ومحمد حسن جبل
معنى الحمد(ج11)
نبدأ ببيان المعنى، المدح هو نتيجة للحمد / فوائد لدى صلاح الدين بن إبراهيم (أبو عرفة) ومحمد حسن جبل
نستعين بالله.
بيّنا أن معناهم الشائع للحمد، أي المدح والثناء، هو خطأ.
وبيّنا أيضاً أن لديهم معاني أخرى جاؤوا بها (مضطرين) في بعض الآيات، مثل. نُعيدها:
- المدح
- الثناء
- الشكر
- الطاعة
- الأمر (أجَل: الطاعة والأمر!)
- المعرفة
- الذكر
- الصلاة
- القول
- المعرفة
(وهناك من قال أيضاً: الرضا)
لم يخفَ هذا على بعض الباحثين.
وأول شخص لفتني إلى اضطرابهم هو صلاح الدين بن إبراهيم (لقبه أبو عرفة). وإني أذكر لكم ما قاله هو في معنى الحمد.
قال إن المعنى هو "كل شيء". أي أن الحمد لله معناها: كل شيء لله.
وهناك شخص آخر، ذكرته، هو محمد حسن جبل (ت 2015م). وقد استفدت من طرحه في معجمه الاشتقاقي لألفاط القرآن. أنقل إليكم بعض ما قاله في مادة "حمد":
"فهم [*أي المفسرون التقليديون] يحومون حول القدرة ثم يأسرهم المعنى المشهور وهو الثناء. والخلاصة أني أرى أن معنى (#بحمده) هو بأمره وقدرته وعظمته."
"#الحمد لله "هو: الفضل والتعظيم والفعل لله. فهذا يؤدي معنى الشكر على النعم،"
فما هو الحق؟
بدايةً نرى أن الاثنين تخلّصا من إشكالية أن الله يبدأ كتابه بالإخبار بأنه "مفعول به" (ممدوح أو مشكور).
ومحمد حسن جبل قدّم دراسة لغوية، لكنْ أبو عرفة لم يفصِّل في هذا (ولعلّي لم أجد له ذلك، فله تسجيلات في قنوات متعددة)، فلم يتبيّن لي كيف صار معنى الحمد هو: "كل شيء".
وكلاهما التفت إلى أن المعنى الحقيقي للحمد #ينتج عنه أنه يستحق منا المدح والشكر.
فالخطأ الذي وقع فيه التقليديون أنهم أخذوا النتيجة وجعلوها الأصل في المعنى!
لكن: أيّهما أقرب إلى الحق، محمد حسن جبل أم أبو عرفة؟
12. الجزء12 المعنى السهل والعام، ومن دون أي تخصيصات وتفاصيل مبتدعة
تعديلات وإيضاحات في
معنى الحمد(ج12)
المعنى السهل والعام، ومن دون أي تخصيصات وتفاصيل مبتدعة
الفاتحة تبدأ بـ "الحمد لله".
ولدينا عبارات مشابهة، تفيدنا في فهم المعنى.
{القوة لله}، والقوة جيّدة. هي لله.
{العزّة لله}، والعزة جيّدة، حسَنة، هي لله.
{الحُكم لله}، والحُكم جيّد، حسن، هو لله.
{الحق لله}، والحق جيّد، حسن، جميل، هو لله.
…
هل وضحت الفِكرة؟
كنت تتوقع شيئاً آخر؟ شيئاً معقداً؟ لا! وقد أخبرتك في البداية.
فالحمد صفة الشيء الجيّد، الحسن، الجميل.
وطبعاً {الحمد لله ربّ العالمين} ليس مقصود بها أن ربعَ الحمد له أو نصفَه، بل كلّ الحمد.
وبهذا يكون كلٌُّ جيّدٍ هو لله. كل ما اتصف بالجودة، بالحُسن، بالجمال، بالنعمة… هو لله.
فالله بدأ كتابه بكلمة عامّة هي كلمة الحمد، وليست خاصّة بشيء من المحامد أو المحاسن، مثل القوّة أو العزّة أو الحكم أو الحق.
{الحمد لله} تقتضي {القوة لله} وَ{العزة لله} و{الحكم لله} و{الحق لله}. لأن المقصود بها أن كل ما هو حسَن جميل جيّد، هو لله. والقوّة والعزّة والحكم والحق هي كذلك، هي حسنة، جميلة، جيّدة.
هذا في الأمور العظيمة – ولكن ماذا عن أمورنا اليومية التي نسعى إليها؟
قد تكون في امتحان وهدفك أن تتذكر العبارة الصحيحة لتكتبها في ورقة الامتحان، أو أن تجد حلّ مسألة حسابية. هذه الأمور جيّدة، فهي تتصف بالحمد، فهي أيضاً لله!
فنعيد: الحمد كلمة عامة، وهي تشبه الحُسن والجمال والجودة.
فنحن نستخدم كلمة: هذا حَسَن أو جميل أو جيّد، في شتى المجالات وفي مختلف المستويات.
فقد نقول هذا الغصن حسَن، هذه الشجرة حسنة، وهذه الغابة حسنة. ولنا أن نقول اللهُ حسَنٌ.
وعندما نقول هذا أحسن من ذاك، فقد نعني أنه أقوى منه، أو أسرع منه، أو أذكى منه أو أَوْسم منه..إلخ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهنا أمر لافت وهام: الله لم يبدأ الفاتحة باسمه، فلم يقل: "لله الحمد"، بل بدأ السورة بـ "الحمد": {الحمد لله}.
لماذا؟
ليس لنا أن نجزم بشيء. ولكن الذي أراه أن الله بدأ بما يسعى إليه كل الناس –من أتقى الأتقياء إلى أفجر الفُجّار– كلهم يفكرون بالحمد، بالحَسَن لديهم، بالجيد لديهم، بالجميل لديهم. وهذا الذي يفكرون به، ويرغبون به –قد يتغيّر في كل لحظة– هو لله، لأن الحمد لله.
فأنا حالياً أسعى للإصابة في ما أقول وإحسانِ التعبير. هذا هو الشيء الجيد الذي أفكّر به، هذا الحمد لدي في هذه اللحظة، والحمد لله، كل الحمد له؛ فالذي أسعى إليه – هو لله!
وانظر ماذا جاء بعد {الحمد لله} مباشرة في الفاتحة. جاء: {ربّ العالمين} وكلمة الرب فيها أيضاً معنى الإنعام.
نقرأ مثلاً في لسان العرب لابن منظور (ت 711)
(الرَّبُّ يُطْلَق فِي اللُّغَةِ عَلَى المالكِ، والسَّيِّدِ، والمُدَبِّر، والمُرَبِّي، والقَيِّمِ، والمُنْعِمِ )
وهذا أساسي، فلدينا {صراطَ الذين أنعمتَ عليهم} [وراجع الدرس الذي تشرته عن الصراط].
فإذا فهمنا هذا، إذا فهمنا معنى الحمد، وآمنا بأن {الحمد لله رب العالمين}، فإننا سنذكر #الله_ذكراً_كثيراً!
لأننا في كل لحظة نسعى للحمد، للخير، للحُسن…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فليت المفسّرين قالوا بأن الحمد من مرادفاته: الحُسن، الخير، الجودة، الجمال، النِعمة – بدلاً مما أشاعوه أن الحمد من مرادفاته: المدح والثناء، والشكر!
فهم ذهبوا إلى النتيجة وتركوا الأصل الذي يقتضيها.
فمدح الشيء، ناجم عن اتصافه بالحَمد، بشيء من الحَمد، بشيء حميد.
الأمر واضح، كما ترى، ولكنه يستحق التفصيل، فالشائع يخالف ما قُلته ويصعب تقويمه.
فبحمد الله سأفصّل أكثر في الأجزاء القادمة، لعل الفائدة تزداد.
13. الجزء13 المعنى عام – مثالان في الطب
معنى الحمد(ج13)
المعنى عام -- مثالان في الطب
هناك شيء قرأته من أيام قليلة وكنت متردداً في نشره في هذا الدرس.
قرأت في بحثي عبارة "الورم الحميد" التي تقابل "الورم الخبيث" طبعا.
وظننت المصطلح حديثاً، ولذلك ترددت.
فوجدت المصطلح في "معجم اللغة العربية المعاصرة" لأحمد مختار عمر، ولم يبدِ فيه أي انتقاد للمصطلح (وهو صاحب كتاب عن الأخطاء الشائعة لدى الكتاب والإذاعيين).
فبحثت أكثر، ووجدت عبارة "الورم الحميد" في كتاب الحاوي لأبي بكر الرازي، وهذا توفي 313هـ!
"الثَّانِيَة من السَّادِسَة: الورم فِي حدبة الكبد أردى مِنْهُ فِي تقعيره كثيرا وأخوف إِن كَانَ فِي الكبد ورم فانتقل إِلَى الطحال فَذَلِك حميد وَإِن انْتقل من الطحال إِلَى الكبد فَذَلِك رَدِيء خَبِيث.
– ص1108، تحقيق محمد محمد إسماعيل"
فاستخدام الكلمة عامّ. وبالطبع يتبين لك من جديد أن الحمد هو ضد الرداءة والخبث.
ومثال آخر لدى ابن سينا (ت470 هـ) عن كلمة الحمد:
(فَيكون مَعَ ذَلِك فِيهِ تَحْلِيل وهضم وَإِطْلَاق، وَإِن لم يجد الْحَمد ، وتوليد الدَّم الجيّد مُقَارنًا للجنسين الآخرين آثر الْحَمد وتوليد الدَّم الْجيد عَلَيْهِمَا. وَأحمد ذَلِك أَن يكون بعد دُخُول الْحمام، وَيجب لهَؤُلَاء أَن يجفف بخارهم، فَإِن كَانَت الأخلاط مراريّة،" –
ابن سينا، ج2، ص71، دار الكتب العلمية، 1420 1999 )
فلاحظ كيف يستخدم كلمة "الحَمد"، الكلام عن أنّ طريقة العلاج جيدة، تحسّن من حالة المريض. وليس الكلام في المدح.
وهذا من قوة عبارة الحمد أنها ليست خاصّة. وسنفصّل في الجزء القادم إن شاء الله.
14. الجزء14 ماذا لو كانت الفاتحة بدأت بـ "العزّة لله"، أو بدأت بـ "النعمة لله"
معنى الحمد(ج14)
ماذا لو كانت الفاتحة بدأت بـ "العزّة لله"، أو بدأت بـ "النعمة لله"
قُلنا إن عبارة "الحمد لله" قوتها في أنه عامة في المحاسن.
وسنحاول الإيضاح أكثر من خلال افتراض أن الفاتحة بدأت بـ "العزة لله" أو "العظمة لله" أو "الخَلق لله" أو "ملك السماوات والأرض لله" – وكل هذا طبعاً صحيح. ولكن ماذا كانت ستكون النتائج؟
ما كنْت ستذكر هذه العبارة إلا نادراً! فأنت في احتياجاتك الكثيرة في كل ساعة وكل دقيقة، لا تفكّر بالعزة وبالعظمة، وبخَلق السماوات والأرض إلا نادراً. وقد تكون احتياجاتك في منتهى البساطة، قد تكون غايتك أن تجد تفاحاً جيّداً في السوق. أو قد تكون تشاهد على اليوتيوب ما لا ينفعك، وغايتك أن تجد الهمّة لإنجاز ترتيب غرفتك – هل ستفكّر بالعزة والعظمة وخلق السماوات والأرض؟
ولكنك ستتذكر الحمد، إذا علمت معنى الحمد. الحمد الذي يلزمك في هذه اللحظة.
وبهذا تتذكر الله. الذي له الحمد كل الحمد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولعلك تتساءل هنا: ماذا لو كانت الفاتحة بدأت بـ "النعمة لله"، فهذه أيضاً شاملة، وهي واضحة؟
أقول، وليس لدي يقين في هذا. ولكني أحاول:
لو أنك كنت محتاجاً لشيء ما، لِنَقلْ أنك تريد مبلغاً من المال، ولنفترضْ أني أخبرتك بأن هناك شخصاً يعطيك هذا المال ومن دون أي مقابل؛ فلن يطالبك بالمال أبداً.
هل تذهب إليه؟
قد ترفض الذهاب إليه. وهذا لأسباب مختلفة.
- قد ترفض الذهاب لأنك ترى أنه سارق، فلا تريد ماله.
- أو قد ترفض مع أنك تراه صالحا، ولكنك لا تراه أهلاً لكي يَكون مُنعماً عليك. قد تشعر بالذل لو ذهبت إليه.
أما مع الله فهذا لا يكون. لا تشعر بالذل وأنت تلجأ إليه.
فكلمة النعمة لا توحي بما توحي به كلمة الحمد. كلمة النعمة ليس فيها التفات أو تركيز على المُنعِم، بل إلى ما تحصل عليه من المُنعِم.
أما الحَمْد ففيها الجيد/الحسن/الخير بشكل مطلق، ومِن ذلك أن المنعِم هو أيضاً متسم بها.
15. الجزء15 ما هو معنى الحميد؟ وما هو معنى محمّد؟ – إزالة إشكالات تفسيرهم للحمد~
معنى الحمد(ج15)
ما هو معنى الحميد؟ وما هو معنى محمّد؟ -- إزالة إشكالات تفسيرهم للحمد
كنّا رأينا في (ج8) و(ج7) إشكالات ناتجة عن تأويلهم الخاطئ للحمد.
فقد جعلوا الحميد بمعنى اسم المفعول، فصار بذلك المعنى أن الله ممدوح (وقد ذكرنا في (ج7) أن وزن فعيل مع الله لم يأت قطّ بمعنى اسم المفعول).
فالحميد هو من الناحية اللغوية الكثير الحمد، فالحمد يصدر عن الحميد وليس يُفعل به (كما قالوا: الحميد هو الممدوح).
كما أن السمع يصدر عن السميع، والحكم عن الحكيم، والبصر عن البصير وهكذا.
فالحميد ليس بمعنى اسم المفعول.
وبهذا ننتقل، إلى اسم محمَّد وبيّنا في (ج8) إشكالية أخرى ناجمة عن تأويلهم، وهذه الإشكالية تزول.
فحمّد هو على صيغة اسم المفعول، فهو المنعَم عليه كثيراً. الحميدُ أنعم عليه كثيراً. وبهذا صار محمَّدٌ محمَّداً. صار هذا بإنعام الله، بخير الله، #بحمد_الله.
وتذكر مثلاً: {إنا أعطيناكَ الكوثر}
16. الجزء16 للاستئناس، ارتباط "الجيّد" بـ "النعمة"
معنى الحمد(ج16)
للاستئناس، ارتباط "الجيّد" بـ "النعمة"
هناك أمر طريف أريد ذكره هنا –للاستئناس– وهو عن لغات مختلفة. وهو الكلمة التي تأتي صفة بمعنى جيّد أو حَسَن، تأتي أيضاً بمعنى النعمة أو المال أو الرزق أو البضاعة.
انظر مثلاً في الإنجليزية:
كلمة good تأتي بمعنى جيد، مثلاً good morning
ولكن تأتي أيضاً بمعنى البضاعة!
مثال:
The goods were transported by ship.
أي أن البضائع نُقِلت بالسفينة.
وكذلك الأمر يتكرر في الفرنسية.
bien تعني جيد
وهي تأتي أيضاً بنفس معنى goods
Les biens…
وهكذا أيضاً في الألمانية
gut تعني جيد [صِفَة]
وكلمة Gut تأتي أيضاً اسماً ومعناها أي مال. تُطلَق أيضاً على العقارات.
وأيضاً أذكر الإسبانية
كلمة bien تأتي صفة واسماً مثل الكلمات الأخرى.
وفي العربية لدينا كلمة خير التي تأتي ضداً للشر، ولكنها تأتي أيضاً بمعنى المال، مثل:
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ <2_180>
وكلمة "جيّد" ذاتها هي من جذر ج-و-د، ومنها كلمة الجواد:
وفي معجم لسان العرب نقرأ "وَجَادَ الرَّجُلُ بِمَالِهِ يجُود جُوداً، بِالضَّمِّ، فَهُوَ جَوَادٌ."
فهناك في شتّى اللغات رابط قوي بين "الجيّد" وبين "النِعْمة".
وقد رأينا ارتباط الحمد بالنعمة والإنعام. (وراجع أيضاً معجم محمد حسن جبل "المعجم الاشتقاقي لألفاظ القرآن")
17. الجزء17 للاستئناس، كلمة الله و كلمة جيّد في اللغات الجرمانية
معنى الحمد(ج17)
للاستئناس، كلمة الله و كلمة جيّد في اللغات الجرمانية
وأمر آخر يتعلّق باللغات لعله يهمكم. هو تشابه لفظَي كلمة الله وكلمة جيّد في اللغات الجرمانية.
- الإنجليزية: God, good
- الألمانية: Gott, gut
- الهولندية: God, goed
- الدانماركية: Gud, god
- السويدية: Gud, god
- النرويجية: Gud, god
- الأيسلندية: Guð, góður
راجع:
de.pons.com/
هذا ما وجدته، فكيف حدث هذا؟ وهل هناك أصل واحد لها؟
لا أدري. لكني رأيت الأمر لافتاً.
وقد وجدنا أن كلمة جيّد هي قريبة من كلمة حميد. والله سمّى نفسه بالحميد.
18. الجزء18 التعليق على بعض آيات جذر حمد
معنى الحمد(ج18)
التعليق على بعض آيات جذر حمد
(لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ <3_188>آل عمران)
ليس في الآية أي إشكال، فهؤلاء يحبّون أن يُفعَل معهم الحَمُْد (الشيء الحَسَن أو الجيد) وهم لم يفعلوا ذلك.
ملاحظة: جذر ح-م-د لم يأتِ بالصيغة الفعلية إلا في هذه الآية!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحامدون
ننظر في الآية الوحيدة التي جاء فيها اسم الفاعل من الجذر ح-م-د،
(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ <9_112>التوبة)
هم قالوا بأن "الحامدون" هم هنا الذين يمدحون الله. ولكن في هذا تخصيص للمعنى، لا تعطيه الآية.
فالحَمد، كما بيّنا، هو صفة الشيء الجيّد. فالحامد، اسم الفاعل، هو الذي يقوم بهذا. وهذا يقال عن أمور كثيرة منها مدح الله. فلا أرى أنه يجوز الحصر في هذا.
فالحامدون من مرادفاتها: البارّون (أيضاً اسم فاعل)، وأعمال البرّ كثيرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فتستجيبون بحمده
كُنّا بيّنا في (ج4) اختلاف المفسرين في آية:
(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا <17_52>الإسراء)
ومعنى الآية وفقاً لمعنى الحمد الصحيح، ليس فيه أي إشكال.
فالمعنى هو فتستجيبون بجودته، بخيره، بنعمته، بقدرته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
19. الجزء19 للاستئناس: ح-م-د في العبرية
معنى الحمد(ج19)
للاستئناس: ح-م-د في العبرية
ذكرنا أن المعنى الشائع لـ "حمد" هو نتيجة للمعنى الأصلي.
فالشائع هو أن معنى الحمد هو المدح. فالحمد لله عندهم: المدح لله. وهذا نتيجة للمعنى الحقيقي الذي بيّناه – أي أن الخير لله، أن النعمة لله، أن العزة لله…أن كل ما هو حَسَن لله.
وهناك أمر لافت وجدته في العبرية وهي مثل العربية تُصنّف في ما يُعرَف باللغات السامية.
جذر ح-م-د موجود فيها أيضاً. ومعناه يذكّرنا بما حدث في العربية، ولكن بطريقة مختلفة. فالمعنى لديهم ليس هو المدح ولكنه الرغبة.
ما وجه الشبه؟
وجه الشبه أن الرغبة مثل المدح هي أيضاً نتيجة للحمد (للجودة، للحسن).
فالشيء الجيد ترغبُ به، كما أنك تمدحه. فكأن المعنى ذهب في العبرية إلى الرغبة، وفي العربية ذهب إلى المدح.
طبعاً هذا مجرد محاولة للتقريب والتشبيه، فليس لي علم بالعبرية، إنما راجعت في هذا ما ذكره قاموس سترونغ. ورأيت أن أشارككم بما وجدت.
20. الجزء20 تعقيب: هل قُلتُ "الحمد = كل شيء"؟
بعد أن نشرت الفديو جاءتني بعض الأسئلة والتعليقات. فرأيت أن أعقِّب بهذا.
وقد عدّلت من أجل ذلك أيضاً (ج12).
البعض فهموا من كلامي أني قلتُ: "الحمد هو كل شيء".
ولكني لم أقُل بهذا، وكذلك لم أقُل "الحمد هو كل شيء جيّد"، ولا "الحمد يحتوي كل شيء جيّد"!
الذي قلته في الفديو أن الآية {الحمد لله رب العالمين} تعني أو نستنتج منها أن كل ما هو جيّد، جميل … هو لله.
لماذا؟
لأن المقصود بـ {الحمد لله} هو أن كل الحمد لله، لا نصفَه أو ربعه!
فكل ما اتصف بالحمد/الحسن/الجودة/الخير/الجمال هو لله.
لكن معنى الحمد بحد ذاته لا يشمل كل ما هو جيّد أو جميل. ولكنه صفة لذلك.
وأعطيك مثالاً:
هل الحُسن هو العزّة؟ هو القوّة؟ هو الرحمة؟
لا، طبعاً لا!
ولكن هذه الأمور تتصف بالحُسن. العزّة والقوة والرحمة كلها تتصف بالحُسن (وهي كذلك تتصف بالحمد)، ولكننا لا نقول بأن الحُسن هو هذه الأشياء، ولا أنه يحتويها، ولا حتّى أنه مرادف لها.
فالحسن ليس هو كل شيء حسن، ولكنه صفة لكل شيء حَسَن.
(وإذا قيل: فُلان حسَن، فإنا لا نستنتج من ذلك: أنه عزيز، قوي، رحيم!)
وكذلك الحال مع الحمد!
ملاحظة:
أردت بهذا التشبيه تقريبَ المقصودِ بالحمد، لا القولَ بالتطابق بين الحمد والحُسن. وأصلا لا يوجد تطابق بين أي كلمتين. لكن ما يجمع الكلمتين أن استخدامهما عام، ومثلهما في ذلك كلمة الخَير. "هذا خيرٌ من ذاك" تُستخدم في شتى المجالات، و"خيرٌ" أصلها "أخْيَر"، وزنها الصرفي "أفعل" مثل "أحسن".
نعيد ونلخّص:
كلمة "حمد" هي كلمة عامة، يتصف بها كل ما هو حسن، جميل، خيّر، جيّد. فهي من هذا الوجه كلمة ضعيفة الدلالة، فلو قلتُ: فلان له حَمدٌ، فلن يكون المعنى قوياً، فكل إنسان قد تجد له حمداً، حسناً، خيراً.
ولاحظ: آية في الفاتحة ليست "حمدٌ لله" أو "هناك حمدٌ لله" أو "لله حمدٌ"؛ بل هي: الحمد لله، أي كل الحمد له.
وما يلفتنا هنا: أن كلمة "حَمْد" لم تأتِ في القرآن إلا معرّفة، بأل أو بالإضافة إلى الله (مثل {ونحن نُسبِّح بحمْدِكَ}). وهذا يؤكد ما قلناه: الحمد كله لله.
فكل ما ترغب به من نعمة، الآن أو بعد ساعة، وفي كل حين، هو لله، كبُر أم صغُر، مادياً كان أم معنوياً.
ولكنك تذكر كل هذه الأشياء المتصفة بالحَمد وتنسى صاحبها، مالكها! فليتنا نذكر الله كما نذكر نِعَمَه تلك!
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا <33_41> الأحزاب)
21. الجزء21 إضافة: يُقال "الحمد لله على كذا" أو "نحمدُ الله على كذا"
كنا فصّلنا من قبل في معنى الحمد. فالحمد ليس هو المدح أو الشكر أو الثناء كما هو شائع على الألسنة.
بل هو أقرب إلى الحُسن، الخير، الجودة. فعندما تقول "الحمد لله" فإنك تقرّ بأن كل شيء حسن، جميل، جيد، خير هو لله.
وذكرنا عدة دلائل في ذلك. وأريد هنا إضافة دليل آخر، أو فكرة أخرى متعلقة بهذا:
ــ
كثيراً ما يُقال "الحمد لله على كذا" أو "نَحمَدُ الله على كذا"، وهم يعنون بهذا الشكر أو المدح.
معنى الحمد بالأصل، كما ذكرت، ليس هو الشكر أو المدح. ولكن هنا ملاحظة أُخرى، التعبير أصلاً، لم يرد في القرآن كله.
ليس في القرآن: "الحمد لله #على كذا" أو بالصيغة الفعلية "نحمَد الله #على كذا"، مع حرف الجرف "على" لا يوجد أي شاهد لهذا.
وانظر مثلاً:
وَقَالُوا #الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ <35_34>فاطر
لم يقل: (وقالوا الحمد لله #على أن أذهب عنا الحزن…)
وكذلك:
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ #الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ <23_28>المؤمنون
ليس فيها "على أن نجّانا.."
ومثال ثالث:
#الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ <14_39>إبراهيم
ليس فيها "على أن وهب لي.."
ــ
فهذا هذا، ولكن ماذا عن معنى الآيات؟
قد يرى البعض أن معنى الحمد هو الشكر. لكن الشكر هنا نتيجة للمعنى الأصلي.
المعنى هو هو: أن تقر لله بأن كل ما هو حسن جيّد خير جميل هو لله. فإذا قلت مثلاً: الحمد لله الذي نجّاني، فإن قولك هذا يُستنتج منه الشكر، لأنك تشهد بأن نجاتك هذه، وهي من الأمور الحسنة – تشهد بأنها لله، وأنه هو الذي أنعم عليك بها.
فبهذا تكون اعترفت بفضله عليك، وهذا طبعاً من الشكر.
ــ
تنبيه:
لا أريد أن أُقَوّل هنا ما لم أقلْه:
لا أقول بأن العبارة "الحمد لله على كذا" أو "نحمدُ الله على كذا" خطأ. لست هنا لأصحّح العبارة أو لأخطّئها.
لكني أقول بأنها لم ترد في القرآن. هذا كل ما في الأمر. وعدم ورود عبارة في القرآن لا يعني أنها خطأ.
إذا كنت أريد عبارة شكر مباشر فإني أفضل أن أقول: أشكر لله النعمة كذا. ولكن هذا ليس تخطئة لغيري.
22. الجزء22 تعقيب آخر: بيت لطَرَفة بن العبد
وجدت في هذين البيتين من ديوان طرفة بن العبد ما يفيدنا.
(إنَّا لَنَكسُوهُمْ، وإنْ كرِهُوا ~~ ضَرْباً، يَطيرُ، خِلالَهُ، شَرَرُهْ
والمَجْدُ نَنْمِيه ونُتْلِدُه ~~ والحمدُ في الأكْفاءِ نَدَّخِرُهْ
– ديوان طرفة بن العبد، شرح الأعلَم الشنتَمري، تحقيق درية الخطيب وَ لطفي الصقّال، إدارة الثقافة والفنون - دولة البحرين، المؤسسة العربية بيروت / لبنان، 2000، ص134)
وفي الحاشية من نفس الصفحة:
(قوله "يطير خلاله شرره" أي: نضربهم ضرباً يُرى له توقّد وشرر لشدّتهز ومعنى "خلاله" بينه، وجعل الضرب لهم كسوة، لأنهم علَوهم به، فحلّ منهم محلّ الكسوة
وقوله "المجد نُنميه" أي: نكثّره ونرفعه. ومعنى "نُتلده" نصيّره تالداً. والتالد: القديم. و"الأكفاء" جمع كُفء، وهم الأمثال والأقران في الشرف.)
فكما ترى، هو يقابل بين المجد والحمد، ويراهما في قومه. وليس الكلام عن الشكر أو المدح.